الأم الأكول و مكائد المتخيل
غياب الأم وامحائها في السيرة العربية مع حضور ساحق للأب ومركزيته الحاسمة

محمد لطفي اليوسفي  (ناقد واكاديمي من تونس)


إن الناظر في العديد من السير الذاتية والحوارات والمذكرات أن الصورة الحاصلة للمؤلف عن نفسه في النصوص، الصورة المثبتة في قلب الخطاب تتشكل منشغلة بالمتلقي المفترض. إنها الصورة التي يريد منتج الخطاب أن يثبتها في ذهن المتلقي لا على أنها صورة ابتدعها على سبيل التوهم من قبيل التخيل والاستيهام، بل باعتبارها تمثل كنه الكاتب وتجسد هويته وشخصه. لكن الامر المدهش المحير في هذه النصوص جميعها إنما هو تغييب تاما او يكاد والاحتفاء بالأب أيما احتفاء. ورسم صورة للذات مفتوحة على الأسطوري والمقدس.

يعلن هذا التغييب عن نفسه وفق طرائق عديدة. فيرد في شكل تغييب تام في سيرة بدوي. إذ لا يلتفت الراوي إلى الأم إطلاقا. حتى لكأن الطفل لم تحبل به امرأة وانما سوي من الطين رأسا وأسقط في عالم الأحياء فجأة. لكنه يومئ إيماء إلى المرأة مطلقا في معرض حديثه عن عبثية الوجود واقراره بأن الإنسان إنما يجيء إلى الحياة صدفة وبختا. وهذه الصدفة، في نظره، تعلن عن نفسها "في الإلتقاء بين الحيوان المنوي في الرجل والبويضة في الأنثى... وواهم من يظن أن ثم ترتيبا أو عناية أو غاية." (1) لا يتفطن الراوي إلى أن للكلمات مكرها. ولها ألاعيبها في كشف الرؤية التي يصدر عنها مستخدمها ومجريها. إن الراوي يستخدم كلمتي "الرجل" و "الأنثي". وفي حين ترد الكلمة الأولى خالية من أي تهجين أو دونية واحتقار، ترد الكلمة الثانية التي يشار بها إلى المرأة محملة بنظرة دونية تفقر المرأة من جهة كونها كائنا بشريا وتلحقها بفصيلة الإناث مطلقا. إن كلمة "الأنثي" إنما تستخدم عادة لتسمية البهيمة لا البشر. وما يقابل كلمة الأنثى في الاستخدام اللساني إنما هو كلمة الذكر. لكن الراوي يستخدم الزوج: الرجل الأنثى. فلا تأتي التسمية بريئة، بل ترد محملة بنظرة دونية تهب الرجل ما تبخل به على المرأة. إن مجرد اللهج بكلمة "أنثي" في مقابل كلمة "رجل" ليس خاليا من الدلالة. إنه يعبر عن رؤية ذكورية تعتبر الأنوثة، في حد ذاتها، معرة تتدنى بالكائن حتى لتكاد تلحقه بالكائنات غير العاقلة.

أما الأب فإن الراوي يحتفي به، ويدون بطولاته حتى قبل تكون الطفل في رحم أمه. فيسند اليه من الصفات ما يجعل منه كائنا نموذجيا يجمع إلى النبل الشهامة والكرم ومكارم الأخلاق. إنه صاحب "حدس مرهف" وهو العمدة الذي ورث العمودية عن والده سنة 1905 وسيحافظ على منصبه عشرات السنين. ورغما عن كونه كان من كبار ملأك الأرض من الإقطاعيين فإنه كان قريبا من الفلاحين "كأنه واحد منهم: يأكل من طعامهم إذا لم يوافه الطعام من المنزل، ويجالسهم ويحادثهم حين يكون في الحقل". لقد "كان قوي الشخصية إلى أقصى حد، مرهف الذكاء، ذا حافظة جبارة، مستقيم السلوك، لا يتنقل من راق إلى رأي حسب الظروف، ولا يناور ولا يداور ولا يقبل الضيم". (ص 15) ولم يكن مكتفيا بدوره في الريف المصري، بل كان يسهم في الحياة السياسية المصرية. ذلك أنه كان عنصرا فاعلا في "حزب الأمة ثم في حزب الأحرار الدستوريين الذي خلف حزب الأمة، واستمر على هذا الموقف حتى انهيار حزب الأحرار الدستوريين سنة.. 1950. وكان على اطلاع غير قليل على ما يجري في العالم والسياسة الدولية". بل إن هذا الأب هو باني السلالة الحقيقي. ففي حين كان جذ الطفل شحيحا في إنجاب الأولاد، ثأر الأب لندرة الولد في العائلة وجدد السلالة وأخصبها. يكتب بدوي:

