الكتابة وامتحان الصحراء

محمد ديب (كاتب من الجزائر) 
حكيم ميلود (شاعر ومترجم من الجزائر)
  

بديوانه "فجر اسماعيل" يبتعد محمد ديب في كتابة الاقاصى التي تعيد مسألة الحدود، وتكثف داخل بناء رمزي وشفاف أسئلة الكائن، منذ البدايات الى المصائر التي تحبكها يد المكيدة بابتهاج تسهر على مهاويه الصحراء.

لماذا هاجر واسماعيل في هذه اللحظة التاريخية المفتوحة على جراحات المقدس، في ذلك الإرث الابراهيمي الذي تختلف حوله الديانات التوحيدية؟ اذا كان "تاريخ العرب يبدأ بدموع هاجر. وهي أولى الدموع التي تذرف في الكتاب المقدس" (1) كما يقول الخطيبي، فانها دموع التأسيس لسلالة سيكون امتحان الصحراء هو أول ميسم يبصم رحلتها التأهيلية.

عبر تجربة الانفصال ,(Separation) الذي يروي طرد هاجر وابنها في الصحراء، و "الكتابة هي لحظة الصحراء كلحظة انفصال" (2)، يستعيد محمد ديب آلام المنفى والفقد، من خلال عذابات الأم وابنها، بصوتين أعزلين لهما امتدادهما الشعري في البدايات أين تكون الصرخة مفتتح النشيد، باعتبارها "في الوقت نفسه الحقيقة الكلامية الأولى والحقيقة الكوسموغونية "casmagoinque الأولى".(3) هذه الصرخة التي تتحول الى غناء أودفيوسي يفتن الكائنات، ويحيي موات الصحراء مفجرا فيها بذخ الحياة. أليس هذا هو سحر الكتابة كخلق؟ واسماعيل لا يفجر فقط نبع الماء، ولكن نبع القصيدة أيضا، التي تخاطر بالتسمية (خذ حفنة من الرمل وانثرها). الصحراء ستسمى، كل شيء سيسمى، الاسم سيسمى) (4). "اذ لا شيء يزهر في الصحراء أو بين الأحجار ما عدا الكلمات".(5) لأن الشيء الذي لا اسم له لا وجود له، فالتسمية وحدها تخرجه من المجهول الى المعلوم، وترسم ذلك التاريخ المتواصل الذي (يذهب من الصمت الى الكلمة ومن الكلمة الى الصمت) (6). وهنا يأخذ اسماعيل وهاجر بعد الأسطورة المؤسسة لسلالة الشعراء والشاعرات، خاصة العرب الذين سيمجدون الصحراء ويكونون من سلالة اسماعيل.

اذن عبر تيمات أولية تؤسس للكتابة كتجربة أنطولوجية ترحل بنا لنصوص الديوان في كتابها الرملي، وفي المتاهة الفسيحة لكائناتها، حيث نكون أمام الريح = النفس "اللهب"، نفس الحرف ولهبه والايقاع الساهر على الصوت والصدى، المقدس والفاني، الأصل والسيمولاكر (simuilaue) الملاك والشيطان، الأمومة واليتم (غياب الأب). كل هذا في الكلمة، "هذه الكلمة هي جوهريا تائهة، لكونها دائما خارج ذاتها، انها تعين الخارج الممتد بلا انتهاء الذي ينتمي لحميمية الكلمة. انها تشبه الصدى، عندما لا يقول الصدى فقط بصوت مرتفع ما كان مهموسا من قبل، ولكن يلتبس مع الاتساع الهامس، وهي الصمت المتحول الى فضاء مدو، وخارج كل كلمة، لكن، هنا، الخارج فارغ، والصدى يرد مستبقا، "نبوئي في غياب الزمن" (7).

وعبر لعبة مرايا ومتاهات تتحاورا لنصوص (هاجر صارخة، لهب لملاك الانتفاضة، الراقصة الزرقاء، فجر اسماعيل)، لتكون القراءة متداخلة لا خطية، في مستويين عمودي وافقي، الأول يضرب بجذوره في النص الديني (التوراتي والقرآني) مع انزياحات تنتصر للأمومة على حساب الأبوة القاسية، وحتى اللحظة المعاصرة لطفل الانتفاضة الذي يتحول الى اسماعيل جديد لا تستطيع أمه أن تنقذه من سلالة سارة، ومن القدر الذي يواصل اشتغاله بقناع القاتل الجديد للضحية القديمة. وأفقيا في انفتاح كل نص على الآخر، اذ نجد النص الاطار والنصوص المنبثقة منه.

