|
|||||
|
يعتبر
السرد وسيلة
جبارة في نسج
وإعادة
تكييف
الاحداث
الواقعة
والمتخيلة
وتوزيعها في
ثنايا النص
الروائي،
وتمثيل
المرجعيات
الثقافية،
والتعبير عن
الرؤى
والمواقف
الرمزية،
ولم تعد
الرواية
رهينة
التوثيق
التقليدي،
فقد تشققت من
الأساس
التجربة
التقليدية
التي واكبت
نشأة
الرواية
وتطورها،
وذلك يعود
الى تحول
جذري في
منظور
الروائيين
للعالم
الفني الذي
يشكلونه في
نصوصهم،
ونشوء
حساسية تضع
نفسها في
تعارض مع
القيم
الفنية التي
أفرزها
المسار
التقليدي
للرواية.
أصبحت الى
جانب
وظائفها
التخيلية
والتمثيلية
والايحائية (أداة
بحث) بها
يمكن
استكشاف
العالم
والتاريخ
والانسان. لم
تعد نصا
خاملا يحتاج
الى تنشيط
دائم، لقد
انطوت على
قدرة خاصة
حينما وضعت
نفسها في خضم
التوتر
الثقافي
العام،
فأصبح
العالم
بأجمعه
موضوعها، بل
إنها في كثير
من نماذجها
قد أصبحت هي
موضوعا
لنفسها. ولعل
أحد أكثر
الموضوعات
المثيرة
للجدل في
أوساط
المتخصصين
بالدراسات
السردية هو:
الكيفية
التي تتشكل
بها المادة
السردية،
وطرائق
تركيبها،
وأساليب
السرد، ثم
الرؤى
والمنظورات
التي من
خلالها
تنبثق كل
عناصر
النباء
الفني،
واخيرا
الاحالات
التمثيلية
للنصوص على
مرجعيات من
خلال درجات
متعددة من
مستويات
التأويل. وكل
ذلك على غاية
من الاهمية،
فالانسان عن
طريق السرد (التاريخي
والديني
والسياسي
والثقافي،
واخيرا
الادبي) يشكل
صورة عن نفسه
ومجتمعه
وتاريخه
وقيمه
وموقعه، وعن
الاخر وكل ما
يتصل به. إن
السرد هو
الوسيلة
التي يستعين
بها الجميع
دون استثناء
في التعبير
عن أنفسهم
وعن غيرهم.
وكما يورد "إدوارد
سعيد"
فالأمم
ذاتها تتشكل
من "سرديات
ومرويات" (1). نرغب
في هذا البحث
أن نقف على
جانب من ذلك،
وبخاصة ما له
صلة
بالممارسة
التي يلجأ
اليها
الروائي وهو
يسوغ رؤيته
لعالمه
وتاريخه
وتطلعا ته
ورغباته
صوغا رمزيا
بواسطة
السرد،
لنبين كيف ان
السرد له
القدرة على
التورط
الجريء في
أشد القضايا
اثارة
وحساسية،
وكل ذلك يتم
على خلفية من
البرادة
الخادعة
التي توهمنا
أن الموضوع
هو مجرد (رواية). ان
التحليل
الذي سنقوم
به لمجموعة
من النصوص
الروائية
الجديدة
سيكشف لنا أن
الرواية هي
أكبر بكثير
من أن تسجن
نفسها في
مستوى تقني
زي أبعاد
محددة. انها
أكثرا
لانواع قدرة
على التشظي
في أشكالها
وأساليبها
وموضوعاتها
ودلالاتها،
وفي كونها
قادرة عل
تفجير سيل
مما سكتت عنه
الفنون
الأخرى. لقد
تمكنت
الرواية من
تخطي حبسة
التقليد
التي لازمت
طفولتها
وتجاوزت ذلك
الى نوع لا
يطرح نفسه
كجملة من
النصوص
الشفافة
التي تعرض
لمجموعة من
الأحداث
التي تشكل
حكاية، انما
شغلت بذاتها
والعالم
الذي تقوم
بتمثيله. أصبحت
الرواية
أكثر ميلا
للانشفال
بنفسها
وبارجة لا
تقل عن
انشغالها
بتمثيل
العالم.
