رسائل الى شاعر شاب 
رينير ماريا ريلكه

ترجمة: شهاب بوهاني (مترجم من تونس)


منذ عشرة أيام تقريبا، غادرت باريس- متعبا ومريضا بعض الشيء- وجئت إلى سهل الشمال الكبير، الذي يمكن أن يساعدني على التعافي، بامتداده وصمته وسمائه، ولكني أدركت أمطارا طال هطولها، ولم يتفق لها- إلا اليوم- إن تميل قليلا عن البلاد التي تهتز- كئيبة- تحت هبوب الرياح. وإني استغل لحظة الصفاء الاولي لأحييك، سيدي العزيز. عزيزي، السيد كابيس (kapplis)،

لقد تركت أحدى رسائلك - مدة طويلة - دون رد. ولم يكن ذلك بسبب أني نسيتها؟ إذ هي من الرسائل التي نعيد قراءتها، عند العثور عليها بين رسائل أخرى، ولقد وجدتك فيها، كما لو كنت أراك في الحقيقة. إني أقصد رسالتك المؤرخة في 2مايو، التي لا شك انك تذكرها، عندما اقرأها في الصمت الكبير، الذي يلف هذا "القصي"، فان انشغالك الجميل بالحياة، يهزني اكثر مما فعل عندما كنت في باريس، حيث يرف كل شيء بطريقة مختلفة ويضيع، نتيجة الصخب العظيم، الذي يهز كل الاشياء. فهنا، حيث تلفني أرض مترامية تعبرها الرياح القادمة من البحار.. هنا، أشعر إن لا أحد- في أي مكان كان- يقدر على الاجابة، عن هذه الاسئلة والاحساسات، التي تحمل في ذاتها حياة خاصة، لان افضل الناس ينخدعون "في" الكلمات، عندما يتعلق الامر بالكشف عما هو عظيم، يكاد لا ينقال. ولكني اعتقد - رغم هذا- انك لن تظل بدون حلول، اذا ما تشبثت بأشياء شبيهة بهذه التي تمتع- الآن- عيني. واذا ما بقيت متشبثا بالطبيعة، وبما فيها من بسيط ودقيق لا يكاد أحد يرده؟ رغم انه يمكن ان يصبح "العظيم" و"الرحب". واذا كانت لك هذه القدرة على حب الأشياء الدقيقة، واذا حاولت ببساطة، ان تكسب - مثل خادم - ثقة ما يبدو عديم القيمة، فان كل شيء- حينها- يتبدى لك اسهل واكثر تناغما، واكثر قابلية للمصالحة - ليس مع الذكاء الذي يتراجع بفعل الدهشة - وانما مع وعيك (2) الاشد حميمية، وذاتك المتيقظة، ومعرفتك، انك شاب بعد؛ فأنت قبل كل شيء بدء، واني اود لو تسمح لي بأن أدعوك، الى ان تتحلى بالصبر امام كل ما لم يجد طريقه الى الحل، في قلبك، والى ان تحاول حب الاسئلة في ذاتها، كما يمكن ان تحب غرفا مقفلة، او كتبا مكتوبة بلغة شديدة الغرابة (3) عنك. فلا تبحث الآن عن الاجوبة التي لن تأتيك، لانك لا تستطيع أن تحياها، والحال انه ينبغي ان نحيا كل شيء. حاول - الآن - ان تحيا الاسئلة. وربما يتسنى لك تدريجيا، ان تحيا- يوما ما ودون ان تدرك ذلك - تجربة المثول، في حضرة الجواب.

ربما تكون تحمل في ذاتك القدرة على الخلق والابداع، وفي طريقة الحياة هذه، سعادة عظيمة وصفاء فريد، وانت مطالب بأن تربي نفسك على هذه الحياة، ولكن عليك ان تتقبل بكل ثقة ما يحدث بمعزل عن كون هذا الحدث نابعا من ارادتك، او من بعض الاحزان والمخاوف الكامنة فيك.. تقبله، ولا تكره شيئا. نعم، الجنس أمر مهم: أهمية كل ما هو مفروض علينا، ان كل ما هو جدي، مهم، وان كل شيء جدي.

