خوان غويتيسولو
الكتابة والإنصات الي نبض العالم

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

ترجمة وتقديم: ابراهيم أولحيان (ناقد من المغرب)


من يتتبع مسار خوان غويتيسولو الأدبي والابداعي، يدرك ثراء كتاباته، وتنوعها وانفتاحها على ثقافات ذات خصوصية مختلفة، كالثقافة العربية الإسلامية، وحفره في نصوص كبار الكتاب (ابن عربي، ابن الفارض، سرفانتيس، دانتي، غونكورا، دولاكروث، روخاس، خوان ريوث، بورخيس...) ليؤسس معها علاقة حوار فعال "يتم دون اهتمام بأذواق ومعايير العصر.. يغطس الى الجذور العميقة، ليكتشف علاقاتها بالثقافات المختلفة" وذلك "ليوسع ابداعه الخاص ولبسط قواعد لعبه باستمرار في مجالات جديدة وخصيبة"، فكتابات هذا الكاتب، وخصوصا في مجال الإبداع الروائي، ثرية، ومنفلته لاقتحامها، في كل مرة، أرضا جديدة ومدهشة، وذلك ما جعل كتبه تترجم الى عدة لغات. وتؤلف حولها الكثير من المؤلفات.

لذلك ليست الرواية، بالنسبة اليه، للتسلية بل هي عمل جاد يتطلب استعداد كبيرا وإحاطة بمعارف عديدة في شتى المجالات، وكذا بمعرفة دقيقة بالواقع الذي تروم الاشتغال عليه.

لهذا الكاتب الاسباني ثقافة كبيرة ذات مشارب مختلفة ومتعددة، فهو ليس مبدعا روائيا فحسب، بل ناقد ومفكر ورحالة أيضا، واذا أردنا الدقة، فالناقد والمفكر والرحالة فيه هو ما يؤسس قوة إبداعه الروائي، لان موهبة الكتابة لا تكفي دائما لخلق نص روائي جيد، يخترق الزمن، بل لابد من جهد وعناء، وتجربة عميقة في النصوص والحياة.

فمن موقع السؤال والمغامرة ينطلق غويتيسولو مسربلا بالاختلاف والمغايرة في مواجهة الذات، مؤمنا بالحوار الفعال مع الآخر (الذي يشكل جزءا من هويته)، هذا الحوار الذي يعتمد نقدا مزدوجا هداما، من أجل تأسيس 0هوية تعترف بالآخر بما هو انصهار في الذات ومحو لكل تمركز عرقي يبغي الالغاء والتذويب.

ولد خوان غويتيسولو سنة 1931 باسبانيا، وتعلم القراءة على يد والدته قبل سن السابعة، أما الأب فكانت له سيطرة مطلقة في البيت، ولم ينج خوان من المراقبة القاسية لأبيه، يقول: "كنت مداراة لرقابة الأب، أضع أمامي على الطاولة، كتابا مدرسيا، وتحته كتابا أدبيا، أو دفترا للكتابة، أعمل عليها خلسة"، وذلك لأن الأب يريد له توجها آخر، وهو دراسة الحقوق بدل الأدب، مما سيؤدي به الى الرسوب في مجال دراسة الحقوق، لكنه سيحرز نجاحا كبيرا في الدفاع عنها.

منذ سن السابعة عشرة يبدأ غويتيسولو في التفكير الثقافية والاجتماعية والسياسية الخانقة التي تعيشها اسبانيا، ولن يستطيع مغادره بلده الأصلي، إلا في سن الثانية والعشرين، وفي سن الخامسة والعشرين سيرحل الى فرنسا، حيث سيبقى الى موت فرانكو.

لعل للمنفى، وبالضبط فرنسا، أثره الكبير على مسيرة غويتيسولو الأدبية، هذا المنفى الذي لن يبقى اضطراريا بعد موت فرا نكو، وانما، كما عبر هو نفسه عن ذلك، منفى جميل.

