القرامطة في خطاب مي الخليفة
 
آليات التاريخ وتمثلاتها الرمزية

علي احمد الديري (باحث من البحرين)


1

لا مناص للمؤرخين إذا أرادوا الخروج من دائرة التهميش أن يخضعوا الممارسة التاريخية للمشاغل الحديثة حول قضية الدلالة والأنظمة الخطابية (1)

د.محمد حداد

ما الذي يمكن أن يقوله باحث معني بشئون النقد في كتاب تاريخي ككتاب (مي محمد الخليفة) من سواد الكوفة إلى البحرين..القرامطة من فكرة إلى دولة)؟

ذلك هو السؤال الذي افترضت سيواجهني به الباحثون المعنيون بالشئون التاريخية، وتعمدت أن أظهره فوق منصة الورقة؛ ليكون مدخلي في القراءة؛ وكي لا تتمطط المقدمة، سأجيب بشكل مختصر، ومباشر، و أتمنى أن تقرأ الاجابة بوصفها مقدمة لا غنى عنها - تعطي قراءتي مشروعيتها.

أصبح من المعروف لدى المشتغلين بالنقد الأدبي أن صفة (الأدبي) بمثابة التخصيص الذي يحدد موضوع اشتغال الناقد، ولا تستغرق هذه الصفة النقد أبدأ، فالنقد نشاط فكري مفتوح على آفاق المعرفة الإنسانية، ولهذا الانفتاح أثر كبير في فتح موضوعات النقد على بعضها، فالموضوع الأدبي أصبح منفتحا على الموضوع الفلسفي والموضوع التاريخي أصبح منفتحا على الموضوع اللساني، ووفق هذا الانفتاح تتبادل موضوعات هذه العلوم أدواتها، ومفاهيمها، ومناهجه (2).

"لقد أصبح النقد المشتغل على النصوص الأدبية بفضل علوم اللغويات الحديثة متوفرا على مجموعة من المفاهيم النقدية الهامة التي يمكن استثمارها في قراءة أي خطاب تنتجه الثقافة، وهذا ما حدا بالدكتور عبدالله الغذامي إلى أن ينتقل من مفهوم النقد الأدبي إلى مفهوم النقد الثقافي الذي لا ينحصر موضوعه في النص الأدبي.

من هذا الانفتاح تستمد هذه القراءة مشروعيتها، وتعلن عن منطلقاتها التي تروع توظيف المفاهيم المنتجة في البيئة اللغوية والأدبية في قراءة خطاب هذا الكتاب.

-2-

عتبات القراءة:

هناك مجموعة من العتبات الأولية التي تشكل أفق انتظارك، وأنت تدلف عبر نافذة الغلاف متجها نحو المتن. العتبة الأولى تتمثل في ذلك السواد الذي يلف الغلاف، ويفضي بك عبر نافذة تتوسطه نحو عتبة أخرى، تمثلها لوحة صارخة، توحي بألوانها المتداخلة وبقعها المنسكبة، وملامح كائناتها المتوارية وكتاباتها الجدارية، توحي باختراق ناري لمألوف التاريخ التقليدي الذي همش هذه الكائنات و طمس هذه الكتابات.

ويتصدر العتبة الثالثة الإهداء الذي تقول فيه "إلى روح الحسين بن منصور الحلاج والى جميع المتهمين بجريمة الانتساب إلى فكر القرامطة وحركتهم". إن هذا الإهداء لمشبع بروح التعاطف الثوري مع كل من يمثل خطأ شاذا ضد هيمنة السلطة الفكرية والسياسية.

واذا ما كنت من المتابعين لكتابات الباحثة السابقة، فستحضرك بوصفها عتبات تسبق عتبات هذا الكتاب. إلى الآن ما تزال العتبات، تنبئنا بالروح التي كانت وراء هذا العمل، لكنها لن تبدأ في إشعال أفقنا بتوقعاتنا للعقل الذي كان ينتظم ضمنه هذا العمل إلا حين نقرأ العتبة الرابعة في التمهيد، ويتصدر هذه العتبة مقولة للمفكر محمد أر كون يقول فيها ز مع اعتزارنا بالتراث لا بد من قراءة جديدة له". (أركون) لوحده يمثل عتبة غنية لا تملك حين تقف عليها من إشعال أفقك بأبعاد تقترب من اشتغالات منهجيات العلوم الإنسانية الحديثة، واشتباكاتها المعرفية مع وقائع النصوص والخطابات.

