جدل الشعر والحياة
عند الشاعر الفلسطيني عبداللطيف عقل

فيصل قرقطي (كاتب من فلسطين)


تسعى هذه الدراسة، من خلال الدخول في عالم الشاعر الدكتور عبد اللطيف عقل، إلى مقاربة جدل الشعر مع الواقع، والحياة. وذلك ليس من خلال قراءة سطحية لمعنى ومبنى دلالات وشكل القصيدة عنده، وانما من خلال الدخول في جدل معرفي يسعى إلى ارتقاء مقود الحقول والسفر في بنيات ودلالات الطقوس المعرفية لفهم الشعر الذي يسعى روحيته الى تفكيك الواقع والحياة واعادة صوغه من جديد وهذا يحتم علي بالضرورة أن انطلق من نتاج الشاعر كمعطى ابداعي كلي حاول ان يرسم ويؤسس صورة الحياة بكل نزقها.. واشراقاتها.. حزنها.. وفرحها.. المها ومعاناتها استلاب الوطن.. واستلاب الذاكرة.. مجون الروح في طقوس الحزن وبراءة العبث في دهاليز الظلمة تحت الاحتلال. سيما وان شاعرنا عاش وعايش محن شعبه الكبرى.. وانصهر في أتون مجمرها ليتجسد لنا روحا وإرثا.. تراكم على مدى أعوام طويلة، هذا الإرث الشعري القليل نسبيا خمسة دواوين شعرية، (إضافة الى الاعمال الأدبية الاخرى خمس مسرحيات) وهنا ليس مكان التطرق اليها..على اعتبار أن النص المسرحي يكتب أساسا للتجسد على خشبة المسرح والتالي تفترض قراءته قراءة رؤيوية للتجسد من خلال الحركة والصوت والايقاع.

إرث شعري قليل الكم كثير الأبعاد والمعطيات والدلالات التي تثير جدل السؤال المعرفي في مراحل جد خطيرة ومهمة في تاريخ الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

وهذا يفترض بالضرورة دمج وعينا بمجرى النص، أي بمعنى أخر كشف حرارة التفاعل بين فعل وبنية، وهذا يقودنا إلى تلمس خيوط "الظاهرايتية" في القراءة "التي هي اكثر أناقة من غيرها لأنها تضم الفعل والبنية في إطار فكرة واحدة: هي القصد"(1)! والقصدية بمعناها النقدي، لا السطحي، هي إثارة جدل الفكرة بين البنية والفعل، من هنا، سأنطلق في بحثي هذا من محاولة استكشاف الهوية الثنائية للنص الشعري عند د.عبد اللطيف عقل، باعتبارها معنى القارئ ومعنى الشاعر دونما أي لبس ليتسنى لي مجال أوسع وفضاءات ارحب لجهة التفسير التي يندرج في إطارها شعر شاعرنا وتجر بته على حد سواء. وأراني هنا متفقا تماما مع فيري يوليه الذي يوضح أن وعي القراءة ما إن ينغمس في النتاج الأدبي ويتحرر من قيود الواقع الملموس حتى ينتابه العجب لانه يجد نفسه مليئا بأشياء تعتمد على هذا الوعي".(2) والنتاج الإبداعي مهما كانت صلته بالمبدع، إلا أن له حياته الخاصة به يعيشها كل فرد في قراءته لذلك النتاج. وشاعرنا يقذف نصه في وجوهنا في برهة الصخب، والصفاء، على السواء دون دراية منا طوال السنوات التي خلت انه نص محفوف بالمخاطر والمفاجآت، نص يفتح الأوردة إلى أخر مدى، ويشذب أطراف المعرفة رادا إياها إلى مصادرها الأولي ومنابعها النظيفة "الأرض" لذلك اندرج خيط طويل من مفرداته الشعرية في إطار المحكي في الإرث الشعبي محاولا تطويره والعلو به إلى مصاف لغة تستقي أبعادها ومعانيها المفتوحة إلى التفاسير ليرضي شهوة شقية في العيش على ارض حرة، وخزت خاصرته فيها حراب جنود الغزاة صباح مساء.