إن كتابة غويتيسولو هي بالأساس سلاح لمحاربة القمع، وكل الممارسات اللاانسانية، وفي هذا الإطار يرى كثير من الكتاب (ويوافقهم على ذلك غويتيسولو) بأن كتابته قد مرت بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: تبدأ بـ "ألعاب يدوية" وتنتهي بوصوله الى باريس، وحصيلتها خمس روايات تقريبا، وهي نوع من معاينة الوجه المأساوي لأسبانيا.

المرحلة الثانية: تبدأ بـ "الجانكا" الى "حقول نيفار" ويسيطر على هذه المرحلة النقد السياسي والاجتماعي، وسبب هذا النقد العنيف، هو اكتشافه لجنوب اسبانيا/ الأندلس ومدى المعاناة التي يكابدها الناس هناك. المرحلة الثالثة: تبدأ بـ "بطاقة هوية" إلى الآن، في هذه المرحلة، دخل غويتيسولو تجربة جديدة، تجربة كتابة مغايرة، ومغامرة وقبل هذه المرحلة، أي ما بين المرحلتين الثانية والثالثة، عرف الكاتب نوعا من الصمت دام ما يناهز خمس سنوات، حيث انكب على قراءة كثير من النصوص الأساسية، ولم يتجه الى النصوص الابداعية فقط، بل أساسا، إلى النصوص النظرية؛ من فرويدية، وعلوم اللغة، وعلوم الاجتماع... "قراءة الكتب النظرية، أكثر من قراءة المؤلفات الابداعية". إضافة الى القراءة، هناك انفتاح غويتيسولو على ثقافة الآخر، وذلك ايمانا منه بأن "أسبانيا هي حصيلة عدة ثقافات: اليونانية، الرومانية، والعربية". وكذلك محاولة في سبر أغوار هذه الذات، لكن عبر الآخر، لأن "معرفة الآخرين بنا هي جزء من معرفتنا لذاتنا". إن الاسبان ينخرطون فيما يسمى بـ "الهوية العمياء" وذلك ما جعل غويتيسولو يقوم بنوع من الهدم، والتفكيك لهذه الهوية، وذلك عبر نقد عنيف، وسخرية مدمرة. وفي نفس الاتجاه، ولكي يبين بشكل عميق حضور الآخر، و "خلخلته للهوية" قام بعمل اركيولوجي للغة الأسبانية حيث كشف على أن معجم الاسبانية يحتوي على أربعة آلاف مفردة عربية، واذا ما سحبت هذه الكلمات منها، فإنما (اللغة الاسبانية) ستصاب، بما سماه كاظم جهاد، بفقر الدم.

هكذا فعمل غويتيسولو مزدوج: فهو حفر في الذات، وفي الآخر، وربما هذا ما جعله يمتاز عن باقي الكتاب الأسبانيين، وقد ساعده وجوده في فرنسا على ذلك، وسكنه في حي "سانتيه" حيث توجد أجناس بشرية مختلفة، "من عرب ويهود وأتراك وهنوا وباكستانيين وأفارقة سود، بالإضافة إلى اقامته الطويلة في قلب مدينة مراكش، جامع الفنا معشوقته الأبدية.

هنا إطلالة على بعض مشاغله، واهتماماته، في الكتابة والحياة، حيث هو حاضر بقوة، دائم الإبداع، مع فتحه لآفاق جديدة في الكتابة التخييلية، محاورا كبار الكتاب العالميين، ليستحق انتسابه لـ "شجرة الأدب" الحقيقية، ومعبرا عن رأيه، بجسارة الكاتب الكبير، الذي من ضرورات حياته الإنصات الى نبض العالم..