والمقولة تعزز من ذهابك نحو هذا الأفق، لما يحمله مفهوم القراءة الحديث من معاني الاختلاف والتركيب والتأويل.

-3-

ولا تملك إزاء هذه العتبات إلا أن يراودك سؤال قلق تخشى معه من خيبة تكسر أفقك لكن ليس على النحو الذي يفعله النص الأدبي. والسؤال هو: هل نحن سنكون موعودين بخطاب تاريخي جديد؟ أو لنقل بخطاب قراءة جديد لجزء من تاريخنا؟

الإجابة تطلب قراءة تتجاوز الاحتفاء بالمعلومات التاريخية، ومضامينها، وقيمتها؛ لتعطي اهتمامها الأكبر إلى طريقة انتظام الخطاب أي قراءة معنية بتحليل الخطاب.

ولنحصر موضوع القراءة بشكل أكثر دقة، سنسوغ سؤالنا على النحو التالي: كيف كانت (مي) تبني خطابها؟ و وفق أي نموذج كانت تتمثل وقائعه؟ إن هذا السؤال يمثل محور هذه الورقة، ويوجه خطتها، ولكن قبل أن نشرع في مقاربته، سنطرح السؤال التالي: كيف كانت (مي) ترسم خطة بناء خطابها؟

مع الأسف، ليس هناك أية إشارة ترشدنا إلى الخطة المعرفية التي كانت تتحرك من خلالها الآليات النظرية في بناء الخطاب التاريخي، فما تضمنه التمهيد لا يتجاوز الأسباب والدوافع التي كانت وراء هذا الخطاب التأريخي وتتمثل في:

1- كتابات المستشرقين التي تدعونا إلى البحث من جديد.

2- البحث عن هوية القرامطة والوصول إلى أسباب خروجهم.

3- إظهار الحقائق المطموسة المعارضة في تاريخ حضارتنا.

4- رد الاعتبار لحركة القرامطة.

لهذه الدوافع مبرراتها، ورؤيتها الحديثة، وتوجيهها لخطة العمل، لكنها لا يمكن أن تمثل الجهاز النظري الذي يشتغل من خلاله المؤرخ، فنحن ما زلنا رغم وجاهة هذه الدوافع، لا نعرف الطريقة التي ستقرأ من خلالها الباحثة المصادر التاريخية، وما زلنا لا نعرف حدود اختلاف معالجتها عن سائر المعالجات التي كتبت في الموضوع نفسه، خصوصا المعالجات الاستشراقية التي باتت تقليدية بالنسبة لخطابات العلوم الإنسانية الحديثة، وقد تعرضت مناهج المستشرقين لنقد معرفي عنيف من محمد أر كون صاحب العتبة الرابعة، وما زلنا لا نعرف الآليات التي ستتحرك من خلالها في تشييد هذا التاريخ المهمش. باختصارها زالت الأسئلة النظرية في دائرة اللامفكرفيه، وكأن هذا اللامفكرفيه يعزز مقولة الباحث (طريف الخالدي) التي تقول "المؤرخون لا يعنون كثيرا بالأبعاد النظرية لعملهم" (3).

-4-

إزاء هذا السكوت،لا بد أن نستنطق المتن أي العمل نفسه؟لنجيب على هذه الأسئلة المتفرعة عن السؤال المركزي المتعلق ببناء الخطاب.

يخضع خطاب (مي) في بنيته العاهة إلى آليات الخطاب التقليدي المتمثلة في الخضوع إلى زمن تسلسل الوقائع بدلا من العناية بزمن تشكل النصوص، و تشكلها في النصوص، والاستدلال بالروايات أو توجيهها بدلا من قراءتها، والثقة المطلقة في قدرة النصوص على تمثيل واقعها الخارجي بدلا من التشيك في إمكانيات هذا التمثيل.

لقد تحكم التسلسل الزمني للوقائع في خطة الكتاب العامة، وظل زمن الخطاب خاضعا لهذا الزمن من دون قدرة على تشكيل زمنه الخاص الذي يعبر عن قراءته وتمثله.