ان نصوص الديوان هي نشيد العناصر لمرارة المنفى الذي يعيشه الشاعر كلاجئ الى نصه، ومنفي في الجغرافيا البسيطة، يرث اللغة السرية لاسماعيل ليقول اليتم، وعنف المطلق، وانقلاب الكتاب على الأنبياء (منفى الكلمة التي لا تكلم الا نفسها).(8) حيث النشيد هو الوديعة التي يكون الشاعر وسيطها بين المقدس والوجود، هذا الشاعر الذي ينسحب من كتابته، ويتركها تتكلم وحدها بصوت العناصر (الماء، الهواء، الرمل، النار) التي تتبادل الأدوار، حتى انه يصبح الشاهد الأخرس أحيانا على كتابة الريح التي هي محو متواصل حيث لا أثر، فقط تحولات الرمال المجنونة وهي ترحل المكان، (المكان الذي لا يجيء، وليس له مكان) (9). وهنا يتحول اسم اسماعيل الى مركز، ووجهه الى سؤال.

هل يستطيع الشاعر ان يسكن لغته مخاطرا بفقد كل شيء، مستبدلا المكان بالترحال المتواصل، وبما يسميه جيل دولوز المغادرة الموطنية (deteveitoeilisation) بدون حنين لعودة ما، ولأرض قادمة، والذهاب في ذلك المصير الشقي الذي يعد به نيتشه ذلك الذي يخفي داخله الصحاري؟

ان الشاعر (محمد ديب) يغامر بذلك كله، وينخرط في المتاهة الموصلة الى ليل اللغة، حيث لا يعود (سيدا، لا على ذاته، ولا على كلمته) (10)، وحتى الفقد الكامل (لقد أعطيتم كل شيء لشخص / لم يكن أحدا).(11) هنا تأخذ لعبة الأقنعة حيويتها باستبدالات رمزية حيث حضور الوحش ,(La bite)  ومحمد ديب شغوف بهذا التوظيف الذي يستحضره بروعة في روايته (إغفاءة حواء)، ثم ان رمزية الطيور في الديوان واضحة، خاصة النسر، اذكر "طيران الطيور يهيئها، بالتأكيد لتكون رموزا للعلاقات بين السماء والأرض... ان الطائر هو رمز الروح الهاوية في الجسد"(12) وللطيور علاقة وطيدة بالرقص الديني والاسطوري. كل شيء اذن يتحرك مؤلفا تلك الحيوية الذاهبة في علاقات سرية بين الداخل / الخارج، الهنا/ الهناك، في كتاب الصحراء التي ليست الا بداية حديقة وحلما بروضة، اذ لا يمكن الخروج على الكتاب (الكتاب الآخر. الكتاب الفريد، أراني أولد من بين أوراقه).(13) لأن العالم كله موجود في الكتاب الفريد والمختلف، والمتجدد باستمرار.

الكتابة هنا جرح رمزي وأولي يؤسس لمجهول ما، ويعانق المطلق بالسؤال، كأنما الشاعر يضع خطوة هنا (في هذا العالم) وخطوة هناك، مكثفا عبوره الخفيف في أرض الاسرار، محتفلا بالمطهر (puregatavie) الذي يهيئه للأبدية. انه الحاضر الغائب، ونص شهادته الجسورة على امتحان الصحراء. وباحتفائه بهاجر فهو يحتفي بسر الخلق، لأن المرأة خالقة وليست مخلوقة كما يقول جلال الدين الرومي، لأن الوجود أمومة نازفة تسهر على الذي يأتي ولا يأتي.

ان "القصيدة تجازف دائما بالا يكون لها معنى وهي لا تكون شيئا بدون هذه المجازفة"(14).


- فجر إسماعيل-

   لمحمد ديب

مجد هو هذا الفراغ المؤجج حيث الكل ينظر ولا شيء يأتي.

لم يدرك أبدا، المكان الذي ينطفئ فيه الزمان. حيث آخر

حلم للاقلاع وللأشرعة، وحيث النار تهب.

مخترقة من بعيد لبعيد بوجه، النار دامعة.

هناك، تتوقف، يا اسماعيل، قل؟ عبرنا الأبواب.

قل؟ إنه الملجأ الأخير.

المكان الذي لا يأتي، وليس له مكان.

صحراء على لساني، أنظر كيف لا آتي أنا أيضا، وكيف ليس

لي مكان.

وإذا كانت منتظرة، الكلمة التي تهيمن على خرسك تنصت

وتصفي من ذاتها لذاتها؟ كما، تنصت، وتصفي في

الأقاصي، ضحكة. وفي الأقاصي الأناي أيضا، ضحكة.

يا للملك! إنها ضحكتي! نحن قادمون.

تتساءل؟ ذلك الذي هناك، ذلك الذي هناك الى أين سيذهب؟

وأين سيعبر؟ وكيف سيبدو؟

ماذا سأربح من عبوري؟ والمظهر الذي أبدو فيه. نحن لسنا

الا ضحكة وريحا تحت السماء.

