محمد مهدي الجواهري
آخر الكلاسيكين وحامل لواء البلاغة وحافظ اختام العربية

فاطمة المحسن (ناقدة من العراق تقيم في لندن)


ثلاثة أجيال من العراقيين وضعت الجواهري في منزلة الثوابت من تأريخها مثل أسماء الانهار والمدن: الجيل الأول الذي عاصره، ثم الاخر الذي أدركه في مرحلة زهوه الكبيرة في الشعر العراقي، بيد أن من الصعب ان نتخيل استمرار الاجيال الجديدة على هذا النهج في تذوق شعر الجواهري، أن ان بمقدور قصائده الحماسية ان تثير لواعج وطنية لدى من لم يدرك المراحل التي كتب عنها الجواهري، فالجواهري هجر الشعر السياسي الذي كان مسرحه الرحب قبل أزيد من عقدين من وفاته، ولكن المؤكد أن التاريخ سيحفظ له مكانة في الذاكرة الجمعية مثلما يحفظ دارسو الادب تلك المكانة لشيخ الكلاسيكين العرب، وربما تنسخ تلك الاهمية، المناسبة السياسية التي ابهظت شعره بحولتها، ونحسب ان قصيدته كلما تحررت منها، تطورت امكانية قراءتها الفنية بتجرد، فهي تدخل زمنا طليقا يسهل من خلاله معاينة تضاريسها على نحو أكثر موضوعية.

حدد الجواهري لنفسه موقعا في قلب التاريخ العراقي بما عاش من عمر مديد، وما أرخ من أحداث جسام، وما أثار من زوابع خلال سيرته السياسية والأدبية، شاهدا على قرن بأكمله من عمر العراق المعاصر، وكأنه كان يستعيد موقع راوي الملاحم في ثقافة الاغريق كما وصفه جبرا ابراهيم جبرا.(1)

بيد ان الجواهري الذي قضى ربع عمره الشعري خارج وطنه منفيا بارادته او بارادة الحكومات التي ناصبها العداء، بقي محتفظا بهالته الخاصة أشبه بلغز يعز على التفسير، فكأنه وكأن شعره ما غادرا العراق يوما، وكأن المنفى الشخصي على التباساته وتبار يح البعاد عن البيت والصخب والتخلي عن التفصيل اليومي لمحبة الجماهير واعتزارها، أشبه بدار استراحة لم يستطع الشاعر فيها بناء زاوية شعرية خاصة به، أي انه لم يكن قادرا على تحويله الى منفى شعري كما حدث مع تجارب الكثير من الشعراء الكبار.

كتب الجواهري قصائد الحنين الى العراق التي تعد عيون شعره، بيد ان تلك القصائد لم تغير طقس شعره الا لجهة ابتعاده عن المناسبة السياسية، كما ان اقتراب تلك القصائد من النازع الوجداني على نحو جديد، يشير الى تشكل حساسية شعرية تتقدم فيها حوارات الذات على الاتجاه المنبري الخطابي الذي ترك أثره البين على شعر الجواهري. من الصعب ان نسب تلك القصائد الى ما يمكن ان نسميه شعر المنفى، فشعر الجواهري شعر مستوطن في مدينته

الأولى، النجف، التي تشكل قصيدته معلما من معالم عر اقتها، كمدينة حفظت العربية من الضياع في العهد التركي واستمرت على هذا التقليد الذي يمتزج فيه الطقس الديني بنازع الاعتراض السياسي.

