|
|||||
|
يتصدى
الفيلسوف
بول ريكور
للبنيوية في
النقد
الادبي،
فيؤكد على
أولية الزمن
الحاسمة،
قائلا: انه
يجدر بنا أن
تعتبر السرد
حارسا للزمن
(1)، ومعتبرا
ان كل سرد
يهدف الى "الانفتاح
على معنى ما"،
وذلك
بتنسيقه
الزمن
الماضي
وبتأسيسه
فعلا في زمن
قادم
وبمجابته ما
هو "آخر
الزمن" أي
لابد
والموت،
فأساسا يهدف
السرد الى
ترويض مكائد
الزمن،
مأساوية
الزمن
العابر، إن
هذا المبدأ،
البالغ
الجلاء في
الحكايات
التأسيسية
كالتوراة
والكتب
المقدسة
التي تتقصى
مشكلة
الأصول
والأخلاق
والموت،
ينتظم بشكل
واضح السيرة
الذاتية،
حيث يستبين
الفنان معنى
حياته ويؤسس
مستقبله
ويصارع موته
الشخصي. من
هذا المنظور
يكتسب
العملان
اللذان
اخترتهما-
وهما "ذاكرة
للنسيان" (2)
لمحمود
درويش و "حريق
الأخيلة" (3)
لإدرار
الخراط -
قيمة
نموذجية لان
معناهما
منوط بالزمن
والموت. في "حريق
الأخيلة"،
الذي يجعل
منه الرقم
سبعة عالما
شموليا
مثاليا،
مسكون
بالموت،
البادي في
زوال عوالم
المؤلف
الداخلية
والخارجية،
حيث يفنى
لهبا لهذا
الحريق كل ما
يرده المؤلف
- بل يحاول أن
يرده - وكأنه
لايزال حيا،
كيما يتسنى
له أن يحتفظ
بشظايا
الماضي حية
بحياة
متوهجة. أما
"ذاكرة
للنسيان"
فيهيمن
الموت عليها
بقدر أكبر،
إذ أنها في
الموت تجد
منبعها: إنها
تنبثق من ذلك
اليوم
العصيب، يوم
"هيروشيما
الفلسطينية"،
حيث يبدو
الكاتب
وكأنه يحيا
موته الوشيك..
يرتكز
المؤلف عل
هذا اليوم
ليحيط بموته
الرمزي
الأول،
الخروج من
فلسطين،
وبجذوره
الثقافية
الضاربة في
التاريخ
العربي،
وليواجه
أيضا حياته
ذاتها وموته
كفلسطيني
وكمجرد
انسان، لا
يكتسب هذا
العمل
أبعاده
الحقيقية
الا في الضوء
الباهر الذي
يلقيه دنو
الموت على
الحياة. لا
أسعى، في
اطار هذه
الدراسة،
إلى الاحاطة
بكافة جوانب
هذين
العملين
الثرية، بل
أتقيد،
عمدا،
بجانبين
هامين
يتعلقان
بجماليات
السرد،
فأحاول أولا
أن أتبين،
انطلاقا من
مفهوم تعدد
الاصوات،
كيف قام >
الوعي الحاد
بالموت
بهيكلة
العمل من
داخله، أو
بتعبير آخر:
كيف انعكس
هذا الوعي في
النسيج
السردي، ثم
أتناول
الجانب
الآخر
المتعلق
بالسيرة
الذاتية. عالم
محمود درويش تتعدد
الأصوات يتجلى
عمل محمود
درويش، لأول
وهلة، وكأنه
دراما قديمة
حسب مفهوم
المسرح
الكلاسيكي
الفرنسي في
القرن
السابع عشر،
اذ يبدو
منصاعا
لقانون
الوحدات
الثلاث: وحدة
المكان
ووحدة
الزمان
ووحدة الحدث.
المكان:
بيروت
الغربية وقد
أصبحت كلها
مسرحا،
حدوده خطوط
الحصار
المحكم الذي
ضربه الجيش
الاسرائيلي.