لم يقف نصه محايدا. لذلك أدرك جدل العلاقة المتفجرة بين الروح الإنسانية في اتكائها على اريحيات الحنان والحب للأنثى- المرأة وبين الأرض تلك العشيقة في بيتها المسحور الذي كلما اقتربت منها ازدادت بعدا. وازدادت الجراح اقترابا من جسدك وروحك..أليست هي معادلة الصراع الصارخ الذي نعيشه منذ مائة عام تقريبا؟!. هذا مع العلم أنني لا اعد كنتيجة لهذه الدراسة اليتيمة أن ادرج شاعرنا تحت خانة تؤطر في منهج جدلي نقدي، ويكذب من يدعي ذلك، إلا أنني أحاول جاهدا أن أتلمس خيوط ايقاع روحه في النص، وبيانات ايقاعات النص في حياته من خلال استبطان ما يكمن وراء الكلم أو الكلمات إن شاء راغبو واضعي اللغة، ولكن سوف أتعامل مع الألفاظ اللغوية، مرورا بالبنية الإيقاعية، إلى البنية الدلالية ورؤياه الكلية، من خلال الانتقال باللغة من كونها شيئا محددا قاموسيا وثابتا إلى كونها بؤرة احتمالات وطاقة إيمائية وبؤرة دلالية تشع في جسد النص بإمكانات متعددة" (3) لأنه في رأيي من العسير جدا على الناقد وعلى الشاعر في أن إدراجه في إطار مدرسة أو منهج نقدي محدد،خاصة في التعامل مع شاعر فلسطيني.. مثل الدكتور عبد اللطيف عقل. لذلك سأحاول تجذير بنية النص معرفيا ونقديا، وشعريا وفتح انغلاقاته وخيوطه ليتسع اكثر..فأكثر على مداه الأرحب الذي يكتن في ألوانه صخب الحب وجدل الثورة والتمرد، في استهلا لات عقلنة المعطى التراثي والسمو به وفيه إلى مصاف الفعل الحضاري وهذا ما سأبينه لاحقا.

لم يرتكز شاعرنا، وذلك بالفطرة، على الإرث الشعري الفلسطيني، الذي تتلمذ عليه وحسب، وانما استفاد من ثيمات وفنية الشعرية العربية منذ المعلقات وحتى ستينات هذا القرن وهي المرحلة التي شب وصلب عوده فيها، لذلك نجده في خطابه الشعري أشبه بسباك احترق بنيران اللغة، وموسيقي عارك صخب وحنو النغم ليخرج الينا بإرث شعري متميز ومتفرد انعكس من خلاله عبد اللطيف عقل الإنسان المبدع البارع. ومنذ بداياته المنشورة انطلق نصه الشعري مؤسسا على هذا الإرث المديد وكذلك، على التحولات التي طرأت على القصيدة الشعرية الحديثة في الستينات، بعد انطلاقتها الأولى وتجذرها على يد الخالد بدر شاكر السياب ومن ثم نازك الملائكة، الذي أبحر ضد التيار وكسر السائد، وفكك المعطى الموروث وأعاد بناءه على نحو يتساوق مع الذائقة الروحية والنفسية والشعرية والحياتية الحديثة للانسان العربي الذي يعيش في منتصف القرن العشرين.

إلا أن التحولات البينة التي طرأت على حداثة الشعرية العربية في الستينات والذي استفاد منها شاعرنا وحاول تطويرها تكمن في تحولات ايقاعية وتحولات لغوية وتصويرية وتقفوية إضافة إلى التحولات التي طرأت في مضمونية جسد الشعرية العربية والتي تساوقت مع ايقاع الاغتراب.. والتغرب التمردي الذي طرأ وعاشته الروح العربية في قرننا الحالي. وهذه المعادلة الجديدة نسبيا، والتي طرأت على الشعرية العربية في الستينات ورسمت الذائقة بصفاتها لا تختلف في بنياتها الدلالية عما قاله فيلسوف الأدبا،، وأديب الفلاسفة أبو حيان التوحيدي: "ومن استشار الرأي الصحيح في هذه الصناعة الشريفة، اعلم انه الى سلاسة الطبع أحوج منه الى مغالبة اللفظ، وانه متى فاته اللفظ الحر لم يظفر بالمعنى الحر، لانه متى نظم معنى حرا ولفظا عبدا، او معنى عبدا ولفظا حرا، فقد جمع بين متنافرين بالجوهر، ومتناقضين بالعنصر".(4)

