مذكرات طفل من حقول الكاكاو

جورج آمادو(كاتب من المغرب) ترجمة: محمد صوف

أصبح المشهد واقعا حيا من كثرة ما سمعت والدتي ترويه، كأنه نقش في ذاكرتي.

سقطت الفرس ميتة، حملني والدي من على الأرض وهو غارق في الدماء، عمري آنذاك عشرة شهور، كنت أحبو في الفراندا، عند غروب الشمس، نزلت ظلال الليل الأولى عبر أشجار الكاكاو التي غرست منذ مدة قريبة، وعلى الغابة العذراء العتيقة المتوحشة.

قلب والدي الأرض، بنى بيتا على الجانب الآخر من فيراداس، وفيراداس حي يملكه المحافظ الشاب لايتابونا، وزرع الكاكاو، ثروة عالمية في عصر الصراعات الكبرى.

كان الصراع من أجل الخشب، ومن أجل أرض لا يملكها احد، يمتد حتى الكمائن والنزاعات السياسية والمواجهة بين رجال مسلحين في جنوب ولاية باهيا، كان المتصارعون يتاجرون في الحيوانات والسلاح وحياة الناس. وكانت اليد العاملة تتوافد على المنطقة بحثا عن المال الذي كان يتهاطل كالمطر، هاربة من الجفاف الذي ضرب مناطق شمال شرق البلاد ومن الفقر المدقع وغياب فرص الشغل في سرجيب. وحدهم من يتوفرون على مناجل جيدة وعلى رفوش وكذا من يحسنون الرماية، كانت أجور الذين يحسنون الرماية مرتفعة وامتيازاتهم كثيرة. أما الصلبان فكانت تجوب المنطقة والجثث تساهم في سمنة الذئاب. كان والدي يقطع قصب السكر لفرسه مطيته المفضلة.. خلف شجرة على أحد الاغصان اتكأت البندقية (هكذا أرى المشهد بالضبط ) انتظر القاتل اللحظة المواتية ليفرغ بندقيته، ما الذي أنقذ المحكوم عليه بالاعدام رميا بالرصاص؟ حركة مباغتة منه او من الفرس تلقى بعدها الحيوان الرصاصة القاتلة، بينما استقرت شظاياها بين كتفي الكولونيل جوار آمادو دي فاريا. لن يستطيع نزعها أبدا. كانت رؤيتها ممكنة خلف الجلد حتى نهاية حياته، كان يكشف عنها بنوع من الامتعاض وبكثير من الكبرياء ليؤثث الحكاية التي لا تتوقف والدتي عن سردها.

توصل الجريح الى حمل ابنه الى المطبخ حيث كانت السيدة أولاليا تعد الأكل. سلمها الطفل ملطخا بدماء والده، حدث ذلك سنة 1913، كنت قد ولدت سنة 1912 في ضيعة الكاكاو المسمدة آوريسيديا، كان والدي قد غادر مدينة ايستانيا منذ مراهقته، وهي مدينة متحضرة كانت تعيش لحظات تدهور جلي، وذهب ليغامر في تقليب أرض جنوب باهيا وليزرع مع آخرين ساهموا في ملحمة الكاكاو الطويلة، وأسسوا حضارته، ثم كونوا فيه جنس الغرابيونا، على بعد كيلومترات من فيراداس، على حدود الهوس وايتابونا، حيث توجد اليوم جامعة لآلاف الطلبة، في ذلك الوقت كانت والدتي تضع البندقية تحت المخدة وتنام.

(2)

هل توجد فعلا ذكريات تربض في عدسة عين الطفل، كالمياه التي تكبر.. تكبر وتغمر الأراضي والنباتات وتجرف الحيوانات وتعيد الغابة الى غموضها المنتهك، أم ذلك مصدره الحكايات التي تروى له. جرف فيضان نهر كا تشويرا في بداية 1914 النباتات والبيت وحظيرة الخنازير والبقرة والحمير والماعز، هرب والداي الى القرية، لم يكونا يحملان سوى ما عليهما من ثياب وطفل وحيد، في فيراداس، ضاق المكان باللاجئين فأرسلونا الى مكان مخصص لعزل المصابين بالجذام والجدري حولوه الى ملجأ لضحايا الفيضانات.

