|
ظلت
الاسكندرية
مدينة بينية
لموقعها
الجغرافي
بين الشرق
والغرب،
وشهد
تاريخها
الثقافي
تحولات جمة،
تواترت فيه
الحركات
الدينية
والمدنية.
والتحولات
السياسية
والديموغرافية
التي طرأت
على
الاسكندرية،
جعلت منها
نقطة
التقاطع/
الالتقاء
لثقافات
متعددة. أفضى
ذلك الى وجود
نزاع دائم
بين الهوية
والرغبة،
بين
القراءات
التقليدية
للاعمال
التصويرية
المستوحاة
من موقع
الإسكندرية
الثقافي في
رصد اسهام
هذه الأعمال
في تفعيل
الوضع
الثقافي
للفن المصري
الحديث
والمعاصر.
لذا أود
اعادة قراءة
بعض الأعمال
التي مثلت
الإسكندرية
بين منعطف
قرنين، وسوف
يرتكز
اختياري على
نماذج من
المحاولات
لجعل
التمثيل
الثقافي
فضاء بديلا،
أو فضاء
بينيا، يسمح
بالمشاركة
الجمعية في
قراءة
اللوحة، مما
يهيئ سبلا
لارساء
علاقات
متبادلة بين
الفردي
والجمعي. في
أواخر القرن
التاسع عشر،
تحولت
الإسكندرية
الى مدينة
عالمية بفضل
نظام الحكم
الذي اتبعه
محمد علي(1805-1848)
فاجتذبت
المستثمرين،
والمغامرين،
والفنانين،
ذوي
الطموحات،
والفارين من
التفكك
السياسي في
أوروبا،
والصراع
الطائفي في
الشام، وقد
ساعد الموقع
البيني
للاسكندرية،
وتشكلها
الثقافي على
تكييف
القاطنين
بها على تقبل
الوافدين
اليها من
سائر أرجاء
العالم، كما
اعتادوا
التعايش مع
الاختلاف،
وتجنب
الممارسات
المؤسسة على
ثنائيات
قاطعة،
وانتمت
الجماعات
النازحة الى
ثقافات
متغايرة،
ولم يمل
افرادها الى
زرع
العداءات
القومية او
الاجتماعية
فيما بينهم،
أو التمييز
بين المصري
والأجنبي (البير،
1996، 670)، غدت
الإسكندرية
مدينة
الآخر،
قومية
وعالمية في
آن، وقد
ساعدها
تاريخها
الثقافي على
ذلك. فالتمثيل
المرئي
للاسكندرية
في سائر
العصور، لم
ينقسم الى
ثنائيات
متباينة
تفصل بين
القومي
والوافد، أو
الأسطوري
والدنيوي،
بل تتآلف تلك
الثنائيات
في عملية
استطرادية
تتوازن بها
الممارسة
الدينية /
الدنيوية
بالرؤى
المنظرة لها.
والجماعات
المتباينة
النازحة عبر
الازمنة
المتلاحقة،
أنتجت رن ى
متعددة
للماضي
والحاضر،
فجاء
انتاجها
الثقافي
متجاوزا
للحدود
الفاصلة بين
الثقافات
والأطر
المعرفية.
لذا، غدت
الإسكندرية
في نهاية
القرن
التاسع عشر
أرضا خصبة
لظهور أعمال
تصويرية
تقدم تمثيلا
مرئيا يتصدى
للتقنيات
الفنية التي
تجيزها
المؤسسات
التعليمية
والمعرفية
النظامية
آنذاك. وفد
النازحون
الى
الإسكندرية
يحملون
معارف وتقا
ليد فنية
مكتسبة من
الاكاديميات
الاوروبية.
وقد تتلمذ
الرعيل
الأول من
فناني
الإسكندرية
في مراسم
الفنانين
النازحين،
ومن بينها
مرسم جويلا
بالنت (1884- 1956)
مجري
المولد،
واستوطن
الإسكندرية
قرابة خمسة
وعشرين عاما
وهو يعد
نموذجا
للفنانين
الذين لم
يتأثروا
بالبيئة
السكندرية،
فلا نجد لها
أثرا في
أعماله. فقد
استلهم
مناظره
الطبيعية
وصورة
التشخيصية
ذات الطابع
الرومانسي
من التقاليد
التشكيلية
الغربية
السائدة في
القرن
التاسع عشر.