ومن استقصاءات الجدل النقدي في حقولها المعرفية سننطق في دراستنا هذه من رحلة العطاء الطويلة، مع الحروف والكلمات والإبداع، دامت اكثر من ثلاثين سنة، قدم خلالها الدكتور الشاعر عبد اللطيف عقل للمكتبة الفلسطينية والعربية اكثر من سبعة دواوين شعرية وخمس مسرحيات وعدد من الأعمال الأكاديمية والعديد من الدراسات والمقالات والابحاث. فمنذ بداية الستينات كانت انطلاقة الدكتور عبد اللطيف عقل شعريا مع مجموعته "شواطئ القمر" (5) الذي استطاع من خلالها ان يجسد صوته المقاوم للاحتلال، والرافض للاستلاب متمسكا في الارض الفلسطينية التي تنبض في عروقه.

وفي مجموعته الشعرية الثانية "أغاني القمة والقاع" (6) طرأ تحول هام في سيرته الشعرية وتكوينه الإبداعي بشكل عام، وذلك بسبب تغير الظروف والحياة، ووقوع الضفة الفلسطينية وغزة تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 مع أراض عربية أخرىهن جهة، واشتداد صوته الشعري قوة وحدة بحيث اتسعت الرؤيا اكثر وضاقت العبارة حسب قول النفري. بعدها تتالت أعماله الشعرية في الصدور والانتشار "هي..أو الموت" (7) و"قصائد عن حب لا يعرف الرحمة" (8) و"الأطفال يطاردون الجراد"(9) و"حوارية الحزن الواحد" (10) و"الحسن بن زريق مازال يرحل" (11) و"بيان العار والرجوع".(12)

وسأحاول في هذه الدراسة أن اركز بحثي في النتاج الشعري لهذا المبدع الكبير الذي لم ينصفه النقد الفلسطيني أو العربي حتى مثل الكثير من مجايليه الشعراء أنه صوت خشن أشبه بصوت الشنفرى، يتأرجح بين عذوبة بوح الروح، وبين انفراج المعنى إلى أوسع دائرة في الخشونة والاتهام والتمرد، والتمسك بالحبيبة الواقع، الأم، الأرض. سلمى..وهي ليست سلمى الا خيلية، إنها سلمى الفلسطينية التي تقطر من تحت أظافرها المعاناة بكل نزقها..وهدوئها، بكل قوتها..وحنانها..وهذه هي المعادلة..المفارقة الصعبة التي تأرجحت بين قطبي روح شاعرنا الوثابة، الثائرة العاشقة المعذبة المغتربة.

هي أو الموت فاتحة الخطاب

ومن عنوان المجموعة "هي او الموت" يبدأ عبد اللطيف عقل اعلان التحدي فاتحا ساحاته الى حدودوها القصوى، مقامرا بجسده، وروحه لانه يعلم، ويريد ان يعرفنا كذلك انه دونها لن يعيش، لذلك كان العنوان "هي او الموت" فما جدوى الحياة دونها إذن؟! وبالتالي تبدأ "الفاتحة" من حيث يجب ان تبدأ، في استقصائها وبالتالي تبدأ "الفاتحة" من حيث يجب ان تبدأ، في استقصائها التسميات المحددة الواضحة المرامي والدلالات والابعاد "باسم الحب والاحزان والرفض"(13) وهذا يؤكد ويوضح معادلة التحدي التي يخوضها شاعرنا مبتدئا اولا من المقامرة، في حياته، وصولا الى الحب،الذي دونه الاحزان، ثم ليأتي الرفض ليعطي حياة الانسان / الشاعر جزالة العيش ومعادلة الاتزان. اذ ما معنى حياة الكائن دون الرفض الذي يدور في دواخل الكثيرين، وهل اجدر من الشاعر في اعلانه؟! ففي "الفاتحة" تتأسس معادلة المعنى التحتاني، او الباطني للقصيدة على ارضية التضاد والمفارقة التي يتعامل معها شاعرنا من النقيض.. الى النقيض الاقصي وهذا ما يبرز حدة الخطاب والمعاناة على السواء.