الكائن العربي في بناء روائي معاصر

هشام جعيط

يعتبر خوان غويتيسولو روائيا فنانا، وشاعرا روائيا، فهو يضع نفسه في طليعة ثورة الرواية المعاصرة، أو على أية حال هذه هي الصفة التي يلصقونها به. لكن عمله على اللغة والكتابة، لحسن الحظ، ليس هو عمل جويس عليهما، فلغويتيسولو طريقته الخاصة انطلاقا من قوته الاستحضارية والتخييلية، ومن إيقاعه الفاتن، وكثافة كتابة لا تقصي السيولة، ولا حتى الوضوح. إن غويتيسولو لا يكسر اللغة، ولا يسقط في اللامعني الذي تمجده الرواية الجديدة. أكثر من ذلك فانه يقوم بتكسير الزمن؛ حيث يقوم بتنظيمه، وتفتيته واستعماله في كل الاتجاهات، لكي يجد نفسه قد استقام في الأخير. تتكون أعماله من روايات مشابهة ومختلفة، لكن هل بإمكاننا الحديث عن آثار أدبية ما بعد بروست وعند الاقتضاء ما بعد ميوزيل؟ ليس هناك سوى روايات، وروايات غويتيسولو لها طابع سحري، فهي تشكل مشروعا مبعثرا بقدر ما هي مصممة بشكل مقصود. ترتبط الروايات الأولى ("أعياد" و "مقبرة") بالروايات الأخيرة (فضائل الطائر المتوحد) محافظة على خيط الاستمرارية. في بادئ الأمر هي انبجاس للروح الأسبانية المحبوسة في قفص الفاشية. تجشؤ مدمر الى أقصى حد، وربما الى حد المبالغة. هنا، المغرب، أرض الضيافة، والحب، حاضر بشكل قوي. إن غويتيسولو يدمج المغرب في نسيج هذيانه، وتحديه الذي هو كيانه، انه لا يقدم مشهدا عجائبيا، وهو أقل غرائبية أيضا. المغرب يوجد هنا، ولا شيء آخر، فارضا وجوده بأشكال متعددة على روائي اسباني، بل على روائي أوروبي. نحس في مرحلة ثانية كأن ريحا هادئة تهب، التجشؤ يصبح هلوسة منظمة، الهذيان العنيف يتحول الى خيال رؤيوي. إن استيطان المغرب العربي يتسع ليشمل الكائن العربي، واللغة العربية، والثقافة الإسلامية. جامع الفنا تترك المكان لتركيا، لمقطم القاهرة و "للقباب، للأضرحة، للمنازل، للزوايا، للمدارس التي مررت بها منذ سنين" بحثا عن "حب صاف" (برزخ)، من قبل انه المغاربي رث الثياب، المحتقر، الذي قذف به الكاتب في وجه البورجوازي او في وجه البورجوازية الغربية. طريقة فوضوية، سهلة شيئا ما، لكنها لا تندرج في الحلقة المضادة للاستعمار، للانتلجنسيا الباريسية المتعجرفة، وانما اقامتها في مركز حب وفي، ندا للند، بعيدا عن أي شفقة.

الآن مع الميل الى التأمل الفكري، في الروايات الأخيرة، كما في المقالات - الروبورتاجية حول سراييفو والجزائر، يدخل السياسي في اللعبة، لكن نجد الصوفية أيضا، في "دفاتر سراييفو" من أحسن الروبورتاجات حول البوسنة، انه روبورتاج لكاتب ملاحظ، حساس ونزيه. ان تحليل مكونات الأزمة الجزائرية رائع لصلته الوثيقة بالموضوع، وقد جاء الأسلوب حادا وشفافا، فهل اهتمام غويتيسولو بالصوفية هو نتيجة وجوده الطويل في المغرب، وارتياحه لأنه ارتبط من جديد باسبانيا الجديدة، وفي الوقت نفسه باسبانيا القديمة؟ الحرية المسترجعة تشرع الأبواب لأكبر تقليد صوفي مزدوج: انه يوحنا الصليب وابن عربي. عن سان جون يقول لنا بأن "أعماله الكاملة خدمت الرواية في بنيتها"، ويبدو في العمق أنه استلهم ما كتب عن ابي عربي أو ما ترجم له من أعمال. إن الأرض الاسبانية عرفت أحسن من أي مكان آخر توافقا بين التصوفين: المسيحي والإسلامي، وفي مكان آخر، في ريناني“Rhenanie”  و في الشرق. تغذيا بدمالتهما الخاصة، لكن اهتمام غويتيسولو في حقيقة الأمر اتجه أيضا نحو الحلاج والغزالي، وابن سينا، وكل متصوف شرقي، وليس الى ابن رشد العقلاي الأندلسي.