فتشخيصه
للنساء يمثل
الرؤية
الذكورية
التي تقولب
المرأة في
اطار شهواني
الطابع،
سواء أفصحن
عنه ام تسترن
عليه. ويتجلى
ذلك في لوحته
صورة امرأة (دون
تاريخ، 24×32 سم،
مجموعة محمد
سعيد
الفارسي).
فالاتقان
الفني
لجماليات
اللوحة لا
يخفي موقفه
من المرأة
بوصفها
كائنا جنسيا
يتخفى وراء
قناع يرتسم
عليه الخنوع
والبراءة
والخجل. والمنظر
الطبيعي في
أعمال بالنت
يختزن حالة
التأمل،
إحدى مميزات
الرومانسية
الأوروبية
التي انتشرت
كفعل مقاوم
بأ
للعقلانية،
والمادية
المسرفة
التي. شاعت
مع التقدم
العلمي
والثورة
الصناعية،
فمع انتشار
العقلانية
انصرف
الجميع عن
تمثيل
الموضوعات
الدينية،
واتجهوا الى
تصوير
العناصر
المادية
المحيطة.
وافتقد
الكثير من
الفنانين
التجربة
الروحية
فترجموها في
المنظر
الطبيعي
الذي، يمثل
تجربة
التأمل. وعد
لوحة لقاء
الأحباء (دون
تاريخ،
باستيل على
ورق، 25×25 سم،
مقتنيات
محمد سعيد
الفارسي)
بمثابة
ترجمة
للتجربة
الروحية
الفاجعة عن
التأمل في
اسلوب
معاصر،
والشخصان
اللذان
يتوغلان في
المشهد
الطبيعي هما
بمثابة وسيط
يساعد
المشاهد على
مصاحبتهما
في اللقاء
الروحي. وقد
راج تصوير
المشهد
الداعي
للتأمل
كتقليد فني
بين
المستشرقين
في القرن
التاسع عشر،
وقد جاء
نتيجة
لعلمنة
التجربة
الروحية، في
محاولة
لاستقائها
من المشاهد
اليومية
بدلا من
القصص
الديني.
اجتذبت
صحاري مصر
والشام
المستشرقين
لايحاءاتها
المقدسة،
فهي تمثل
الخلفية
التي دارت
فيها
الأحداث
الدينية في
الماضي،
فجاء
تمثيلهم لها
يغالي في
المثالية. (ماكنزي
50- 1995) ولكن جورج
صباغ (1887-1951) أضفى
على الصحراء
بعدا آخر،
حيث تختلف
مشاهده
الصحراوية
عن التقاليد
الفرنسية
الهيومانية،
على الرغم من
انه تدرب في
مراسم
ايطاليا،
وباريس، حيث
انضم الى
حركة النابي.
ولد صباغ في
الإسكندرية
لابوين
هاجرا من
الشام،
واتاح له
تنقله
الدائم بين
الشرق
والغرب
المشاركة في
الحوار
الثقافي
القائم،
والاسهام
فيه برؤيته.
فتختلف لوحة
الصحراء في
أسوان قبل
الخماسين (1933،
زيت على توال)،
عن نظيراتها
التي رسمها
المستشرقون،
الساعية الى
تحقيق
الرؤيا
النبوئية
وما يتبعها
من خلاص روحي.
فاللوحة قد
يغمرها جو
تأملي،
وايحاءات
بالأزل
المهيب،
ولكنها
تبتعد عن
المنظور
الأحادي فلا
تلتقي
خيوطها في
نقطة
محورية،
بالوصول
اليها يصل
المشاهد الى
لحظة التجلي.
بل على
العكس، هناك
علامات عدة
تعمل على
احالة منظور
الرؤية حتى
لا يتحدد
المشاهد
ببؤرة محددة
في التكوين.
فالمشهد قد
يوحي بحالة
من السكون
تؤكده
الصخور التي
تتوسط
التكوين
لتقوم
بمقام محور
مركزي وهمي.
