رحلة نوح الأخيرة

سالم الهنداوي (كاتب من ليبيا يقيم في قبرص)


الرواية الأولى: خرائط الفحم (نثرية المكان كما جاءت في التداعيات الأولى لقمر ديسمبر الشتاء)

النثرية الأولى

... في خرائط الفحم، يقف السوريالي وعلى أصبعه قطة سوداء ولسان نار. يلبس قوس قزح خريفيا، وينظر إلينا بتلسكوب بؤبؤ عينيه.

يرانا وقت

نمضغ اللغم...

نتعرى في البحيرة

نسبح ولا نعود

مقاعدنا تقص على الرمل حكاية المدينة كان في الغابة شبحان

تقاسماها وقاتلانا.

... في خرائط الفحم، يقف...... حائرا بين كفيه كتاب

في الكتاب صفحتان غيرهما الزمان.

نبذره...... فينا.

... في خرائط الفحم أقف في باحة السؤال أتجدد

فتتجدد في السخافة

أركب سحابة، ربما غمامة

تمطرني إليكم أشلاء.

... في خرائط الفحم، خيال المرايا، حريق الظل.

أحد ما، من ذاكرة طوفان الحب، يشرب قهوته في غابة الورد،

ويستحم بالنبيذ.

وأحد ما، من ذاكرة الشعوب، يشرب قهوته في غابة الجثث،

ويستحم بالدم.

تصير فلسطين "لبن" وحرائقها غليون أمريكي

يصير الكون "بن" يعده الدرك، يشربه الخواء.

في الخرائط، يتداعى الحب المطمور في الرائحة

... ربما هو... بديل الفحم.

النثرية الثانية

ربما..

رأيت ظلي يحترق

فيطفئه المساء..

ربما..

أنا وأنت..

فتحنا الباب ذات مساء

فرأينا في المرآة

أمنا و(...) يخطئان

فينام بيننا الجمر

ربما..

في هذا المكان أتأملك كثيرا ثم فجأة تختفي

يصير أثرك نارا تحرقني.

ربما... أيها الصديق

كانت هذه آخر قهوتنا

ونمضي الى السؤال

هل أدركت الآن حدسي؟

- ربما....".

التداعيات الأول

... في مطلع قمر ديسمبر الشتاء... الليل دخان الاحتراقات البعيدة. والبحر، امرأة تستلقي في الفراغ الكبير، وتمشط شعرها بقسوة النساء اللائي تأخرن عن موعدهن. من صاحب الوعد في هذا المساء؟

ماذا سيقول عنا هذا القادم الى مدينة الفحم؟ أصابع من أطراف تتلمس الأبعاد القريبة وتتحمس كم من الوقت هطل المطر، وكم من الوقت يجف المكان، وكم... على جدران الفحم وتشتعل النار.

سيقول عنا، نحترق فيها رغم كل الأبعاد... قمر ديسمبر الشتاء، شاهد سماوي، بل هو المرآة الهاطلة من السماء يلتحف ببعض السحابات العاقرة بعد هتك الركامات الدسمة.

هذا الفحم، هيهات.. يحتفظ برطوبة مطر واحدة عمرها أنفاس طفل يرتجل الضحك، أو لحظة جذل عابر.

ثم إن الشتاء ليس سحابة ويمضي. انه البحث في هذا المكان. برد ومطر وريح. مجموعة لا بأس بها من الليالي طقوسها رعد وبرق وخوف.

هذا الليل الذي بدأ في مطلع قمر ديسمبر الشتاء، هو الزمان بعينه. وهو الغناء والرجع، بظلمته ودخانه وعيونه وخوفه..بحسه ولمسه. بالتفاف كل الأغشية الكونية حوله هو. هو.. الخراب بعينه. هو.. هو الشتاء وكفى..

قال القمر:

"إرادة واحدة حسبت كل أهل المدينة، ودسوا رؤوسهم في صدورهم!"