ويكون السرد
الروائي
شفافا اذا
اختفى السرد
وتوارى الى
أقصى حد لصاح
الحكاية
فتعرض
الأحداث
نفسها دون أن
يشعر
المتلقي
بوجود
الوسيط
السردي، أما
حين يشير
الروائي
كثيرا الى
نفسه بوصفه
منتجا
للأحداث
ومبتكرا
للحكاية،
فان ثمة
مسافة تفصل
المتلقي عن
العالم
الفني الذي
يصطنعه السر>
فلا يقع
اندماج بين
المتلقي
والأحداث،
ويتمزق
الايهام
بواقعية
الحكاية،
وينشط
المتلقي في
المشاركة
بانتاج ذلك
العالم
المتخيل. وفي
هذا الأسلوب
من السرد
يتدخل
الراوي
متحدثا عن
نفسه ودوره
ولا يتردد في
إبداء شتى
الملاحظات
حول سهمته
السردية،
وذلك هو
السرد
الكثيف. وكان
سيمور
جاتمان قد
اهطله على
الضرب الأول
بـ (Overt) والمصطلح
على الثاني
بـ(Covert) وهذا
الموضوع كان
أيضا مثار
عناية كل من
كرستيان
انجلي وجان
ايرمان.(2) ظهر
السرد
الكثيف
نتيجة
للتشقق الذي
يشهده السرد
التقليدي في
الرواية
العربية،
والسعي الى
رفع مكانة
الاهتمام
بكيفيات
تركيب
المادة
الحكائية
الى مستوى
يناظر
الاهتمام
بماهية تلك
المادة، ان
لم يتقدم
عليها، وهو
ما يلاحظ في
نماذج
روائية جعلت
من السرد
الكثيف الذي
يطوق
الحكاية
ويتغلب
عليها وسيلة
اساسية من
وسائل تشكيل
النصوص
الروائية. لقد
اعتاد السرد
التقليدي
على نوع من
الاحتفاء
بالحكاية،
وتوقير
خصوصيتها،ومداراة
تسلسلها
المنطقي
الذي يأخذ في
الاعتبار
التدرج
المتتابع
وصولا الى
نهاية تنحل
فيها
الأزمة،
ويعاد
التوازن
المفقود،
ويلزمنا
التأكيد هنا
على أن ذلك
السرد قد
تولد وتحددت
وظائفه داخل
منظومة خاصة
من التراسل
والتلقي،
منظومة لها
مشروطها
الثقافية
التي فرضت
ذائقة تتقبل
ذلك السرد
وتتبناه،
بوصفه وسيلة
تعبيرتمثيلية
عن جملة
التصورات
والرؤى
السائدة،
وكلما تغيرت
الشروط
الثقافية
استجدت
أنماط من
السرد الذي
لا يولي
اهتماما
بالحكاية
فحسب، انما
يولي
اهتماما
بنفسه أيضا،
وأحيانا
يتغلب
الاهتمام
بالسرد على
ما سواه من
أشياء أخرى.
يتمركز
السرد حول
ذاته، ويصبح
داخل النص
الروائي
موضوعا
لنفسه،
فيقوم
الرواة
بتحليل
مستويات
السرد،
وطرائق
تركيب
الحكاية،
ومنظورات
الرواة،
والعلاقة
بين المادة
الواقعية
والمادة
التخيلية،
وأثر النص في
المتلقي،
والصراع
الناشب بين
الرواة
أنفسهم
للاستئثار
بالاهتمام،
وانتزاع
الاعتراف من
المتلقين
بأهمية
أدوارهم
ووظائفهم. كانت
الرواية
العربية قد
أفرزت هذه
التقنيات
السردية.