اذا اعترفت بهذا الامر، وتوصلت بنفسك- وحسب قدراتك وطريقة كينونتك، وبفضل تجربتك وطفولتك وقوتك- الى ان تفوز بعلاقة خاصة بك مع الجنس (أي خارج دائرة تأثي المواضعات الاجتماعية والاخلاق ) فانه لن يكون من حقك - بعد ذلك - ان تخشي من ان تضيع او تصبح غير مستحق لاغلي ما تملك. ان الشهوة الجسدية المحمومة، تجربة حسية، لا تختلف في شيء عن النظرة الصافية او الاحساس الخالص الذي تغمر به اللسان ثمرة طيبة.

انها تجربة عظيمة ولا نهائية، وهبت لنا، وهي معرفة بالعالم، وامتلاء، وتوهج لكل معرفة.

 

وليس السيئ ان نفتح ذراعينا لهذه التجربة: انما السيئ، ان معظم الناس يستغلونها بطريقة فجة ويهدرونها، جاعلين منها مثيرا في لحظات الارهاق - التي تعتري حياتهم - وتثشتتا: ( 4) بدل ان تكون تكثيفا يطلب الاعالي.

الاكل، هو الآخر، صيره الرجال شيئا آخر: حرمان هنا وتخمة هناك، لقد شوهوا صفاء هذه الحاجة؟ بل ان كل الحاجيات العميقة والبسيطة التي تتجدد الحياة بها، صارت مشرفة، هي ايضا، ولكن الفرد ( 5) وحده هو القادر على أن يجليها لنفسه ويعيشها في صفائها، (وان لم يكن الفرد قادرا على ذلك لعدم استقلاليته، فسيكون المتوحد قادرا عليه، بالتأكيد!). انه بامكانه ان يتذكر ان كل جمال في الحيوانات، أو النباتات هو- وفي هيئة تمتد في صمت - (محض ) حب ورغبة. وهو قادر على ان يرى الحيوان - مثلما يرى النبات - يجامع ويتكاثر وينمو في هدوء ورقة: ليس من اجل اللذة الجسدية، ولكن رضوخا لضرورات، أعظم من اللذة والرجع، واقوي من الارادة والصمود.

آه، لو يستطيع الانسان ان يفتح ذراعيه بأكثر خشوع، للسر الذي ترشح به الارض حتى في أصغر الاشياء، ليته يستطيع ان يحمله ويتحمله بقدر اكبر من الجدية، ويحمى بثقله الهائل، بدل ان يتخف به ! ليته يتعلم احترام خصوبته - التي هي بالحق خصوبة - سواء كانت روحية او جسدية، لان الابداع الروحي متأت - هو الآخر- من الابداع الجسدي، وهو من ذات الجوهر، مع فارق بسيط: وهو ان الابداع الروحي يشبه ترديدا- أكثر هدوءا وانتشاء وخلودا- للشهوة الجسدية.

"ان فكرة، كوننا مبدعين نهب الحياة، ونبدع"، عديمة القيمة، من دون تأكيدها العظيم الدائم، وتحقيقها في العالم. وهي لا تساوي شيئا، من دون الرضا(6)، الذي يميز الاشياء والحيوان، واذا كان الانتشاء الذي تورثه هذه الفكرة جميلا وثريا، بشكل لا يوصف، فان مرد ذلك الى كونها ترشح بذكريات، موروثة عن ملايين حالات الخلق والولادة. ففي فكرة خلاقة واحدة، تعود آلاف ليالي الحب المنسية الى الحياة، لتملأ تلك الفكرة عظمة ورفعة، وان اولئك الذين يلتحمون- ليلا- ويتعانقون والشهوة تهدهدهم، انما ينجزون عملا جديا.

انهم يجمعون لذات وعمقا وقوة، يهبونها لنشيد شاعر آت، سوف يطو ليخبر عن لذات عارمة لا تنقال، وهم يدعون المستقبل - الذي هو آت لا ريب - حتى وان اخطأوا واعتراهم العمى، فان انسانا جديدا(7) سينهض، وعلى خلفية الصدفة التي تبدو- هنا- منجزة، يصحو القانون (الطبيعي)، الذي بمقتضاه تبحث بذرة - قوية وصامدة - عن طريق، يقودها الى البويضة التي تأتي الى لقائها "مفتوحة".