الا ان
الخطوط
النصف
دائرية
المحيطة
تبدد هذا
الثبات،
فتتحرك
العين من
الصخرة
الامامية
الى الخلفية
دون الوصول
الى نقطة
ارتكاز عند
الهضبة
المركزية
الكبرى، بل
تتجاوزها
مشبعة
الظلال
الملتوية
الممتدة الى
خارج الاطار.
فالخطوط
الملتوية
التخيلية
الماثلة في
الامامية
تتردد
أصداؤها
وتتشعب لتصل
الامامية
بخلفية
المشهد، حتى
يبدو الأفق
قريبا
وبعيدا في آن.
هذه الحركة
البصرية
المتواترة
تعد المشاهد
لاستقبال
العاصفة
الخماسينية،
وكأن المنظر
الطبيعي غدا
نظيرا عضويا
عن حالة من
حالات
التأهب. فلا
ينحصر
اهتمام
المشاهد
بالصحراء
لموقعها
الجغرافي،
أو
لايحاءاتها
الدينية،
مثلما كان
الحال لدى
المستشرقين.
فقد تحول
المظهر
الخارجي
للمكان الى
تجربة
مشحونة
بالتوقعات.
كما تحول
المكان الى
سياق بصري
تتصل عناصره
في علاقات
دالة، حتى
يخوض
المشاهد
تجربة
المكان
بوصفه كيانا
متحركا
يختزن طاقة
فاعلة
متفاعلة مع
من يجيد
قراءة
عناصره. ويتمثل
لنا نبض
المكان في
مناظر
طبيعية أخرى
لصباغ،
فلوحة مراكب
شراعية على
النيل في مصر
القديمة (1921،
زيت على
قماش، 73×92 سم).
لها عنوان
مرجعي يحيل
الى موقع
جغرافي
معروف،
ولكنه يتحول
في اللوحة
الى تجربة
مرئية يصعب
تعريفها
وفقا الى
مكان أو زمان
بعينه.
فبتوغل
القارب
المركزي في
أعماق
المشهد،
نتوقع
انحسارا في
الرؤية،
ولكن على
العكس، تبدو
المنازل
الخلفية
أكبر حجما
بفعل تأثير
الضوء. ويوحي
التدرج
اللوني
بوميض الضوء
على الماء،
فتزداد
الاضاءة
كلما تسللت
عين المشاهد
الى الداخل.
فيعمل
التوزيع
الضوئي على
ارباك
المسافات
وخرق
المنظور
الاحادي،
كما يخلق
حركة دفع
أمامي
وارتداد
للخلف،
ليتأرجح
التكوين بين
بعدين:
فالرؤية
السطحية
تقلقاه
ثلاثيا،
بينما توحي
العلاقات
اللاواقعية
بين عناصره
بأنه ثنائي
الابعاد. ذلك
الارتباك في
التلقي
تدعمه
المراكب
المصطفة على
اليسار.
فأشرعة
المراكب على
يسار المشهد
تشكل تكوينا
متوازنا من
الخطوط
المائلة،
والأفقية،
والرأسية،
وهو تكوين
نمطي ربما
المقصود به
اضفاء
التوازن على
الحركة دون
تثبيتها حتى
الجمود.
فالأشرعة
الممتدة لا
توحي
بالتباعد،
فلديها
أطوال
متساوية على
الرغم من
امتدادها
لمسافات الى
الخلف. فهي
وان تبدو
طبيعية،
يأتي
توزيعها في
الفراغ
توزيعا
يتعمد الغاء
المنظور
الواقعي. والابتعاد
عن الواقعية
الصارمة كان
تأكيدا
لخصوصية
التجربة،
لذا جاءت
أعمال محمود
سعيد (1897-1964)
متحدية
للمركزية
الغربية
التي
استخدمها
المستشرقون
في الصور
التمثيلية
لمصر، كما
نقضت
معطياتها
الدلالية.
طرحت
المناظر
الطبيعية
المحلية
التي صورها
محمود سعيد
رؤية جديدة
تدحض ما سبقه
اليه
المستشرقون،
رؤية تستلهم
من المنظر
الطبيعي
فضاء يتشكل
بالممارسة
البصرية.
