|
|||||||||||||||||||||||||||||
|
في
معلقة امرئ
القيس تقنية
شعرية تقوم
على
المراوحة
بين القيم
الموجبة
والقيم
السالبة،
وهي تقنية
جوهرية
بالنسبة
لمعنى
المعلقة
ومبناها (1). إن
كل وحدة
المعلقة
تنقسم الى
عدد من
المكونات
التيمية،
تدخل في
علاقات
جدلية مع
أغراض
الوحدات
الأخرى،
أحيانا
توازي هذه
الأغراض
وتماثلها،
وأحيانا
تضفي عليها
طابعا
محايدا. كل
وحدة (بصياغتها
الخاصة
وبالطابع
الخاص
لأغراضها)
تفترض إما
قيمة موجبة
هي جوهرها أو
قيمة سالبة؛
فتحدد
استيعابا
وتأويلنا
لكل سماتها
الشعري.
وبعبارة
أخرى، فإن
لكل وحدة
مجالا
استعاريا
يحدد اتجاه (وغرض)
أي تضييق أو
توسع للمعنى
المجازي أو
الرمزي،
وهذا المجال
الاستعاري
ليس مجرد
مجمل
العلاقات
بين الصور
والموضوعات
في الوحدات
المفردة، بل
هو أيضا –
وربما كان
لهذا معنى
أكبر – نتاج
للبنية
الكلية
للقصيدة:
النقص /
التوسط /
اتزان النقص. في
هذه النقطة
يمكن لتعديل
وتوضيح
طفيفين في
مخطط
المعلقة، أن
يلقيا الضوء
على درجة
تركيز القيم
الموجبة
والقيم
السالبة في
كل وحدة:
لتعديل
هنا يتعلق
بدرجة القيم
الموجبة
والسالبة في
كل وحدة، وهي
الدرجة التي
لا تدل عليها
علامات
الزائد
والناقص
بشكل واضح؟
لأنها نتاج
متغيرات
أخرى مهمة،
مثل النغمة
والشعور
اللذين
يختلفان من
وحدة إلى
أخرى (ونحن
نستخدم
النغمة
والشعور هنا
بالمعنى
الذي قصد
اليه آي. أ.
ريتشاردز).
وبهذا
المعنى،
تكون النغمة
والشعور
وظيفتين
هامتين
ناتجتين عن
انخراط قناع
الشاعر – أو
عدم انخراطه
- في اللفتات
السردية
الساخرة،
وفي عمليات
الوصف داخل
القصيدة؛
فهناك قدر
كبير من
الاختلاف
بين الحزن
والخضوع
المهيمنين
على وحدة
الأطلال،
والسعادة
والتحدي
اللذين
يميزان
وحدات
التوسط
واتزان
النقص.
والأمر نفسه
بالنسبة
لعجز قناع
الشاعر وعدم
قدرته على بث
الحياة في
الأطلال، في
حين تتضح
قدرته التي
تكاد تكون
سحرية على
خلق العاصفة
ببرقها
ومطرها في
وحدة السيل،
وجعل
الجمهور
يردها. ومن
هذه
الزاوية، لا
يمكن لوحدة
البيضة أن
تكون جزءا من
الوحدة
السابقة
عليها
مباشرة؟ ذلك
أن الوحدتين
تشكلان
تعارضا
واضحا، على
أساس من
الإحساس
وحده (الإحساس
بالكآبة في
وحدة
النسوة،
والرعونة في
وحدة البيضة).
وعلى وجه
العموم،
وحين نأخذ في
اعتبارنا
تلك
العوامل،
ستكون وحدتا
الأطلال،والذئب
والليل،
سلبيتين
أكثر من وحدة
النسوة،
ومتكون
وحدتا
البيضة،والجواد
ممثلتين
بقوة لتزايد
في القيمة
الموجبة،
تلك التي
بلفت ذررتها
عموما في
وحدة السيل. وبين
وحدتي النقص
(الأطلال)
واتزان
النقص (السيل)
تتناوب
وحدات النقص
والتوسط (الجواد
والبيضة)،
لكن ما يميز
التوسط عن
اتزان النقص
ليس درجة
إيجابية
القيمة بل
الطبيعة
الشاملة
لهذه
الإيجابية.