(3)

حكت والدتي انهم غسلوا البلاط الاسمنتي ببعض الماء، لم يكن ثمة أي مصدر للهون والمساعدة، لا أدوية لا ممرضات.. لا أطباء كانت تلك الأراضي تقع في أقصى العالم.

من يدري؟ لعل هذه التجربة التي عشتها في طفولتي حصنتني من الجدري إلى اليوم، لم تؤثر علي قط أي حقنة ضد الجدري من تلك التي غرسوها في لحمي لسنوات.. حتى الحقنة الأولى، وكانت اكتشافا في المنطقة سنة 1918 حيث كانوا يشجون الجلد بسكين.. كانت ماريا الخادمة الصغيرة تعاني من بثور عبر جسدها. وكان جميع من يعاني من الحمى منتفخي الذراع ويتألمون، أما أنا فقد كنت أتسلق الأشجار دون خوف، وأركض على الشاطئ، كان الجدري جزءا من دمي.

في ذلك الوقت كان الجدري الأسود يقرض سكان منطقة الكاكاو، الجدري.. حمى المستنقعات، الحمى.. أي حمى؟ لست أدري.. كانوا فقط يرددون لفظ الحمى عندما يتحدثون عن مرض قاتل.. هل كانت التيفوس؟ انها تقتل حتى القرود.. هكذا كانوا يقولون للاشارة الى خطورة وبأس هذه الحمى القاتلة.. يسمونها ببساطة "الحمى".

وعند تهاطل المطر، تتحول الى وباء، تتوقف عن كونها حمى.. صبح طاعونا، كانت تأتي من أعماق الغابات مقتفية آثار الحيات والثعابين، كانت الحمى تكتفي بقتل عدد من الناس، والطاعون يزرع المأتم في القرى.. لم يكن ثمة دواء شاف، ولم يكن ثمة طبيب يستطيع مواجهة الجدري الأسود.. والجدري الأسود معد بشكل يتحدى أي مرض آخر. كان ضحاياه يعزلون في ملاجئ خاصة بعيدا عن المجمعات السكنية، واذا حدثت معجزة وشفي مصاب بالجدري، فانه يعود حاملا معه آثار المرض على يديه ووجهه، إنها صورة الموت تلك التي رأيت في طفولتي.. مازلت أرتعش لذكرها حتى اليوم، يحشر المصابون بالجدري داخل أكياس من القنب ويحملون الى الملاجئ من طرف الناجين، أي من طرف أولئك الذين أصيبوا بالجدري ثم شفوا، فكانوا بذلك محصنين ضد العدوى. وأنا أسير جنبا لجنب مع الموت، ضمن مجموعة قليلة من الاقارب، رافقت من بعيد، عملية نقل زميل لي في المدرسة الى أن اختفى الشخص الذي يحمله على ظهره داخل كيس، وغابا في طريق يقع على حدود المدينة، ان الجدري والمصابين بالجدري يسكنون كتبي ويرافقونني في حياتي.

على شاطئ بونتال الجميل، يركب الطفل غصنا من الكاكاو الأخضر، يقفز في الهواء، يحلق فوق الميناء والسفن ويعيش بين الواقع والخيال، على متن جواده الخيالي، يحمل أميرة أحلامه، النجمة الساطعة بنت الجيران. من نظرة رفيقته وابتسامتها يتلقى أول درس في الحب، تمارس عليه الصغيرة سحرا جبارا.. لعوب..

متبرجة..تثيره.. تهرب، تعود. الوالد صاحب قارب يقضي اليوم على مركبه يحمل الناس والبضائع من هذه الضفة الى تلك. من حي بونتال الهامشي الفقير الى اليوس الفنية، على امتداد الجسر تتحول المراكب الصغيرة التابعة لشركة باهيا الى عابرات للمحيط.. الى سفن للقراصنة، تحمل الطفل على متنها الى آخر العالم حيث يحارب وينتصر على وحش البحار وينقذ الاميرة الاسيرة.