الزمان: يوم
من أيام شهر
آب / أغسطس
عام 1982،
تراكمت فيه
أجسم
الأحداث (4)
الحدث: أعمال
الكاتب
وأقواله
وأفكاره من
الساعة
الثالثة
صباحا، أي
منذ أخرجه من
حلمه دوي
القصف
الاسرائيلي،وحتى
الساعة
العاشرة
مساء، حيث
عاد إلى نومه
وحلمه بعد أن
أمضى نهاره
يجوب
المدينة
لمقابلة
الناس
والأماكن. هنا
ينتهي وجه
الشبه
بالدراما
الكلاسيكية،
إذ يفترقان
في الحبكة
التي تتضمن،
وفقا
للمعايير
الكلاسيكية،
بداية
وسيرورة
ونهاية..
هذا، إلا إذا
اعتبرنا
بمثابة حبكة
ذلك الخيط
الرفيع الذي
ينتظم السرد
وينقل
السارد-
الشخصية (السارد
البطل) من
الرهبة امام
الموت إلى
نوع من
السلام
الداخلي
الذي يتمثل
الموت نفسه،
بيد أن هذا
الاعتبار لا
يشكل إلا
مقاربة
ممكنة،
ليست، على كل
حال، بالأهم. أحرى
بنا أن نتكلم
لا عن حبكة
مفردة بل عن
مشاكل من
حبكات،
وبالأصح من
اشكاليات
تنبثق
جميعها من
لحظة حرجة
واحدة، هي
لحظة
الاقتراب
حسيا من
الموت، في
هذه
المواجهة
يلتهب كل
شيء، ما عدا
الجوهري،
فيتكثف في
اللحظة
الواهنة زمن
الراوي
بأكمله، بل
كافة
أؤمنته،
وتتعرى كل
الأبعاد
التي تكونه،
من البعد
الأكثر
حميمية الى
البعد
الكوني
الأشمل.
فتصدح، في
وعيه،
الأصوات
المعبرة عن
هذه الأبعاد
دفعة واحدة
متزامنة. فلو
استعمل
الراوي
وسيلة
سينمائية
لتسنى لنا أن
نلتقط جميع
هذه الأصوات
من أول وهلة.
غير أنه
يتوسل
الكتابة،
وهي خطية
بالضرورة،
ولذا لا
تبلغنا هذه
الأصوات إلا
بالتوالي.
بيد أن
القارئ يشعر
بأن تلك
الأصوات
كلها تتدافع
عجلي لتظهر
بصورتها
الطباعية.
الهذا يجري
السرد دفقة
واحدة عفية،
بلا انقطاع،
بلا عناوين
فصول، دون
ترك بياض في
نهاية الفصل
للانتقال
الى الصفحة
التالية، ما
خلا تنفسا
سريعا يأتي
في وقته -
وأحيانا
اعتباطا-
يشير اليه
مربع أسود من
آن لآخر؟ مع
ذلك، ثمة
موضوعة ذات
حضور مهيمن
ترمز الى
تضافر هذه
الأصوات - أو
تعدديتها،
حسب
الاصطلاح (5) -
الا وهي
موضوعة
البحر، أو
الماء/
الأنواء
بشكل عام.
ففي هذا
النهار
النشوري،
يشكل الماء
الحيز
الوحيد حيث
تدور
الأحداث
وتتحرك
الكائنات
والأشياء،
الماء يفعم
البشر
والجماد،
يملأ الهواء
واليابسة
والبحر،
بحيث أنه
يمحو الحدود
بين هذه
العناصر.
فيغدو كل شيء
مائيا:
القنابل
والصخور
والقطط
والحبيبة.
وقد تنعكس
الأمور
فيتجلى
الماء بصورة
الجماد أو
الهواء: "السماء
تنخفض كأنها
سقف اسمنتي
يقع، البحر
يتحول الى
يابسة
ويقترب" (6).
الماء يملأ
الفضاء وكل
ما يتحرك
فيه، بل أكثر
من ذلك: إنه
يضبط الزمن
ويهيمن
عليه، إذ ان
الزمان نفسه
يصبح مكانا.
فالمؤلف
يضيف،
بمثابة
عنوان فرعي،
الإشارة
التالية: "الزمان:
بيروت.
المكان: يوم
من أيام آب 1982".
يتجمد الزمن
بصورة مكان
ويميع
المكان على
صورة ماء.