إن الأعمال الحديثة لخوان غويتيسولو حافلة بمراجع عالمة الى حد ما، لأن المؤلف يعرف عما يتحدث، ونعرف نحن أيضا، انه ليس ذر أشياء فقط، لنقل أن غويتيسولو ينتمي الى صنف الكتاب المثقفين، تقريبا مثل بورخيس الذي كان مشغولا هو الآخر بالعالمية، وكان مهتما بالثقافة العربية، لكنه كان مرتبطا بشكل كبير بنوع من الاستيهام الأوروبي، في حين نجد غويتيسولو متوغلا بشكل عميق في الثقافة العربية - الإسلامية، التي تجري في عروقه، كل ذلك مع بقائه ممثلا كبيرا للأدب الأسباني المعاصر. لا أحب أن أتحدث كثيرا عن العالمية لأنها ليست سوى مقصد، وأبدا لم تكن واقعا، وأيضا لا أحب الحديث عن حوار الثقافات، لأنها عبارة لا جدوى منها. بالفعل إن هدف غويتيسولو لهو ادخال الكائن العربي والإسلامي في انثناءات بناء روائي معاصر بشكل رائع وأصيل، ومعذب، وبقاؤه بعيدا جدا عن أي أدب استشراقي.

من أجل صورة لخوان غويتيسولو

خوسى أنخل بالنتي

لقد تعارفنا في أواخر الأربعينات في حيArguelles  في الطرف الآخر قرب L'Hospital cpinico  حيث آثار الحرب مازالت ماثلة للعيان. هذه الحرب الأهلية التي نجهل اليوم متى، وأين، وبين من كانت قائمة، هذه الحلقة الداعية التي ظلت نتائجها بالنسبة لنا غير قابلة للهضم. منذ ذلك الحين انساب كثير من الماء: ماء أو مياه صاخبة وعكرة انسابت في ممرهم؛ الأحياء والأصوات. أنت وليت وجهتك، وأنا وجهة أخرى. لقد تفرقنا نحن الاثنين، غير أننا التقينا فيما بعد، بحيث، رغم هذا التباعد، فهذه اللقاءات تحولت الى صداقة، قوية، ودائمة. في الأول التقينا في جنيف، وباريس، وبعد ذلك في مراكش وألميريا، لم تمر إلا أيام قليلة حين تناولنا وجبة العشاء، مرة أخرى، في منزلك بـ33 زنقة بواسونيير “Peissournier” برفقة مونيك، وكورال، والعزيزين ماري سيسيل وعمران المالح.

لكن لا يتعلق الأمر فقط بالصداقة واللقاءات، ففي الوقت الحاضر هناك شيء أعمق بكثير يجمعنا، ويجعلنا أكثر متانة، أعتقد أنها الذكرى الأصل - أصلنا المشترك - لهذه الحرب العسيرة الهضم، ولكل ما نجم عن ذلك، وهو ما أخفي فيما بعد بأقنعة النسيان المؤسساتي، وما نسميه بالديمقراطية. نحن الاثنين نجهد نفسينا في بعث الأصوات، هكذا فالبارحة مثل اليوم، مثل كل الأيام، تقول في روايتك الأخيرة: "من تكون؟ وماذا تصنع هناك؟ ولماذا لا تجرؤ على تقليب الجثة للتعرف على وجهها بجماله وامتلائه الذي تحول الى لهيب حي" (الأربعينية: ص 113).

ألقت الحب الملتهب، رؤية مشتعلة، في أعماقك، لجذورك الأمومية. الموت صورة حية، نعم هناك شيء مشترك بيننا؛ إنه رفض التلاعب بالتاريخ والضرورة الملحة للقيام بقراءة مضادة للحكي الطويل والخاطئ للملحمة البطولية الأسبانية كما هي، أو كما يستمرون في تقديمها لنا.

فلذلك، الآن، حيث يتبين بأنهم كلهم مشتاقون للاتيان بالماء الى هذه الطاحونة أو تلك، أظن أنه بقي لنا أيضا، لك ولي، كلمة مشتركة بيننا، بسيطة، وكثيفة، مختصرة وشعرية هي: لا.