أصاب الوالدين الافلاس وضاعت منهما الأراضي ومزارع الكاكاو وأصبحا يقطعان الجلد لصناعة الاحذية. ويستعملان المسكن الفقير بيتا وورشا في ذات الوقت، لكن الطفل يعيش على الشاطئ حيث يلتقي بالنهر.. بالبحر.. بالأمواج العاتية وبالمياه العذبة.. بالنخيل.. بالريح وبالفتاة التي ينبض لها قلبه، ماذا كان اسمها؟ لقد أضاعه.. لم تحتفظ الذاكرة سوى بصورتها ممزوجة بحكاية فتيات الاحلام والقراصنة في أصلها الذي ترويه أولاليا.. لم يبق من حبيبته سوى كبرياء الوجه الأسمر والشعر الفاحم لهندية مختلطة.. حبيبته.. هل يحب الانسان في تلك السن؟

الوالد يخدم الأرض يزرع الكاكاو، يقطع الجلد، يصنع الأحذية الا ان هدفه وحيد لا يتغير، أن يوفر المال ليعود من جديد الى اقتحام الغابات المتوحشة وفتح الطرق وزرع الكاكاو.. انه يهفو الى زمن الشاطئ والريح والمراكب والأغاني في الليالي المقمرة بعيدا عن القبور الجاثمة في ملتقيات الطرق وعن ذوي البنادق الذي يمزق الليل. لن تتأخر عودة الطفل الى المزرعة، لا في فيراداس بل في تارانجا في ضواحي اسبينيو حيث الأوحال وأقدام الرجال وحوافر البغال المحملة بأكياس الكاكاو، تعطي الميلاد لحي أطلق عليه ببرانجي وهو اليوم مدينة تسمى ايتاجويب، انه زمن تتناسل فيه المدن.

(5)

جعلتني بعض فصول القواميس والموسوعات وبعض فصول السير أولد من جديد في بيرانجي، وما حدث في الحقيقة هو العكس، فقد رأيت بيرانجي تولد وتترعرع عندما مررت من هناك.

عندما رأيتها لأول مرة، كنت على ظهر جواد، لم يكن فيها سوى ثلاثة منازل متفرقة، وكانت السكة الحديدية بعيدة في سيكيرو أو اسبينيو.

بعد ذلك أصبحت زقاقا طويلا تمتزج فيه البيوت بمخازن الكاكاو بالحانة.. وفي أقصى الزقاق دور القمار. ثم أزقة صغيرة تأوي الفنادق وبنات الليل، كان المغامرون يأتون من كل حدب وصوب، والباعة يفرغون أكياس البضائع ويؤسسون المتاجر والمخازن، وراهب يتحدث بلكنة ألمانية ويسعى الى فرض وصايا القانون الإلهي على أشخاص لا يؤمنون بشيء ولا يعترفون بأي قانون.. يتمردون على كل نظام ويعادون السلطة سواء كانت سلطة السماء أم سلطة الأرض.

اصبح الحي البئيس حافلا بالحركة وأصبح الكسب فيه سريعا وسهلا، كانت الطلقات النارية تسمع في الأزقة وفي بيوت الدعارة وكانت حياة الإنسان بخسة الثمن تضيع من أجل قطعة أرض أو ابتسامة امرأة أو جولة قمار.. كبرت في وقت واحد أنا وبيرانجي.. شاهدت افتتاح أول متجر ورأيت أول عربة تسير بمحرك وتنقل المسافرين من سيكيرو الى اسبينيو. هناك تعرفت على أشخاص افذاذ وهناك راودتني أحلام طفل تهدهده النساء في الأزقة الضيقة المعتمة.