كثيرون من اهلها

اعلنوا الحب بالقول

لكنهم أضمروا قتلها في السريرة

كثيرون قالوا صباحا:

فداها العيون

وداسوا على رأسها في الظهيرة.

كثيرون مثل العجين السمين.

يضخمه الوهم للعين

تعمى، وتنسى فساد الخميرة.(14)

لكن معادلة التحدي ظاهريا، تبدأ في القصيدة، بإحداث المقارنة بين صورتين متعاكستين تماما، او معنيين متناقضين ظاهرا وباطنا في الحياة وفي القصيدة معا.

وبعيدا عن تجلي صورة جدل الحب والوطن في طرح هذا الاشكال المتناقض، يظهر جدل لي العلاقة بينهما عن طريق محاولة استفزاز الواقع وصراخ الصوت كاعتراف بما هو كائن عبر المفارقة الحادة والعجيبة التي تتجلى في عدم التوازن بين الواقع والنفس، بين الشاعر وما هو ماثل. فتارة تأتي على نحو ساخر..وتارة أخرى تأتي محملة بتضاد الروح والعالم في انبهار المواجهة..ولها ايضا عشرات المعاني والمفاهيم.

تنادوا على شعرها الحلو

في السوق، حلوه، باعوه

قصوا جذوره.

وكنت محلى ساحل الموت، وحدي

أذوب حنينا اليها

اموت وألتاج غيرة.

وتتجلى معادلة التحدي صعودا في "هي او الموت" عبر احداث المفارقة التي تنطلق الى مدى ابعد وارحب وذلك في مواجهة الخطب، الماثل، مثلما هو الامر في قصيدة على الحافة:

تتغلغلني داء حسبوني أشفى منه، وكلما

سحقوا عظمي صارت روحي اكثر خشونة (15)

فهذا التضاد في بناء دلالات المعنى لا يشي بمعادلة التحدي وحسب وانما يلج العلاقة الداخلية بين الفعل والمتحدي الذي ينعم بتفلفلها في جسده كالداء ولا يقف الامر عند هذا التغلغل، وانما يتقدم على نحو خلاق في مقابلة الفعل، ففعل سحق العظام لا يميت وانما يبعث روحه اكثر خشونة وصلابة في حين ان المعطى العادي في الحياة ان يؤدي فعل السحق الى تبدد وتمزق الجسد وشاعرنا لا يقف عند الجسد، بل انه ينبئنا بطريقة فنية عذبة ان روحه تخرج اكثر خشونة وبالتالي فإن جسده قائم وماثل واكثر صلابة وهذا سر شموخ لعبة التحدي عند شاعرنا مثلما بالضبط هو سر شموخ ومواجهة الفلسطيني لقدره على ارضه ودفاعا عنها. وتمتد المفارقة النابضة بالحياة عبر دلالات وايحاءات التحدي المتنوع والمتعدد الاوجه ليتواصل في النشيد على نحو اكثر براعة، داخلا في رؤى اكثر بهجة وشاعرية:

حين حرثوا اذني بالفؤوس صارت حبيبتي

اكثر رقة. قصوا شعرها وما اعارته

لاخواتها الناصلات بالقرع. تشهيتها

غرقت في حضنها كالحضور، القمتني

الفجيعة فاحتضنتها بالوعي والتخطي (16)

وهذا التكثيف في البوح الشعري يعطي المفارقة ابعادا اكثر اناقة وكونية واتساعا ويصبح المعنى الانساني بشموليته هدف فنية  ودلالات القصيدة التي تتفجر وتنبني بين اقطاب معادلة ما تنفك رافقته طوال حياته مشكلة الحيز الواضح والطاغي في مسار صعودية القصيدة عنده:

في زمن الجوع...