فيصبح الماء
لا رحما
أموميا فحسب
بل سديما
نشوريا (ابوكاليبتيكيا)
يشير الى
نهاية عالم
وولادة عالم
آخر، ويحيل
الى ذلك
السديم
البدئي الذي
يقال انه
أشرف على خلق
الكون في
بداية
الأزمنة،
سديم يتضمن،
بالقوة، كل
ما سيبزغ الى
الوجود من
كائنات
وأشياء على
نحو يكاد
يكون
تزامنيا. انه
حيز الأصول
الأسطوري.
فهل هنا يكمن
السبب في أن
الراوي يشعر
بأنه فرد
وحيد، في ذلك
الصباح، شأن
آدم في فجر
الخليقة حين
لم تكن
المخلوقات
قد تسمت
بأسمائها؟:(7)
"خرجت للتو
فلم أعرف أين
أنا. لم أعرف
من أنا. لم
أعرف ما اسمي
ولا اسم هذا
المكان، لم
أعرف أن في
وسعي أن
أمتشق ضلعا
من ضلوعي
لأجد فيه
حوارا لهذا
السكون
المطلق. ما
اسمي؟ من
سماني؟ من
سيسميني...
آدم...!"(8)،
والنصان
التراثيان
اللذان
يخطران
بباله حينئذ
ويدرجهما في
سرده،
يعززان تلك
الفكرة،
فهما
يتحدثان عن
الماء
والخلق،
يشهد نص ابن
سيده (9) على
حضور الماء
بشكل طاغ في
المعجم
التراثي
العربي، أما
النص الثاني
فيتناول
بنفس النفحة
الماء وخلق
العالم (´`)
وثمة أمر ذو
دلالة: الماء
والخلق
يرتبطان
ارتباطا
وثيقا
بالقلم، وهو
أيضا أداة
خلق، بها
يأتي الى حيز
الوجود عالم
الراوي، يتم
ذلك في أن
يدخل مصير
الشعب
الفلسطيني
في لحظته
الحرجة، في
حالة مخاض. تصنيف
الأصوات
عديدة
هي الأصوات
المعلعلة في
هذا العمل،
وهي تحيل الى
عوالم فكرية
وشعورية
شديدة
التباين،
لكنها
تتمايز أيضا
في كل عالم
من هذه
العوالم
لتخلق كوكبة
أخرى من
الأصوات.
وهكذا لا
تترسخ
تتعدية
الأصوات في
فئات مختلفة
فحسب، بل
داخل كل فئة
أيضا. وسأقصر
الحديث على
ست فئات هي
الأهم. 1-
فئة الـ"أنا"
الساردة،
التي تشمل
الصوت
الراوي
للأمور
الأساسية
المباشرة (جو
المقهى،
المرأة،
الاصدقاء،
الخوف...) صوت
الذاكرة (النزوح
الأول عام 1948
الذي عرف
الراوي
بلبنان لأول
مرة، فترات
السجن،
الإقامة
الجبرية،
الحب
الاشكالي
المتبادل مع
اسرائيليات،
الخروج
النهائي من
البلاد...)،
صوت
المناضل،
صوت الشاعر.. 2-
فئة بيروت،
وتنقسم الي
مدن عديدة:
بيروت
الجبانة
المتمثلة
بأصوات
الكتائبيين،
بيروت -
الشعب
المتمثلة
بأصوات
الشارع في
المنطقة
الغربية،
بيروت
المثالية
التي تحلم
بإقامتها
مستقبلا
أصوات
المنضالين
من
فلسطينيين
وعرب
ومتعددي
الجنسيات،
بيروت
المتراجعة
عن جسارتها
المتمثلة
بأصوات
المناضلين
الذين هجروا
النضال. 3-
فئة فلسطين،
وتشمل:
فلسطين -
الذاكرة
الكلية
الحضور،
فلسطين
المناضلة (بمناضليها
المثاليين
الشجعان،
وزعمائها
الأفذاذ
والكثيري
الهفوات في
آن،
ومسؤوليها
الماهرين في
الحسابات
والغش)،
فلسطين التي
لا تجد
موقعها من
لبنان،
فلسطين التي
يحلم
بإقامتها،
فلسطين التي
تبدو وكأنها
خسفت الى غير
رجعة. 4-
فئة العالم
العربي،
وتشمل
الحكام
الذين، شأن
الكواسر،
ينتظرون
بلذة بالغة
لحظة موت
الضحية،
الجماهير
العاجزة
التي فمرفها
القمع الى
اهتمامات
يسيرة ككرة
القدم
والفيديو،
تراثا مزريا
ورائعا في آن...