-5-

كيف توزعت فصول الكتاب وفق هذا الزمن التسلسلي؟ يتكون الكتاب من أربعة فصول، و في الفصل الأول والثاني تسرد المؤلفة تاريخ الكوفة في ظل الخلافة الراشدية والأموية والعباسية، إلا أن التأريخ لم يكن تاريخا للكوفة بقدر ما كان للخلافة والخلفاء، وكأن المكان لا يأخذ معناه إلا عبر علاقته بسلطتهم، و تبعا لهذه العلاقة أخذ الخطاب يتحرك تبعا لتحرك زمن الخلافة، فمع كل خليفة يبدأ فصل جديد، ومع كل حدث سياسي تنفتح صفحة جديدة في التاريخ.

وفي الفصل الثالث تتابع تاريخ الحركة القرمطية وانفصالها عن الحركة الإسماعيلية، و أخيرا في الفصل الرابع تتابع التاريخ السياسي لهذه الحركة في البحرين، وتنتهي عند السقرط الأخير للدولة القرمطية العام 469هـ ودخول عبدالله العيوني إلى الأحساء.

إن خطاب (مي) يسير بهذه الخطة وفق آليات التاريخ الخطي السردي المستقيم الذي يحتفي بالحدث السياسي المتسلسل سنة بعد سنة وعصرا بعد عصر، تماما وفق الأسلوب الذي كرسه الطبري.

لقد وصفنا هذه الآليات بالتقليدية؟لأنها تقف بخطها العمودي في الطرف المقابل لآليات التأريخ البنيوي الأفقي الذي يشتغل فيه المؤرخ على البنى الاقتصادية أو الاجتماعية أو النفسية (4).

إلى جانب هذه الآليات التقليدية هناك آليات حديثة تمثلها خطاب (مي) في شكل وعي تاريخي بالماضي، وتمثل هذا الوعي في إدراك دور الإكراهات السياسية في صياغة خطاب المؤرخ، ودور الإكراهات العقائدية في تشويه الحقائق التاريخية،والى حد ما دور المتخيل الجماعي في صناعة التاريخ.

يبدو أن خطاب (مي) التاريخي بآلياته التقليدية،و وعيه الحديث،سيجبرنا علي أن نكون أكثر حذرا: فما ينتهي اليه من إقرارات يبررها الوعي الحديث، قد لا تجد في آليات الخطاب التقليدي ما يوفر لها دعامة تعزز معناها. وهذا يعني أن انتصار الوعي الحديث للمهمشين في التاريخ بإعادة كتابة تاريخهم وفق آليات التاريخ التقليدي قد ينتهي إلى أن يكون تاريخا مضادا أو تأريخا أيديولوجيا أو تأريخيا لا يعي معنى تاريخيته أي تاريخا لا يعي معنى اختلاف الجماعات حمل المعنى.

-6-

لن ننساق وراء هذه التحذيرات الآن، ولنعد إلى تحليل آليات البناء التي تحكمت في تشيد خطاب (مي).

ينبغي أن نلاحظ أن هذه الآليات لا تعمل في فراغ، فلابد أن تكون لديها مادة خام تعمل فيها وتعمل بها، وتتمثل هذه المادة بالنسبة لخطاب (مي) في هذه المصادر التاريخية، والمراجع البحثية، والوثائق الخطية، و الأثرية كما في صورة مجلس العقدانيين.

إن لكل مادة من هذه المواد علمها الخاص الذي تشيد عبره التاريخ، وتستمد منه آليات التأريخ. لنتعرف أولا على هذه المواد ولنتعرف ثانيا على استفادة هذا الخطاب من هذه العلوم.

تتمثل المواد الخام في هذا الكم من الأخبار والمعلومات والمواقف والتقييمات التي تضمنتها المصادر التاريخية القديمة، وهي (الإمامة والسياسة،وتاريخ اليعقوبي، والكامل في التاريخ وتاريخ الأمم و الملوك، ومروج الذهب، وأحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، وتجارب الأمم وسياست نامة، وسفرنامه، و اتعاظ الحنفاء، وصورة الأرض).

إضافة إلى ما ورد في المراجع الحديثة التي اعتمدت في توثيقها و معلوماتها على هذه المصادر وأبرز ما اعتمده خطاب (مي) يتمثل في ("الدولة العباسية" للشيخ محمد الخضري، و "ثلاثية الحلم القرمطي" لمحي الدين الاذقاني، و "الحركات السرية في الإسلام" لمحمود إسماعيل و "القرامطة" لعارف تامر، و "القرامطة" لإسماعيل العير علي، و "القرامطة أول حركة اشتراكية في الإسلام" لطه الولي، و "الجامع في أخبار القرامطة" لسهيل زكار، و "أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرمطية" لبرنارد لوبيس، و "القرامطة" لميكال يدن دي خويه).