ورغم كل الذي كتب عن الجواهري يتوجب ان يعاد السؤال من أوله: من هو الجواهري هذا الصوت الهادر الذي يتوغل في رحاب الفصاحة حتى يكاد يغمض على جماهيره الذي رفعته فوق المنازل الشعرية: هل هو ظاهرة سياسية أو إشكال طائفي أو هو العراق ممثلا باحتداماته القسوى، وعند مفترق الرغبة في تحقيق موازنة لتناقضاته؟

الجواهري بدلالة شعره، يجمع الى شخصية منشدي الملاحم، مموت ممثل معترض لا يهدأ له بال على مسرح الاحداث، وعندما ينزل عن عرشه، يجسد روح فنان في توقه الى ان يجد لرغائبه الصغيرة والتباساته الشخصية حججا تقرب من القداسة، انه صاحب نزوات في الشعر مثلما في الحياة، و:اك يجعل من صوته الخاص وانطباعه الشخصي مادة تفزي ملاحم انشاده.

على ان العراقيين يختلفون في تصنيفه سياسيا، فبعضهم اعتبره يساريا، وآخرون عدوه ملكيا، وبعضهم قال عنه انه في منزلة بين المنزلتين، رجل مفاجأة يطيب له التنقل بين المتاريس، فهو يحمل كياسة النجفيين ومجاملاتهم وروحهم العملية، ولكن الجواهري أيضا بشهادة واحد من خصومة وهي تهمنا قبل شهادة الذين بالغوا في مدحه: "ثورة على كل شيء: على الحكم، وعلى المجتمع وعلى نفسه هو. فلا يمكن ان يرضيه شيء، ولا يشبعه مال، ولا أن يهدأه جاه، ولم يعرف عنه انه استقر على وتيرة واحدة، أو رضي بالنعمة المتوافرة، أو ألف العيش الرتيب لفترة ما، فهو جذوة من أعصاب متوترة، وفكر جواب، وروح هائمة وراء المكانة الاعلي، وقلق متواصل".(2)

الذي يبحث عن تفاصيل سيرة الجواهري الشخصية، لا يضعه دائما في موقع الطامح الى رضاء السلطة الا فترات قصيرة سرمحان ما تنتهي به مختصما مع الحاكم، وأكثر ايامه تقربا من الحكومة كانت على عهد عبدالكريم قاسم، تلك التي انتهت به الى مغادرة العراق في رحلة المنفى الطويلة، لكن رجلا مثل الجواهري أشكل عليه دور؟ الاجتماعي، شاعرا وسياسيا، حتى رجح لديه السعي في فترات متواترة الى منصب النيابة او الوزارة على منصبه الادبي الذي لا ينافسه فيه أي رجل سياسة، وفي مذكراته ما يعزز هذا الاعتقاد، مع ان القصائد التي دبجها في مدح الطاقم الملكي ونوري السعيد وغيرهم من أصحاب النفوذ قد حذفها من دواوينه الحديثة، غير انها بقيت في ذاكرة الناس دليلا على تناقض تحفل به مواقفه السياسية.

ويبقى الجواهري شاعرا وصحفيا لا يستقر على حال او يملك الصبر لارساء قصيدته او منبر صحيفته ضمن السياق الرسمي، ولعل طبعه الشعري ومزاجه الشخصي وموروث بيشته تجعل منه شخصية تجمع الاضداد في اقبالها وإدبارها عن لفة التكسب، او استخدامها التحريض والهجاء والتظلم كمكونات اساسية لمنظومة الشعر الذي يكتب، ومن الضروري ان نقرأ قصيدته ضمن هذا الحيز في منحاها التاريخي الذي تنتظم فيه قصائد مجايليا من دون ان يؤخذ في سياقات مبتسرة، او نسقط عليها اعتبارات المراحل التي لحقتها، فالجواهري حسبما تصنفه سلمى الخضراء الجيوسي: "استطاع ان يجمع الى وعيه التاريخي وعيا فنيا عاليا، فقصائده تفعل بالمتلقي فعل السحر الخالص، ولقد شكل قاموسه الشعري خلفية قوية لشعراء الرفض والثورة في الخمسينات وعلى رأسهم السياب".(3)