كنت الثامن من إخوتي وأخواتي لأمي، والخامس وعشرين بين أبناء والدي، وسيصبح المجموع واحدا وعشرين ولدا. أحد عشر من البنين وعشر من البنات. وكان ذلك تعويضا هائلا عما جرى لجدي، فإنه لم ينجب غير ولد واحد هو والدي. (ص 15)

يحرص الراوي طيلة رسمه لمشاهد الطفولة على رسم صورة نورانية للأب. حتى ليكاد المتلقي يسلم بأن الإقطاع كان مرحلة ذهبية في تاريخ البشرية، وأن الإقطاعيين كانوا فرسان النبل والكرامة البشرية لحظة تألقها. لذلك يمعن الراوي في تعداد خصال الأب ويتغنى بها فلا يترك صفة محمودة إلا أسندها اليه. نقرأ مثلا: "كان والدي قوي الإيمان شديد الحرص على أداء الصلاة في مواعيدها، والزكاة في مواسمها، وحج إلى بيت الله الحرام في مكة في شتاء سنة 1937".  (ص 17) ولما كان التمسك بالدين وطقوسه على هذا النحو من المحتمل أن يدفع بالمتلقي إلى التفكير في مسألة الشدة والتزمت فإن الراوي يعاجله بالقول: "لكنه في الوقت نفسه كان واسع التسامح الديني، فكان طبيبه المعتاد في المنصورة قبطيا، وكان في الأمور الاقتصادية كثيرا ما يتعامل مع نصاري من كل المذاهب".

تشرع الأم في الظهور في سيرة نزار قباني لكنها تحضر لتضطلع بدور الوعاء، أو بدور الرحم ثم تختفي تماما. فيشار اليها إشارة عابرة في معرض الحديث عن لحظة الميلاد. يقول الراوي: "الأرض وأمي حملتا في وقت واحد.. ووضعتا في وقت واحد". ثم تغيب الأم من مسرح الأحداث حتى لكأنها لم توجد قط. بل إن الكلام يغيب الأم ويشرع في الحديث عن الأرض وقد دبت فيها الحياة بمقدم الربيع وعن الطبيعة وهي تثور على الشتاء. حتى لكأن الطفل الوليد إنما هو ابن الأرض وابن الطبيعة والحياة. ولم تكن أمه سوى وعاء انتهى دوره حالما لمح الطفل النور. ثم يشرع الكلام في ابتناء صور الأب بهية نورانية في منتهى البهاء.

يتم الانتقال من الحديث عن الأرض إلى الحديث عن الأب فيما تكون الأم قد أهملت تماما. يكتب: "هذا ما كان يجري في داخل التراب، أما في خارجه فقد كانت حركة المقاومة ضد الانتداب الفرنسي تمتد من الأرياف السورية إلى المدن والأحياء الشعبية... أبي، توفيق القباني، كان واحدا من أولئك الرجال". (2) إن الأب بطل من أبطال المقاومة الشعبية لذلك يمعن النص في التغني بامجاده. لقد عرف السجن وصمد في أشد السجون الصحراوية قسوة: "حين رأيت عساكر السنغال يدخلون في ساعات الفجر الأولى منزلنا بالبنادق والحراب ويأخذون أبي معهم في سيارة مصفحة إلى معتقل تدمر الصحراوي عرفت". هكذا يحدث الابن عن والده مفتتنا: "عرفت أن أبي يمتهن عملا آخر غير صناعة الحلويات.. كان يمتهن صناعة الحرية"  (ص210) وهو يمعن في تعداد صفات البطل تلك قائلا: "كان أبي إذن يصنع الحلوى ويصنع الثورة وكنت أعجب بهذه الازدواجية فيه...إن هذه الازدواجية في شخصية أبي، انتقلت الي والى شعري بشكل واضح".