أمام هذه الحشد الهائل من المصادر والمراجع، لا تشك أنك أمام دراسة أكاديمية توثيقية وفية لأصول المنهجية العلمية، لذلك لا يمكن ونحن مغرقون بمشات الهوامش التي تحيل إلى كل هذا الكم من المصادر والمراجع،أن نحمل تصريحات الباحثة التي تبعد عن نفسها الأوصاف الأكاديمية محمل الجد،فالخطاب غارق حتى الثمالة فيها.

الخطاب إذن محكوم البناء من الناحية الأكاديمية التي تفرضها إكراهات التوثيق التاريخي، لكن ماذا عن البناء المعرفي الذي يمنح الخطاب أمالته الخاصة التي لا يمكن قياسها على أي محك تعليمي أو نموذج جهاز؟

-7-

هذا السؤال يفضي بنا مباشرة إلى آليات تعامل هذا الخطاب مع هذه المواد الخام ومع علومها التي هي بمثابة مفاتيحها.

يحدثنا المفكر عبدالله القروي في كتابه الهام "مفهوم التاريخ" عن العلوم المساعدة للمؤرخ، ويقرر في هذا المجال أنه "توجد علوم حقيقة نسميها نحن مواكبة للتاريخ؛ لأنها تتطور بجانبه وتشاركه في المناهج والمفاهيم نذكر بعضها هنا: اللغويات مع التاريخ بالخبر، والقانون مع التاريخ بالعهد والنقد الفني مع التاريخ بالتمثال وعلم الأرض مع التاريخ بالأثر الطبيعي.. الخ" (5).

معنى هذا أن المؤرخ لابد له من الاستناد إلى معطيات العلوم الإنسانية أو الطبيعية لبناء خطابه بناء متماسكا؛ وذلك لما تتيحه هذه العلوم من معطيات علمية يتمثلها المؤرخ في شكل آليات إنتاج يشيد من خلالها خطابه.

إن معطيات هذه العلوم لا تقدم خدماتها للمؤرخ فقط، بل إن قارئ الخطاب التاريخي يستمد منها خلفية معرفية تساعده في تفكيك الخطابات التاريخية، وبذلك يغادر في علاقته معها صيغة "اعلم أن...".

إن الخطاب التاريخي الذي تشيده (مي) تتمثل عادته الخام في هذا الكم من المرويات والأخباريات التي تتضمنها المصادر والمراجع التاريخية. وقد غدت بفعل الكتابة نصوصا لغوية بحاجة إلى علم اللغويات؛ ليتمكن المؤرخ والقارئ من تصريفها واستثمارها؛ و ذلك لأنها لم تعد في صياغتها اللغوية قادرة على النطق. إنها بحاجة إلى أجهزة حديثة تستنطقها؛ لذلك فهي لا تصلح أن تكون دليلا أو أثرا نستدل به.

"ومن أبرز هذه الحقائق والمبادئ، المقررة اليوم عند السميائيين بصفة خاصة، أنه لا يمكن التعامل مع الكتابات التاريخية المذكورة على أساس أنها معطيات خام قابلة للاستخدام والاستدلال التاريخي أو جذاذات جاهزة للاستشهاد والاستثمار العلمي، إنما ينبغي مكاشفتها ككيانات سميائية شديدة التعقيد يفترض استعمالها الحذر لدى المؤرخ والناقد الأدبي إدراكا شاملا لآليات صياغة الخطاب التاريخي. ولذلك حق للباحثة فدوى مالطي - دوجلاس أن تؤكد بهذا الصدد أن ز أي محاولة لتفسير العناصر (الاسمية) في التراجم على أنها محض معلومات، بمعنى استخدام هذا التراجم على أنها أعمال مرجعية، وذلك عن طريق فصل المادة عن سياقها السميائي فإنه يخفي العلامات، وبدلا من المدلول فإن الدارس قد يترك وليس لديه سوى المرجع"(6).

وهذا ما يؤكده الدكتور محمد حداد بقوله "لم يعد ممكنا التعامل مع الوثيقة على أنها مجرد عرض للعالم الخارجي، فلابد قبل ذلك من المرور بنظام اللغة الذي يحدد العلاقة بين الوثيقة و النظام الخارجي" (7).