وأنت، فريدا، موضع انتشارنا

فيك، سيرن هكذا اسمي.

أنا هذه النظرة إذا ارتفعت، وهذه العين التي يحيط بها

وجه، اسماعيل، هذه الصحراء التي لا تكف عن الوصول

اليها. والتي لا تكف عن المجيء منها.

هل فكرت الريح فيك عندما ارتفعت بدورها؟ لكن متى؟ لكن

أين؟ وإذا لم يكن لها من حليف سوى الصحراء؟

وإذا لم تكن قد هبت إلا لتحترق؟

عين مفتوحة، المكان الذي هبت فيه الريح، لن أقوله، لقد

شحبت أعماقك،

اسماعيل، والنهار شحب.

هاجس، بياض، صمت يتقدم؟

الى حيث تذهب الصحراء، تذهب، ربما حتى البحر،

ربما أبعد وحتى حيث الليل الخاشع ينتظر.

لينتظر في حديقة نجومه.

ستغني من أجله، بأيد ضارعة. لكن متى؟ لكن أين؟

ستكون دائما في المركز هنا، في الموضع المقفر

للعين، وللنظرة الهادئة، ولا شيء سيتغير.

أنا اسماعيل، هنا، أوجد في المركز.

شعل كأنما أيقظتها نظرة،

مفاجأة، بعد كل لمحة عين موجهة

اليها ولا تجد كلماتها.

كأنما كان على الأشياء أن تفقد اسمها. كأنما كان يلزم

أن تضيع الكلمات.

لأترك هكذا أمام الرمل

الذي مرت عليه الريح، ولا حتى هذا الليل

بضوئه الساطع هو ليلي.

هناك يوجد فقط من يضع إصبعه

على فمي وأصغي لخط الأفق.

عندما يدلج الليل. عندما يمطر طله على عيوني.

هنا، سأكون دائما في المركز.

اسمي اسماعيل بيننا، اسمع

حتى مكان ذلك الذي يسمع. الذي لا يعرف، لا يريد إلا

ان يسمع.

اسمع.

لكن كل هذا الصمت، على من يرد؟

أرض وسماء مرتجتان على من؟

ولماذا تلقيت اسمي، المحرقة

التي تصونك حتى أنت؟

كل لحظة هي فأل.

أنا في المركز وأسمع لمن يسمع

ولا يعرف، لا يريد إلا الإستماع؛ الذي يسمع و

لا يتسمى بأي اسم. لا اسم أبدا.

- اسماعيل، اسماعيل، أنت في مركز هذا الاسم،

وفي ظل كلمته.

أنا صمت الملاك وأقول

لك. خذ حفنة من الرمل وانثرها.


ستسمى الصحراء. كل شيء سيسمى. الاسم

سيسمى.

- لكن اذا بقي شيء واحد بدون أن يسمى، ماذا سيفيد

الأشياء الأخرى، والأكثر

جنونا، أن تكون مسماة؟

يناديني من يمر؟ مبنيا، ومحجوزا في الرمل.

يسميني؟ حرار المحروس بكوكبة.

سأتبدد اذن الى صراخ، وانتثر

عطشا وجمرات.

إشارة واحدة وأكون بدء الأزمنة.

الفضاء هنا غبار محبب، وصمت

ذو مفاصل سريعة الكسر.

في القصر أين تجري العين خلف آثار

الملكة، هو صدى.

تحد مغتم في كل شبر مقيس للعين.

الصحراء.

محتوى في قلب المكيدة

أكتب، أيها الملاك، في ذاكرة الرمل؟

"كن". فأكون.

تمر، الصحراء، بينما أبقى.

بدون أن أرفع صوتي، تمر، منذ الآن

أنت هنالك.

تزاحم الهنا - ك. ماذا تتلو؟ لا

نسمع شيئا، أو تقريبا لا شيء.

هل تبحث عن اسم آخر، ومن سيتلو

كل الأسماء، هل سيجد اسمك الآخر؟

اذهب أبعد.

أوجد اسمك الآخر.

اذهب دائما أبعد. ولا تعتمد إلا

على نفسك.

اذهب في الهناك، اذهب في الأمام، اذهب في

الما بعد. اسقط في العلو.

كان هناك النهار الذي سمعني فيه الحجر.

حجر واحد في البداية. ثم كل الأحجار.

متأثرة بصوتي.

كل الأحجار متمهلة في النهار و

الصمت.

حينئذ تمزق الطائر لكي ينتثر

أجنحة، ورفا ينأى على مهل.

متنبئون، عن الذئب أو عني، ومن كان سيبدأ

في العواء؟ الذئب انتظر ورأى.