فالمشهد
الممثل لا
يكتمل سوى
بتفاعل
المشاهد معه.
ففي لوحة
منظر من
الريف (1929، زيت
على ورق
مقوى، 94×60سم،
متحف الفن
الحديث،
القاهرة)
يتحول
المنظر
التقليدي
الساكن الى
تكوين مفعم
بالحركة،
فيبدو الطقس
الخريفي
ساكنا،
داكنا،
منقبضا،
ولكن يتسرب
وميض الضوء
عبر الغيوم
في الفضاء
العلوي، ومن
النافذة
التي تتوسط
البناية،
فمصدر الضوء
هنا لم يقتصر
على اضاءة
اللوحة،
ولكنه يرادف
بين المصدر
الضوئي
السماوي
والأرضي.
ويؤدي ذلك
الترادف الى
التأليف بين
الحمى
الصوفي
ومصدره
الشعاع
الضوئي
الأثيري،
والقياس
العقلي
المتجسد في
البنيان
المعماري
المحكم
للبناية في
علاقته
وعناصر
المنظر
الطبيعي
الأخرى. ففي
اعادة رؤية
المنظر
الطبيعي
خارج
النمطية
التي فرضها
المستشرقون،
نجح محمود
سعيد في
التوفيق بين
التجربة
الصوفية
والدنيوية،
وهما
تجربتان لم
تتعارضا
طوال تاريخ
الإسكندرية
الثقافي،
ويعمل سعيد
على تأكيد
تلازمهما في
صياغة جديدة. كما
مثل محمود
سعيد
الإسكندرية
في لوحة
المقابر (1926،
زيت على
قماش، 113×85 سم،
متحف الفن
الحديث،
القاهرة)
بصورة
مغايرة لما
مثله
المستشرقون (حفر
للمقابر
الاسلامية
في نهاية
القرن 18م، من
وصف مصر،
العصر
الحديث،
الجزء
الثاني).
فالمشهد
يجمع
المقابر
بالمدينة،
ولكنه عند
سعيد تحول من
الواقعية
ليغدو تجربة
مركبة تمزج
الذاكرة
والوجود،
وعالمي
الماضي
والحاضر معا.
أما النسوة
اللاتي في
الأمامية
فتقمن بدور
الوساطة حيث
تربطن
الجبال
بالسحب،
والأرض
بالسماء. فهن
تنتسبن الى
الجبال بفعل
الترديد
اللوني، كما
تنتسبن الى
السماء بفعل
الشفافية
التي
تكسوهن، حتى
غدون مصدرا
للضوء
كالسحب.
فتجتمع في
النسوة
صلابة
الصخور،
وأثيرية
الضوء،
وتتجسد فيهن
علامات
الوجود
والغياب،
الحياة
والموت، فهن
تمثلن نقطة
الوصل بين
المقابر
الواقعة في
أمامية
اللوحة
والمدينة
التي تتراءى
في الأفق. وحينما
يمثل محمود
سعيد
المدينة،
تغدو بدورها
فضاء ثقافيا
يثير الجدل
حول أساليب
التمثيل
الثقافي لها
فيما مضى.
ولوحة
المدينة (1937،
زيت على
قماش، 400×220 سم،
متحف الفن
الحديث،
القاهرة) قد
تبدو لأول
وهلة وكأنها
تمثيل يحاكي
الواقع.
فالتكوين قد
نفذ في بنية
ذات منظور
هرمي تتوسطه
بنات بحري (فتيات
الإسكندرية)،
ولكن لا تظل
عينا
المشاهد
محصورة في
اطار هذا
التكوين
الأحادي
الرؤية.
فالشخوص في
اللوحة تنظر
في اتجاهات
متضاربة
فينحرف
انتباد
المشاهد من
البؤرة
المركزية
الى زوايا
أخرى
للرؤية، مما
يقوض
البنيان
الهندسي
الهرمي
للتكوين.