هذه هو المسوغ الذي يمكن دارس اللغة من الذهاب إلى الخطاب التاريخي، هذا فضلا عن مسوغات التداخل المعرفي التي فتحت جميع العلوم على بعضها.

أن ما يفتقده خطاب (مي) هو الحاجة إلى العلوم المساندة التي تتمثل اليوم في مجمل إنجازات العلوم الإنسانية، فلا يمكن لخطاب (مي) أن يحقق أمالته من دون هذه العلوم المساعدة.

-8-

سنحاول الآن أن نوجز مظاهر الغياب المعرفي الناتجة عن افتقار آليات خطابها إلى العلوم الانسانية:

× إغفال هذا الخطاب المظلات المعرفية التي كتبت تحت ظلالها المصادر التاريخية والمراجع الحديثة خطابها التاريخي. إن هذا الغياب يجعلنا نتعامل مع هذه المصادر والمراجع وكأنها أشبه بأوعية محايدة لا دخل لها في توجيه وانتاج الواقعة التاريخية أو الرواية وهذا ربما ما أوقع خطاب مي في مأزق التمثل اليساري الذي وقعت فيه بعض مراجعها، كما هو الشأن مع كتاب "القرامطة أول حركة اشتراكية في الإسلام". ولا أبالغ إذا ما قلت إن خطاب مي قائم في أساسه على فكرة هذا العنوان، كما سأوضح في التحليلات القادمة.

× وترتب على ذلك غياب النقد المعرفي للكيفية التي تمثلة فيها هذه المصادر أو المراجع مادة خطابها التاريخي.النقد الوحيد الذي احتفى به هذا الخطاب كان موجها إلى الإكراهات السياسية والعقائدية التي تحكمت في الكتابة التاريخية، لكن حتى هذا النقد كان مصاغا بلفة أقرب إلى التعاطف مع من وقع عليهم هذا الإكراه، ولم يتحول إلى نقد معرفي.

* الخضوع إلى وقائع الخطابات التاريخية من دون إخضاعها إلى مشرحة التفكيك، وهذا ما جعل من هذا الخطاب أقرب إلى العرض منه إلى الكتابة التاريخية؛ فـ "لا تقدم أصلا في كتابة التاريخ وانما يحصل التقدم في نقد النصوص، واختيار الموضوعات".(8)

وترتب على ذلك تحول نصوص المؤرخين إلى وثائق يحتج بها،بدلا من أن تكون ساحة عمل ومساءلة، وتبعا لهذه الآلية أصبح متن الخطاب التاريخي الذي تكتبه (مي) يسير على ماء الهامش، ويتحرك مع دفوعاته، ويتجه وفق رياحه من دون قدرة على التحكم.لنقل إن الهامش تحول متنا يكتب وفق آلياته هامش (مي) وقد أنتجت هذه الآليات في النهاية خطابا تاريخيا أقرب إلى الأسطوغرافيا التي لا تتجاوز أن تكون تجميعا لما قيل أو كتب حول موضوع ما.

-9-

إن دخول خطاب (مي)على التاريخ عبر ترقيق العبارة واشتقاق العناوين الأدبية الموحية، ونظم المتفرقات تحت بعضها لتقديم الحكاية بأسلوب أكثر بساطة وعصرية، لا يمكن أن ينتج خطابا تاريخيا أيضا،فما دامت وقائع الخطابات التاريخية محافظة على تشكيلاتها في خطاب (مي) ولم تتخلخل أنظمتها بعد، فلا يمكن أن نتحدث عن خطاب تاريخي جديد.لابد من مغادرة وظيفة الراوي الثقة الذي يحرص على سرد سلسلة إسناده بأمانة من دون أن تتدخل ذاته في إعادة تشكيل الخطاب الذي يرويه. بمعنى لابد للخطاب التاريخي الذي يفارق زمن الخطابات التاريخية التقليدية أن ينفك من أنظمتها في إنتاج المعنى؛ ليعيد تشكيلها من جديد وفق أنظمة المعنى الحديثة، بهذا يحصن خطابه ضد التطابق والتنساخ.