عهد الجواهري بالشعر يبدأ وينتهي عند القصيدة التي تحمل روحا ملحمية تقصي الحدث الآني ليغلب عليه شمول المعنى الذي يطرح في الكثير من قصائد المناسبات خارج مناسباتها فيحولها الى احتفاء وطني. ان فحص شعر الجواهري على ما هو عليه ظاهرة سياسية واجتماعية، عطل محاولة مقاربته فنيا، وبقي نصه في الغالب بمنأى عن القرا؟ة النقدية، ولم تصدر الى الآن دراسة تشبع تجربته الجمالية وهي ارثه الاساسي الذي يرشحه من بين شعراء القويض الذين جايلوه، حامل لوا، البلاغة العربية وحافظ أختام اللغة العربية في مرحلة من أكثر مراحل التحول الشعري راديكالية في العالم العربي.

الكلاسيكية المحدثة

بين كل من كتب الشعر على النهج القديم، كان الجواهري حالة خاصة، لا ينسب اليه ما نسب الى محمود سامي لبارودي وصحبه من مهمة إحياء التراث فهو لم يتجه الى احياء التراث على نهج من عاصروه وسبقوه، لان خطه كان يمضي معكوسا في رحلة تبدو بالبداهة عودة الماضي الى الحاضر بالفاء التوسط بينه وبين المنجز الشعري الذي بدأ يترسخ بين تخوم هذين الزمنين لفة وبناء، وفي العراق على وجه التحديد لدى أبرز صوتين شعريين: الرصافي والزهاوي، وكان من الصعب على منظومة شعر القويض الحديث، الذي بدأ مطلع القرن العشرين في العراق، الخروج من حدود اللهجة المحكية والثقافة الشفافية لا بمفرداتها بل بآلية منطقها وتصورها عن العالم. ان حمولة الافكار الجديدة التي بدأت ترد من تركيا والبلدان العربية، مثل مصر والشام، وبعض ترجمات الفكر الغربي، وصلة الشعراء الوثيقة بالثقافة الشعرية التراثية، لم تخفف هيمنة الفكر المحلي الذي انفلق على نفسه فترات طويلة فكون جزءا مهما من مخيلة الشعراء وطريقة ادارة تفكيرهم. بيد ان الجواهري كان نتاج مدرسة هي خليط من الصنعة الفنية المحافظة ومحاولات التمرد على الحاضر السياسي وتسجيله في قصائد معاصرة، وهي مفارقة شاعر يته التي تلتصق بالحاضر مضمونا وتنكره في أفضل نماذجها لغة وبناء.

دخل الجواهري المشهد الشعري من هذا الباب لينهي التدرج المتوقع في الشعر العراقي على غرار البلدان العربية الأخرى وفي مصر على وجه التخصيص: من شعر الاحياء الى حافظ ابراهيم وشوقي ومطران وصولا الى مدرستي الديران وابولو، ثم قصائد علي محمود طه وصحبه التي غذت بدايات شعراء الموجة الحديثة وصولا الى الشعر الحر، كانت الانتقالة المباشرة في العراق من كلاسيكية تعود الى العصور الذهبية للشعر العربي الى ثورة الشعر الحر.

سنوات الخمسينات جمعت بين مرحلتين لا تلتقيان الا بما لأهل العراق من مزاج متطرف: الجواهري ببلوغ قصيدته النضر والاكتمال الشعري، وموجة الشعر الحر التي أنهت شوطا مهما من مبادرتها لقلب النظام الشعري العربي الراسغ حساسية ولغة، وربما يحق لنا ان نتصور ان تلك الثورة كانت رد فعل على هيمنة قصيدة الجواهري التي سحرت ألباب الناس وحولت الشعر الآخر الى مجرات تحوم حولها. مع ان رواد قصيدة الشعر الحر لم يكونوا على رغبة في الصدام مع نهج الجواهري بل حاول السياب كسب اعترافه عبر تأكيده على البعد التراثي في قصيدته والذي لم يكن يخلو من المبالغة في أحيان، غير ان السياب من بين كل رواد الشعر الحر كان يستشعر ذلك السحر وتلك الهيمنة التي تركتها قصيدة الجواهري على شعره وشعر من عاصره حين يقول بأن (المدرسة الواقعية) نمت تحت ظلال الجواهري، فشعراء العراق في الخمسينات "يكتبون شعرهم السياسي والاجتماعي على طريقة الجواهري وكأنهم يحسون - بدرجات متفاوتة - ان هذا اللون من الشعر يكاد يكون مكتملا ان لم يكتمل فعلا على يد الجواهري".(4)