فبائع
العرقسوس
القادم من
اليمين
يختلس النظر
الى بنات
بحري، بينما
يتجنبهم
الأب القادم
من اليسار
ممتطيا
حمارا مع
ابنه. أما
الابن
فيتطلع فيما
وراء اطار
المشهد جهة
اليمين. وفي
المركز،
تستجيب
اثنتان من
بنات بحري
الى نظرات
بائع
العرقسوس،
بينما تجول
عينا الفتاة
الثالثة
باحثة عن
المتلقي
خارج اطار
اللوحة -
وتطلعها الى
ما هو خارج
الاطار
بمثابة دعوة
للمتلقي
للمشاركة في
عالم
المدينة
بالتفاعل مع
عناصرها. وصورة
المدينة
ونسائها
تختلف هنا
عما ألفه
المشاهد في
لوحات
المستشرقين،
فقد أسهم
سعيد في
تقديم رؤية
جديدة
للاسكندرية
بالمشاركة
في ايجاد
آفاق جديدة
تساعد على
التخفيف من
الارتباك
الثقافي
الذي نشأ
نتيجة
لاصطدام
المعتقدات
المألوفة عن
العلاقات
الاجتماعية
بالنزعات
الوافدة.
فعلى عكس صور
الحريم
الماجنة
التي فاضت
بها بحري في
المدينة لكل
من يعترض
عليهن
الطريق
بنظرة
رادعة، نظرة
تقرن الجنس
بالمعرفة،
نظرة تكسب
المرأة
موضعا في
فراغ
اللوحة،
لتغدو عنصرا
فاعلا، تحرك
وتتحرك مع
عناصرها،
فبنات بحري
تتخذن
مسافات
متقاربة بين
بائع
العرقسوس
الذي لا يخفي
مشاعره،
والأب الذي
يحجم عن
الافصاح
عنها.
فالصورة
السالفة
للمرأة
الخانعة،
الخاضعة
تتبدد في
التمثيل
الجديد لها.
فتقف البنات
صامدات،
تتجاهلن
غواية بائع
العرقسوس،
ولا تأبهن
بالبنية
الاجتماعية
القائمة على
الأبوية. فهن
تتوسطن
نظرتين
متناقضتين
للمرأة:
المرأة
بوصفها أداة
متعة،
والمرأة
بوصفها جزءا
من بنية
أبوية،
لتظهرن
امكانية
النظر اليهن
برؤية
جديدة، فهن
تطرحن
منظورا
بينيا
جديدا،
يتحدى
البنية
السلطوية
القائمة على
علاقات
هيمنة وخضوع.
ومن ثم، تغدو
قراءة
اللوحة فعلا
أدائيا
يمارس
التغيير
الثقافي
باعادة
قراءة
العلاقات
التشكيلية
فيما تجسده
من دلالات،
مما يدعو الى
اعادة
النظرفي
المعتقدات
السالفة. وعوامل
الازاحة
التي شهدتها
الإسكندرية،
منذ نهايات
القرن
التاسع عشر،
فتحت آفاقا
جديدة
لتشكيل
ثقافة عبر
قومية تتصدى
للفوارق
الثقافية.
ويتجلى ذلك
في أعمال
اونيج
افيديسيان (مواليد
تركيا، 1898-؟)
الأرمني
الأصل، الذي
تدرب في
الاكاديميات
الاوروبية
قبل النزوح
الى
الإسكندرية،
ولم يتدخل
تأسيسه
الأوروبي في
توجهاته
الفنية
مثلما كان
الحال في
انتاج
المستشرقين.
فانتاجه لا
يقدم تمثيلا
للغيرية،
وهو الاتهام
السائد
الموجه
للمستشرقين (لندا
نوتشلن، 1991، 12-15).
بل تتطلب
لوحاته
قراءة تتعدى
الفوارق
الثقافية،
لصعوبة
احالتها الى
مرجعية
ثقافية
محددة،
واستيعابها
لأسباب عدة،
الى جانب
مراجعته
للتراث
البيزنطي
لايجاد موضع
للذات بعد
تعرضه للتر
حال المتكرر. ولوحة
العائلة (1946 - 48،
زيت على
قماش،
مقتنيات م.