غير أنه لا يكتفي بهذا البعد بل يحرص على التوسع في رسم صورة الأب المكافح فيرسم له صورة جذابة محببة إلى النفس. فهو يفني العمر والبدن مكافحا في سبيل إسعاد بنيه وذويه. وهو ليس البطل الخارق المفارق الذي يصعب على المتلقي أن يتماهى معه ويتعرف على الأبوة فيه نبيلة تعلي الإنسان وتمده بجزء هام من عظمته. لا سيما أن الأبوة كما ترتسم على أديم النص أبوة كريمة لا تمارس الزجر والمنع، بل تهب وتعطي ولا شيء غير العطاء. يكتب نزار قباني: "لم يكن أبي غنيا ولم يجمع ثروة، كل مدخول معمل الحلويات الذي كان يملكه، كان ينفقه على اعاشتنا وتعليمنا وتمويل حركات المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين". (ص 211) إنه زمن الكادحين... أنفق خمسين عاما من عمره، يستنشق الفحم الحجري، ويتوسد أكياس السكر، وألواح خشب السحاحير.س وهو نموذج الأب المكافح الذي يستل رزق أطفاله بالكد ورشح الجبين، لا يثنيه عن ذلك الهجير وقر الشتاء. فكثيرا ما كان يعود إلى داره "تحت مياه المزاريب الشتائية كأنه سفينة مثقوبة".  (ص 212) حتى أن "وجهه المطلي بهباب الفحم، وثيابه الملطخة بالبقع والحروق" تدل عليه: إنه من "الأسر الدمشقية التي كانت تكسب رزقها بالشرف والاستقامة والخوف من الله".

وفي حين تنسى الأم تماما يقع تمجيد الأب. ويقع الإلحاح على أن الأب هو الطريق وهو السبيل المؤدية إلى الأمجاد. ففي جسده يحمل الأب ما سيورثه لابنه من خاصيات تفتح قدامه دروب المجد. يكتب نزار محتفيا بأبيه: "كان تفكير أبي الثوري يعجبني.. وكنت أعتبره نموذجا رائعا للرجل الذي يرفض الأشياء المسلم بها". (285) ويقع الإلحاح أيضا على أن الأب كان القدوة والقبلة والطريق. نقرأ: "وبالإضافة إلى شبهي الكبير له بالملامح الخارجية، فقد كان شبهي بالملامح النفسية أكبر. واذا كان كل طفل يبحث خلال مرحلة طفولته عن فارس، ونموذج، وبطل.. فقد كان أبي فارسي وبطلي".  (ص 285) وكثيرا ما يتحول الخطاب إلى مدائح ترفع تمجيدا للأب. من ذلك مثلا قوله واصفا أبده: "عيناه الزرقاوان كانتا صافيتين كمياه بحيرة سويسرية، وقامته مستقيمة كرمح محارب روماني، وقلبه كان إناء من الكريستال يتسع للدنيا كلها". (ص 255) هكذا نسيت الأم تماما. وبدلها جاء الأب ليحتل من الخطاب مركزه ومن الطفولة دائرة السحر التي ستظل تفتن الطفل وتمد ذاكر ته بالبطولات والأمجاد وهي تسطر قدامه عيانا، سواء عندما كان الأب يواجه الغزاة ويقتاد فجرا إلى السجن أو حين كان يعود من عمله وقد كافح الأنواء واللهب. لقد تم الإيماء إلى الأم إيماءة عابرة ثم غيبت تماما. حتى لكأن الراوي اطردها من الحياة. أو لكأن دورها في الحياة قد انتهى حالما وضعت الطفل.

لا يعني هذا أن وجود الأب، من جهة كونه رب الأسرة، هو الذي أدى إلى سقوط الأم في عتمة الغياب. فالناظر في مذكرات بيرم التونسي وسيرة سلامة موسى وسيرة خليل حاوي يلاحظ أن الظاهرة نفسها تعاود الظهور على نحو لافت فعلا. فقلد ذاق بيرم التونسي تجربة اليتم. فقد والده وهو لم يتخط الثانية عشرة من عمره. لكن المذكرات تكتفي بالإيماء إلى الأم إيماءتين. ترد الأولى لحظة الحديث عن موت الأب وتعجيل الأم بالزواج من أحد النجارين: "مات أبي ولي من العمر اثنتا عشرة سنة ولم تلبث أمي أن تزوجت من نجار هوادج".  (3) أما الإيماءة الثانية فتتعلق بمرض الأم وموتها بعد أن أوكلت مهمة تطبيبها إلى حلاق الحي. وليس يخفى أن رسم صورة الأم على هذا النحو يحمل في تلاوينه نوعا من العتاب يتجلى في عبارة "لم تلبث أن تزوجت". وهو عتاب سرعان ما يفصح عن نفسه في شكل إدانة واضحة إذ تنعت الأم بأنها امرأة جاهلة قادها الجهل إلى حتفها. يكتب بيرم: "وأصيبت أمي... بخراج في ثديها.. فأشار عليها الجهل.. أن يتولى حلاق الجيران مهمة فتح هذا الخراج فماتت اثر ذلك".  (ص 23) لكن النص يتوسع في رسم صورة الأب. فترتسم على أديمه جذابة محببة إلى النفس:

كان أبي فنانا بالسليقة. ففي الوقت الذي لم تكن الناس تعرف فيه لا راديو ولا تلفزيون، ولم تكن الجرامافونات شاع استعمالها كان أبي يستأجر شعراء الربابة يظلون ينشدون أمامه طول اليوم -وهو قائم بعمله - الشعر البدوي القديم من أمثال قصص أبي زيد الهلالي سلامة والزير سالم فغرس في نفسي ملكة الشعر البدوي خاصة. أما سلامة موسى فإنه لم يعرف والده. لقد نشأ يتيما بعد أن مات والده وهو لم يتخط الثانية من عمره. لكن ذلك اليتم المبكر لم يغير من حضور الأم في سيرته شيئا يذكر. بل إنه يكتفي بالإيماء اليها إيماءة عابرة في معرض حديثه عن الويلات والمحن التي تعرض لها وهو لم يزل بعد طفلا يانعا. وهو لا يحدث عن أمه بل يشير اليها ليجعل المتلقي يتمثل هول العلة التي ألزمته الفراش في صباه. يكتب: "وأولى الذكريات التي تمثل في ذهني صورة أمي وهي قاعدة إلى فراشي تصلي من أجلي وأنا مريض". (4) أما عن والده فيقول: (ص 23) لا أذكر أبي لأنه مات وأنا دون السنتين. ولكن جو البيت في طفولتي كان حافلا بذكراه. فقد كانت أمي تصف سنة وفاته بـ "السنة السوداء" وبقيت بدلته معلقة إلى الحائط جملة سنوات كما كانت يوم وفاته. حتى القميص المنشى بياقته المتصلة لم يكن يبرح مكانه. وكنت أسمع القصص عنه.

لكنه لا يحدث عن هذه القصص بل يتكتم عليها. والراجح أن البدلة الفارغة المعلقة لم تكن لتترك الصبي دون استيهامات وأمنيات بعودة هذا الأب الذي اختفى فجأة. فمن الصعب على طفل دون السنتين أن يعي أن الموت غياب ولا رجعة. والراجح أيضا أن هذه البدلة التي تركتها الأم معلقة كما تركها الأب الراحل كي تتمسك بالذكرى إنما كانت تمثل نوعا من الفعل المقاوم لسلطة الموت وتوحشه. إنها، بمعنى آخر، الحضور الذي يشير دوما إلى غياب الأب. وهي الأنيس الذي يعمق الإحساس بالفقد وضراوته.

إن الفقد الذي عاشه سلامة موسى صبيا يمكن أن يفسر حماسه الشديد لآبائه الروحيين. فحالما يتم اطلاع سلامة موسى على مؤلفات فرح أنطون والتعرف عليه بعد ذلك، سيشرع في الحديث عنه لا باعتباره مجرد مفكر بل باعتباره الأب الروحي الذي سينوب عن الأب الحقيقي. وسيضطلع فرح أنطون بهذا الدور. بل إن الصورة التي يرسمها سلامة موسى في سيرته لفرح أنطون ليست سوى صورة الأب الذي تم العثور عليه بعد أن طال غيابه.