ألفة ما جعلت الأحجار تلتحم

ببعضها البعض. وذلك حدث.

لقد اعطيتم كل شيء لشخص

لم يكن أحدا.

الطرد، الإمحاء، الرمل، كنت

سألمس الضفة التي بلا ظل.

الوجد بالسير في الرمل،

وأنا ذاهب وهو قادم. وما نتركه

خلفنا. البداهة.

لكن الانبثاق أبعد، وأكون

قد ولدت.

كل الصحراء تعود لي، ونبع

الفضل، وضحكة النبع.

هناك، هناك، الريح. توقف. وشيد قصرك.

قصة أن تحلم. من سيتذكرك،

ما عدا لهاثاتي في الطوفان

المحرق؟

الأفق امتلأ بالنظرات

وكذلك بالشعل.

أشرب، نسغا حريفا، عرقي.

كلماتي تيأس من ايجاد

منفذ. هل أنظر الى ذاتي من أعلى الكتف؟

هل أسأل الظل الذي يواكبني؟ هل

ما يفرقنا. هذه المتاهات؟

في أي متاه أدلف؟

لا يهم.

ربما ليست إلا مسألة كلمات،

هذه الكلمات التي تنتظر الليل.

وأولئك الذين التحقوا بالمركز.

من أين خرجوا؟ لا من فمي. أنا

لم أعد سيدا على ذاتي، ولا سيدا على

كلمتي.

أيها البياض المهروق من السماء، أضم


يدي لأتلقاك.

أين أنت، يا أبي؟

إشارات، إشارات، إشارات، حاضر أنا اظهر.

لكي اراك.

على قدم،راقصا مقاطعا، أبقى

في خطر.

لقد رقصت للصحراء.

خفقات أكثر عتمة، أنا الموجود هناك،

نحاسا مسكونا بالأصداء، وبلمعان

زيتي، وأضحك، مسكونا بهذه الجلبة.

نظرتي المنذورة تباشر الصراع و

شيء ما يستسلم.

حكاية مستمرة تذهب من الصمت

الى الكلمة، ومن الكلمة الى الصمت تذهب.

أنا من يسمع واقفا.

وجهي هو سؤالي.

الحرف. ومن كان سيرسمه؟ لا

يدا ما. الأجدر صوتا ما.

نبأ عودة يكتب الآن على

الرمل ولكن سيشربه الرمل.

لقد سميتني اسماعيل، الكلمة التي تخلق

الصحراء والصمت الدؤوب. الواحدة مودعة

لدى الآخر.

الزمن سيتجسدن، مروحا

بأجنحة الصباح، والقدر كان سينزع قناعه

فإذا بطفل يسير، داقا

الأرض بكعبه

ايتها الكثبان التي بشكل قافلة، وبحداء،

تحملين ظلي دائما أبعد،

احمليني الى الأبعد.

ايتها الكثبان الوفية لواجبك.

أقبض نفسي وحينئذ

أتقنع تمثالا لازورديا مشيدا على اسمي

الوحيد.

تكلم، أيها العراء الساهر على الصحراء

وضياعها. قل الضياع الذي يضيع

ويرى نفسه يتشكل من جديد، بقدر، ابا

في ضياع ابن. يا منفى الكلمة التي

لا تكلم إلا نفسها؟ تكلم، أنا لا أسمع

إلا نفسي!

عين الصحراء تضحك في الأقاصي.

تأمرني؟ "اسمع!"

ايتها العين المتوحشة، أيها النبع، تكلمي! إذن تكلمي!

لا اسمع إلا نفسي

القناع الذهبي، أحمله الان.

في يدي. كل ما لا يشبه شيئا

أفرغ كل شيء ليفسح المكان للاشيء.

وكل شيء هو بهاء هنا.

الصحراء طنين نحل

في فمي، وعيني، وما يحرق

إلى أبعد حد.

الضوء وثقله، معبر كل

ما ينتظر، مغنيا الصبر.

مغنيا سهرا ما.

أحدهما يغني والأخر يفترس.

لقد سار طويلا، الذي لا يتقدم

والكل يطلبه.

أنا العتمة الوحيدة.

نار حملت أسرارها، ولم يعد

لي سوى الرمل ذاكرة.

من لا يدرك، يا اسماعيل، الرعب

الذي يخبئه النهار المتلقي للحرف

وظله، واللاشىء أيضا الذي

يرتسم كخديعة.

مواجهة أبدية مع الحرف

مقتلعا من ذاته ومدونا قربانا

وضياعا.

ولكن ها هي الصحراء تنحجب

ولكن ها هي الصحراء تنحني، و

تحط عند قدميك.

سترفع بيتي على اسم