امنحك اساور قمح

أولد طفلا بالجسد المرهوص

يستغرقني حبك دائرة في لون العينين

حسيني في اللحظة طفلا شيخا،

اتودد للصمت

ملعون من يدخلني في سم الابرة كالخيط (17)

فالخطاب هنا مفتوح الابواب والصدى على مختلف الابعاد ولا تحده نهاية يدخل في الاطار الحياتي..الانساني المتعدد الاوجه، والمعاناة، غابت او لنقل تلاشت فيه الذات الجمعية في وجهي الخطاب على السواء (المخاطب) تتجلى المعاني الانسانية الشاملة بكل معاناتها والقها وعذاباتها..التي تمتد من زمن الجوع..وزمن الغلالة او الفرح كما تشي به شطرة (امنحك اساور قمح) ثم الى معاناة الطفولة الشقية، ولوعة الشباب وانعطافاتها العشقية وعذاب الحب فيها لتصل الخيط الممتد من الطفولة الى الشيخوخة ثم تضع واحلتها في فسحة "التودد الصمت" لا استكانة..ولا انهزاما، كما تفعل دائما غربان الصمت وانما من اجل استلاب عمق وكونية للبعد الوطني الانساني في محاولة استلاب الانسان للانسان والسيطرة عليه فتأتي الخاتمة خاتمة المقطع بانجراف التحدي الى أقصى مدى وتتمثل في قوله "ملعون من يدخلني في سم الابرة كالخيط".

والبوح الشعري الشامل هذا، الذي يتجسد في القصيدة على هيئة شلال للمعاني الانسانية لا ينسى ان يقف عند الفروع والاصول..فالحب له ابعاد وارتباطات من العسير الفصل بينهما وهو دائما يكون في القصيدة بمثابة المنقذ والمخلص للشاعر من ازدحام التراكم الهائل للمأساة في روحه:

ياما حممني من يأسي مطر

العينين الساجيتين

اعرف انك في بيت السلطان:

تخيطين ثياب بنيك واعرف انك،

في الحارة يتناهى في جلدل وقع الاقدام (15)

فكلمة "ياما" التي خرجت على سجيتها وبساطتها وعذوبتها من فم قلب الشاعر تنطوي على ابعاد هائلة من الصدق لتفتح فضاءات الحرية المستلبة التي اراد ان ينجزها الشاعر في قصيدة، لقد حاول دائما ان يخلق الفضاء الرحب في طقس الحرية لنصه الشعري وذلك كتعويض عن الحرية المستلبة في الواقع..ياما لا تخرج هكذا نداء، عبثا بقدر ما تخرج من خلال تشابك وتعانق اللوعة والحزن والتمرد والحنان، والحب ليتجسد مفردة يطلقها لتوقظ فينا ما انهار خلف ارتحت بهرجات اللغة وقواعدها المحددة ومثلما فعل فعله المطر في تطهير الشاعر من الياس كذلك فعلت مفردة ياما فعلها في تطهير قلبه من يأس الواقع السياسي المهزوم انذاك (وقت كتابة القصيدة) وهو بداية السبعينات وذلك كي يعطيه توازنا حقيقيا للا قدام على الاعلان عن مصادرة حريتها.. حرية = الأم =الارض =البلاد = الحبيبة في معادلة التشابة والتناسخ والتواصل في التوالد والعطاء "اعرف انك في بيت السلطان"...

ثم يتواصل هذا التداخل ضمن معادلة التحدي التي تصل ذروتها في المجموعة عبر قصيدة "حب على الطريقة الفلسطينية": التي تمثل بحق وجدارة سيمفونية عناق الحب والعذاب، الامل، والانكسار الحرية والسجن بنشيد يحفر في ايقاعات الروح ابعادا ودلالات لا تخرج وصول المعاناة الى ذروتها، المعاناة المحكومة باقطابها الثلاثة التي بنيت عليها قصيدة شاعرنا وهي معادلة التحدى العشق، الوطن،المفارقة، والاغتراب

اعيشك في المحل، تينا وزيتا،

والبس عريك ثوبا معطر..

وابني خرائب عينيك بيتا

واهواك حيا، واحياك ميتا.

وان جعت اقتات زعتر

وامسح وجهي بشعرك

يحمر وجهي المغبر.

واولد في راحتيك، جنينا

وأنمو، وأنمو وأكبر.