إن وحدة
السيل وحدها
هي التي
تتناول
إعادة بناء
النظام
القبلي
والثقافي
والطبيعي،
وهي القيمة
التي كانت
موجودة في
الوحدات
السابقة
ولكن بشكل
منتقص أو غير
مكتمل. وحدها
وحدة السيل -
وهي ذاتها
وحدة موجبة -
جاءت مسبوقة
بوحدة أخرى
موجبة، بما
يعني أنها لا
تحتاج إلى
توسط جديد.
إن وحدات
التوسط تتجه
أسامنا إلى
النقص في
الوحدة -أو
الوحدات -
السابقة
عليها، ولا
تتجه إلى
النقص
القائم في
الوحدات
الأخرى إلا
بشكل ثانوي. وهكذا
تكون
الوظيفة
الأولية
لوحدة
البيضة، هي
تحييد
الآثار
المترتبة
على الرفض
الذي يعانيه
الشاعر في
علاقته
بالنساء
الأخريات،
وهذه الوحدة
لا تصلح -
بشكل مباشر-
الأضرار
التي تصيب
الطبيعة بها
القبيلة، أو
الهموم
الفردية
والجماعية
الناتجة
عنها. وعلى
هذا يكون
وجود وحدة
الليل
والذئب بعد
وحدة
البيضة، هو
الطريقة
التي يتبعها
الشاعر-أو
قناع الشاعر-
في تنبيه
مستمعيه إلى
أن مزيدا من
التوسط أمر
متوقع قبل
إمكانية
الاتزان. (2) ونحن
نتحدث عن
القيمة
الدلالية
للو حدات
المختلفة في
القصيدة،
حدثت إشارات
متعددة
لأزمنة
الفعل،
ولجهات
الاعتياد
والديمومة
والتمام في
بعض
الأفعال،
دون إشارة
إلى موقعها
في الزمان.
وفي لغة
تعتمد على
الجهات Aspectual Language العربية،
يمكن أن يكون
للأفعال -
تامة وغير
تامة - دلالة
إما على
الماضي أو
الحاضر أو
المستقبل،
وذلك
اعتمادا على
دورها في
السياق
النحوي
المحدد. وهذه
السمة التي
تميز الفعل
في اللغة
العربية
تؤدي إلى
معاناة في
ترجمته (2).
وحين لا يكون
الشعر الذي
بين أيدينا
خطيا ولا
تطوريا، بل
شعر قائم على
التوسيع
والتوازي
والتعارض،
تصبح مسألة
الإشارة إلى
الزمن مسألة
حاسمة؛
وعليه، فإن
امرأ القيس
حين يبدأ
وحدة الجواد
بحدث معتاد: "وقد
أغتدي
والطير في
وكناتها"،
فإنه لا
يتحدث عن ماض
محدد أو حاضر
محدد، إنه
مرة يشير إلى
الماضي ومرة
يشير إلى
الحاضر ومرة
إلى
المستقبل.
ومثل هذه
الملاحظة
شديدة
الأهمية
بالنسبة
لفهمنا
للوظيفة
التوسطية
للجواد، إذ
يرده الشاعر
ذا قيمة
أبدية. في
بعض
الأحيان،
يكون
للتغيرات
المفاجئة في
الزمن
النحوي وفي
جهة الفعل،
قيمة جمالية
في الأساس:
ففي وحدة
السيل على
سبيل
المثال، نرى
في البيتين 71-72
مجموعة من
الأفعال في
الحاضر
التاريخي،
وذلك في محيط
من أفعال ذات
دلالة ماضية
في نهاية
وحدة الجواد
وبقية وحدة
السيل. ومثل
هذا التجاور
للسياقات
الزمنية
يمكن الشاعر
في البيتين 71-72
من جعل تأثير
البرق
وسيطا،
وكأنه مجرد
آلة سينما
تصور الحدث
عن قرب
أحيانا. وكما
يوضح أبو ديب
أيضا في
دراسته عن
قصيدة لبيد: "هذا
التشويه
للزمن،
المستويات
المتغيرة
للزمان،
وخلق واقع
خيالي خالص،
أمور لها
دلالتها
البنائية
الخاصة؟ ذلك
أنها قد
تساعد في
الكشف عن
نقطة
التماثل على
المستوى
البنائي بين
خصائص
القصيدة
وخصائص
الأسطورة.