(6)

في الذاكرة يكمن مشهد لم أسمع عنه وانما عشته كاملا في ليلة دافئة ومرعبة من ليالي تارانجا، كم كان عمر الطفل آنذاك؟ خمس سنوات؟ ربما، لا أذكر، من الصعب قياس زمن الطفولة الأولى، المؤكد اني كنت صغيرا جدا، أيقظني نباح الكلاب وقد انضاف اليها ضجيج آخر في ساحة البيت، خرجت لأرى ما يحدث ماذا فعلت لاختبئ في الفيراندا دون ان يراني أحد؟ لا أذكر.

ومع ذلك أذكر بوضوح مشهدا مثيرا.. كان الظلام وعبره تتحرك أشكال وظلال ومنه تنبعث أصوات وصهيل.. كان والدي يمتطي فرسه الاسود. دائما يؤكد انها أحسن من آي حصان، وكان رجاله يمتطون البغال. اذ لا تصلح تلك الأزقة الموحلة والمليئة بالحفر والنتوءات للجياد، فالجياد مرصعة بالفضة تليق بالاستعراضات التي يقيمها الكولونيلات عبر شوارع ايليوس

وايتابونا.

بنادقهم تربض على السروج، قائدهم رقيب أشقر اسمه آرجميرو. عمل في خدمة والدي منذ فراداس، وها هو يخدمه الآن في تارانجا، مسدسه في حزامه، بجانبه مقاتل هولندي تبدو عليه آثار الجدري. كانت عيناه مشتعلتين وهو أحد كبار الملاك ورجل سياسة، اسمه برازيليو دوس ساتنوس، والعراب براس وهو الوجه الذي كان يفتنني في طفولتي. كان عرابا وصديقا للكولونيل جوار آمادو، لم يفارقه قط في الأوقات العصيبة. من المستحيل أن تجد في منطقة الكاكاو شجاعة وبسالة كالتي يتصف بها هذا الرجل.. هذا ما كان يشاع عنه، وكانت الحقيقة أيضا، رأيته بعد ذلك بسنوات يواجه بمفرده عصابة أرسلها اليه خصومة السياسيون لاثارة البلبلة والشغب في بيرانجي، غادر المائدة التي كنا نأكل عليها، اخرج مسدسه، وكان وجوده وحده كفيلا بتوقيف عمليات الاستفزاز وهروب المعتدين. كان الساعد اليمنى لبازيليو دي اوليفيرا في حروبه من أجل الحصول على الأرض.

ذهبت مجموعة من الرجال المسلحين، بدت لي ساعتها جيشا، وأمي تلك المرأة الرقيقة الراضخة، رأت زوجها مرة أخرى يأخذ اتجاه ايتابونا مع أصدقائه ورجاله من أجل حماية عمليات انتخاب قريب له.

نجح القريب في الانتخابات بجرة قلم تحت حراسة الرجال المسلحين. وعندما اختفى الفرسان اكتشفت الام الطفل وهو يرقب العملية فأخذته بين ذراعيها واحتضنته. كانت مخلصة لأخرتها وقد كانوا بدورهم كولونيلات في حقول الكاكاو. كان خالي فورتوناتو شخصا غريب الأطوار، اعطى الكثير للحصول على اللقب والأراضي. فقد عينا في المعارك ولم يبق في أحدى يديه سوى اصبعين، قلت كانت والدتي وفية ايضا لزوجها صامتة وفعالة، لم تشك قط، كانت تكره هذا العالم المتوحش الذي تنتمي اليه، ابتلع الظلام الحيوانات والرجال وفي الفيراندا لم يبق مع السيدة أولاليا سوى الطفل والموت، الموت صديق طفولتي من هدايتها الى نهايتها.

(7)

يتصدر أعمالي الروائية موضوعا الحب والموت. هي ملاحظة أوردها ايليا ايهرنبورج في مقدمة الطبعة الروسية لرواية "ايقاع في أقصى العالم" وكررها عدد من النقاد تجد تبريرها وجذورها في طفولتي الأولى، طفولة شكلتها أراض اغتصبت ورجال مدججون بالاسلحة في عالم بدائي حيث تسود الأوبئة والطاعون والافاعي والدم والصليب على امتداد الطرقات، كما هو عالم البحر ونسائمه والشطآن والانغام والفتيات الجميلات.. بين بو نتال وبيرانجي أحسست بالحب ولامست الموت، كانت حياة الطفل كثيفة ودافئة.