كنوع من
التمرد
الضمني على
النسق
التقليدي
الذي مثلته
تجربة "نجيب
محفوظ" -
وغيره من
الروائيين
العرب - التي
حافظت في
أبرز
نماذجها،
وبخاصة في
المرحلة
الواقعية،
على ذلك
النسق. فقد
كانت رواية "نجيب
محفوظ" تعني
بحكاية لا
تنفصل عن
السرد الذي
يقوم
بتشكيلها،
ولا تترك
مسافة فاصلة
بين الأحداث
والوسيلة
السردية،
ويتوارى
الرواة،
ويتعمق
الوهم
بواقعية
الحكاية،
فيجد
المتلقي
نفسه جزءا
منها. فيما
تنزع
الرواية
العربية (الجديدة)
في أبرز
نماذجها الى
الافادة من
تقتنيات
السرد
الكثيف، تلك
التقنيات
التي أشرنا
من قبل الى
انها تنجز
وظيفة
مزدوجة، فهي
من جهة تلقي
الضوء على
كيفية انتاج
السرد نفسه
بما في ذلك
وضعية
الراوي
وموقعه
ودوره، وهي
من جهة أخرى
تعرض تمثيلا
سرديا
مغايرا لما
كان السرد
التقليدي
يقدمه عن
العالم.
فعالمها
مهشم،
متكسر،
مفكك، تسوده
الفوضى،
ويفتقر الى
القيم
الوعظية
الموروثة،
بل إنه عالم
معاد تمثيله
طبقا لرؤية
وفضية
واحتجاجية،
وهذا الأمر
هو الذي يجعل
ذلك العالم
ممزقا وغير
محكوم بنظام.
والواقع فما
يغيب عنه ليس
النظام
باطلاق،
انما النظام
التقليدي
الذي
أمثاعته
الرواية
التقليدية:
رواية
ديكنز،
وبلزاك،
وتولستوي،
قبل أن تعصف
بذلك السرد
عاصفة
التحديث
التي أعلنها
جريس وبروسة
وفولكنر
وفرجينيا
وولف وغيرهم.
وتمثل تجارب:
سليم
البستاني،
وجورجي
زيدان،
ونجيب
محفوظ،
وتوفيق
الحكيم،
ومحمد
عبدالحليم
عبدالله،
ويحيى حقي،
وغائب طعمة
فرمان، وحنا
مينة،
وعبدالكريم
غلاب - على
سبيل المثال
- النموذج
الدال على
ذلك، فيما
يمكن اعتبار
جبرا
ابراهيم
جبرا والطيب
صالح،
والمسعدي،
وفؤاد
التكرلي،
وعبدالرحمن
منيف، وصنع
الله
ابراهيم،
واميل
حبيبي،
ومؤنس
الرزان،.
وعبدالخالق
الركابي،
وبهاء طاهر،
وابراهيم
الكوني،
والطاهر
وطار، وغادة
السمان،
واحلام
مستغانمي،
ولطفية
الدليمي،
ونوال
السعداوي،
وعشرات
غيرهم
النماذج
المعبرة عن
حركة
التجديد
السردي
بدرجة أو
بأخرى. ان
النموذج
الأول ظهر في
حاضنة
ثقافية
مشبعة
بالقيم
المطلقة
الصواب،
والتي تستند
الى نسق
منسجم من
العلاقات
الاجتماعية
مع العالم،
فيما تشكل
النموذج
الثاني وسط
عالم مشبه
متحلل،
يفتقر الى
القيم
الكلية، وقد
ضربه الشك في
صميمه،
واقام علاقة
نسبية مع
العالم،
علاقة نقدية
- رفضية
توجهها في
بعض الأحيان
موجهات
ايديولوجية
لا توقر
شيئا، ولا
تقدس قيما،
ولا تتعبد في
محراب فكرة.
الى ذلك
فالنموذج
الأول هو
نتاج تجربة
ثقافية
محدودة
المشارب ولم
تثر فيها
أسئلة الشك
الكبرى،
فيما تشعبت
وتنوعت
المصادر
الثقافية
للنموذج
الثاني،
وعاشت على
الحدود
الملتبسة
بين عمرين
وثقافتين
ورؤيتين؛
قصدت العالم
الممزق على
نفسه،
المنشطر،
والمتشقق
بين
الارادات
والقوى
والتطلعات
المتعارضة.