لا تكترث لسطوح الأشياء، ففي الأعماق يغدو كل شيء قانونا. ان الذين يحيون هذا السر، بطريقة خاطئة "وما أكثرهم !"، يضيعونه على أنفسهم فقط: لأنهم ينقلونه - مثل رسالة مغلقة - دون علم بذلك.

لا تته وراء تعدد الأسماء، وتعقد الحالات: لأن فوق كل شيء تمتد أمومة (8) رحبة وشهوة مشتركة.

ان جمال عذراء، أي "الكائن" الذي لم ينجز شيئا بعد - مثلما عبرت بطريقة جميلة - هو أمومة تعد نفسها، وتنتظر متعبة قلقة. وان جمال الأم، يكمن في أمومتها، وفي أعماق امرأة مسنة، تقبع ذكرى عظيمة. ويبدو لي أن في الرجل - أيضا - أمومة حسية وروحية: اذ الاخصاب عنده، هو شكل من أشكال الولادة، وهو يلد عندما يبدع، انطلاقا من الامتلاء الأشد التصاقا بأعماقه. وقد يكون بين الجنسين درجة قرابة أكثر مما نعتقد، وربما يتمثل التجديد العظيم للعالم في أن الرجل والفتاة سوف لن يطلبا بعضهما- بعد التخلص من الاحساسات الخاطئة والتنافر- باعتبارهما ضدين، وانما باعتبارهما شقيقين أو جارين. فيجتمعان اجتماع كائنين بشريين، لينهضا معا بمهمة حمل ما في الجنس من عظمة - سلطت عليهما- ببساطة وصبر وجدية. ولكن كل ما يمكن للمجموعة أن تنجزه، يوما ما، بامكان المتوحد أن يشرع - من الآن - في اعداده وتشييده، بيديه اللتين هما أقل عرضة للخطأ.

أحب - اذن - سيدي العزيز- عزلتك وأحمل اوجاعها بشكوى موقعة النشيج جميلته.

تقول ان اقاربك بعيدون عنك: وهذا يعني ان رحابة قد نشأت حولك، فاذا كان قريبك بعيدا عنك، فان الرحابة - التي أدركت النجوم - من حولك مترامية، تمتع بنموك الذي لا يمكن ان يرافقك - فيه- أحد. وكن ودودا مع أولئك الذين خلفتهم وراءك، كن واثقا من نفسك وهادئا في حضورهم: فلا تجلدهم بشكوكك، ولا تفزعهم بثقتك بنفسك، ولا بفرحتك، التي لن يكون بمقدورهم فهمها.

اسع الى ان تعقد معهم نوعا من الحياة "الجماعية " (9) البسيطة والوفية التي لن تتغير- بالضرورة - وان تغيرت أنت، مرات ومرات. أحب فيهم الحياة، في هيئة غريبة، وكن رحيما مع الشيوخ الذين، ترهبهم العزلة التي وضعت فيها أنت، شقتك. حاول أن تتجنب تلك الفجيعة ( 10 ) التي توتر- دائما- علاقة الآباء بالابناء، لأنها تأتي على قوة الأبناء، وتستهلك حب الآباء، هذا الحب الذي يعتمل ويتصرف دون فهم، لا تطلب منهم نصيحة، ولا تنتظر منهم أن يفهموك، ولكن (حاول ) ان تؤمن بحب يحفظ لك مثل ميراث: ان في هذا الحب قوة وبركة، هو ليس في حاجة لاظهارها! انه من الأفضل – أولا- أن تجد منفذا، الى مهنة تجعلك مستقلا وتمنحك اكتفاء تاما بذاتك، انتظر بصبر حتى تعرف فيما بعد، اذا كانت هذه المهنة ستضيق على حياتك الداخلية، وان كنت أجد المهن صعبة وكثيرة المتطلبات، لانها مثقلة بمواضعات كبيرة، ولا تترك مجالا- البتة - لتصور خاص، للواجبات. ولكنك ستجد في وحدتك - حتى في أشد الظروف غرابة - سندا وملاذا، وانطلاقا منها هي ستجد على طرقك.