5-
فئة
الصهيونية
وتشمل: الفكر
العتيق
المتحجر
الذي ينفي كل
ما هو آخر (بيجين،
يهوه الآمر
بابادة أهل
أريحا عن
بكرة أبيهم،
الاذاعة
الرسمية..)،
الوعي القلق
الشجاع (مناضلو
حركة السلام
الآن، أوري
أفنيري)،
الوعي
المندبق
بالذات. 6-
فئة العالم
الخارجي،
وتشمل: العقل
السياسي
الصلف
الميكيافيلي
الذي تعبر
عنه مختلف
الحكومات
ولا سيما
الحكومة
الأمريكية،
الوعي الشقي
عند
المتعجلين
الى انهاء
هذا المشهد
المزعج بأي
ثمن كان. من
المهم بمكان
الا نختزل
هذه الأصوات
المتعددة
الى تصرفات
ومواقف
فكرية، أو
الى حالات
ذهنية
يسردها
الراوي
ويعبر عنها
بشكل مسرحي،
إنها كلمات
تعكس عوالم
مرتبطة
بشخصيات
وجماعات،
فهي أصوات
بكل معنى
الكلمة. ومع
انها لا تبلغ
جميعها نفس
الدرجة من
الاكتمال،
فإنها تبقى
مع ذلك
أصواتا
حقيقية
يثيرها
احداق الموت
الفردي، او
تحيل الى موت
جماعي محتمل
ومخشي. أو
بتعبير آخر،
ان هذا العمل
- حسب تعبير
باختين
متحدثا عن
دوستويفسكي-
لا ينبني وفق
"وحدة وعي
مفرد امتص ما
عداه من
أنواع الوعي
وكأنها مجرد
موضوعات، بل
كوحدة مكونة
من تفاعلات
بين عدة
أنواع من
الوعي لم
يتحول أي
منها موضوعا
بالنسبة
للآخر". (11) إن
كان صوت أنا
الراوي
يتمايز
بسهولة عن
الأصوات
الأخرى بفضل
نبرته
الغنائية
وبسبب من
المكانة
التي يحتلها
الخطاب
الانشائي،
إلا أن
الأصوات
الأخرى تظل
مستقلة
بذاتها، آية
هذه
الاستقلالية
تمايز
الاساليب
الخطابية
والأجناس
الأدبية
المستعملة.
عند
دوستويفسكي،
المعلم
البارع في
تعدد
الأصوات وفق
باختين،
يقوم هذا
التعدد
أساسا على
استخدام
الخطاب 0
المنقول
بأسلوب
مباشر (الحوار)
وأحيانا على
استخدام
المذكرات (على
سبيل المثال:
حياة الناسك
زوسيما من
خلال يوميات
اليوشا، في
رواية
الإخوة
كارامازوف).
أما درويش
فيستعمل الى
جانب هذه
الأساليب
أساليب أخرى
عديدة. إذ
نجد الى جانب
الخطاب
المنقول
بأسلوب
مباشر، أو
غير مباشر،
أو غير مباشر
حر، والى
جانب الخطاب
المستقل أو
المونولوج
الداخلي،
السرد
والحلم
والبور تريه
والقصيدة
والمقال
الصحفي،
وكذلك
القناص عبر
استشهادات
مقتبسة من
الكتاب
المقدس (بعهديه
القديم
والجديد لم
ومن تفسير
القرآن لم نص
ابن الأثير)
ومن
المؤرخين
العرب
والأجانب..
ومن
المذكرات (نص
اسامة بن
منقذ) ومن
المعجميين (ابن
سيده) ومن
الأدب
العالمي (سرفانتيس)
ومن أعمال
الشاعر نفسه.