واشرب معناي من مقلتيك

فيصحو وجودي ويسكر. (19)

لا تكلف في الالفاظ ولا صنعة، ولا حث للمعني، ولا محاولة اجتراح صورة ببساطة جاءت القصيدة من بطن الواقع الفلسطيني مهنئ ومبنى وشكلا ودلالات لترسم ابعاد واعماق المعاناة الفلسطينية من الخاص الى العام مرورا بالمعادلة سالفة الذكر التي تنبني عند شاعرنا على ثالوثها المقدس التحدي، المفارقة، الاغتراب، لتشكل عبر هذه القصيدة بحق وقفة تأمل عميقة وانعطافة حادة في بنية القصيدة عند شاعرنا اذ بعدها تدخل الطبيعة في جدل الحيرة والتحدي ليس بانفتاح الاسئلة النصية على تضاد ومفارقة الصراع الذي يعيش ابعاده الشاعر وانما في اتساع الاسئلة وحدتها وشموليتها:

واقف يا جبهة الصحراء،

حادي العيش (العيس) في عيني،

مأخوذا بأسراب القوافل،

هنا تتداخل عملية الانفلات من المعنى الخاص في دلالات الصراع لتتجسد في عناق مع محاولة خلق الارضية الصلبة في معنى القصيدة _ وهذا ما يدلنا عليه الجدل الماثل بين سور المفردات (واقف) ..جبهة الصحراء (مأخوذ).. (باسراب القوافل)، في (واقف) تعني الثبات والتأصل في المكان.. في حين تشير مفردة (مأخوذ) الى الانعتاق من الثبات والمكان والزمان على السواء، بالضبط كما هو الحال في الجدل الماثل بين جبهة الصحراء..واسراب القوافل:

وتسولت، شربت الليل فوق الارصفة

قتلتني شهوة الكلمة

غامرت وغازلت الاميرة

وتطاولت على وجه الامام (20)

الا ان الاحساس بالاغتراب، وولوج الرفض الصارم، يفضيان بشاعرنا الى التمرد الذي يأخذ معنيين: الاول: يتجسد من خلال محاورة الذات، بكل ارهاصات الاغتراب والعذاب والحنين الذي ينتابها مما يدنو من مشاكسة الواقع على نحو غير عادي في اطار ولوج المعادلة السياسية، (غامرت وغازلت الاميرة). والثاني: يتمثل في الجراءة العالية: في محاولة مواجهة ارث التقاليد وذلك من منظور حداثي حينما لا يوظف التراث بشكل فعلي وايجابي في معادلة الصراع، معادلة حبه ومعاناته وشقائه ونضاله (وتطاولت على وجه الامام)

وهنا يتركز شأن الجدل السياسي في القصيدة الشعرية..هذا الجدل الذي انطلق من محاولة تعرية الظلم وفضح اشكال الانهزام والاستغلال بفنية عالية وبخطاب شعري واضح كل الوضوح حد الاتهام المباشر:

كثيرون من اهلها

اعلنوا الحب بالقول

لكنهم اضمروا قتلها في السريرة.(21)

وينتقل اعلان الاتهام والتخصيص في فضح ما هو متخلف عن اتون الصراع، والمتمثل في الممارسات الخاطئة في المعادلة الوطنية الى محاولة ادخالها حيز الحوار في النص الشعري. والرفض عند شاعرنا معادلة متكاملة الملامح والابعاد ما تنفك تفصح عن نصها هنا وهناك على نحو خلاق:

لم اجد في شفة القدس ابتسامة.

فنما في خاطري الرفض

وفي ذاكرتي امتدت قيامه

فاذا ما جاء المساء

تصبح الارض - جميع الارض -

وجه القدس او وجه السماء (22)

وهكذا يمتد بنا الخطاب الشعري حتى آخر المجموعة فمن التحدي الصارم الى المفارقة التي تصل حدا عاليا من السخرية والكآبة الى توظيف المكان (كجغرافية وطبيعة واشجار وحواكير وبيوت منسية) الى التمرد الذي يعلن توارثه على نحو متفرد فنيا وموضوعيا في النص، ثم الى الاغتراب حين لا يجد الصوت صداه، ثم الى الرفض ثانية فالتحدي، فالمفارقة فالطبيعة، فالتمرد، وهكذا دواليك.

وفي قصيدة "ملاحظة للغرباء" يتجسد الاغتراب عن طريق اسقاطه على الاخر، فالشاعر يوقف الاخرين مطلقا عليهم اسم الغرباء"  ثم يبدأ حوارا معهم..وذلك في محاولة للتوازن من جهة عن طريق الانعكاس الشرطي للمعاناة داخل الفن وكذلك عن طريق تعميم حا&