قالت السحابات العاقرة:

"لكنهم لن يدركوا أنهم جميعا الآن في بيوتهم، وكل واحد بدأ بنفسه دون أن يشاور الثاني، دون أن يرده.. هكذا هم الآن اتفقوا جميعا على مغادرتنا".

قال القمر:

"... بل على هجرنا".

تقلبت امرأة البحر المزدانة بالفوضى وقالت:

"حبلت هذا المساء لوحدي.. حبلت بأنثى في جوفها ولد، هل تصدقون، تزينت هذا المساء لأجلهما..!".

قال القمر متعجبا:

".. في هذه الريح، وأنت تموجين كإعصار..؟!"

قالت امرأة البحر:

"كلا.. أولاتني الريح، كنت أغني.."

قالت السحابات العاقرة:

"تبا لك، امرأة تحبل بلا رجل".

"رجلي حزن مدينة الفحم يا عاقر، ورجالك من صلبي، أنفخهم إليك ولا تنجبين. أخواتك يحبلن ويلدن ويتعاطين الفرح مع زبدي. أنت هكذا ولدت عاقرا وستتلاشين عاقرا...."

- وجه المدينة الأسود يكتب حزن الليلة بالريح التي تقهقه الآن بين سيقان الفحم الحجري. وفي الزوايا المدببة تعزف شقيقاتها لامرأة البحر التي تعوي وتلفظ الأنثى التي.. في جوفها ولد.

-... المرأة، القمر لبعض العيون، الشاهد على هذا الخبر، تسمسر عن عينيه السحيبات، غشاوة التركيز.. وهو، القمر، يطالع في جمال الأنثى وهي تبلل الرمل بالدم الأزرق الوردي. والموج يدفعها عن الرحم النقي، والريح تزأر، والرمل المشبع بالدم. وهذه امرأة البحر مازالت كعادتها الأبدية، تستلقي في الفراغ الكبير، لكنها الآن في كبرياء المرأة التي ركبت الحصان المعدني، وطافت تقاتل بأرض الحاكم الحديث. ثم عادت بعد وقت تتوسد يبابنا وتنام..

الشاهد.. القمر/ المرآة لبعض العيون السفلي، رأى فتاة كحواء، جميلة وفاجرة. تتقوت نصف تفاحة، ويتلاش النصف الباقي في البحر. قاتلتها أمعاؤها، اعتصرت، تقلبت على الرمل العارية، ثم شدت بأصابعها تقبض على الفراغ، تصرخ.. ثم تبعثرت بفوضى. امرأة مبعثرة، ممزقة.. وعلى ساقيها تشكل مجرى الدم، وعشب الرحم يندلع خلف الولد النائم. يكبر الولد عاريا ثم يرحل عن الجسد الهامد. لكن الشاهد حين رأي كتلة اللحم تكبر، وتجر أطرافها فوق الرمل باتجاه المدينة، احترقت أعشاب الرحم كالوصية، وأمه تلم شعرها وتتزين.. ثم غطت بركة الدم بالرمل. وبينما كانت تبحث عن الزاحف نحو المدينة هجم البحر وخطفها.

حينها صرخت السحيبات العواقر:

"تبا لك."

فضحكت امرأة البحر وقالت:

"ربما..ربما أحبلها الآن رعد، أو سحابة غير عاقر.. أو أعيدها إلى طفلها العاري في مدينة الفحم.." وتوارت ضحكتها في الخواء السحيق تجلجل. والقمر أفاق بعد وقت من دهشته ودس رأسه خلف السحاب. القمر.. هذا الآفل، شاهد غير ناطق. هذا القمر الديسمبري في شتاء هذا العام المتأخر سيدفع الثمن في ليلة ذكرى ميلاد المسيح، ولو لم يقل للرجال الذين سينهضون بعد قليل من غطهم "أن البحر متآمر.. احذروا ولدا ربما يكون عاريا، لكنه لا يشبه أحدا.. رائحته قدرية، ويحن إلى الشطآن."