تصحبك كل أماني وثقتي.

المخلص لك وينير مارياريلكه

روما في 15 ماي 1904

كايبس

سيدي العزيز كايبس ,Kappus لقد انقضى وقت طويل، منذ أن تسلمت رسالتك الأخيرة، فلا تؤاخذني على عدم الرد عليها لأسباب ثلاثة: أولها كان العمل وثانيها أني كنت مضطربا، وآخرها مرض خفيف، وفضلا عن كل هذا، فقد تعذر علي لأكثر من مرة أن أقدم لك جوابا، وددت أن يصلك في أيام هادئة وجميلة. أما الآن فاني أشعر مرة أخرى، بأن حالتي قد تحسنت (علما أن بداية الربيع بتحولاته الماكرة وتقلباته، كان لها وقع كبير هنا).

وانها لمناسبة لكي أحييك وأحدثك عن أشياء شتى لكي أجيب

عن رسالتك بأفضل ما استطيع.

وجع عميق، قاتم يرتجف خلال حياتي

بلا شكوى ولا آهات.

ومن أحلامي، يبارك الثلج المزهر الصافي

أهدأ أيام حياتي...

ولكن غالبا ما يقاطع السؤال العظيم طريقي...

أتصاغر وأمر أمامه باردا

وكأني على ضفة بحيرة

لا أجرؤ على قيس موجها

ثم تحل في معاناة قاتمة

قتامة ليالي صيف بلا بريق

تشقها نجمة لماعة هنا وهناك:

حينها - وعلى نمير هدى- تبحث يداي عن الحب

لأني كم أحب أن أصلي بأصوات

يعجز فمي المتوهج عن ايجادها.

لقد أعدت - مثلما تلاحظ - كتابة ( 11 ) رباعيتك، لأنني وجدتها جميلة وبسيطة، ووليدة شكل تنامت فيه بانضباط أخلاقي هادئ. انها أفضل أبيات لك، تمكنت من قراءتها، وإني أسلمك الأن هذه النسخة، لأني أعرف جيدا أنه أمر مهم وتجربة جديدة، أن يجد المرء عمله الخاص مكتوبا بيد غريبة. اقرأ هذه الأبيات كما لو إنها ليست لك، وستشعر من أعماقك كم أنها أبياتك أنت. لقد كانت قراءة هذه الرباعية ورسالتك سعادة لي، فشكرا على هذه وعلى تلك. عليك الا تتيه في عزلتك، بحجة أن في ذاتك شيئا يتوق الى الخروج منها.

ان هذا التوق بالذات، هو الذي سيساعدك على ان تجعل عزلتك منتصبة فوق أرض شاسعة، اذا ما استخدمته بهدوء ووجاهة، استخدامك لآلة موسيقية.

لقد حسم الناس - بمساعدة المواضعات - كل الأمور في اتجاه التساهل، واتجاه "أسهل" مظاهر التساهل، والحال انه بين أنه علينا ان نلتزم الصرامة، لأن كل ما هو حي مرتهن بها، وأن كل ما في الطبيعة ينمو ويقاوم بطريقته، وهو- انطلاقا من ذاته - شيء بذاته يجهد ليكون كذلك أيا كان الثمن وهو يفعل ذلك ضد كل العراقيل.

اننا نعرف القليل، ولكن يقينا واحدا لا يفارقنا، وهو أنه علينا أن نكون من انصار الصرامة و

"الصعب": ولأن العزلة" صعبة "، فانه أمر جيد أن يكون الانسان متوحدا؟ أن يكون أمر ما صعبا، فذلك سبب اضافي لكي ننجزه. انه أمر جيد - كذلك - أن نحب، لأن الحب قاس وصعب، أن يحب كائن بشري كائنا آخر هو أصعب أنواع الحب وأقساما، وهو أمر مفروض علينا، انه الأقصى، منتهى التجربة والاختبار، وهو العمل الذي يكون كل عمل آخر تمهيدا له. لهذا السبب نجد أن كل الشباب - الذين هم مبتدئون (12) في كل شيء- غير قادرين على الحب (13 ) وعليهم أن يتعلموه، عليهم أن يتعلموا الحب بكل كيانهم وبكل قواهم مجتمعة حول قلبهم المتوحد، القلق الذي تطواقاته. ولكن وقت التدريب طويل دائما ومغلق (...)