عن كتاب:

Juau Goytisolo

Les paysages dún flaneus

Ed: Fayard p.p:144-145.

حوار

جغرافية المنفى

لقد توفي فرانكو منذ سنوات، فما الذي تغير في أسبانيا؟

إن المجتمع الأسباني، قد تغير قبل موت فرانكو، ومازلت أتذكر سجالا دار بيني وبين بعض ممثلي اليسار في المنفى، وكان ذلك حوالي سنة 1964، كنت أؤكد بأن حكومة فرانكو كان قد قضي عليها، لكن ليس بنفس الطريقة التي يفكرون بها في المسألة. ليس الصراع الشعبي المسلح هو الذي سيسقطه، ولكن نوعا من الدينامية الاقتصادية هي التي ستجعله غير لائق. فمن جهة، أدت هجرة العمال الأسبانيين إلى أوروبا الى تكون وعي نقابي وسياسي لديهم، الشيء الذي كانوا يفتقدونه، ومن جهة أخرى، أدى تدفق السياح الهائل الى تغيير العقليات تغييرا جذريا: لقد كانت الانعطافة مدبرة منذ 1964، ومع ذلك ظل الحكم قائما، لكن مع موت فرا نكو انهار لأنه لم يعد له مكان في مجتمع كان قد نضج من أجل الديمقراطية: ان ما وقع فيما بعد لم يكن سوى تأكيد لتحول كان قد وقع بشكل أعمق عشر سنوات مضت. يتعلق الأمر، إذن، بحرية ممنوحة، لا بحرية منتزعة بالقوة. إنها حرية مبرمجة بكثير من الذكاء؛ فهي تعكس التطور الواقعي للمجتمع الإسباني، فالشباب الإسباني اليوم، يشبه تماما السباب المراهق لباقي الديمقراطيات الغربية. لن أقول نغمر "الفراغ" لكن نفس مجموع التصورات المبهمة، والطموحات الغامضة. يوجد هناك نوع من التصغير، فالمشاكل هي: نفسها، والأذواق الموسيقية كذلك، ومشكل المخدرات هو نفسه، وكل شيء يمر بلامبالاة كبيرة.

حتى في الأدب؟

يوجد هناك ما يشبه نوعا من توزيع الأدوار، فالبلدان "الثانوية" لا تستطيع العمل سوى في بعض الكليشيهات، تلك التي ننتظرها منها. إن النجاح الكبير الذي حققه أدب أمريكا اللاتينية اليوم أتى من انبنائه على عدد من الصور المقيدة. إنها قارة سحرية، هذه التي أنتجت هذا العدد الهائل، من الروايات المفرقة بالعجائب، لكنها أيضا قارة في صراع، إنها حصيلة تضمن النجاح في الحين.

أما بالنسبة لأسبانيا فإنها تجر ماضي أرضها الذي عبر من لدن المسافرين: فأسطورة كارمين “Carmen”  هي أحسن التوضيحات على ذلك، متبوعة من قريب بأسطورة الحرب الأهلية: الأسطورة البطولية، هكذا فرواياتي الأولى قد أثارت الانتباه لأنها كانت في العمق ضد الفرانكفونية، وخارج هذين الكليشيهين فالقراء لا يعرفون بتاتا كيف يجيبون عن الأسئلة المطروحة حول الواقع الأسباني الجديد، وينتظرون شيئا آخر.

كان الأدب الأسباني قد قطعت رأسه بسبب الحرب الأهلية، خراب عام، فبعض الشعراء الكبار بقوا في المنفى، أما في الداخل: فيوجد نوع من الجفاف الثقافي، دام ما يناهز 20 سنة. كان لابد من انتظار بداية الستينات حتى ينهض الأدب الأسباني بمهل من رماده.

كثير من الناس كانوا يعتقدون بأنه مع موت فرانكو، سيسمح اختفاء الرقابة بظهور مواهب جديدة، وكنت دائما متشككا في ذلك.