لكننا يمكن
أن ننظر
اليها - على
مستوى مختلف
- وكأنها
تعكس القوة
الفاعلة غير
الواعية في
عقل الشاعر،
قوة منح
الحياة
والجدوى في
مشهد الدمار(النقص)"
(3) وأكثر
الأمثلة
وضوحا على
خلق مثل هذا
الواقع "الخيالي"
أو المجرد
هما البيتان
الثالث
والخامس من
المعلقة. إن
مباشرة
الفعل "ترى"
في البيت
الثالث،
التي تجعل
التجربة في
السياق
الحاضر أو
الحاضر
المستمر،
تساعد في
إبراز قيمة
بعر الآرامز
في الديار
المهجورة.
أما الفعل "يقولون"
في البيت
الخامس،
فينطوي على
حضور لحدث
معتاد، وهو
ما يقف على
النقيض من
الماضوية
الواضحة
لفعل "تحملوا"
في البيت
الرابع،
ويساعد
الشاعر في أن
يتجاوز أساه
لفراق
محبوبته.
وكما رأينا
من قبل، فإن
نفس الأثر
يتم تحقيقه
باستخدام
الفعل "ترى"
في البيت 71،
غير أن الفرض
هناك كان
أقرب إلى جعل
القارئ أو
المستمع
مشاركا في
متابعة
اتزان النقص.
"ترى"
الأولى في
البيت
الرابع تشي
بحضور محدد،
بينما تشير "ترى"
الثانية إلى
مستقبل
منتظر. أحيانا
يتحول
الماضي فير
المحدد إلى
ماض محدد،
وذلك من خلال
الاستغراق
في قناع
الشاعر؛ ففي
وحدة الليل
والذئب يتم
هذا في شكل
مناجاة أو
مونولوج غير
مباشر مع
الليل
والذئب (الأبيات
45-46-47-52)، غير أن
الأثر
الناتج هنا
ليس نوعا من
إضفاء
الحياة
والجدوى على
مشهد
الدمار، بل
نوع من
التكثيف
لحزن الشاعر
وقنوطه. إن
استخدام
الحوار - كما
هو حادث هنا -
يجعل الليل
وثيق الصلة
بوعي الشاعر
ووعي
الجمهور،
وكأن لهذا
التلاعب
بالسياق
المكاني في
وحدة الليل
والذئب
أبعادا
زمانية
ودلالية.
ولكن سواء
كان المقصود
بهذه
الأبعاد
التركيز على
القيم
الموجبة أو
السالبة،
فإن ذلك لن
يتحقق إلا
بالرجوع إلى
منطق تناوب
هذه القيم في
بنية
المعلقة ككل.
وبأسلوب
كهذا، ولكن
لأغراض
دلالية
مختلفة (تأكيد
الدور
الموجب
للوسيط)، كان
المشهد
الدرامي
للصيد في
وحدة
الجواد،
الذي جاء
وكأنه قد حدث
بعد وصف
الجواد،
فوضع وقائع
الصيد في
علاقة
زمانية
ومكانية
جديدة. وكأن
الزمان
والمكان
يدخل كل
منهما مع
الآخر في
علاقة
متبادلة،
بحيث يصبحان
لا معنى لهما
إذا نظرنا
اليهما
منفصلين،
خاصة إذا كان
الهدف
النهائي هو
إظهار
دلالتهما
البنائية
بالنسبة
للقصيدة ككل. وهذا
الأمر أوضح
ما يكون في
الدور الهام
الذي تلعبه
الذاكرة. لقد
تم استفزاز
الذاكرة في
بداية كل
وحدة من
المعلقة،
فضلا عن
استفزازها
داخل وحدات
النقص حيث
تتركز
الأهمية
أساسا على
الوظيفة
التوسطية.