وليس من
السهل اهمال
أثر ذلك في
صوغ ذائقة
الروائي
وموقفه
ومنظوره
وتقنيات
السرد التي
يستعين بها. فالرواية
في نهاية
المطاف
ظاهرة
ثقافية -
أدبية متصلة
بالعالم عبر
التمثيل
السردي،
ومنفصلة عنه
بالتعبير
الذاتي عن
المؤلف
كمنتج للنص
وخالق
للعوالم
المتخيلة
فيه. بعبارة
أخرى تربض
الرواية على
التخوم
الفاصلة بين
الفرد
والعالم،
وتتحرك
ذهابا
وايابا
بينهما. ولم
تعد تقبل
مهمة تصوير
العالم
ومحاكاة
خريطته
البشرية
والتاريخية
كما هو، انما
صارت مهمتها
اعادة
انتاجه
وترتيبه
وتمثيل
القيم
الثقافية
فيه على وفق
سلسلة من
أنساق
البناء
السردي
والأسلوبي
التي تنكبت
للأنساق
الموروثة. ان
الرصد
النقدي-
التحليلي
لواقع
الرواية
العربية
المعاصرة لا
يمكن له ان
يغفل
الموجهات
الثقافية
التي أدت الى
بروز ضروب
السرد
الكثيف،
وعلاقته
بالتمثيل
السردي
الجديد، بل
انه ملزم أن
يأخذ في
اعتباره كل
ذلك. ان
تحليل نصوص
السرد صار
بحاجة ماسة
الى رؤية
نقدية
تستنطق في
الوقت نفسه
السياقات
الثقافية.
فالتراسل
بين النصوص
والمرجعيات
يتم وفق ضروب
كثيرة
ومعقدة من
التواصل
والتفاعل،
فليست
المرجعيات
وحدها التي
تسوغ
الخصائص
النوعية
للنصوص، بل
تقاليد
النصوص تؤثر
في
المرجعيات،
ويظل
التفاعل
مطردا وسط
منظومة
اتصالية
شاملة تسهل
أمر التراسل
بينهما، بما
يحافظ على
الأبنية
المتناظرة
لكل من
المرجعيات
والنصوص،
وغالبا ما
تدفع
المرجعيات
والنصوص على
حد سواء
بتقاليد
خاصة، هي في
حقيقتها
أنساق
وأبنية
تترتب في
أطرها
العلاقات
والأفكار
السائدة،
وخصائص
النصوص
وأساليبها
وموضوعاتها،
وهي انساق
وأبنية
سرمحان ما
تتصلب
وترتفع الى
مستوى
تجريدي
يهيمن على
الظواهر
الاجتماعية
والأدبية
فيحصل
انفصال بين
هذه النماذج
التجريدية
من الأنساق
ودينامية
الأفعال
الاجتماعية
والأدبية
فتضيق هذه
بتلك، فتقع
الأزمة
السردية
الحقيقية في
صلب النوع،
قبل أن يعاد
تشكيل
العلاقات
على وفق نسق
جديد(3). وهذا
هو الذي يفسر
لنا انهيار
النموذج
التقليدي
وظهور
النموذج
الجديد. ومن
بين ما يلزم
على النقد
الروائي ان
يأخذه بجدية
كاملة: عدم
الاطمئنان
الكلي
لكفاءة
نموذج
تحليلي سردي
ثابت،
فالنماذج
محكومة
بتحول دائم،
بفعل
دينامية
العلاقة بين
النصوص
والمرجعيات،
وكل نموذج
قار هو نموذج
متأزم في
طريقه
للانهيار،
لأنه لم يعد
قادرا على
استيعاب
مظاهر
التجدد
الضمنية
الداخلية في
النسق
السردي، وهو
من بعد عاجز
عن تفسير
تحولات
النوع
وخصائصه.
والمدونة
السردية
التي
انتخبناها
لتحليل هذه
الظاهرة
الجديدة في
الرواية
العربية،
وكشف
وظائفها،
تتكون من
ثلاث
روايات، لكن
هذا البحث
يندرج في
سياق تحليل
موسع لهذه
الظاهرة سبق
لنا ان
تتبعنا
أبعادا أخرى
لها في عدد
من البحوث (×)
واكتفينا
هنا بالوقوف
على مظاهر
جديدة. -
التداخل
النصي
وتشكيل
المادة
الحكائية: يمكن
اعتبار
رواية "النخاس"
(4) لـ"صلاح
الدين بوجاه"
احد النماذج
المتميزة
التي يتشكل
بناؤها
العام من
التناوب
المستمر بين
مس د يأخذ
طابع (التأليف)
ويؤدي
وظيفته،
وسرد يأخذ
طابع (الرواية)
ويؤدي
وظيفتها
التخيلية
الايهامية.