لم يكن مجيء فرح أنطون إلى مصر بعد أن انسدت في وجهه كل بقعة في لبنان مجرد لجوء ثقافي، بل كان نوعا من عودة الأب الحاني إلى ابن قضى شطرا من عمره يمني النفس بتلك العودة. يكتب سلامة موسى: "يبدو لي الآن أن فرح أنطون لم يكن على جهل بما يعمل. فإنه خرج من لبنان سنة.. 1900. وكان يحس أننا في حاجة إلى هذه المبادئ والمناهج. ولذلك أثارنا بترجمة قصة الثورة الفرنسية".  (ص 54-55) لم يذكر سلامة موسى والده ولم يتأس على موته. لكنه توسع في الكلام عن والده الروحي. وبلغ من شدة احتفائه بذكراه أن توسع في ذكر امجاده وآرائه ومواقفه. وكتب عنه في نبرة تجمع إلى الرثاء الإحساس باليتم الضاري. بل إن سلامة موسى سيحتمي بذكرى هذا الأب الروحي الميت عندما يرى النزعة التقليدية تعاود الظهور وتطبق على الأدب. فلقد كان سلامة موسى يؤمن بأن الرومانسية هي الطريق المؤدية إلى تحديث الأدب العربي. لكنه لا حظ أن التقليدية تمتلك سلطانا لا يرد فاحتمى بالأب الروحي فرح أنطون مسندا اليه ما يسنده الطفل إلى أبيه أعني المقدرة على قهر الصعاب التي لم ينجح الابن في تذليلها. يقول سلامة موسى: "الحق أن ما فقدنا فيه عظيم فادح، فلو انه عاش إلى أيامنا مثلا لطبع النزهات الأدبية والسياسية في مصر بطابعه. ولعله كان يوجه الأدب المصري هذه الوجهة الرومانسية التي آسف على أنه لا يتجهها الآن".  (ص 57)

وقيما تظل الأم منيبة تماما يواصل الابن سلامة موسى مهمة البحث عن هذا الأب الفقيد حال رحيل فرح أنطون. فيكتب محدثا عن لطفي السيد وقد غدا، في نظره، أبا روحيا آخر يمكن أن يخفف من حدة اليتم: "وفيما بين 1907 و1910 ظهرت قوة جديدة في مصر كان لها أثر آخر في توجيهي النفسي، وكانت هذه القوة أحمد لطفي السيد". (ص 58) إن القوة هي صفو الرجولة. وكلاهما صفتان تسندان عادة إلى الأب. لذلك لن يدخر الطفل الذي صار الآن شابا أي جهد في الاحتفاء بهذا الأب الروحي. بل إن سلامة موسى يذكر ثلاثة آباء يدين لهم بما يدين به الطفل لوالده في تكوين شخصيته. وفي حين يجزم نزار قباني وبدوي بأن لأبويهما فضلا في تحديد شخصيتيهما، يكتب سلامة موسى جازما: "يعقوب منوع، وفرح أنطون، ولطفي السيد من القوات التي صاغت شخصيتي".  (ص 60) ولا يمكن للتثليث، في هذه الحال، أن يعتبر عودة متسترة للمتخيل الديني أو أمارة على ما يمتلكه ذلك المتخيل من سطوة في تحديد سلوك الفرد مهما كان يدين بالعلم بديلا عن الدين.

سيتحول الاحتفاء بالأب الروحي في سيرة خليل حاوي إلى تمجيد للطائفة وللقرية التي تسكنها الطائفة. وفي حين يتم تغييب الأم تغييبا تاما، تقع الإشارة إلى الأب بما يدل على انسحابه المبكر من حياة الطفل. يكتب حاوي: "مرض والدي ولي من العمر اثنتا عشرة سنة، وكان مرضا عصبيا موجعا. وضاقت بنا سبل العيش فتحتم علي- وأنا كبير إخوتي وأخواتي- أن أترك المدرسة وأبدأ العمل كما يبدأ الكثير من الشويريين". (5) غير أن غياب الأب يرد مقترنا ببروز الأب الروحي الذي سينقذ الطفل من اليتم. والكلام يرسم هذه الإنابة بدقة متنامية، ففي اللحظة التي يتم فيها انسحاب الأب العليل يتلفت الطفل صوب "الشوريين" ويتخذ منهم قدوة وقبلة ونموذجا.

وبدل الاحتفاء بالأب واسناد الصفات المحمودة اليه واعلائه وتمجيده كما فعل كل من بدوي ونزار قباني مع أبويهما وسلامة موسى مع والده الروحي، يشرع خطاب خليل حاوي في تمجيد الذين سينهضون بدور الأب وينوبون عنه في شد أزر الطفل الذي فقد من يعوله. يكتب حاوي مكرسا فكرة إعلاء الأب البديل: "الشوير هي أقل القرى اللبنانية تعصبا طائفيا... من تراثها أنها قدمت للفكر الحر عددا من المفكرين الثائرين الذين دفعتهم ظروف الاحتلال العثماني إلى الهجرة. من هؤلاء: الدكتور خليل سعادة، وداود مجاعص". ومثلما تغنى كل من بدوي ونزار قباني وسلامة موسى بامجاد الأب سواء كان والدا أو أبا روحيا، يعمد خليل حاوي إلى التغني بامجاد "الشوريين" وقد صاروا العزاء والملاذ والتعويض عن الأب العليل.