كيف لنا ان نفسر اذن مفهوم الكلاسيكية في شعر الجواهري؟ وهل تقتصر لديه على العودة الى التراث والنهل من منهله، أم انها تتخذ صيغة أخرى؟

يقول الجواهري في مقدمة أول ديران اصدره مطلع العشرينات وعنوانه (حلبة الادب): "كنت قد اخذت لي خطة لسلوكي علم الادب لم أحد عنها ولن أحيد عنها.. تلك اني ما رأيت مجر قلم لاديب كبير الا وتطفلت عليه وسرت النهب الذي قصده والغاية التي اطلبها، وكنت أجهد كل الطاقة وابذل غاية المقدور لان أكون منه بحيث يرى نفسه كأني أتطلع الى خفايا أسراره الشعرية الدفينة" (5) ولا غرر ان يكون الجواهري قد عارض في هذا الديوان عددا من الشعراء القداس والمعاصرين، فالمعارضة فن برع فيه النجفيون الذين كانوا في مناسباتهم الخاصة والعامة يتطارحون الشعر القديم كما هو او يعارضونه في أبيات جديدة. وبقي الجواهري محافظا على هذا التقليد في قصائد كثيرة يمكن أن يكتشف القارئ الكثير من صورها وعباراتها التي تعود الى البحتري او المتنبي او الفرزدق او الأخطل وغيرهم من الشعراء. وينسب الاكاديمي علي عباس علوان في دراسته عن الجواهري الكثيرهن قصائده الاولي الى مصادرها الاصلية، وهو يرى ان الكثير من محاكاة الجواهري تأتي متماثلة في المناسبة مع القصائد التي يقلدها مع بعض التغيير في الصور من تشيبه واستعارة اضافة الى الوزن والقافية.(6)

لم يمض حين من الدهر حتى غدت مجاراة القصيدة التراثية تتخذ مسرى آخر في قدرتها على توليد المعاني الاصلية من غير حاجة الى نسخ وتقليد، أي أن القناص في شعره قطع شوطا في معالجة المادة التراثية حتى خرج عن ترجيعات الحافظة الشعرية الى الابتكار.

وابتكار الجواهري يقوم على ما يوحيه البعد التاريخي للعبارة والمفردة البليغة التي تحمل ثقل المعنى الروحي او القدسية التي تتلبسها في الذاكرة العربية، في تأويلها المجازي وفي صعناها الاخلاقي والروحي ووقعها الموسيقي، النظام التقني والحالة هذه، يقوم على الوعي بأهمية الفصاحة التراثية التي تستمد جلال القول وقوته من اللفة من حيث هي قيمة مجردة قائمة بذاتها عند العرب.

تبدأ اشكالية الجواهري وتنتهي عند ذلك النوع من الفصاحة التي انبثقت في عصر كان قد غادر نوعها منذ قرون طويلة، ورجع صداها في شعر حافظ ابراهيم وشوقي والرصافي وبدوي الجبل والاخطل الصفير وصحبهم أقل بكثير مما في قصيدته. انهم رواد بما استطاعوا ان ينهضوا به من شعر يتطلع الى اطلالة على العصر الحديث. وكان شاغلهم تطويع اللغة وحداثة المعنى مع كل معارضاتهم التي تجري على تقليد عصور الشعر العربي الذهبية، لكن الجواهري لم ينشغل على المستوى اللغوي والصنعة الادبية بما آلت اليه مواهبهم. ان صوته أن تصورناه في حدود المعرفة المجردة، كمكون لغوي ومخيلة، ردة الى الوراء، او محاولة استعادة الجنة المفقودة التي غادرها الشعر العربي في عهد الانحطاط.