وضع أرجميرو الطفل امامه على السرج وأخذه الى بيرانجي خلال أيام المعارض، احتفال وبهرجة بين أكياس الجلبان والدقيق وقطع اللحم المجفف وفواكه الجاكاس والموز وجذور الاينيام والمانيوك ووسط الناس. وسط رجال ونساء يحملون لون الأرض. كان الطفل يعي وجود هذه الأشياء رويدا رويدا. لم يكن هناك شيء يحبه كما يحب التنقل الى بيرانجي مع العمال ورجال الحراسة، لقد جعلوا عالمه رحبا وحالوا دونه وأي نوع من الأفكار الجاهزة.

كان شديد الاعجاب بأرجيميرو الذي يهابه الكل وهو نريو ذلك العملاق الأسود الذي يجدد حضوره في رواياتي انطلاقا من حقول الكاكاو. بمحضره كانوا كلهم يرتجفون، ويروج انه قتل الكثيرين ومع ذلك استطيع أن اؤكد ان طيبوبته لا حدود لها ولطفه ليس له مثيل.

كان على الطفل أن ينتظر بضع سنوات ليتعرف على كواليس الحانة وعالمها حيث يقامر الكولونيلات والتجار العرب بأهوالهم وحياتهم في البوكر. لم تكن سنه تسمح له بأخذ الورق وتعلم قواعد الخداع، لكنه منذ صباه الأول اعتاد الدخول الى بيوت الهوى فقد كان أرجيميرو وهونوريو لا يغادران بيرانجي الا بعد سهرات مع الفتيات في الأزقة الضائعة.

كان الطفل ينتظرهما وفي تلك اللحظة تتناقله الايادي وتتداوله المداعبات ويتلقى الحنان من فتاة الى أخرى.. مازلت أذكر لاورا بوجهها الهزيل وكيف كانت تقص علي حكايات الذئب كارو وتغني لي أغنيات ما قبل النوم.

(8)

قال أرجميرو "لا تقل للسيدة أولاليا أو الكولونيل اننا كنا هنا" ثم قل هونوريو مستعطفا:

"اذا علم الوالدان بذلك تنهار علينا الدنيا" كيف أقص ذلك، وسر الكبار يشكل مصدر فخر للطفل: لم يستطع أن يخون السر ولا أن يجازف بالحنان والعطف اللذ ين يقلقاهما من النساء.. كانا بالنسبة له كنزا لا ينبغي التفريط فيه.

في طفولتي وفي صباي، كانت بيوت نساء الهوى في الحواري والقرى وأزقة باهيا تعني كثيرا من الدفء والحنان والمرح.

ثمة كبرت، ثمة تعلمت، وثمة جزء بالغ الأهمية من جامعاتي، لم يكن البيت يمثل مبغى، انها كلمة مدقعة ولا يحق ان نطلقها على أماكن حافلة بالألفة والبساطة حيث لمست أقصى حالات البؤس وكذا أقصى تجليات القيمة الانسانية. في المزرعة.. ساعة الاستحمام كانت ماروكاس الفتاة العاني المخلصة والتي تعاني من حرمان كبير تتأمل عضو الطفل.. تقترب منه بوجهها وهي تتنهد.. لقد كانت أول من لمس الطفل.. وفي بيوت النساء عندما كان ارجميرو وهونويرو يدعان الطفل في حراسة احداهن لم يبد قط منهن أي سلوك خال من الحنان والامومة.