ولا ننسى
شكلا من
القناص أكثر
رهافة مما
ذكرنا، الا
وهو معارضة
الكلاسيكيين
من عرب
وغيرهم
فهكذا
يتراءى من
خلال
بورتريه "الكعب
العالي" (ص 160)
نص الجاحظ
الشهير، "العصا"،
ومن خلال
الحلم الذي
يظهر فيه عز
الدين قلق (ص 198)
يتراءى نص
المعري
الشهير "رسالة
الغفران"،
ومن خلال وصف
مفعول
القنابل
الانشطارية
التي ألقاها
الجيش
الاسرائيلي (ص
98) يتراءى
النص
الانجيلي
الذي يعلن عن
عودة ابن
الانسان
وبعض فقرات
من سفر "رؤيا
يوحنا". هذه
الأساليب
المتنوعة
تمنح
الأصوات
استقلالية
حقيقية،
يتفاوت
حجمها من
حالة لأخرى.
وأغلب الظن
أن ذلك ما
يضفي طابعا
دامغا على
مأساوية
المصير
الفلسطيني
المحاصر في
اعصار
الأصوات
المتنافرة،
حيث لا يبين
أي مخرج
مضمون
العواقب،
كما لا ينتفي
أي مخرج، بما
فيه
الانقراض
التام في
طيات
التاريخ.
ينعكس هذا
الموقف في
عنوان
الكتاب
نفسه، إذ
يحار المرء
الى أي صوت
ينسبه: أ إلى
صوت الراوي؟
في هذه
الحالة - كما
يلاحظ صاحب
الترجمة
الانجليزية
في مقدمته -
يهدف العمل
الى تثبيت
الأحداث
المأساوية
التي عاشها
المؤلف، كي
يتمكن من
التحرر منها
عن طريق
النسيان وقد
يهدف أيضا
الى تثبيت
ذاكرة
جمعية، حكم
عليها
الكثيرون
بالنسيان،
فللحيلولة
دون
امحائها، أم
يكون الصوت
صدى لصوت
آخر، هو صوت
الصهيونية
والعالم
الخارجي،
وكلاهما لا
يتوقعان
مستقبلا آخر
سوى اختفاء
فلسطين،
التي لا تزال
تربكهم؟
يترك المؤلف
السؤال
معلقا ولا
ينفي أي أفق
محتمل. هذا
هو تحديدا
معنى
المأساوية
النابهة من
هذه الأصوات
المختلفة
التي يعج بها
النص. تعدد
الأصوات
والكرنفال ان
هذا الوضع
الأقصى
المتفجر
المفتوح على
كافة
الاحتمالات
استدعى إذن
تعددية في
الأصوات
متفجرة هي
أيضا، ليس
فقط عدديا
وانما أيضا
في نوعية
الأساليب،
وفي الأجناس
الأدبية
المستعملة.
لكن هذه
الكثرة في
الأشكال
الأدبية
أبعد ما تكون
عن تحويل
العمل الى
لوحة كولاج (قص
ولصق)، بل
تعزز تعددية
صوتية
عضوية،
يدعمها
أسلوبان
آخران
مرتبطان
بالأدب
الكرنفالي-
وهو الأدب
المتميز
أصلا بتعدد
الأصوات،
على رأي
باختين -
يعتمدان على
حيز الأغورا (Agora)
والثنائية. (12) يحيل
حيز الأغورا
الى الأدب
اليوناني
الذي خلف عصر
الملحمة،
والذي كان
يدور عادة في
مكان عام
يسميه
اليونان
الأغورا (ما
يقابل السوق
/ الميدان)،
وهو حيز
جماعي
مفتوح، يعبر
الفرد فيه عن
اكثر
أحاسيسه
حميمية على
مرأى ومسمع
من الجميع،
إذ لم يكن
ثمة حاجز بين
الفرد
والجماعة
ولا بين
الفرد
والطبيعة،
بل كان يقوم
بين الطرفين
تلاؤم تام.
في عمل
درويش، يتخذ
الحيز شكلين
متمايزين،
فالى جانب
الحيز
الأسطوري
الذي تكلمنا
عنه آنفا
والمرتبط
أساسا، على
الأرجح،
بصوت الأنا
الساردة،
يرتسم حيز
آخر يتكشف عن
روح الأغورا-
وأقول روحية
الأغورا لا
ايديولوجيتها.