وفي كثير من
الأحيان
تتداخل
مستويات
التأليف
بمستويات
الرواية،
فتتشكل (كتلة
سردية)
مثديدة
التماسك في
عناصرها
وبنائها.
وهذه
المزاوجة
التي يقوم
بها الكاتب،
مرة بوصفه
مؤلفا للنص،
ومرة بوصفه
راوية
للأحداث،
تجري دمجا
بين دورين
منفصلين
لهما
وظائفهما:
دور المؤلف
كمنشئ للنص،
ودوره
السردي
كراوية
لأحداثه،
وغالبا ما
تغيب الحدود
بين هاتين
الوظيفتين
داخل "النخاس"،
وهو أمر يضفي-
في رأينا-
ميزة خاصة.
فهي نص سردي
يتحول الى
نسيج من
المتداخلات
اللانهائية
لشذ رات ونبذ
من نصوص
كثيرة لها
خصائص قائمة
بذاتها، لكن
اطار السرد
في الرواية
يفلح في
اعادة
انتاجها
كمكونات
سردية. ففي
الاهداء
الذي يتصدر
الكتاب يوجه
المؤلف ثناء
الى الشخصية
الرئيسية في
الرواية "تاج
الدين فرحات"،
مؤكدا رغبته
في اهداء
الرواية
اليه، واصفا
اياه بأنه "ذلك
الرجل الذي
انبثق بين
أناملي
يسعى، فكاد
يرعبني
حضوره". وهذا
تصريح يضع
المتلقي
أمام تأكيد
مؤداه
الاعلان عن
المنافسة
بين المؤلف
وشخصية
روايته.
وسنلاحظ
فيما بعد كيف
يتداخلان
ببعضهما!
وكيف يكون "تاج
الدين فرحات"
قناعا لـ"صلاح
الدين بوجاه"!. في
نهاية
الرواية
تظهر خاتمة
بعنوان "أطراف
الكتاب"
يقوم فيها
المؤلف بدور
الراوية،
فيقول مشيرا
بوضوح إلى
قضية
الاندماج
بين الدورين
اللذين
أشرنا
اليهما "تم
الفصل
الأخير من
رواية "النخاس"
لتاج الدين
فرحات
الكاتب
المتلصص،
الذي تخلى عن
جائزة داورت
زمنا، وغنجت
وتثنت دون
وقوع". ومن
الواضح أن
رواية "النخاس"
هنا تنسب الى
"تاج الدين
فرحات" وليس
الى "صلاح
الدين بوجاه".
ومن اجل
تعميق الوهم
القائم على
المفارقة
ترد قائمة
روايات "صلاح
الدين بوجاه"
التي نشرها
قبل "النخاس"
ومخطوطاته
منسوبة الى "تاج
الدين فرحات".
وهذا يحدث
تبادلا
وتداخلا في
الادوار بين
المؤلف
الحقيقي
للنص
والشخصية
الأساسية
فيه. ان هذا
المظهر
الفني يجعل
العالم
التخيلي
المنبثق من
تضاعيف
السرد
يتأرجح
بالنسبة
للمتلقي بين
مستويين
متناوبين:
واقعي ووهمي.
وهي لعبة
سردية تحرر
الرواية من
القيد
التخيلي
الصرف وتكسر
الوهم به،
حينما تدفع
الواقع الى
أفق التخيل
مرة، وتقوم
في مرة ثانية
بإضفاء بعد
واقعي على
المكونات
التخيلية.