نساء ضائعات، هكذا كن يوصفن، بقايا آدمية، بالنسبة لي ومنذ البدء كن عطوفات ثم صديقات ثم عاشقات حافلات بالخجل واللوعة، كن يهدهدن أحلامي ويحمين تطلعاتي المتمردة، وكن يمنحنني ما احتاجه لمقاومة الألم والوحدة، كن محرومات من كل الحقوق. ترفضهن كل المجتمعات تطاردهن تحط من قيمتهن ومع ذلك كن يفضن حنانا ويتوفرن على طاقة من الحب لا تنضب. ماذا كنت سأصبح لو لم أكن روائيا للبغايا والمشردين؟

اذا كان فيما أكتبه مسحة من جمال فمصدره هؤلاء المحرومون وتلك النساء اللائي يحملن علامة الحديد الأحمر واللائي كن على حافة الهلاك في أقصى درجات الاهمال. في الأدب وفي الحياة أشعر بي دائما ابعد عن القادة وعن الابطال وأقرب من أولئك الذين ترفضهم وتحاكمهم الانظمة والمجتمعات.

(9)

ان القادة والأبطال فارغون، بلداء، مستبدون، غير محبوبين وشريرون، يكذبون حين يدعون انهم يتكلمون باسم الشعب لان الراية التي يحملون هي راية الموت، من أجل بقائهم يمارسون القمع والعنف، وكيفما كان موقعهم في أي نظام او أي مجتمع، فانهم يطالبون بالطاعة وعبادة الشخصية، ولا يستطيعون أن يتحملوا الحرية ولا الابداع ولا الحلم، ان الفرد يرعبهم، يضعون أنفسهم فوق الشعب ويشيدون عالما حزينا بئيسا. لقد كانوا دائما هكذا، فمن يستطيع أن يميز البطل من القاتل والقائد من الطاغية:

الانسانية تولد من الذين لا يملكون جاذبية خاصة ولا أنى قسط من النفوذ، فاذا نحن تذكرنا باستور وشابلن، فكيف سنعجب بنابليون أو نحبه؟

(10)

أما المشردون فقد مثلوا بدورهم جزءا من حياتي اليومية ومن عالمي، بدأت معاشرتهم وأنا في سن الثالثة عشرة، كنت قد هربت من المدرسة الداخلية لدى اليسوعيين وعبرت البيرتاو نحو سيرجيب حيث يوجد بيت جدي، ثم اصبحت صديقا لعدد كبير منهم خلال مراهقتي في مدينة سالفادور وباميا، كنت صديقا للمشردين اذن، للبحارة، لعمال المعارض، لراقصي الكابويرا، للباعة وللمهرجين، بل كنت أكثر من ذلك.. كنت واحدا منهم.

في جوابيونا لم يكن ثمة مكان للمتسكعين كان العمل شاقا والصراع عنيفا، عرفت وعاشرت مغامرين من كل الاصناف، كانوا يأتون الى حقول الكاكاو بحثا عن المال السهل. وكانوا يضفون على أنفسهم كثيرا من الصفات ليتمكنوا من خداع الكولونيلات السذج، الا ان الكولونيلات لم يكونوا سذجا. كانوا يمسكون أوراق البوكر كما المسدسات والبنادق. كثير من هؤلاء المغامرين لقوا حتفهم في ملاهي ايليوس وايتابونا وفي بيوت القمار باغوا بريتا وبيرانجي، وآخرون استطاعوا ان يتأقلموا مع عادات المنطقة فسكنوها وأسسوا فيها مزارعهم.

بين المحاربين والمغامرين والمقامرين كبر الصبي وتعلم، تعلم القراءة قبل ان يذهب الى المدرسة على صفحات جريدة المساء. عندما كان في بونتال. وتعلم قواعد البوكر عندما كان يجلس خلف عمه الفارو آمادو بفندق كويلو، ويتابع اللعب والمزايدات. كان يخمن لعب كل واحد، وكان خداع الآخر قاعدة من قواعد اللعبة في القرية، كانوا يلعبون ثلاثي ايتابونا والثنائي والأول أو الملك. ثم ثلاثي بيرانجي المكون من ثلاث ورقات متتالية ومن لون واحد، الا ان الكسب كان صعبا في المزايدات الخطيرة. اذا اردت أن تخادع الكولونيلات الأغنياء عليك أن تكون داهية من طراز خاص. بالنسبة لعمي الفارو، لم يكن شعوره بالسعادة يعادله شيء عندما يفوز دون أن يلعب وعندما يتمكن من خداع شركائه.. نادرا ما يحدث ذلك، وعندما يحدث فتلك قمة نشرته، قضيت أمسيات