تشاكدجيان)
تتناص ولوحة
من
الفسيفساء
ترجع للعصور
الرومانية (اكتشفت
في ثمويس،
ومعروضة في
المتحف
اليوناني
والروماني،
الإسكندرية)
كما تتناص
ولوحة
المدينة
لمحمود سعيد.
والوعي بهذا
القناص يؤكد
ضرورة قراءة
التمثيل
المرئي
السكندري
بوصفه
تمثيلا
لمدينة أو
سياقا
ثقافيا
تتنازع /
تتفاعل فيه
الهوية /
الخصوصية
والرغبة /
الغيرية.
والعائلة
لأفيد سيان
تحتفي
بمثاليات
الترابط
الاجتماعي
المتمثلة في
الأسرة التي
تتوسط
اللوحة، كما
تستدعي ما
يختزن في
الذاكرة من
معارف تتمثل
في ألواح بين
يدي شيخ حكيم
يمارس دور
المعلم
ويشغل
الجانب
الأيسر من
التكوين.
ولكن هناك
ايضا وقتا
للمرح
والرقص او
الاحتفاء
بالزمن
الآني تمثله
الفتيات في
أقصى يمين
التكوين.
ويمكن قراءة
اللوحة
كوحدة كلية
او كثلاثية
يجمعها اطار
واحد. وان
كانت
العائلة
تتناص وما
سبقها من
تمثيل مرئي
سكندري فهي
تسهم بقراءة
جديدة
للطقوس
الحياتية
والروابط
الاجتماعية
في سياقاتها
العامة
والخاصة.
والتشكيل
يضع الشخوص
في
الأمامية،
ويمتثل
بالتساوق
المعماري
الى حد تجميد
الحركة
لتنسيق
الايقاع.
فالتساؤلات
الاجتماعية
التي تشغل
أفيدسيان
فيما يخص
علاقة
الأسرة
بالتاريخ،
وموازنة
الحياة بين
الجد والهزل
هي تساؤلات
تثير إشكالا
فنيا،
يستلهم
الفنان
حلولا له من
التقنيات
الفنية
المستخدمة
في
الايقونات
البيزنطية،
فهو يطرح
واقع
العلاقات
الاجتماعية
في صراعها
بين الجد
والهزل في
تكوين يكاد
يكون ثلاثي
الأجزاء (مثلما
المعتاد في
الايقونات
البيزنطية)
مما يتيح
للمشاهد
حرية ايجاد
العلاقات
بين الاجزاء
التي تمثل
تكو ينات
مستقلة
ومترابطة في
آن. وقد
تبدو لوحات
افيديسيان
وكأنها
تتناول
موضوعات
سرمدية
لافتقادها
البعد
التاريخي
الآني. ولكنه
يهدف الى
احياء صور من
ماض ولى، يرى
ضرورة
ادماجها في
حاضر ذي موضع
تاريخي
وجغرافي.
وربما
استلهم
رؤيته
المتخطية
للازمنة
والامكنة من
التجربة
السكندرية
التي مزجت
الثقافات
على مر
العصور، مما
شجع
الفنانين
النازحين
اليها على
التجريب في
التقنيات
الفنية
بالاستفادة
من كافة
الثقافات
متجاوزين
الامس
الجمالية
الكلاسيكية.
ولوحة
السباحة (1949،
زيت على
قماش، متحف
الفن
الحديث،
الإسكندرية)
هي تمثيل
لامرأة لا
تنتمي
بمظهرها الى
مكان أو زمن
محدد، كما
يبتعد
المشهد
المحيط بها
عن التمثيل
الطبيعي. وقد
توحي اللوحة
بأنها تمثل
الإسكندرية -
حورية
البحار- وهي
كانت تمثل في
الفن
البطلمي في
صورة امرأة
البحار، مع
اختلاف
التقنية
المستخدمة
هنا، والتي
تصور
الإسكندرية
بوصفها
مكانا يتعدى
حدود
الامكنة،
فالسباحة
تمثل تزامن
الحقب
التاريخية،
بمزجها
لتقنيات
الحداثة
والقدم في
التشكيل.
فملامح
السيدة توحي
بأنها
عصرية،
مقدمة على
الحياة،
بينما تضفي
عليها
انحناءة
الرأس - وهي
مستمدة من
الايقونات
البيزنطية -
سمة التروي،
فهي مقدامة
دون مجازفة.