يمثل الحب - بالنسبة الى الفرد- مناسبة عظيمة، ليصبح شيئا ما بذاته، وليغدو- حبا لآخر- عالما بذاته، الحب ضرورة عظيمة وغير هينة للفرد، انه شيء يختاره ويدعوه نحو "الرحب" . انه بهذا المعنى فقط: معنى المهمة والاشتغال على الذات (نصفي ونطرق ليل نهار) ( 14)، يجب على الشباب أن يستخدموا الحب الذي منح لهم. وأما أن يذوبوا ويهبوا أنفسهم، فهذا ما ليس مسموحا لهم به (انهم يحتاجون الكثير الكثير من الوقت كي "يدخروا" و"يجمعوا" )...

وهذا هو الأقصى، الذي لا تكفي لانجازه - ربما- حيرات بشرية عديدة. ولكن – هذا- غالبا ما يخطئ الشباب (الذين يفتقرون - أساسا- الى الصبر): انهم يرتمون بعضهم على بعض عندما يغشاهم الحب، وينتشرون - كما هم - بكل عدم توازنهم وفوضاهم وعدم أمليتهم للتمييز. ولكن ماذا يمكن أن ينتج عن ذلك؟ ماذا يمكن أن تصنع الحياة بهذا الكم من نصف "الفضلات" الذي يدعونه "مجموعتهم" والذين يحبون تسميته، سعادتهم ومستقبلهم؟

مهنا يضيع كل واحد نفسه - حبا للآخر- ويضيع الآخر، وآخرين كثيرين... انه يضيع الفضاءات الرحبة والامكانات (15 ) مستبدلا القرب والهروب من الأشياء الصامتة التي ترشح بالاحساسات المسبقة، باضطراب عقيم لا يرجى منه شيء غير بعض القرف والخيبة و"الفقر"(16 ) وحينها يبحث عن خلاصه، في واحدة من المواضعات (17 ) الكثيرة التي تمتد بعدد كبير على طول هذا الطريق الموغل في الخطورة، مثلما تنتشر الملاجئ العمومية. ولا تخلو منطقة من مناطق التجربة البشرية من "مواضعات". ولقد رصدوا لها حشدا هائلا من الاختراعات: أحزمة أمان وزوارق انقاذ وزلاقات مائية: واذا استطاع التصور الاجتماعي ان ينشئ هذا الكم من الملاجئ، فلأنه - وانطلاقا من ميله الى اعتبار الحياة العاطفية ضربا من التسلية - وجب عليه أن يمنحها شكلا هشا، قليل التكلفة وبدون مخاطر، مثلما هي الملاهي العمومية. وبدون شك، فان كثيرا من الشباب الذين يحبون بشكل سيئ، أي بلا مبالاة وعلى حساب عزلتهم، يشعرون أن خطأ يسحقهم ويريدون بطريقتهم الذاتية الخاصة ان يجعلوا الحالة - التي تردوا فيها- خصبة وقابلة لأن تحيا، لأن طبيعتهم ترشدهم الى أن أسئلة الحب - وبارجة أقل من كل ما يكتسي أهمية ما- لا يمكن أن تجد حلولا عمومية، ولا حلولا مطابقة لهذا الاتفاق أو ذاك. وليتعلق الأمر- هنا- بأسئلة حميمية: أسئلة من كائن بشري الى آخر تتطلب في كل مرة جوابا جديدا ومتميزا، وشخصيا فقط: ولكن كيف لهؤلاء الذين "ارتقوا" معا وضيعوا كل الحدود والتمييز(8ا) فلم يعد لهم أي شيء ذاتي، أن يجدوا في ذواتهم ما به يخرجون من عمق عزلتهم المقبورة. ان أفعالهم تنبع من هم مشترك، وهم اذا ارادوا أن يفلتوا بكل ارادتهم، من المواضعات الاجتماعية التي "تحاصرهم" (كالزنوج مثلا)، يسقطون في حبائل حل أقل صخبا ولكن حيث للمواضعات نفس القدرة على القتل.