من حالات التكلس ولدت هذه المدينة. كانت وسط العالمين.. ويشقها خط جرينتش. ومنذ ألف عام تنازعت عليها جيوش الغرب والشرق، الذين لفظتهم أمهاتهم وهن يزنين مع فلاسفة وعباقرة القرن السادس عشر، حتى الثامن عشر للميلاد. ربما.. ربما لم يقل لنا يوما هذا القمر المشاكس رغم صمته أن أم هذا العالم تتعاطى الأفيون الصيني، وتتعاطى الجنس مع البهائم. غير أن مناهجهم التربوية مجرد طقوس عشائرية منذ مات ذلك الواعظ في الصحراء، وهو يطالع عامه الهجري ونجوم يونيو ويوليو بعد الميلاد.

- مدنية من فحم /هذا ما تبقى من كل شيء..

هو احتراق الشيء في عالم تضاد.. احتراق المرمر بعد كل الأحوال. حتى الحرب العالمية الثالثة التي كان قبلها بدقائق الطفل يلعب مع قطته. بعد دقائق، أصبح الطفل فحما متشنجا، والقطة فحمة تسأل.

..ألا يحق بعد كل هذا الصمت أن تدلي بشهادتها كل الأشياء.. السماء والبحر والقمر والنجوم.. وأمهاتنا المنفوخات منذ اقتسام التفاحة.. والعمر المديد...

مئة عام قد تقل أو تزيد، وكتب الله تعيش غربتها فينا قبل احتراق الفحم. كل شيء فحم، الجدران الصخور الوجوه.. رماد...

... قابل في الرابعة أن يشتعل ثانية.

سأل القمر نفسه سؤالا:

"أنا ابن (...) الذي لا يتكلم.. لا أدري لماذا أشنق هكذا؟! فأجابه الملأ:

"لتقرأ كل شيء"

ثم بكى. شعر بالانشراح وبكى، وأغمض عينيه يهذب نفسه.

-... بعد وقت من عمر مكلل للفضاء، تنادى فيه السحاب وجمع حرابه وأقواسه.. ثمة رجل وامرأة عاريان يقاسمان اللذة.

نهضت الريح من حيث لا يدرك الفراغ، وقالت في المكان:"أنا!"

فرد السحاب واثبا:

"بل أنا!"

فتعاركا/ الريح تضرب والمطر. هاهما الآن يتقاسمان مدينة الفحم

نحت وبلل

الرجل يزأر والأنثى تفترس.. ثم فضت الريح بكارة السحاب في حضور النشوة

قبل الرجل نهديها قبلة نازية، ونام. ونامت الريح في حضن السحاب.. وكذلك القمر.

استسلمت للراحة حيطان الفحم، ونامت هي الأخرى تحضن أولادها التعساء الواجمين، وفرسانها وجبناءها. تحوي الرجل الذي نام، والأنثى تعقد خصلة من شعره وتستذكر.

- لاذ ابن البحر في المدينة عاريا. يتخطى الموتي وواجهات النوافذ. لا ذاكرة له سوى التعب. الليل كله فحم يلتمع وتعاريج قصيرة وطويلة. والطقس في الهزيع الأخير.. ربما.. كان القنبلة الزمنية /.. تك.. تك.. تك.. ستنفجر بعد قليل. أو أنه ربما،

الزمن توقف وأطبق الصمت أذنيه.

سقط ابن البحر في عرض الشارع، وذاكرته الآن كأنه طاف شوارع سوداء، وسقط إلى أرض مبتلة وباردة.

في الصبح عندما أزاحت الشمس القمر، وبانت شعلتها الأولى، خرج رجل مشوه، مسوخ الحرب العالمية الثالثة. رأى ولدا عاريا ملقى في شارعه الخامس، يتوسط بعض الجثث المفرغة. أسرع إلى اللحم الأبيض جاحظ العينين، وخطفه إلى بيته دون أن يرده أحد.