غير أن
الذاكرة لم
تكن مجرد
وسيط يستدعى
عادة
ليتجاوز به
الشاعر
حالات اليأس
التي
تنتابه،
إنها تبدو
كذلك
اختبارا
للسعادة
القصوى، حتى
تذكر الشاعر
وجمهوره أنه
لا يوجد في
الحياة شيء
مطلق. لقد
جاءت أول
إشارة
للذاكرة في
البيت الأول
من القصيدة،
حيث يتذكر
الشاعر
وصاحبه - أو
صاحباه -
الأيام
السعيدة،
حين كانت
الديار
عامرة
بالقبيلة
وبمحبوبة
الشاعر؛ ومن
ثم فإن
الماضي
يستدعى إلى
تعارض كامل
مع الحاضر،
وكل شيء كان
موجودا في
لحظة إبداع
القصيدة
يصبح فورا في
حالة تعارض
مع حالة
السكني
السابقة
بالنسبة
للديار، مما
يعمق حزن
الشاعر
ويدعو
الجمهور إلى
تقمص الحالة. ويتم
استفزاز
الذاكرة مرة
أخرى في
البيت
الرابع، لكي
تجسد حزن
الشاعر
تجسيدا
دراميا، وفي
البيت
السابع نعود
إلى توسيع
هذا التجسيد
الدرامي
وتعميقه،
حين يدخل إلى
الصورة عنصر
آخر من عناصر
الفراق (الظعن).
وتؤكد
الإشارة
المحددة إلى
أم الحويرث
وأم الرباب،
أن الرحيل
المحدد
للمحبوبة في
البيت
الرابع له
سابقة واحدة
على الأقل.
وهكذا تكثف
الذاكرة هلع
الشاعر من
ناحية،
وتحاول من
ناحية أخرى
تحييد ذلك
الهلع بأن
تحيي مبدأ
أساسيا يقول:
تلك هي
الأشياء،
وللمرء أن
يقبلها أو
يرفضها. أما
وحدة النسوة
ء فهي تجربة
قائمة على
الذاكرة من
البداية إلى
النهاية: ذلك
أن سياقها
الزمني
موجود قبل أن
يقف الشاعر
أو يتخيل
نفسه واقفا
على الأطلال
البالية،
وربما قبل
مشاهد ظعن
المحبوبة في
البيت
الرابع وظعن
النسوة في
البيت
السابع. إنه
يتذكر
العذارى
أولا (الأبيات
من 10 إلى 12) ثم
يتذكر عنيزة
(الأبيات من 13
إلى 15) ولكن لا
يبدو واضحا
أي
التجربتين
وقعت أولا (لا
أقصد في
النص، وانما
في تجربة
الشاعر).
إننا
متأكدون
تماما أن
علاقته بـ "الحبلى"
و "المرضع"
تعد توبيخا
لعنيزة على
رفضها إياه،
بل إننا ربما
لا نلمح
علاقة
تجربته مع "فاطمة"
بتجربته مع
النساء
الأخريات
المشار
اليهن
سابقا، كل ما
نعرفه أن
الشاعر
يتذكر
مغامراته مع
النسوة التي
وقعت في زمن
سابق على زمن
الأطلال.
ورغم أن هذا
الانسحاب
الدائم إلى
ماض غير محدد
ليس انسحابا
لاحقاه
بالمعني
التاريخي
التعاقبي،
فإنه مع ذلك
يخلق هوة
وانفصالا
ومسافة
جمالية
بعيدا عن
الأثر
المدمر
للأطلال
البالية. والسياق
الزمني
للبيت 21، أي
بداية وحدة
البيضة، يظل
سياقا مبهما
إذا لم نشر
إلى الدور
الإيجابي
الذي تلعبه
الوحدة ككل
في جدل القيم
الموجبة
والسالبة
داخل
القصيدة.