والمناقلة
للمادة
السردية بين
المؤلف
والشخصية
تحرر بناء
النص
وأبعاده
الدلالية من
القيود
الموروثة
للنوع
الروائي،
فبها تستبدل
نمطا حرا من
العلاقات
السردية
تمكن
الشخصية من
الحديث عن
مؤلفها،
والمؤلف من
الحديث
المباشر عن
شخصية
روايته دون
التباس أو
خوف من
الانزلاق
الى ما هو
بعيد عن عالم
الرواية
نفسها. تكشف
هذه الرواية
بلا مواربة
كيف يتقنع "صلاح
الدين بوجاه"
بشخصية "تاج
الدين فرحات"،
وكيف يتمرأى
"تاج الدين"
في مرأيا "صلاح
الدين". فكل
منهما
يتوارى خلف
الآخر،
ويتقنع به،
ويجد صورته
في مراته.
وليس
التداخل بين
المؤلف
والراوية في
الأدوار
والوظائف هو
المظهر
الوحيد
المميز في
رواية "النخاس"،
انما
التداخل بين
النصوص
بأنواعها
ومصادرها
ولغاتها
المتعددة،
فبعض تلك
النصوص توجه
انتباه
المتلقي الى
خصائص فنية،
كما هو الأمر
في النص الذي
يتصدر
الرواية،
وهو منتزع من
"الفهرست"
لـ"ابن
النديم".
وتتأكد
أهميته
وتأثيره في
الرواية
حينما يحاول
"تاج الدين"
تصنيف
مخطوطات ترد
الإشارة
اليها داخل
الرواية،
فيصطلح
عليها "فهارس"
مثل: "الفهرس
الأول" و "الفهرس
الكشاف". وما
يشاع حول
نسبة الثاني
اليه، وسرقة
الأول من "لورا".
وبعض تلك
النصوص يؤدي
وظيفة تعميق
قدرة التخيل
واشباع
الوهم عند
المتلقي،
كما هو الأمر
لنص مقتبس من
كتاب "الاشارات
والتنبيهات"
لـ"ابن سينا"
وهو نص يتردد
في مفتتح
الكتاب وفي
خاتمته. على
أن هذه
النصوص
المعرفية
التي تخترق
الرواية
وتمارس ضغطا
على المتلقي
بهدف كسر
الوهم الذي
يخلقه السرد
تهون بازاء
نصوص كثيرة
أخرى تتخلل
الرواية،
وتعمق
أحاسيس "تاج
الدين فرحات"
الذي يدرج في
سياق لغته
لفات أخرى:
الأشعار
بالمحكية
التونسية
والقصائد
الفرنسية
لراهبو
وبودلير
وزولا،
ومقاطع من
الأشعار
الايطالية،
ومقاطع
سردية لجمال
الغيطاني،
فضلا عن
قصائد عربية
مقتبسة من
التراث
الأدبي، وكل
هذا يأتي
جنبا الى جنب
مع نصوص
لغوية لابن
منظور وابن
سينا
وغيرهما،
وهو كثير جدا
(5). وفي غالب
الأحيان لا
تعكر هذه
النصوص سياق
السرد، ولا
تقطع تسلسل
الأحداث،
انما تدمج في
الاطار
العام للنص،
بهدف اغناء
الحالة
النفسية
للشخصيات؛
فـ "تاج
الدين فرحات"
الذي يؤدي
دور كاتب
روائي يوظف
تلك النصوص
في مواقع
تضفي بعدا
نفسيا عميقا
على
الشخصيات،
كما انه
يستعين بها
للكشف عن
تطلعاته
وأحلامه
ورغباته،
وهي تضيء في
بعض الأحيان
جانبا من
توتراته
النفسية. ومن
ذلك سحاولته
التماهي مع
شخصية
الشاعر
الفرنسي "رامبو"
ومحاولة
محاكاته،
على اعتبار
انه مثل سلفه
رحالة وكاتب.
ومعروف أن "رامبو"
توغل بعيدا
في مجامل
افريقيا،
وعاد بساق
واحدة
محمولا على
اكتاف
العبيد.
فأشعار "رامبو"
تضيء وجه
المماثلة
بين
الاثنين،
وهذا الضرب
من توظيف
النصوص يمكن
الاصطلا ح
عليه بـ"التناص
الصريح".