... والشاهد الآفل، أين هو الآن في هذا الفضاء الذي تملكته الشمس؟!

غطاه بعباءة جيش بالية. دعك له جبينه ورقبته الناعمة بالزيت. صار الجسد الأبيض الناعم حاميا وأحمر ثم نز بالعرق. صامت ابن البحر وغائب. مدده الرجل المشوه على الفراش وأغرق يديه بالزيت وطفق يدعكه من رأسه حتى قدميه. اهتاجت نزوة الرجل وارتعد في حمية /... تسلقه عاريا.

- ديك الكابتان المجاور، الوحيد في المدينة، لا يصيح إلا متأخرا.. وبعد وقت من العبث في البيت المهجور، يفتش عن الكابتان الذي اختفى وراء بذلته العسكرية. هيكله العظمي يجلس مرتاحا على كرسي مكتبه المغبر.

فور انتهاء الرجل من لهاثه المحموم بعد صياح الديك، تحرك ابن البحر.. فاقترب منه الرجل البشع يتأمله في فضول، يمعن في عينيه الزرقاوين ورموشهما الكبيرة.. قال: "من أنت أيها الفتى الجميل؟!" نظر إليه الولد طويلا والسحر في عينيه يذهل الرجل الذي اقرب منه أكثر، وسأله مرة أخرى بتودد: "أنا أسألك أيها الفتي.. من أنت؟!"

مسح الولد جبينه وخديه، ورفع خصلة شعره الكستنائي الناعم عن عينيا البعيدتين،وسافر يحدق في عيني الرجل، والرجل يتأمل ويسأل فاغرا فاه:

"... ها، لم تجب.. من أنت ومن أين أتيت؟!!" تحركت شفتاه الحمراوان / تمتم قليلا/... وفتح فاه كاشفا في لحظة عن لسان أزرق ولثة زرقاء ذعر الرجل وارتمى إلى الباب يكتم صرخته.

كانت همهمة الفتى، موجا وعاصفة. صباحهم ثقيل، صباح المدينة السوداء. من يفيقهم إذا كان ديك الكابتان ينهض متأخرا؟... يبحث عن ذاته المفقودة وقتا ثم يصيح. من يفيقهم إذا كانت الرغبة تساوي صفرا في حسابات الموت المعلن؟!

الليل زمان أسود

... وهذا النهار القادم ليس سوى نهار مرتد وبليد. أضاع ليله الطويل لحم جثث الربابنة والقادة العسكريين.. حتى أن حفنة القساوسة على رصيف المعبد المدك رأوا يسوع يستحم بالخطايا.

.. لمن يسبحون لغير الرب الباقي في بعض الناس. خرج الرجل البشع يصرخ في الملأ:

"لقد رأيت ابن الحروب يستفزني. آه لو كنت أعلم لما فعلت فيه، هذا الابن الوريث.."

راوه يجري، نظروا اليه نصف مغمضين ولم يبالوا. كانوا جالسين الى الأرض يدعكون مفاصلهم ويهرشون. والنساء تئن، وهن يرضعن صغارهم البراغيث. كانت أثداؤهن رخوة..

يجوب بها الأطفال حول بعض الكلاب القذرة وهي ترني في تاريخ هذه المدينة الأم بعد الحرب العالمية الثالثة. كست جلودهم طبقات سميكة سوداء، جعلتهم لا يبالون بديسمبر الشتاء. وجماجم علق بها بعض اللحم تتذكر خطيئة آدم وخطايانا.

- .. لقد جن الرجل جنونا عظيما، يبرهن أنه نام مع ابن البحر ليلة كاملة، وكان لسانه أزرق ولثته زرقاء مثل البحر. تلك السحابات العاقرة فك عنها الرب وبكت. سقطت تغسل خطيئة هذا الذي فعل في ابن البحر. وحدها كانت تعلم، والقمر السجين في الغياب.. ان هذا الفتى الوسيم، الذي يشبه سيدنا يوسف، هو ابن البحر وليس وريث الحرب كما يزعم المجنون الذي طاف ببرهانه على الخلق جميعا. كان يطوف ويقول: "انظروا... لقد ضاجعت وريث الحرب، لابد أن نعثر عليه ونصلبه أمام المعبد.. أنت أيها الأب الطيب، ارفع يديك الى السماء وآتينا به.."