وحين ننظر
إلى وحدة
البيضة،
بصفتها وحدة
توسطية بين
الشاعر
وصديقاته من
النساء بعد
أن عانى
سلسلة من
عمليات
الرفض،
فإنها ستمثل
حركة أخرى
إلى الماضي،
مسافة
جمالية
أخرى، لا
بعيدا عن
الحالة
المؤسفة
للأطلال
فحسب، بل
بعيدا كذلك
عن كل
التداعيات
السالبة
لذكريات
الشاعر
المختلفة
حول علاقات
الحب
العقيمة.
وكأن
استدعاء تلك
اللحظة
النفسية
معادل
لاستبعاد كل
تجارب الحب
السابقة
المجهضة. غير
أن منطق
الرؤية يفرض
الا يتمتع
الشاعر
بالسعادة
المطلقة في
صحبة
البيضة،
وهكذا تعود
الذكريات،
ذلك الزمان
ذو القوة
السالبة
الذي يذكر
الشاعر
وجمهوره بأن
السعادة أمر
عابر، مثل كل
شيء آخر في
الحياة.
يتذكر
الشاعر ليل
الفراق الذي
لا ينتهي،
وهو الليل
الذي يقف في
تعارض مع ليل
الحب الذي
استمتع فيه
مع البيضة.
وعلى هذا
النحو يتضح
أن الذاكرة
يمكن أن تبعث
الحياة
والسعادة في
مشهد الموت،
أو يمكن أن
تستدعي
الموت
والأسى حتى
تختبر
الانغماس
الشديد في
الحياة. وتستدعى
الذاكرة في
الوحدتين
الأخيرتين
من المعلقة
لكي تتوسط
وتؤسس
النظام من
جديد في
الحياة،
ويتحرك
الشاعر - من
خلال
التطابق مع
جواده
المثالي -
إلى خارج
الزمن، ولا
يصبح موضوعا
للتغيرات
الناتجة عن
الزمن،
والتي تؤدي
إلى تدمير
التماسك
القبلي
وتدمير
روابط الحب
بين الأفراد.
والأهم من
هذا، أن
تطابقه مع
الجواد
يساعده على
استعادة
إيمانه
بقدرة
الجواد على
الفعل
والنجاح (ومن
ثم قدرته هو
نفسه لأنه
أصبح وجواده
شيئا واحدا) في
وحدة البيضة
كان قد حقق
الثقة فعلا
في قدرته على
الحب، وأصبح
مقبولا من
قبل امرأة
مثالية،
لكنه يترك كل
هذا ليحتفل
بعودة
النظام
الشامل
للحياة
والطبيعة،
لقد أصبح هو
نفسه مطبوعا
بالقدرة على
خلق ذلك
النظام،
فمشهد البرق
يبدو كأنه
ساحر
يستدعيه
الشاعر من
الماضي. في
وحدة
الأطلال
يستدعي
صديقه أو
صديقيه
ليعاينا
الدمار الذي
أصاب ديار
المحبوبة،
وليتذكرا
زمنا كان
النظام فيه
سائدا، وفي
وحدة السيل
يدعو صديقه
لمعاينة
عودة النظام.
إن الذاكرة
تكثف الأسى:
نظام الماضي
في مواجهة
دمار
الحاضر، هذا
من ناحية،
ومن ناحية
أخرى هي
تحتفل بعودة
قوى الطبيعة
الموجبة،
الميلاد
الجديد الذي
يوازن عقم
الحياة
الموصوف
بقوة خلال
وحدة
الأطلال. لكن
اللافت أن
النظام يقوم
على حساب
أشكال أخرى
من الحياة،
وأن الدمار
في وحدة
السيل
لايزال
واضحا في كل
مكان، غير أن
النقص يجد ما
يوازنه ولو
للحظة واحدة
على الأقل.
وحيث إن سرعة
الزوال هي
المبدأ
الهادي في
هذه القصيدة
وفي القصيدة
الجاهلية
بشكل عام،
فإنها ليست
إلا مسألة
زمن أمام
القبري
السالبة،
وما تلبث
الطبيعة أن
تؤكد نفسها.