فالأحداث
كلها تقريبا
تدور في
أماكن عامة
كالساحات
والشوارع
والمقاهي
وردهات
الفنادق
الكبرى
وأقبية
المباني
العامة..
وكأنها تخلق
بين مختلف
الشخوص
تلاؤما
تاما، لا على
الصعيد
الايديولوجي
وتحليل
الموقف
السياسي، بل
على صعيد
الشغل
الشاغل
والسياق
النفسي
الناشئين عن
مالرجتياح،
كما هي الحال
في جو
الكرنفال
الاغريقي،
ولكن
بالحفاظ على
استقلالية
الأصوات. وكما
في
الكرنفال،
نجد
الثنائية
واختلاط
النبرات،
ففي خضم هذه
المأساة
التي تتحكم
بمصير
السارد
ومصير
الأفراد
الآخرين
وبمصير شعب
بكامله، لا
بل بمصير
الحلم
العربي
بالتحديد،
ينبثق من كل
صوب التافه
والفكه
والسخري.
فالتافه
يبلغ ذررته
في الكلام
الشديد
الإطناب عن
اعداد
القهوة،
الذي يملأ
الصفحات
الأولى من
النص. لا غرر
أن السارد،
حين يطيل
الحديث عن فن
إعداد
القهوة وعن
نفسية من
يعدها وعن
دوره في
حياته
الشخصية،
فانه يهدف
أولا إلى
تبليغ
المعتدي
المقتدر
رسالة تحد.
غير أن هذه
الرسالة
تتجلى
بالتحديد في
الأهمية
المعطاة
للقافه. نجد
هذا التافه
أيضا في
النشيد الذي
يتغنى
بالكعب
العالي
والمقحم في
غير موقعه.
أما الفكه،
فيبدو في
جلسات
النميمة
واختلاق
الاشاعات،
وفي وقائع
عيد ميلاد
الراوي
الأربعين
التي تشبه
الى حد ما
طقس أضحية
قديم (تقديم
القرابين
البشرية).
أما السخري
فيملأ أرجاء
النص: الحي
الذي يفرغ من
سكانه خوفا
من طرد ملغوم
داخل سيارة
واذا باللغم
فأر يقرض
الحديد
الصدئ،
المسؤولون
في منظمات
فلسطينية
الذين يحصون
عدد شهدائهم
ويبالغون في
العدد لرفع
شأن
منظماتهم
تجاه
المنظمات
الأخرى،
الفتاة
البورجوازية
الكتائبية
التي تسقط
خيالات حبها
لفرنسا على
جندي
اسرائيلي،
شلو مو، يتضح
أنه يمني
الأصل لا
يفقه كلمة
فرنسية
واحدة ويبول
كما يحلو له
عند كل
منعطف، كلها
أساليب
تنتمي الى
الكرنفال
وتخلق إطارا
مثاليا
لتعدد
الأصوات، إذ
أن شبح الموت
يفجر
المأساوية
والكرنفالية. السيرة
الذاتية
وتعدد
الأصوات هذا
إذن عمل شديد
الغنى بتعدد
الأصوات،
يوظف عددا من
الأساليب
الانشائية
والاجناس
الأدبية. فما
هو موقعه من
السيرة
الذاتية،
التي يفترض
أنها تتجسد،
بالتراث
الغربي، في
سرد يسوده
الراوي-
المؤلف؟ لكن
قبل أن نجيب
على هذا
السؤال
الجوهري،
علينا أن
نستوضح
جانبا آخر ذا
طابع تاريخي.
فالنقد
الخارجي
يبرز بعض
الخلل في
النص:
الأحداث
المروية لم
تتم،
تاريخيا، في
نفس اليوم (فمثلا
لم يتم تدمير
عدة مبان
بالقنابل
الانشطارية
في نفس اليوم
الذي استقبل
فيه ياسر
عرفات أوري
افنيري في
قبوه).
والواقع ان
السرد يكثف
بيوم واحد
مجمل ما وقع
من أحداث في
عدة أيام
متقاربة. غير
أن التنويه
بذلك لا يؤدي
الى نتائج
حاسمة، إذ من
الممكن،
مثلا، عزو
ذلك إلى وهن
اصاب ذاكرة
الراوي،
واعتبار أن
الأمانة
التاريخية
لو اعتمدت،
لما انتقصت
شيئا من بنية
النص ونبرته..