كان القسر ينفر منه ومن دليله المتدلي.

"أغرب عن وجهي لعنك الرب.. أغرب لعنك الرب على هذا البلاء.. أنت ملعون، ملعون الى يوم الدين ". والرجل يتشبث بجلباب القس:

"سبح لهذه اللعنة أيها الأب الطيب إذا كانت أكثر من هذا المسخ الذي تراه عيناك الكريمتان، وأكثر من هذا الفحم.. يدك أقبلها أن ترفعها إلى السماء، ليس من أجلي. بل من أجل المطارنة الذين ماتوا من أجل يسوع...".

ثم رأى بأم عينيه الدامعتين، النساء يركضن وراء صغارهن الذين طاروا بلا أجنحة. وقفوا على نوافذ عمارات الفحم يترقبون الفتى الأسطوري ابن البحر الذي نفذت رائحته من جهة البحر يتلألأ في السطوع المؤقت لشمس ديسمبر المنهكة.. وعادوا.. عادوا يغطون السماء ويرجمون القس ويفرون. سحاب كثيف مقبل. علت عاصفة. صمت الجميع في وجه العاصفة والسحاب الأسود. هجم الدخان الأسود على المدينة السوداء. احتمى الجميع بجدران الفحم.

والقس يرجو الرب وسط الساحة المستباحة. ما لبث حتى قفز مثل كلب إلى الجدار. الساحة في هذا الإعصار ملك للرجل وخطيئته. ظل يصرخ ويرجو الرب، والقس يقذفه بالحجارة من بعيد ويلعنه ليتوقف:

"توقف عن صلاتك أيها الملعون.دع عنك الرب أيها الوغد... ستموت.. حتما ستموت...!".

لكن الاعصار كان أقوى من كل الأيادي، ومن كل الدعوات فحجب عنهم في زوبعة توارى فيها.. ثم.. ثم هدأ الاعصار. ليس للرجل أثر. هرع القس الى الساحة يصيح: "ها هو الرب قد استجاب لدعواتي، وخلصنا من هذا الكافر الذي ادعى الخوارق.."،.

وفيما كان الجميع ينصتون ببلاهة ويجرون خطاهم عائدين الى بيوتهم المعتمة، سمع القس هاتفا يقول له محذرا: "إنس أيها الأب حكاية هذا الرجل...".

ركع القس وحيدا واجما داعيا المغفرة... في حين كان البحر يطلق على الرجل حيتانه الصغيرة الجائعة دون أن تقطع أنفاسه.

مزقت جسده الحيتان أمام مرأى من ابن البحر الطافر في الخيال..

ثم راه حقيقة أمامه.. يتقدم صفوفا من الذكريات الحمقى، وعصر له خصيتيه حتى قطع نفاسه.

.. قبل المغيب، وبينما كانت إحدى النساء تحمم طفلها على الشاطيء رأت جثة الرجل تطفو على سطح الماء. عادت وجلة تركض إلى المدينة وطفلها يقول:

"لا تصدقي بعد الآن أي كلمة يقولها القس يا أماه ".. وبينما كانت تصعد الشارع الرابع صادفها القس يحضن خنزيرا صغيرا. ارتبك لرؤيتها وهي تجري.توقفت أمامه وتفلت عليه.

فأطلق سراح الخنزير وقال:

"لا تغضبي هكذا يا امرأة، كنت أداعبه وأنا في طريقي إلى المعبد...".

فقاطعته غاضبة:

"لست بسبب الخنزير أيها الأب الخبيث، لكن بسبب الآلهة التي تطفو الآن فوق الماء وهي في طريقها إلى الشاطيء..!