كانت قصيدته تمثل فاصلا في وعي شديد الارتباط بتراثه، حيث يصبح هذا التراث دليل رفعة وقوة ازاء عناصر الضعف التي علقت بقصائد تلك الفترة التي تمثل السياق الطبيعي للخروج من المرحلة المظلمة الى مراحل اكثر تطورا. ولعل عناصر الضعف في قصيدة الرصافي والزهاوي رسواهما تنسب الى ما يمكن ان نسميه مخاض الانتقالات التي تتطلبها الحالة الطبيعية في الادب، تلك التي استطاعت قصيدة الجواهري بزخم حضورها انهاء تدرجها المأمول.

وفي العراق يبدو الزمن الثقافي قادرا على أن يدخل من معابر كثيرة في دورة لا تغنى ولا يظهر فيه الاتباع الا على هيئة ابداع يكتسب مجدا يوازي مجد صناعه الاوائل. وهكذا شاء الجواهري ان يستجيب الى ما يمكن ان نسميه تقديس التراث عند العراقيين، فصنع قصيدة توطد مكانة القصيدة الكلاسيكية التي كادت ان تخضع الى التحوير على يد رواد عصر النهضة في العراق.

وفي الظن ان الكلاسيكية التي أظهرتها قصيدة الجواهري، لابد ان تجد لجلال الاسلوب مضمونا تسمو به على الذات وهمومها الملموسة لترتفع بها الى الهم الاكبر. وقول مثل قول الجواهري ينبغي أن يكون منبريا يتعاطى مع الالفاظ ببراعة احترافية، وبأفكار تسيرها قوة الدوافع العامة، لأنه يحتاج الى جمهور ينتشي بالفكرة الجماعية ويطرب لها.

شهدت سنوات الاربعينات الاخيرة ومطلع الخمسينات اكتمال مشروع الجواهري الشعري وتمايز صوته عبر قصائد قوية الوقع في سناسبتها وفي مستواها الفني، واستقر على ما هو أكثر شيوعا في نمط القصيدة الجماهيرية أي قصيدة الخماس السياسي التي تطورت بعد تأسيس الدولة العراقية 1921 وظهور الصحافة ومنابر الخطابة الحديثة. وهذا النمط من الشعر يعبر عن دور الفرد - البطل في حياة الجماعة، فالمجتمع العراقي في طور انتقاله الى الحالة المدينية، كانت به حاجة الى القيم البدوية ليوظفها في مجرى اتجاهه نحو مواقع اكثر تقدما. ومرد ذلك بتصورنا يكمن في الحالة العراقية التي كان التطور يسير فيها افقيا ولا يتجه عمقا. قصيدة الجواهري كانت تخاطب جمهورا لم يتعود القراءة بعد، ولعل صعوبة كلماتها تزيد هذا الجمهور اعجابا بها، فقد كان الفقر الثقافي للجماهير يغذي طقس الارتجال في تلك القصائد التي تربط المستمع بوثاق الكلمة المصوتة المبهرة، لا باشكالية الكتابة الحديثة التي تحتاج الى مواجهة فردية بين القارئ وكاتب النص. ولعل خروج احمد شوقي عن قصيدة الخماس والرثاء والمديح الى القصائد الوجدانية التي تتشكل ضمن ذائقتها عناصر حداثية، يشير الى التطورات التي حصلت في المجتمع المصري وأفضت الى تبدل عناصر التعبير عنها أدبياء فشوقي جرب في المسرح الشعري ونظم على ألسن الحيوانات مقلدا لا فونتين الشاعر الفرنسي، كما جرب في الرومانس، وكل منجزاته ومنجزات خليل مطران اللبناني المتعصر الذي كان على دراية أعمق بالثقافة الغربية، تحققت قبل ان يبرز الجواهري في العراق. ولعل ظهور شعراء المهجر الامريكي قد ترك بصماته على كل الشعر العربي في مصر وبلاد الشام. وكان أثر تشكل رابطتهم في العام 1920م بينا في انتظام اتجاهات الشعر الحديثة تحت ألوية الروابط الادبية الجماعية التي تصدر المجلات والبيانات معبرة عن رغبة عارمة في وضع أسس كتابة جديدة. كل تلك التحولات في الشعرية العربية كانت نتيجة طبيعية للاحتكاك المباشر مع الغرب والتغيرات الجذرية التي طالت البنية الاجتماعية عموما، في ذلك الزمن كانت قصيدة الجواهري قد بدأت تتقدم نحو أفق عكسي سنهية محاولات التجديد الاولية التي كانت موضع جدل في العراق، في حين يشير غياب الفترة الرومانسية أو مرحلة التوسط بين الكلاسيكية والشعر الحر في العراق، الى مشكلة لا تنحصر في الذائقة الادبية، بل تشمل تركيبة الهوية الفردية والشخصية الشعرية التي تعبر عن وجدانها.