ولذا فاننا
نعتمد فرضية
منهجية
تتجاوز هذا
الخلل، الذي
لا يلحظه إلا
المؤرخ،
لننظر في
النقاط
الأساسية عن
كثب، فقد
يعدل ذلك من
مقار بتنا
لجنس السيرة
الذاتية كما
يبدو في طرح
فيليب لوجون
في كتابه "ميثاق
السيرة
الذاتية" (13)،
الذي يعتبر،
حتى اليوم،
الدراسة
الأشمل
والأمتن في
هذا الميدان. يميز
لوجون، في
تحديده، هذا
الجنس
الأدبي،
مستويين
اثنين،
أعرفهما
بالمستوى
المعنوي
والمستوى
الشكلي.
يعتبر
المستوى
الأول ان
مفهوم العقد
الذي يعقده
الكاتب مع
القارئ هو
أساسي،
فوحده هذا
العقد،
المتمثل في
أغلب
الأحيان
بكلمة "سيرة
ذاتية"
المدرجة على
الصفحة
الأولى،
يضفي على
العمل حكمه
القانوني
الذي يميزه
عن النص
التخييلي
الذي قد يحقق
كافة
مقتضيات
المستوى
الشكلي
للسيرة
الذاتية دون
ان يدخل في
خانتها. فان
لم يظهر هناك
عقد صريح أو
لم يكن هناك
عقد على
الإطلاق،
وجب البحث عن
توقيع
بالاسم
الشخصي،
وينبغي أن
يتطابق إذاك
اسم الراوي-
الشخصية مع
اسم المؤلف
المدون في
الصفحة
الأولى. في
العمل الذي
نعرض له، حيث
لا يقترح
المؤلف أي
عقد، نجد أن
توقيع
المؤلف واضح
للعيان، إذ
يستشهد
الراوي-
الشخصية
بمقالات
وقصائد
ينسبها الى
نفسه مع أنها
مقتبسة من
دواوين
منشورة باسم
محمود درويش.
(14) ومعترف
له بها، كما
اننا نلقى
الراوي،
أقله مرة،
يسمى باسمه
الشخصي،
محمود، في
سياق لا يدع
أي شك في
اسمه الكامل
(15)، من الواضح
إذن أن العقد
المعنوي
ملتزم به
التزاما
كاملا. أما
المستوى
الشكلي
فيثير مشاكل
حقيقية،
فلننظر في
تحديد لرجون
للسيرة
الذاتية: "إنها
سرد يستعيد
ما مضى،
نثري، يدونه
شخص واقعي عن
وجوده
الخاص،
مركزا على
حياته
الفردية، لا
سيما على
تاريخ
شخصيته". ثم
يفصل القول
فيضيف: "يعتمد
التحديد على
عناصر تتعلق
بأربع
مقولات
مختلفة: 1-
شكل الكلام أ-
سرد ب-
نثري 2-
الموضوع
المعالج:
حياة فرد،
تاريخ شخصية.
3-
وضع المؤلف:
تماهي
المؤلف (على
أن يحيل اسمه
الى شخص
حقيقي)
والراوي. 4-
موقف الراوي: أ-
تماهي
الراوي
والشخصية
الرئيسية. ب-
منظور النص
استعادي".(16) تنطبق
العناصر
المذكورة
على عمل
درويش
تماما، مع
تحفظ واحد،
يكمن في أنه
لا يوجد
تطابق كامل
بينه وبين
هذا التحديد.
يبقى بينهما
ما يشبه فجوة
يتعذر ردمها.
وهذه الفجوة
بالذات هي
موضوع
تساؤلنا، إذ
أنها تتصل
أساسا
بنقطتين
أساسيتين:
شكل الكلام،
ثم هوية
الراوي
والشخصية
الرئيسية.