كم القس فاه المرأة يسألها بدهشة:

"ماذا رأيت بحق السماء؟"

فقالت وهي تهرب منه قبل أن يسدل الليل:

"لقد رأيت الفاعل في وريث الحرب يطفح عاريا فوق الماء".

النثرية الثالثة ربما...

كان الليل رحمنا الكبير

يحبلنا مده

هذا طابور ميت

هذا يشقى

هذا،لا شيء

ربما..

يكرهنا الليل

يطاردنا مده

ثم يلفظنا بصقه

ربما...

صبحنا عقابا لا يقرأ الإنجيل يقرأ(الإرهاب والحرب والدمار).

صبحنا عقابا لا يرتل.

يقرأ برهتنا / عزلتنا

يقرأنا...

ربما.

النثرية الرابعة

- كلما أحسسنا أن الآلهة لحم

صرنا فقراء

جثة من فحم -

 

التداعيات الثانية

- .. في المدينة الفحم، لا يدري أحد من أين هجم عليهم نباح الكلاب. صداها عنيف على الآذان. وكأن هذا الليل استهل آياته بهذا النباح الحاد منذرا عن دهشة جديدة لم تعشها المدينة منذ زمن.

كانت السماء قمرا محترقا، تنفث دخانا سرابيا، وأحجار الفحم تلتمع في الندى المحسوس.

اجتاح المدينة ألف جندي مشوه. كانوا في المدينة يهمهمون بلغات الحرب، ينذرون الحرب، ينذرون الطبيعة الكائنة بالزوال. لا أحد كلمهم. كان أهل المدينة الغرباء عن أنفسهم يطالعون المشهد الجنائزي بصمت. يطالعون المشهد الجنائزي بعيون غائرة. حتى أن بعضهم اعتلى الشرفات والنوافذ من أجل الذاكرة.. فهذا النباح ينذر بتلك الليلة العجيبة التي تكررت في خيالات الفحم.

ارتعبوا بغتة اثر الدوي الحاد، وأطلوا ببلاهة يرقبون جثث الضباط وجنود الصف من المشاة المتناثرة الهامدة على طول الشوارع والأزقة والميادين السوداء. تحويهم جدران الفحم اللامع مع الندى، يمتص الأسفلت البارد الدم والصديد ويبتلع دود الحرب هشاش العظم.

المرأة ذات الوشم، والطفل والقس، هم الواجلون المرتعبون المحاصرون. اجتاحهم الرعب فساقتهم أقدامهم إلى المعاقل. التحف القس بجلبابه الأسود وهرب...

لكن بعض الوفاء ليسوع شده الى الوراء.. الى شاطيء البحر حيث تطفو عين الشاهدة. هتك القس باب الدار هتكا، وصدى النباح في أعقابه.

أما السيدة الصعبة فأول الأبواب المخلوعة من أثر القصف عزمت قضاء ليلتها. ابنها ما كف لحظة يبحلق في الفراغ والظلمة ولم ينبس بكلمة. ينصت في صمت الى عظمة السكون. خيم الصمت على المدينة. لا صوت الآن يباغت السامع غير موج البحر من بعيد.

تسلل ضوء القمر خلال الباب المخلوع. قال الطفل يتمتم: "... كيف سكتت الكلاب يا أمي...؟!".

عادت مفقودة. عادت ينير لها القمر الطريق الى شقتها في الدور الرابع من المبنى المهجور. عادت مقسمة الى أحوال، في خاطرها رؤية الجثة الطافية. وفي خاطرها لو ذهب القس وراه. وأن يمضي الليل هكذا ولو ساعات حتى تنام، أو أن تموت قبل أن تسقط باكية.

أفاق الطفل الفؤاد يسأله:

"لابد أن في بطن ذلك الرجل سمكة، أو خاتم أبي. ألم يكن في أصبع أبي خاتم وهو يحارب