لا شيء اذن من حولهم ليس مواضعة: هنالك حيث نزعة جماعية مبكرة ومضطربة تكون منطلق أفعال: كل فعل متواضع عليه وكل علاقة تقود اليها فوضى(9ا) كهذه، لها مواضعتها أيضا: بل ان القطيعة نفسها تكون خطوة متواضعا عليها، وقرارا موكولا الى الصدفة.

واذا نظرنا عن كثب وبجدية، نجد انه في الحب الصعب - مثلما في الموت ( 20)، الذي هو صعب - لا يوجد أي بصيص حل، كما انه لا يوجد رأي  طريق أثبت شجاعته، وبالنسبة لهاتين المهمتين - الموت والحب - اللتين نحملهما مخبوءتين وننقلهما دون أن نفتحهما، فانه لا توجد قاعدة مشتركة ومؤسسة على اتفاق، تسمح بالكشف عن نفسها.

ولكن اذا شرعنا في تجربة الحياة فرادى، فان هذه الأشياء العظيمة ( 21) تأتي الينا- نحن الذوات - وتقترب منا كأشد ما يكون الاقتراب.

ان المتطلبات التي يفرضها عمل الحب الصعب على تطورنا، تتجاوز حدود حياة واحدة، ونحن - باعتبارنا مبتدئين - لا نستطيع الاجابة عنها، غير انه، اذا ما أصورنا وحملنا هذا الحب تكليفا ودربة، بدل أن نتيه في هذا اللعب الزائف عديم القيمة، حيث جانب البشر أهم ما في وجودهم - محتمين به - فان تقدما طفيفا وارتياحا قد يسعفان أولئك الذين يأتون - زمنا- من بعدنا. وفي الواقع فاننا شرعنا- من وقت قصير فقط - في النظر الى علاقة فرد بآخر، بموضوعية ودون أفكار مسقة. وان محاولاتنا(22) لكي نعيش علاقة مماثلة لا تجد أمامها أي نموذج، غير ان تحولات المرحلة (23) أتاحت لنا ما به نستعين في بداياتنا المترددة.

إن الفتاة والمرأة - في جدة انتشائهما الذاتي- لا تمنحان نفسيهما الا قليلا، الى تقليد(24) الأساليب الذكورية السيئة، وكذلك المهن الذكورية.

وقد اتضح بعد ضبابية هذه التحولات، أن النساء لم تمررن بهذا الحشد من التنكرات المتحولة - السيئة غالبا- الا لتطهير جوهرن الذاتي من التأثيرات المشوهة للجنس الآخر. ان النساء - وهن اللائي تقيم فيهن الحياة وتمكث بأكثر حميمية وخصوبة وثقة - صرن في جوهرهن كائنات بشرية أكثر نضجا، بل أكثر انسانية من الرجل: هذا الرجل الهش الذي لا تستطيع وطأة أي من ثمار الجسد أن تسحبه تحت سطح الحياة: هذا المختال الوقح المندفع، الذي يحتقر ما يعتقد انه يحيه.

ان انسانية المرأة التي استهلكتها الاوجاع والاهانات، ستولد من جديد عندما تعري المرأة المواضعات الاجتماعية التي تفرض عليها أن تكون "امرأة ولا شيء غير ذلك "- في خضم هذه التحولات التي تطرأ على وضعيتها الخارجية. وأما الرجال الذين لا يستشعرون اليوم حدوث أي شيء، فانهم سيصدمون بذلك صدمة عنيفة، وفي يوم ما ستكون الفتاة بيننا، وكذلك المرأة، وستكف أسماؤهن عن الاشارة الى نقيض المذكر وتصبح شيئا كائنا بذاته لا ينظر اليه باعتباره مكملا وحدا فاصلا، وانما باعتباره حياة ووجودا، أي: الكائن البشري الانثوي.

 

(ومن الضروري أن أشير الى أن مؤشرات مؤكدة على ذلك سارت الآن تبرق مشعة، لا سيما في البلدان الشمالية )، وسيغير هذا التطور الطريقة الالتباسية التي نعيش بها الحب تغييرا جذريا، وسيحولها لتصبح علاقة بين انسان وانسان، وليس بين رجل وامرأة.