إن الحركة في
القصيدة من
البداية إلى
النهاية
حركة هاربة
من الموت في
اتجاه
الحياة. وعلى
وجه العموم،
فإن تبدلات
الزمان
والمكان
تلعب دورا
بنائيا
مماثلا
للتعارضات
المطردة بين
القيم
والتجارب
الموجبة
والسالبة،
وهي المسألة
الأساسية في
الرؤية
الجاهلية.
هناك تبدل
طوال الوقت
من النقص إلى
اتزان
النقص، من
النهار إلى
الليل، من
السعادة إلى
الأسى، من
المطر إلى
الجفاف، من
الرفض إلى
القبول
والعكس.
الزمان
والمكان
يتغيران.
والى جانب
القيمة
الواضحة
لمثل هذه
التغيرات
بالنسبة
للبنية
الخارجية
للقصيدة،
فإن عمليات
الاسترجاع
ووضع
المسافة
المكانية
تجعل
الأزمنة
متعاصرة، من
خلال التحام
الماضي
والمستقبل
في إطار
الحاضر. ومثل
هذا التلاعب
بالزمن
الداخلي(4)
يمكن الشاعر
من تحقيق
كثافة في
التعبير،
وشمولية في
الوعي،
مؤلفة من كل
عناصر
الزمان
والمكان
المتداخلة.
والذي يكمل
كل هذا في
النهاية هو
الحركات
الليلية
والنهارية،
وهي الحركات
التي تكشف
تشكيلات
الرؤية
الجاهلية؟
ففراق
المحبين يقع
صباحا (في
النهار)،
وكذلك
المغامرات
المختلفة
للشاعر في
الأبيات من 10
إلى 15. لقاؤه
بالحبلى
والمرضع فقط
هو الذي يقع
ليلا، وذلك
كما هو واضح
من الفعل "طرقت"
(أي زرت ليلا).
أما المشهد
مع فاطمة
فيقع دون
إشارة إلى
الليل أو
النهار،
ربما لأنه
مشهد يفتقر
إلى تحديد
اللقاء
المجسد الذي
يميز
مغامرات
الشاعر
الأخرى.
تحتوي وحدة
ارتباط
الشاعر
بنسائه إذن
على تقديم
لليل
والنهار،
والمشهد مع
فاطمة مشهد
محايد وبلا
أثر على
الحركة
النهارية /الليلية.
وكون هذه
الحركة
متضمنة
لمشاهد
الظعن يشير
إلى العلاقة
الوثيقة بين
الظعن (فراق
المحبوب
نتيجة لحركة
القبيلة)
ووحدة
النسوة، وهي
الوحدة التي
تتضمن أثرا
سالبا على
الشاعر أكثر
من أثر "الظعن". ويقع
اللقاء
الجنسي مع
البيضة
ليلا، حين
تكون نجوم
الثريا في
موقعها
المفضل (البيت
25)، غير أن
اللقاء يمتد
إلى الصباح
التالي حين
يصف الشاعر
استيقاظ
البيضة من
نومها، هنا
تكون الحركة
من الليل إلى
النهار،
وتقف في
تعارض مع
الحركة
السابقة،
وكأن
الحركات
تصور
الاختلاف
بين الوحدات
والمشاهد. إن
مشهد الليل
في وحدة
الليل
والذئب
مختلف؛ لأنه
يبدأ وينتهي
ليلا. لا
حركة في هذا
المشهد، كما
أنه لا إشارة
واضحة إلى
الليل أو
النهار في
مشهد الذئب،
وهو مشهد
يمثل - من أي
منظور آخر -
امتد اذا
لمشهد الليل. وتكرر
الوحدتان
التاليتان -
وحدة
الجواد،
ووحدة السيل
- نفس
النموذج
القائم في
الحركتين
الأوليين؛
إذ تبدأ وحدة
الجواد في
الصباح
الباكر
وتنتهي في
الليل (البيت
70)، بينما
تبدأ وحدة
السيل
بإشارة إلى
البرق، ورغم
أنه لا توجد
إشارة واضحة
إلى أنها تقع
ليلا، فإن
إمكانية
كهذه قائمة
بقوة: فالبيت
72 على سبيل
المثال يشير
إلى وميض
البرق الذي
يشبه فتيلة
مصباح
الراهب (والمفترض
أن الراهب
يستخدم
مصباحه ليلا).