فلو كانت
مخالفة هذا
العمل
للتحديد
المعطى، حول
هاتين
النقطتين،
مخالفة
تامة، لأنزل
هذا العمل،
وفق معايير
لرجون، في
خانة السيرة
الذاتية
الشعرية أو
البور تريه
أو السيرة (البيوغرافيا)،
غير أن هذه
المخالفة
نسبية فيما
يخص النقطة
الثانية
وملتبسة في
الأولى. إن
هذه
المخالفة
نسبية الى حد
كبير فيما
يتعلق
بتماهي
الراوي
والشخصية
الرئيسية.
صحيح أن
الأحداث
التي تكون
الإطار الفذ
للحدث
السردي لا
تتحكم فيها
على الاطلاق
إرادة
الراوي، إذ
أنها منوطة
مباشرة
بقرارات
المسؤولين
الاسرائيليين
والفلسطينيين،
وبشكل غير
مباشر
باللعبة
الاقليمية
والدولية.
فليس
للشخصية
الساردة أي
تحكم فعلي في
مجرى الأمور
كما هي. غير
أنها لا
تستسلم لهذه
الأحداث
بسلبية. بل
انها تنشط،
وبشكل مكثف،
على
المستويين
النفسي
والرمزي،
لتفرض ذاكرة
وتفتح آفاقا
وتبدل موقع
الإشكالية
بحيث تؤمن
لنفسها دورا
ومكانة في
هذا المخاض
عن عالم
مرتقب، مع ما
فيه من رهبة.
ولكن لا يبدو
أن الإشكال
يكمن في هذه
النقطة. بل
في الطريقة
التي يتصور
فيها الراوي
مكانه
الشخصي. إذ
أنه لا
يتصوره على
أنه فردي
محض، بل يربط
البعد
الفردي
بالبعد
الجماعي
ربطا محكما
فهو ليس فقط
ذلك الفرد
المهووس
بذاتيته
الفردية - مع
أن هذا
الجانب جلي
في سرد ما
مضى من حياته
وفي القلق
الذي يعتصره
في اللحظة
الواهنة -
انه مسكون
أيضا بمصير
شعب بل ومصير
أمة. الواقع
أن ما يثير
الإشكال
ويربك معيار
السيرة
الذاتية
العادي يكمن
في العلاقة
فرد/ جماعة،
يتجاوز هذا
الأمر
الميدان
الأدبي
ويضعنا تجاه
مشكلة
انثربولوجية
خطيرة: هل
الإنسان هو
بالأحرى
فردية
متمايزة أم
فردية تعانق
الجماعي، لا
سيما في
اللحظات
الحاسمة في
تاريخ
الشعوب؟ في
صياغته
للمعايير
المؤسسة
للسيرة
الذاتية على
نحو ملزم،
يعتمد لرجون
على ما أنتجه
الغرب منذ
قرنين، أي
منذ أن
اعتمدت
الحداثة
الغربية
الفرد،
الفاعل
الفردي،
محركا
للتاريخ،
فهل ينبغي،
انطلاقا من
هذا، تجاهل
صيغ أخرى من
الحداثة،
تدرك الأمور
بشكل مختلف،
خاصة في
اللحظات
الحرجة من
وجودها،
وعلى الأخص
عندما تجد
نفسها مهددة
بشكل من
أشكال هذه
الحداثة
الغربية
إياها؟ إن
الرد على هذا
السؤال
بالايجاب
يؤدي الى
اعتماد
التحديد
الغربي
للانسان
بشكل مطلق،
والى اختزال
عبقرية
درويش التي
يشكل البعد
الفلسطيني
فيها جانبا
أساسيا،
والى بتر أدب
السيرة
الذاتية
بترا خطيرا،
لا أجيب على
هذا السؤال
الخطير، بل
أكتفي الآن
بطرحه. أما الخروج الثاني عن المألوف فيتعلق بشكل الكلام، فبدل السرد النثري الخالص، نجد هنا خليطا من الأجناس، يسيطر عليها السرد في المحصلة، حتى وان استعار من الشعر بعض رجعاته. فهذه الأجناس التي فصلناها أعلاه لا تشكل كيانات مستقلة تشبه قطع كولاج، بل تندمج في السرد لتمنحه أبعادا أخرى ولتضفي عليه سمة جماعية متشظية يفرضها الدنو الحسي من الموت، وذلك أ¡ | |||||