يكتب مفاخرا: نعت "شويري" نعت يعتد به، نعت ينطوي على أهم ما تشتمل عليه الحياة الجبلية من صبر على المصاعب وثورة في وجه الظلم. ومثلما ورث كل من بدوي ونزار قباني وسلامة موسى عن آبائهم كثيرا من الميزات، فإن خليل حاوي سيرث، بدوره، عن "الشوريين"، باعتبارهم الأب البديل، ميلهم إلى رفض الظلم وقدرتهم على مغالبة أقدارهم ومنازلة الصعاب. فيكدح ويدرس في الآن نفسه. ويتحدى القنصل الانجليزي الذي منعه من الذهاب إلى الأردن فيتسلل عبر طريق جبلية وعرة وهو لم يتخط بعد الخامسة عشرة من عمره ويجوب مدن الأردن كلها تقريبا ويطوي القرى طيا لا يقدر عليه، في تلك السن، إلا من كان في عروقه دم من سلالة "الشوريين" وفي طبعه سمات من طبعهم الجبلي القاهر للصعاب.

داخل هذه الرحاب ذاتها يتنزل موقف نعيمة من الأمومة والأبوة. وهو يحدث عن لحظة موت الأب ولحظة موت الأم وفق طريقتين متباينتين بالكل. فترتسم صورة الأم على أديم النص باهتة. ويختزل كيانها كله فيما تشترك فيه مع النساء كلهن ومع جنس الإناث كلهن. حتى أن صفة الأمومة نفسها تزحزح عن مواضعها وتحول عن مقاديرها فتختزل في بعدها البيولوجي. وبدل استخدام عبارة "أمي" يطلق نعيمة على الأم عبارة "التي ولدتني". يكتب محدثا عن لحظة موتها: "ماتت التي ولدتني والموت يطوي الكل - حتى الوالدات - ماتت وفي لحمي وعظمي ودمي بقايا من لحمها ودمها وعظمها... أما كونت جسما حيا في جسمها ومن جسمها الحي؟ فكأن بعضي مات بموتها. وكأن بعضها ما يزال حيا في حياتي". (6)

هكذا يقع الإلحاح على هذا الجانب البيولوجي الذي يربط ما بين الأم وابنها الذي وضعته. فترتسم صورتها منظورا اليها من جهة كونها الوعاء الذي يحضن الحياة في بدئها. يطفح النص في الإخبار عن موت الأم وكيفيات تمثل الابن لصورة الأم ومنزلتها في قلبه بنوع من الموضوعية والتعالي عن الفجيعة. إن الابن لا يتأسس على موت الأم ورحيلها إلى الأبد، بل يتخذ من حادثة موتها فرصة ليستعرض مواقفه من الوجود والعدم واليوم الآخر. وهو يجاهر بذلك قائلا: "لم أك جاهلا أن التي ولدتني ستموت يوما ما. فما هالني وأنا بجانب سريرها، أن أحس بيدها تتثلج وتيبس في يدي". وهو يجد من الوقت متسعا ليشرع في تأمل الوجود والما وراء والعدم وسطوته. يقول متوجها بالخطاب إلى الأم الميتة: (ص 3/184)

ومن ثم يا أم ديب، فلا أنت تعرفين ولا أنا أعرف من الذي اختارك لي أما، واختارني لك ابنا. ولعل لي ولك يدا في ذلك الاختيار. ولكن من حيث لا ندري. أفلا يجمل بك وبي أن نلقي هم "الآخرة" على الذي دبر البداية فأحسن التدبير؟ بلى. بلى. ذلك خير لك ولي.