وحيث إن
الحادثة
كلها
متخيلة، فإن
علاقة البرق
بمصباح
الراهب ليلا
(على المستوى
الاستعاريا
ربما قصد
منها علاقة
برق معين
بالليل.
وتستمر
الوحدة بعد
ذلك أثناء
الصباح (البيت
81) ثم تنتهي
بالمساء،
بحيث يتكشف
لنا هذا
النموذج: من
نهار إلى ليل
مشهد الظعن
ووحدة
النسوة من
ليل إلى
نهار
وحدة
البيضة من
ليل إلى ليل
وحدة الليل
والذئب من
نهار إلى
ليل
وحدة
الجواد من
ليل إلى
نهار
وحدة السيل لكننا
لابد أن
نلاحظ أنه لا
الليل ولا
النهار يملك
وحده وظيفة
مطلقة أو
معتادة في
البنية
العامة
للقصيدة؟
فالنهار كما
رأينا قد
تكون له
علاقة
بالنقص، أو
التوسط، أو
اتزان النقص.
والليل قد
يلعب وظيفة
مزدوجة (موجبة
أو سالبة)
اعتمادا على
علاقته
بجدلية
القيم
الموجبة
والسالبة في
المشاهد
والوحدات
السابقة
واللاحقة.
وهكذا يقع
الفراق في
الصباح،
ولكن هذا لا
يعني أن لكل
صباح
إيحاءات
سالبة،
والليل يجمع
الأحبة (وحدة
البيضة)،
ولكن الليل
يرمز أيضا
إلى فراق
الأحبة
والافتقار
إلى الصحبة
لم وحدة
الليل
والذئب). في
وحدات
التوسط،
واتزان
النقص (وحدات
البيضة،
والجواد،
والسيل) يكون
الليل
والنهار
مرادفين
للسعادة
والصحبة،
أما في وحدات
النقص (النسوة،
والليل،
والذئب)
فالليل
والنهار
يتسببان في
الفراق
والكآبة
ودرجات
متعددة من
الافتقار
إلى الصحبة.
وحيث إن
القصيدة لا
تتقدم إلى
الأمام على
نحو خطي؟ فإن
العلاقة
الكيفية بين
الليل
والنهار لا
يمكن رسمها
إلا إذا
نظرنا إلى
الليل
والنهار
بوصفهما
جزءا من
النظام لم من
الليل إلى
النهار، ومن
النهار إلى
الليل) والا
إذا
عددناهما
جزءا من
التعاوضات
المختلفة في
القصيدة
وبنيتها
الكلية. (3) المنهج
الوحيد الذي
سيساعد في
مزيد من
الكشف عن
بنية
القصيدة، هو
أن نربط
الوسائط
الأساسية
بثنائية
الحياة /الموت
في سياق
الماضي/
الحاضر، على
أن نأخذ في
الاعتبار أن
الماضي
والحاضر
لحظتان
سيكولوجيتان
تحافظان على
التغير
الدائم في
القصيدة،
ولا تتبعان
أي تعاقب
محدد. إن
السياق
الزمني
لوحدة
البيضة سياق
ماض في
علاقته
بالوحدة
السابقة
عليه، لكنها
كذلك تقع في
سياق ماض /حاضر/
مستقبل إذا
نظرنا إلى
وظيفتها
التوسطية.
أما مشهد
الظعن فيقع
على العكس في
الماضي،
وذلك إذا
قارناه
بلحظة وصف
الأطلال،
لكن له حالية
الحاضر إذا
نظرنا إلى
معاناة
الشاعر.
وهكذا تتوسط
الذاكرة. في
وحدة
الأطلال. بين
الحياة
والموت
والماضي
والحاضر،
وذلك على
النحو
التالي: الحياة
| |||||||||||||||||||||||||||||