بكاملها اتتبع اللعب. وحتى اليوم لا أستطيع أن أفهم لماذا لم يقم أحد هؤلاء الرجال بطرد ذلك الطفل الفضولي والمشاغب الذي كان مفتونا باللعبة، كان العم الفارو يربت على رأسي ويغمزني بعينه.

(11)

ان شخصيات الرواية مصدرها تلك الشخصيات الحقيقية التي تطبع الكاتب وتشكل جزءا من تجربته الذاتية، وهذا شأن كولونيلات حقول الكاكاو في رواياتي التي تدور أحداثها في جوابيونا والتي حاولت أن أعيد فيها ابداع غزو الأراضي ومراحل تشييد ثقافة خاصة، في كل هؤلاء الرجال شيء من عمي الفارو أمادو. كان يتمتع بجاذبية خاصة، كنت دائما تحت حمايته وكان يعاملني كصديق وأحيانا كشريك.

هو الأخ الأصغر لوالدي، لذا كان يقتدي به في مراهقته جاء الى سيرجيب ليكون مزارعا ورجل سلاح، فكان يزرع ويتاجر ويبدع الصفقات المختلفة. كان دائم الضحك والابتهاج، من المهن التي كان يمارسها، كان يفضل القمار حيث قضى معظم أوقاته، كان يقضي أياما وليالي وأوراق اللعب في يده، يداعب الحظ وينتظر اللحظة المواتية لانزال ضربته القاضية، كنت معجبا به لدرجة التعصب.

كان لطيف المعشر، أمرح من عرفت، لا يعاشر الحزن، وحينما يحل تحل معه البهجة والسرور، كانت له عاداته وأخلاقه تمليها ظروف الحياة في منطقة وعرة كتلك التي كان يعيش فيها، كان داهية يؤمن بالدهاء شعارا في الحياة، وكان سريع الكسب سريع التبذير، لذلك كان دائما يعيش في ضيق ومع ذلك ظل كريما ولو على حساب الآخرين أحيانا.

كان يفتخر بحظه في القمار ويفوزه في اليانصيب على الأقل مرة في الاسبوع، لكنه كان يؤمن بأن الانسان يجب أن يساعد حظه، لم أعرف قط شخصا يعثر على النقود في الطريق مثله، كان يمشي وعينه على الأرض وكان متعودا على الذهاب الى الاجتماعات والحفلات خلال فصل الشتاء يحمل مظلة قديمة يضعها عند المدخل قرب المظلات الأخرى، وحين يخرج يختار أجمل وأحدث مظلة.

كانت حكايات حيله تبهرني. "الحيلة" ذاك كان اللفظ المفضل عند السيدة أولاليا عندما تبغي وصف ما كان يقوم به أخو زوجها من ممارسات ليست كلها مصدر فخر. وكنت أفخر بمساهمتي في بعض هذه الممارسات.

(12)

من الحكايات التي مازالت راسخة في ذهني وبطلها عمي الفارو. تلك التي ساهمت أنا في نجاحها، من يدري قد استفيد يوما ما من هذه الحكاية في قصة قصيرة، مع أني أعتقد ان شخصية عمي الفارو أكبر من قصة قصيرة ولعل الحجم الذي يليق بها هو الرواية.

حدث ذلك عندما كان عمري ست أو سبع سنوات، كنا قد انتقلنا الى ايليوس، وأقام عمي قرب بيتنا بجوار فندق كويلو، غير بعيد من الساحة الرئيسية بالمدة رغم احتجاج والدي واعتراضه، تجارة ناجحة في الماء المقدس الآتي من سيرجيب.