النشاط الجمالي في مجتمع مثل العراق ايام زهو الجواهري، لابد ان يشد وثاق نفسه وجمهوره الى الفكرة المقفلة عبر لفة تسمو بهذا المجتمع نحو مواقع الرفعة والتفوق، فاللغة الساطعة المؤثرة والحالة هذه، تعد ملاذا يجد فيه الجمهور تعويضا عن لفته اليومية التي افقرتها الامية والتخلف، والحق ان القصائد الوجدانية التي كتبها في العراق محمد سعيد الحبوبي او الصافي النجفي تمر من موشور عواطف السلف ايضا، فالحبوبي في قصيدته التي تداولها الناس وعدت من غرر شعر الحب "يا غزال الكوخ واوجدي عليك / كاد سري فيك ان ينتهكا". يحاول تقليد لغة الموشح، أي انه يستعير صوره وعواطفه من شعراء عصور سالفة ويكاد يخلو الشعر العراقي قبل موجته الحديثة من شاعر أنشد قصائد الحب او توجه بقصيدته الى المرأة او تغنى بالطبيعة على نحو جديد، وهي المواضيع التي شكلت مادة الشعر الرومانسي في مصر وبلاد الشام، اما محاولات الجواهري في هذا الميدان فتدل على ضعف مخيلته، واشكال قصيدة الحب او الطبيعة لديه ينبع من عدم قدرتها اختيار الحالة الانسب للتعبير عن موقف ذاتي، فهي قصيدة فقيرة العواطف على عكس قصائده الحماسية التي تضج بالروح التراجيدية والمواقف الدرامية.

قصيدة الحماس السياسي والتراجيديا المسرحية

شعر الحماس في المبحث الاوسطي انسب تعبير عن طقس الشعائر الدينية، وهو الخطوة التي تسبق المأساة او هو يحوي الكثير من أوجهها، في هذا النوع من الشعر نجد طرفي المأساة الاساسيين وهما الخوف والشفقة اللذان يثيرهما الموقف على هيئته الدر امية، الشاعر يمثل أكثر من دور عندما يعتلي منبره: دور الممهد للحدث ور اويته ودور صاحب المأساة ودور المعلق الحكيم الذي ينقل عبرة ما من الواقعة او الحدث، ومن خلال كل تلك الادوار يصل الى مبتفاه في تصعيد الالم عند الجمهور، ويرى جبرا ابراهيم جبرا ان الجواهري "يتخطى الشعراء القدامي، على شدة شبهه بهم، كانوا، في أحسن الأحوال، يتبعون الحدث، فهم منه على شيء من البعد، اما هو، فليس لصيقة بالحدث وحسب، يرده من عل ويرده من داخل، بل انه يفعل فيه، ويكاد يوجهه، فان كانوا هم شعراء القول، فانه شاعر الفعل، هم يفنون من القاعة لمن هم على خشبة المسرح، أما هو، فانه يسرح قوله على الخشبة نفسها".(7)