والى جواره
نوع يمكن
الاصطلاح
عليه بـ"التناص
الخفي"
ويمثله
بغزارة
كبيرة اتصال
أسلوب
السرد، ولفة
النص بنسق
التأليف
السردي
العربي في
ابرز أنواعه
كالمقامات
والخرافات
والسير
والأخبار
وأدب
الرحلات
وكتب
الفهارس
وغير ذلك. يصف
"تاج الدين
فرحات" نفسه
بأنه "نخاس".
والاعلان عن
هذه الصفة
يستأثر
بالاهتمام
طوال صفحات
الرواية.
وعلى هامش ما
يقتبس عن "لسان
العرب" يضع "تاج
الدين"
تعريفا لـ"النخاسة"
في هذا
العصر، وهي: "الرغبة
في ولوج حياة
الآخرين
والتلصص
عليهم وكشف
بواطنهم".
أما "النخاس"،
فهو: الانسان
المتلون
الذي يزدوج
فيه الظاهر
والباطن،
والجهر
والسر،
والخفاء
والعلن.
وبعبارته هو:
"الرحالة
صاحب السفر
الذي لا
يستقر على
حال، يركب
البحر،
ويداور
العناصر،
ويراوغ
الظلمة،
ويغوي عرائس
البحر،
ويهادن
القراصنة..
حتى ينشب
مخالب خياله
في الناس
والأشياء
جميعا" (6). ومن
الواضح أن
هذا التعريف
مشتق من
الدور الذي
يقوم به "تاج
الدين" كونه
محكوما
برغبة
الاكتشاف
والبحث
والقلق وعدم
الاستقرار
والفضول.
فالمحفز
السردي في
النص هو
تداخل
الرغبة
الذاتية
بولع
الاكتشاف. فـ
"تاج الدين"
يقع منذ
البداية
ضحية اغواء
الجائزة
الايطالية،
ويتضاعف
حلمه
بالحصول
عليها،
فيغادر
بلاده مبحرا
على ظهر
السفينة "الكابو-بلا"
ناحية
ايطاليا
راغبا في نيل
الجائزة،
لكن فضوله
المدمر في
اكتشاف
الآخرين
وهتك
أسرارهم،
والتعرف سرا
الى أخص
خصوصياتهم،
يفضي به الى
نهاية
مختلفة
تماما لكل ما
كان يرغب فيه.
فلا ينال
مبتغاه، وهو
الجائزة /
الحلم.
وتتعرض
السفينة
لعطب يؤدي
بها الى
فقدان اتجاه
الرحلة،
فتظل ددتدور
حول نفسها،
تكاد لا تبرح
مكانها..
كأنما علقت
بين سماء
وأرض، تدور
حول نفسها
مثل لبؤة
جريحة أهلكت
السباع
جراءها،
وهدم السيل
بيتها، ولسع
البرد وجهها"
(7). تبدو النهاية المأساوية للشخصيات، وكأنها متصلة بالوباء الذي حمله معه "تاج الدين" الى السفينة: وباء التلصص، وكشف الأسرار، وهتك الحجب، والتوغل بعيدا في عالم الرغبات الممنوعة والمقموعة، وبدل أن تأخذ الأحداث والحصائر الاتجاه الذي ينبغي أن تكون عليه يحدث وجود "تاج الدين" في المركب الايطالي خللا في توازن الأشياء، فيؤول كل شيء الى غير ما كان ينتظران يكون: القبطان "جابريلو كافنيالي" السيد المطاع والمغامر الأفاق يلقي بنفسه في اليم وتهرب الشخصيات الأخرى أو تتوارى مختفية في أماكن مجهولة. السفينة التي وصفت دائما بأنها "المدينة العائمة العجيبة" تتعرض لعطب مدمر، وتفقد اتجاهها، ويتعذر عليها مواصلة الإبحار في مياه المتوسط، بل يتأكد ضياعها، ويستباح كل شيء فيها. وحده "تاج الدين" الذي كان يراود جائزة، ويمني نفسه بالحصول عليها، يفلت من هذا المصير المهلك، فتنسج حوله أسطورة اختفاء متميزة. اذ يشاع انه "رفع من الكابو-بلا في غروب اليوم الثالث، وان جماعة من أصحاب السبل قد شاهدوه أسفل جبل المقطم، يحمل محفظة مخطوطاته على ظهره يكاد ينوى بحملها"(8). لكن شائعة أخرى تؤكد انه لم يرفع انما شبه للآخرين ذلك. وهكذا