أما زيها
فيمزج الملس
المصري
القديم في
غطاء الوسط،
بعباءة
الاساقفة
والنبلاء في
العصور
الوسيطة،
لتبدو في
علياء يدحض
النظرة
الذكورية
المتلصصة
للمرأة كما
مثلها
المستشرقون.
وتعد
السباحة
جزءا من
المعالجة
التشكيلية
واللونية
للمكان
المحيط، فهي
معالجة
تبتعد عن
التمثيل
الطبيعي. كما
يصعب تحديد
مصدر الضوء
في التكوين،
مثلما الحال
في
الايقونات
البيزنطية،
ووظيفة
التظليل هنا
ليست
للايهام
بالواقع، بل
لربط المرأة
بالأرض،
وتوثيق
العلاقة
بينهما. وفي
استخدام
التظليل -
وهو تقنية
واقعية - في
تكوين لا
واقعي،
مفارقة
تاريخية
المقصود بها
تخطي
الأزمنة
والامكنة لا
لمجرد
الخروج عن
التاريخ، بل
لاظهار
الطبيعة
المركبة
للمرأة /
الإسكندرية،
مما يدحض
الآراء
التقليدية
للانثوية /
الهوية،
أحدى
القضايا
الرئيسية
التي
تناولها
الفنانون في
العالم
آنذاك. تبارى
فنانو
الإسكندرية
وفنانوالفرب
في معالجة
الهموم
المعاصرة،
بالاستفادة
من التجربة
السكندرية -
فيما تمثله
من تعددية
السياقات
التاريخية
والجغرافية -
ببعث
العناصرا
لمرئية
المحلية
التراثية
لتوظيفها في
التحديث
التقني.
وتوصلوا
بذلك الى
حلول جديدة
تبتعد عن
التقنيات
الاوروبية
الاكاديمية،
ولذا ظل
انتاج
السكندريين
مهمشا الى
عهد حديث،
فهم يختلفون
عن فناني
المركز
الاوروبي،
ومبعدون من
قبل
القاهريين
لاتهامهم
اياهم
بالولاء
لخلفيتهم
الأوروبية،
وهذا الخلاف
مثار للجدل
حتى يومنا
هذا. وربما
نجد في اعمال
مارجريت
نخلة (1908- 1979) ما
يعيد النظر
في تلك
الاحكام
المطلقة،
ففي مجموعة
لوحاتها
التي تمثل
باريس في
الخريف ما
شجع النقاد
على ربطها
بالانطباعيين،
بينما لم يكن
الانطباعيون
المصدر
الوحيد الذي
استوعبت
مارجريت
تقنياته. ففي
لوحة بورصة
باريس (1945، زيت
على قماش 99× 80سم،
متحف الفن
الحديث،
القاهرة)
تبرز لنا
الفنانة
امكانات
تصويرية
هائلة كامنة
في مشهد يومي
يمثل تكالب
البشر على
المال في
رؤية
كوميدية
ساخرة
لملهاة
الحياة.
فالمشهد
مفعم
بالحركة
التي
نتتبعها في
ضربات من
البقع
اللونية
المتكررة في
تكوين دائري.
وتتكدس
الشخوص
الممثلة في
ايقاع متسق
وتشغل فراغا
ضيقا حول
مركز غائب.
والحركة
الدائرية
المتلاحقة
للجماعة
تحجمها
المسطحات
ذات الخطوط
المستقيمة
التي تشكلها
الحواجز
الحديدية في
الخلفية،
وكذلك
الحوائط
الجانبية.
فعلى خلاف
الانطباعيين،
لا تقدم
مارجريت
نخلة رؤية
لحظية، بل
حالة
استمرارية
تتولد عن
حركة
تبادلية
متكررة. ففي
داخل السطح
الدائري
تمتد الأذرع
في حركة
جاذبة نحو
المركز.
وتنسلخ بضعة
شخوص عن
دائرة الحشد
لتتجه نحو
حواف
التكوين،
مما يوحي
بحركة طاردة
من المركز.