في الوقت الذي كنت فيه قارئا عند "جاليمار" “Gailirnard”  كنت أهاجم كثيرا من لدن الحكومة التي تتهمني بنشر نصوص الفرانكفونية الدعائية. كنت أتلقى، إذن: كثيرا من النصوص السياسية المعادية للحكومة: أبدا لم أعثر على كتاب جيد، مع الأسف، فالرقابة الأسبانية لم تكن قد منعت أشياء ذات أهمية! هناك كتب قليلة جدا "تصدر" اليوم. ففي الميدان الروائي، سأذكر الروايات لأخي لويس غويتيسولو والمجموعة تحت عنوان “Antagonia”والتجربة الحديثة لخوليان ريوس “Julian Rios” مع لاربا “Larva” وأهم شاعر ما بعد الحرب، في اعتقادي، هو خوسي انخيل بلنتي “Jos'engel Valente” ولكن، تعرفون، بأن الحالة في فرنسا لم يعد يحسد عليها، وحدها كتب بيير غايوطا “Peire Guyotat” تبدو لي متجددة إلى أقصى حد.

ما هي مكانتكم في الأدب الأسباني المعاصر؟

إنني وجه هامشي، ليست لي أشياء كثيرة مشتركة مع أغلب الكتاب الأسبانيين. أحس بأني أقرب الى كابريرا أنفانتيه “Cabrera lnfante” وسيبروساردي “Sardy Severo” وسيلا “Cela” ودليبس “Delibes”. إن مراكز اهتماماتهم تختلف تماما عن مجالات اهتماماتي. إني لا أجعل من الأدب حرفة، كنت أقول دائما بأنني أحاول أن أكسب قوتي حتى أستطيع الكتابة وليس العكس. لقد هاجرتم برشلونة سنة 1956، وصرحتم بما يلي: "لقد فهمت بأنه ببقائي في برشلونة سأتوقف نهائيا عن الكتابة".

إن الجو الذي كنت أعيش فيه كان معاديا، تماما، للابداع الأدبي، كان علي أن أدافع عن نفسي في كل دقيقة ضد هجومات الصحافة المكتوبة أو المسموعة. كنت سأفقد كل طاقتي، لست إنسانا خارقا. إن عمل الكتابة يساوي عندي الكثير، وقد اخترت أن أركز على الأهم.

ماذا أعطاكم المنفى؟

لم يعد بإمكاني الحديث عن المنفى في الوقت الذي أصبح فيه بإمكاني الرجوع الى اسبانيا غالبا، حيث ألقي محاضرات بها، كما تنشر كتبي فيها. منفاي، إذن، جميل إنني بكل بساطة أريد أن أعيش في الأماكن التي اخترتها، والتي أرتاح فيها، وكذلك لا أحس بضرورة العيش في اسبانيا لكي أكتب. بعض الكتاب سيؤكدون لكم العكس. كل هذا احتمالي، في المنفى هناك أناس يبقون ذهنيا كما عاطفيا متعلقين ببلدهم الأصلي إنهم يقومون بتخييم، وعلى العكس، هناك آخرون يتلاءمون، فيغيرون لغتهم، ويصبحون فرنسيين، أو أمريكيين، وهناك نوع ثالث، هو الذي أنتمي اليه، بلا شك، فبابتعادي عن بلدي الأصلي لا أندمج تماما في بلدي المختار، أي في المجتمع الذي أعيش فيه. لست فرنسيا حين أعيش في فرنسا، ولا أمريكيا حين أذهب الى الولايات المتحدة، ولا أحس بأنني مغربي حين أكون في المغرب.

نحس ونحن نقرأ لكم، أو ننصت اليكم، بأن اسبانيا لم تعد تهمكم بتاتا، وأنكم لم تعودوا تعطون وصفا لها، على الأقل، منذ "بطاقة هوية".