فكأن الرغبة المقترنة بحب الاكتشاف لا تؤدي فقط الى الحؤول دون ان يحقق "تاج الدين" مبتغاه، انما تقود الى تغيير سصائر كل الشخصيات التي القاها على ظهر المركب. فاختلال التوازن الذي طرأ على نظام الأحداث، بسبب ظهور "تاج الدين" يظل مستمرا، ولا يعاد التوازن أبدا. فالنهايات المأساوية للشخصيات والسفينة تعبير عن بقاء ذلك الاختلال قائما بسبب الحافز السردي الذي أعثرنا اليه، والذي تؤكده مرة أخرى: الرغبة المرضية في التلصص على الآخرين واكتشافهم والتوغل في معرفة خفاياهم. على أن البعد الدلالي لهذا المحفر لا يكتسب قيمته الدلالية الا من خلال التفاعل مع عنصرين فنيين آخرين، هما: الشخصيات والمكان. والحق ان الشخصيات التي تظهر في الرحلة البحرية، لا ينقصها التوتر والاضطراب، سواء أعان القبطان "جابريلو كافينالي" الذي جاء من خلفية هي مزيج من المقامرة والشعوذة وممارسة السحر، أم ابنته "لورا" المتهتكة، أم جريس القبطي وعمله في تهريب الآثار، أم عبدون الجزائري تاجر العطور، أم الأمير أبو عبدالله القرطبي، أم القوادة شريفة الرواغي، أم لولا الراقصة، وغيرهم. وهم جميعا شخصيات لهم انتماءات ثقافية وعرقية مختلفة، لكن تجمعهم الرغبة المتأججة في احياء حفلات الليل الماجنة. وهنا يدخل المكان الذي يحتضن الشخصيات وأفعالهم، والمكان هو السفينة "الكابو-بلا"، انه مكان مضطرب يعج بالدسائس والمغامرات الغامضة والعلاقات الخطيرة، ويعج بالاضطراب لأن أمواج البحر تتقاذفه في رحلة قلقة تقع في نهاية الخريف ومقدم الشتاء حيث اصطخاب الموج وسط الظلمة، والريح التي تعصف بكل شيء. ومن الواضح أن السرد يحقق تناغما فريدا بين الاضطراب والقلق اللذين يلازمان الشخصيات والسفينة في بحر هائج. فالمكان هو الملاذ هنا. انه يشحن الشخصيات بقلق مضاعف الى درجة تصبر فيها رهينة البحر بكل عنفوانه. وبخاصة بعد أن تحيط جموع القرش والدلفين والحيتان بالسفينة في رقصة مجنونة، فـ "ترتطم بالمركب في كر وفر، تقبل لتدبر من جديد قبل أن تدور حول ذاتها وترسل صراخها الحاد في الفضاء المتخثر، أما طيور النوء فأسراب شرسة تلم بالحفل ثم تفلت في مثل مروق اللولب، فتكاد تعصف برؤوس المتراصين لصق السياج المعدني البارد" (9). ولعل تفاعل عناصر السرد هذه جميعها من أحداث وشخصيات وخلفيات مكانية وزمانية قد عبر عنها بلغة مكثفة، مختزلة، قصيرة الجمل، تتميز بالأحكام أكثر من الأوصاف، ويشيع فيها أسلوب العطف الذي يراكم جزئيات من الوقائع بعضها فوق بعض ليتشكل منها متن الرواية، فكأن التعبير اللغوي هو نفسه كان صدى لذلك العالم المضطرب. وهذه الاشارة تلزمنا القول: ان اللغة المكثفة القطعية التي تتجنب صيغ الاطناب والاسترسال، وبها تستبدل الايجاز، وأحيانا المباشرة، باعتمادها على معرفة الأشياء وتقريرها، أكثر من الايحاء بها، جعلت الرواية حقلا لممارسة شتى أنواع التجريب، سواء أعان تجريبا أسلوبيا كما يمثله الانتقاء اللغوي للألفاظ الكتابية المتحدرة من ذخيرة أساليب النثر العربي القديم أم تجري | |||||