وتتراءى لنا
الحركة
التبادلية
بين الجذب
والطرد
المركزي من
منظور علوي،
يستخدم
امكانات
المنظور
الثنائي في
تحقيق
المنظور
الثلاثي
الأبعاد. فتوازن
ايقاع
الترددات
اللونية
التي تمثل
الشخوص في
فراغ
التكوين
يتولد عنه
ايقاع زمني
يوازن بين
الحركتين
الدائريتين
الجاذبة
والطاردة
معا.
فالتوازنان
اللوني
والحركي
يفضيان الى
ترابط زماني
ومكاني في
تجربة مرئية
تقيم علاقة
تبادلية بين
المنتج
والمشاهد،
او الفاعل
والمفعول به.
تلك التقنية
تتحدى
مركزية
المنظور
الغربي من
جانب، ومن
جانب آخر
تتصدى الى
لامركزية
الوحدات
المتكررة في
الفن
العربي،
التي تمثل
شكلا من
أشكال حلقات
الدوار
مثلما في
رقصة
التنورة،
الرقصة
الصوفية
المؤدية
للهذيان.
فتلك
الموازنات
تبرز
التفاعل بين
الحركة
والثبات،
دون
ادماجهما او
نفي احداهما. وهناك
تكوين دائري
آخر في لوحة
الحمام (1948،
زيت على
قماش، 100× 80سم،
متحف الفن
الحديث،
القاهرة) وهي
تعتبر
محاكاة
ساخرة للوحة
الحمام
للفنان
الفرنسي
انجر (1859- 63)Ingres زيت
على قماش 42سم،
متحف
اللوفر،
باريس) فلوحة
انجر تمثيل
لا واقعي
وشهواني،
يعمل حمام
مارجريت
نخلة على
نقضه حيث
تقدم ملهاة
ساخرة
للحمام الذي
ظل مثيرا
للتلصص
الذكوري.
فالأجساد
النسائية
عالجتها
مارجريت
بالمبالغة
في الشكل
لابراز
القوى
العضوية
الكامنة في
النسوة،
وتكاد تكون
التقنية
التشكيلية
المستخدمة
هنا أقرب الى
التلقائية
لاظهار
بساطة تلك
الشخوص، فا
لنسوة قد
تحررن من
القيود
الاجتماعية
المتمثلة في
الملبس،
ولكن لا
تتعمدن
الاثارة
الجنسية. ففي
هذا السياق
يفد ونزع
الملابس
تحررا من
القيود،
ويفد
والحمام
مكانا
للابتعاد عن
المراقبة
والاستجمام
وهو حق مكفول
لهن. فالغرض
هنا ليس
تعريض أجساد
النساء
لمتعة
النظرة
الذكورية
التي
استباحت
استرقاق
النظر اليهن
في خلوتهن.
فالتكوين
الدائري
يعترض على
الرؤية
المركزية
الملازمة
للذكورة،
ويتيح لرؤية
أكثر تشعبا
عبر
المسطحات
الدائرية،
يتوسط
التكوين
حمام
مستدير،
وتعمل
الاقواس
الخلفية على
ترديد
الحركة
الدائرية،
وتتوزع
المستحمات
في تشكيلات
ثنائية لضبط
الايقاع في
المشهد الذي
يوحي
بالارتباك
ويضج
بالحركة. وان كان التكوين لا يمتثل بالقيم الجمالية الكلاسيكية فذلك لا يعيبه، فالمقصود ليس دعم المفهوم الاوروبي للجمالية بل تقديم رؤية محلية تبرر التقنية المستخدمة. فهي تتجنب الرؤية الذكورية الغربية التي تضعف المرأة بجعلها مثارا للشهوة، ومن ثم قمعها، وتعمل مارجريت على دحض تلك الرؤى بتمثيل القوى الفطرية الكامنة التي تظهر عند تحررها من العوائق الاجتماعية. والقدرة على التحرر من القمع الاجتماعي عادة ما تتوافر لدى الطبقات المهمشة، وهي طبقة غير ممثلة في الخطاب المهيمن، ومن ثم لم يهتم أحد بتمثيلها وبالتالي قد تم تنميطها في قوالب اجتماعية تتكيف مع |