نعم ولا.. لا أعرف عملا أدبيا أكثر اسبانية من "دون خوليانا" الذي موضوعه، وأذكركم به، هو كلية الثقافة الاسبانية: انه تحليل نفسي للواقع الوطني، ومراجعة لأسس المجتمع. لكن لا يتعلق الأمر، طبعا، بوصف فيزيقي لأسبانيا، وهذا الاختيار كانت طنجة مكانا له. اسبانيا منظور اليها من الخارج، من الشاطئ، الافريقي. في "خوان بلا أرض" يبدو الغياب أكثر وضوحا، وفي "مقبرة" فهو كلي، وفي "مناظر بعد المعركة"، فالسارد اسباني، كما توجد تلميحات لأسبانيا من خلال طريقة عيش هذا السارد، وكذا في مواقفه، وكل هذا يستنتج بشكل ضمني: أسبانيا حاضرة بغيابها، شخصيتي الرئيسية توجد في وضع تهكمي لأنها تركت الألم وراءها. فالصدمة قد تجاوزت بالسخرية والفكاهة، هذا الألم الذي كان حاضرا في "بطاقة هوية"، وموجود كذلك في "الحظيرة المحجوزة"، وهو نص سير ذاتي، ممتد من ولادتي حتى رحيلي إلى اسبانيا.

مع اختلاف "مناظر بعد المعركة" فـ "الحظيرة المحجوزة" قد تم تلقيه بشكل جيد.

مع وجود الفارق، أرى هنا ظاهرة موازية مع ما وقع أثناء نشر "مائة عام من العزلة"، فهذا الكتاب قد أعطى غيابا، فيأب البعد الخيالي في أدب اللغة الأسبانية فيما قبل. ابان القرن الثامن عشر، كان بلانكو وايت Blanco white  قد تحدث عن "الخمول الخيالي" للاسبانيين. بالنسبة اليه ثربانتيس “Cervantes” كان قد وضع نقطة النهاية لكل بعد خيالي. يوجد في "الحظيرة المحجوزة" رجوع الى الخيال، وخصوصيته المشوبة بغطاء تاريخي، والتي تجعله مفهوما على التو.

وأخيرا فالمجتمع الأسباني ناضج من أجل امتحان حر للوعي، هذا الامتحان الذي يمارسه الأدب الفرنسي منذ القرن الثامن عشر، والذي بدأته الانجليز مع نشر يوميات سامويل بيبيز (Samuel pepys).

هل كتاب "الحظيرة المحجوزة" سيخلق جنسا أدبيا جديدا؟

لقد وضع حدا لكل هذه المذكرات "المنسية" كان هناك دائما كثير من "الذكريات" في اسبانيا، لكن، دائما، باعتبارها تمرينا تافها: حكي لثرثرة، وتحليق فوق هذا المستنقع، واعلان بأن السارد الذكي سيضيء فانوس القارئ المسكين. أتمنى أن يضع كتاب "الحظيرة المحجوزة"، حدا لهذا التكاثر من الذاكرات المزيفة.

هل يمكننا الحديث عن الذاكرات المضادة؟

لا، إني أرفض هذه التسمية. انه نص سيرذاتي، وهذا التمرين يحتمل عددا معينا من الارغامات، لا أتحدث عن فخاخ الذاكرة فقط، فهذا المظهر الذي أوضحه بشكل جيد والتر بنيامين “Walter Benjamin”  حين تناول بالدراسة عمل بروست: انه الاختلاف ما بين الذكرى والذاكرة اللارادية، وحدها الذاكرة اللاارادية تتمتع بالخصوبة. الذكرى مخربة، وهمجية. ولقد استطعت التحقق من ذلك حين كتابتي لهذا الكتاب، حين قيامنا باستكشاف الواقع في ماضيه، نشرع في الوقت نفسه في عمل الأركيولوجي- إذا تم إدماج هذا العمل في النص الأدبي- لكن نقوم كذلك بعمل كيميائي. يجب الا ننسى أن الذكريات تندمج، إذن، في النص السردي، إنها خاضعة لقانون الحكي.

هل فقد الشعب الأسباني الذاكرة، أم أنه لا يريد أن يمتلكها؟

هذا يحلق بعيدا. كنت دائما أطرح السؤال: لماذا كل هذه النصوص التي تكثر في الأدب الفرنسي والانجليزي، والتي كثيرا ما تؤذي الأدب الأسباني؟ ولي جواب على ذلك: فهذه الإمكانية لخلق واقع، والقيام با&#