وان هذا الحب الأكثر انسانية لم الذي سينجز بقدر كبير من الاحترام والرقة، هذا الحب الطيب والواضح في انعقاده وانفصامه )، سيشبه ذاك الحب الذي نعد له بصراع مرير، ذاك الذي يتمثل في عزلتين تحتمي كل منهما بالأخرى، وتحترم حدودها. ومع ألك، فاياك أن تظن ان ذاك الحب العظيم الذي فرض عليك - صبيا- كان بلا فائدة: فهل انه بامكانك ان تزعم ان الكثير من الرغبات العظيمة والنوايا التي ما زالت تسكنك الى اليوم، لم تنضج فيك؟

اعتقد أن هذا الحب لم يزل قويا و"قادرا" الى هذا الحد، الا لكونه مثل عزلتك العميقة الأولى، وأول عمل داخلي أنجزته في حياتك.

أطيب تمنياتي لك عزيزي السيد كايبس.

المخلص: وينير مارياريلكه orgeby gard Fladie 8 السويد في 12/8/1904(25)

(...) لقد كان لك كثير من الأحزان العظيمة التي انقضت، وها أنت تقول إن هذا الطابع العابر، هو ما صعب عليك احتماله لقسوته.

وأنا أدعوك الى أن تفكر جيدا: ألم تخترقك هذه الأحزان في الصميم؟ ألم تتغير فيك أشياء كثيرة؟ بل ألم تتغير أنت ذاتك، في نقطة ما أو موضع ما من كيانك، فيما كنت حزينا؟ ان الأحزان التي نحملها فتطغى على أصواتنا(26) ونحن بين الناس، هي وحدها الأحزان الخطرة والسيئة. انها تشبه تلك الأمراض التي تعالج علاجا سطحيا وسخيفا فتتراجع قليلا ليكون ظهورها- بعد ذلك - مرعبا. انها تتراكم في الداخل، وهي من الحياة؟ ولكنها حياة لم تحي، حياة يمكن أن تقتلنا. لو كان بامكاننا أن نرى أبعد قليلا مما تتيحه معرفتنا، وخلف الأبواب الأمامية لحدسنا، لكان بوسعنا أن نحتمل أحزاننا بثقة أكبر من تلك التي نحتمل بها أفراحنا.

ولعل مرد ذلك، الى أن أحزاننا تمثل اللحظات التي ينفذ- خلالها- الى داخلنا شيء جديد(ا2) ومجهول. وفي تلك اللحظة تصمت أحاسيسنا، في تردد خجول، ويتراجع فينا كل شيء، فيخيم سكون ويستوي ذاك الجديد الذي لا نعرفه، صامتا، هناك في الوسط.

وإني أعتقد أن جل أحزاننا هي لحظات توتر تشعرنا بالعجز عن الحركة، فرط ما بنا من صمم تجاه حياة احساساتنا الموسومة بالغرابة. ومعنى ذلك أننا وحيدون مع ذاك الغريب الذي نفذ الى داخلنا(28)، ومعناه أيضا، أن كل ما هو مألوف ومعتاد لدينا، قد أخذ منا، وأننا نجد أنفسنا وسط مرحلة تحول، حيث لا نقدر على الوقوف دون حراك. وسأفسر لك الآن لماذا يكون الحزن عابرا؟ ان ذاك الجديد الذي انضاف الينا فصار فينا، قد نفذ الى قلبنا، الى أكثر مخابئه حميمية، حيث ينتفي ليمتزج بالدم فنكف عن ادراك ما هو، ويمكن أن يخيل الينا أن مشيئا لم يحدث، والحال أننا تغيرنا مثلما يتغير بيت بدخول ضيف. لا نستطيع أن نقول من الذي دخل، وقد لا نعرف ذلك أبدا، ولكن مؤشرات عديدة تجعلنا نفكر في أن المستقبل هو الذي اقتحم دواخلنا(29) بهذه الطريقة كي يتحول فينا، زمنا طويلا قبل حلوله الفعلي.

لهذا السبب يكون من المهم أن يبقى الانسان وحيد&