إن وظيفة الراوي الثقة تنصب على أمانة التوثيق والنقل الأمين لمحتوى العنعنات. وفي حالة خطاب (مي) تتوسع دائرة المروي عنهم لتشمل جميع من كتب عن القرامطة.

في مقابل هذه العناية بالأمانة تغيب جرأة التسمية، فالراوي هنا لا يجرؤ على تسمية الأشياء، فوظيفته المحافظة على تسميات الأطر المرجعية التي يروي عنها، ونقلها بأمانة.

-10-

وسأميز هنا بين مستويين من التسمية:

المستوى الأول:

ويضم التسميات التي تحمل أحكام قيمة تعبر عن موقف، أو تحمل مفاهيم عامة تعبر عن رؤية، وتتمثل تسميات هذا المستوى في النماذج التالية (الباطنية، التعليمية، الخوارج، الثوار، الإمام، البهية، الإمامة الاشتراكية، الشريعة، الخليفة، الدعاة.... الخ).

المستوى الثاني:

ويضم التسميات التي يتحسس ويقرأ بها المؤرخ تسميات المستوى الأول.

لكل من هذه التسميات حضوره القوي في الخطاب التاريخي، وفي تشكيلته الخطابية، وتفرز هذه التسميات خلافاتها العقائدية والسياسية، وهي أبرز تجل لاحترابات البشر حول المعنى، فالمعنى يحل دوما في ملفوظات تتخذ تسميات يتنازع حولها البشر ويتخاصمون، وتتخذ التسميات في خطاب المؤرخ مواقعها التي تعبر عن مواقع الرؤى المختلفة وبهذا تتشكل أنظمة الخطاب التاريخي.

إن تسميات المؤرخ تعبر عن قراءته لهذه التسميات المتخاصمة وهو يستمدها من العلوم المساعدة في شكل مفاهيم ومصطلحات لديها القدرة على الكشف والحفر من دون الوقوع في مطبات ما تكشف عنه.

كلما تمكن المؤرخ من ابتكار تسمياته، استطاع أن يؤمن لخطابه قدرا أعلى من الموضوعية والدقة والتبصر، إلا أن ذلك صعب التحقيق، فالمؤرخ يأتي وقد أخذت الأشياء أسماءها غيرا لمحايدة، ومهما كانت يقظته، يبقى احتمال أن يقع تحت غواية نظامها، ويتخذ الوقوع تحت غواية هذا النظام شكلين: شكل التماهي والتعاطف، وشكل الرفض؛ لذا فهو بحاجة إلى نظام تسمية آخر، لديه القدرة على قراءة النظام الذي يؤرخ له.

إن إشكالية المؤرخ المعاصر تتمثل في الوعي المتعمق بالكيفية التي يتحرك بها خطابه وفق أنظمة اللغة في التسمية، لكن في خطاب (مي) تتحول الإشكالية إلى مشكلة تتعلق بالموقف والانتصار وما يتطلبانه من أوصاف و تسميات.

في الإشكالية نحن أمام علاقة شائكة بين الأسماء (التسميات) والأشياء لم السميات ا وفي المشكلة نحن أمام موقف يزج بنفسه داخل الإشكالية لتنتجه، لا لينتجها.

-11-

إن خطاب (مي) وقع تحت غواية النظام الذي تؤرخ من خلاله أي تحت أنظمة المعنى والتمثلات الرمزية لمصادرها التاريخية ومراجعها الحديثة.

ويبدو أن خطابها كان يقرأ المصادر عبر المراجع، ولم يتنبه إلى أهمية أن يكون له نظام رمزي مستقل في رؤيته و آلياته عن نظام هذه المراجع التي يبدو أنها متأثرة في أغلبها - كما توحي عناوينها - بنظام المعنى اليساري الثوري الذي أنتجها في فترات الستينيات والسبعينات.

لقد كان على هذا الخطاب أن يعي تاريخيته، وهو يعيش نهاية التسعينيات، وذلك بإدراك نظام المعنى الرمزي الذي تعيشه المعرفة الحديثة في هذه الفترة.

وفي مقابل الوقوع تحت غواية التماهي مع نظام المراجع الرمزي في تمثلها لحركة القرامطة، هناك غواية الرفض لمتبنيات المصادر المضادة للقرامطة. لا شك أن الغواية الثانية من إنتاج الغواية الأولى لكنها تميزت بأنها راحت تقرأ المصادر بنفسها، وان كانت تحت نظامها، بمعنى أن خ