ولعل الطابع التراجيدي الذي يميل الى البناء الملحمي من بين سمات القصائد التي تعد أفضل نماذج شعر الجواهري، فقصيدته تأتي الى الحماس السياسي من مدخل المأساة التي تهيئ لها مسرحا يشترط التفاعل بين أكثر من طرف في هذه المأساة، ومن بين تلا. الاطراف الجمهور الذي يصبح موقعه أكثر فاعلية عند المخاطبة المباشرة أي عند المواجهة المسرحية كما يسميها جبرا.

يمكن ان نحتسب قصيدة الجواهري (أخي جعفرا) التي رثا فيها أخاه حين سقط صريع رصاص الشرطة اثر انتفاضة كانون 1948، نموذجا لقصيدة الحماس مع انها قصيدة رثاء، فالصوت فيها يبدو متواريا خلف غضب الشاعر الذي يبغي تحريض الجماهير واستثارة هممهم، وهي احد النماذج التي يمكن ان نقرأ من خلالها المنحى التراجيدي في شعره، بعد ان استوى على هيئة طقس تطهيري. توطئة القصيدة تبدأ باستفهام يشبه النذير الذي يحوي في مسراه الاجابة القاطعة: "أتعلم أم أنت لا تعلم" فهذا السؤال ينم عن علم بالاجابة لا جهلا بها. ويحوي نبرة تهديد خفية، لان الكلمة موجهة الى العدو، والى المصفي الى الشاعر ايضا. وهنا علينا ان ندرك ان الشاعر يقوم بدور بطل المأساة، أي انه دخل اللعبة الشعرية بتقسيمه ساحة المعركة بين فريقين: الاول مسبب التراجيديا والثاني ضحيته، الطرف الثاني ينوب عن الجماهير بالضرورة ولا يمثل ذاته الشخصية، مع ان سؤاله الإستشاري التهديدي يتوجه مباشرة الى اعد ائه الذين هم اعداء جمهوره المصغين. غير انه يحمل ايضا طابع الحث وكأنه يصف طاقة هذا الجمهور على الفعل، فخطابه يتجرد من خاصية الضعف لانه خطاب تطهيري، يزيح عن جمهوره عناء المأساة برفع حيف الضعف عنه:

أتعلم أم انت لا تعلم

بأن جراح الضحايا فم

فم ليس كالمدعي قولة

وليس كآخر يسترحم

يصيح على المدقعين الجياع

اريقوا دعاءكم تطعموا

ويهتف بالنفر المهطعين

أهينوا لئامكم تكرموا

تبدل أدوار الشاعر في هذا المقطع يحدد نوع بيانه، فهو لا يصف من خلال سؤاله الاستنكاري حالة الجرح، بل يقدم استعارة ينوب فيها الفم عن جراح الضحايا، لكي يساويه بارادة الكلمة. فالكلمة هنا تملك قوة التهديد الاخلاقي، وهي قادرة على ازاحة الموت كفكرة تجسد الهزيمة ليحل بدلها التحدي الذي يؤدي الى الظفر الحتمي.

يدخل الشاعر في المقطع الثاني مرحلة الهجاء، وهو يتأسس حين يهجو لكي يجد مبررا لفعل الموت الذي يعني الشهادة، فامتزاج الهجاء بالتاسي، أحدى علامات صعود الشاعر وهبوطه الى قرار معين، هو قرار الايمان بجدوى فعل الموت - الافتداء، لذا يغلظ القول لاعد ائه مستمرا على لازمته ذاتها:

اتعلم ان رقاب الطغاة

أثقلها الغنم والمأثم

وان بطون العتاة التي

من السحت تهضم ما تهضم

وان البغي الذي يدعي

من المجد ما لم تحز "مريم"

ستنهد ان فار هذا الدم