إن استسلام الابن في لحظة جلل كهذه لتأمل قضايا الوجود وقضايا المنزلة البشرية وهال الحياة موقف يمكن أن يعتبر أمارة على مدى ثبات هذا الابن ورباطة جأشه في مواجهة رؤية اليتم وفاجعة الموت. لكن حديثه عن موت أبيه وما خلفه في نفسه من أحزان لا تطفأ سرعان ما يكشف المضمر ويجلي المسكوت عنه: إن منزلة الأم في نفسه دونية إلى أبعد حث إذا ما قورنت بمنزلة الأب. لذلك يعمد حين الحديث عن موت أبيه إلى تفخيم الحدث فيخلع عليه كل مواصفات الرؤية والفاجعة. ويشهد الكلام نفسه نوعا من التحول فيتشكل جامعا إلى الرثاء، الحرص على جعل المتلقي يتمثل عظمة الفقد الذي ابتليت به الحياة بأسرها عند رحيل هذا الأب المثال. لذلك تتوسع السيرة في الحديث عن الأب متبعة بنية المرثية العربية. فتبدأ بتعظيم خصال الميت، وتحدث عن أفعاله المحمودة. ثم تنتقل إلى الحديث عن فاجعة الموت وفق نسق بموجبه ترسم الهول الذي استبد بالدنيا قاطبة لحظة رحيل الأب "رب الشخروب"، ويصبح النوح المداخل للكلام كما لو أنه نوح كوني شامل.

ترتسم صورة الأب بهية نورانية أخاذة. فيقع الحديث عن الأب وفق نسق ممعن في المداورة بموجبه يتمكن الكلام من فتح صورة الأب على ما به تصبح مجسدة للأبوة الحانية الحامية من جهة كونها قيمة بشرية خالدة. إن الأب يكف نتيجة الأوصاف التي تسند اليه عن كونه أبا لصاحب السيرة ويصبح كما لو أنه أب الناس أجمعين وأب الحياة المنشغل بها المتنكر في مصيرها ومصير الناس من بعده. هذا ما يجسده المشهد الذي يرسم الأب قبل رحيله متأملا في قضايا الوجود. فالأب فلاح يواجه الطبيعة وقسوتها بالكدح ورشح الجبين ليستل قوت ذويه. يحدث الابن عنه قائلا: «دلقا كان قدوم بو ديب إلى الأرض وارتحاله عنها بدون طبل وزمر. ولكنه كان من الذين زرعوا كثيرا، والذين ظلوا يحصدون حتى آخر نسمة من حياتهم. وكان قنوعا بما زرع وبما حصد". (3/143) لكنه يجد من الوقت متسعا ليتأمل الكون. بل إنه كثيرا ما يرى وهو يتنكر في قضايا الوجود. فترتسم صورته جامعة إلى ملامح الفيلسوف ملامح الزاهد أو الراهب المتبتل الذي يتخذ من العالم مادة لتأمل أسرار الوجود المحفوظة. نقرأ مثلا:  (ص 140- 141).

ولكم رأيته جالسا تحت بلوطته الحبيبة، ويداه على عصاه، وذقنه على يده، وبصره يجول من قمة إلى قمة، ومن واد إلى واد، ومن حقل إلى حقل، وكأنه يجول صفحات كتاب عزيز حفظه عن ظهر قلب. اقتربت منه ذات مرة وهو في تلك الحال وسألته: "فيم تفكر يا أبت؟" فأجابني: "أفكر يا ابني في الناس كيف يولدون، وكيف يعيشون، وكيف يموتون. الا ترى معي أن الناس يولدون شبه أصوات؟ ثم ينهضون من الموت بالتدريج إلى أن تكتمل قواهم... إننا نموت يا ابني قبل أن نموت. ونعيش مع الموت منذ أن نولد وحتى نموت. ثم نستفظع الموت".

هكذا تشرع السيرة في رسم خصال هذا الأب المثال. ثم تتوسع في الحديث عن أفعاله وما تركه من ذكر في الدنيا. لقد كانت حياته رغم ميله إلى التأمل في قضايا الوجود مليئة بالكدح والحركة والنشاط وفلح الأرض حتى بعد أن وصل إلى الثالثة والثمانين من العمر.  (ص 3/142) ولن يرحل عن الدنيا مثلما يرحل البشر الفانون عادة. لن يرحل عن الدنيا إلا بعد أن يرى الماء -صفو الحياة - يتدفق من أرض "الشخروب". لقد ظلت العائلة أبا عن جد تمني النفس بالعثور على الماء في أرض "الشخروب" دون جدوى. وسيشهد هذا الأب المثال تلك اللحظة