الثقافة والهوية (مدونات عمل)

يتين بليبر
ترجمة عبدالله الكندي (باحث واكاديمي من سلطنة عمان


الهوية لا تكتسب سلميا وتطرح في مواجهة خطر الابادة من قبل هوية أخرى

ما دور الثقافات والأديان في تشكيل الهويات وكيف تكتب المؤسستان الدينية والوطنية كينونة الأفراد؟

مدخل

أصدرت شركة Routiedge للنشر في 1995 كتابا بعنوان The Identity in Question ((الهوية تحت المجهر) من اعداد John Rajohman تضمن عددا من الدراسات عن قضية الهوية في علاقاتها المتداخلة معا بالجانبين السياسي والثقافي. وقد صدرJoan W. Scott  الكتاب بمقدمة عامة عن التعددية الثقافية وسياسات الهوية وكيف أثر كل منهما في الأخر. يقول سكوت إن "الاصلاح السياسي" كان المعنى الدلالي الذي ألصق بأي بونا هج أو موقف يهاجم أو يطرح سؤالا عن الوضع الراهن. ذلك المصطلح الذي ابتكره اليسار كنقد داخلي للجزميات الأخلاقية حجمه أليمين في نفس الوقت مستخدما إياه للتعبير عن عدم القدرة على التقييم والنقدس. ويواصل الكاتب أطروحته قائلا "إذا كان الاصلاح السياسي يحمل دلالة ربطت باتجاهات وسلوك نقدي فإن "التعددية الثقافية هي البرنامج الذي يعتبر محاولة لسن قانون لذلك الاصلاح". (The Identity in Question: PP.4-5)  ويبقى السؤال هو كيف يمكننا تحقيق مفهوم موحد للهوية في ظل تعددية ثقافية بمنى التناقض أو التضارب بين المصطلحين؟ وفي هذا السياق يشير Scott في معرض حديثه عن التعددية الثقافية والهوية الموحدة في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال إلى قوتين - ليبرالية ومحافظة - تتجاذبان صراعات الرفض والقبول. فالمؤيدون يصرون على أن التعددية الثقافية سوف تزيد من العدالة (بعرض متنوع وغني لمختلف الأثنيات الأمريكية) والتسامح (بتقديم عدد من الرؤى في معنى التاريخ). بهذه النظرة تجمع التعددية الثقافية لمفهوم الهوية الأمريكية بالإصرار على اثارة الانتباه إلى الأفارقة الأمريكيين والأمريكيين الأجانب، لكن هذا المفهوم يترك فراغا لمفهوم موحد للهوية. (المصدر السابقP.5). وفي نهاية مناظرته التي وضعت كمقدمة للكتاب يطرح Scoot  خياره الاستراتيجي حول سؤال الهوية المتمثل في تقديم تحليل منتج الهوية وبالتالي تحليل بناء وصراعات القوى.

وسوف أقدم فيما يلي ترجمة لإحدى الدراسات التي ظهرت في هذا الكتاب بعنوان الثقافة والهوية (مدونات عمل) كتبها Etinne Balibar بالفرنسية وترجمها J. Swenson إلى الانجليزية. حيث تلخص الدراسة جزءا كبيرا من المناظرات حول سؤال الهوية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، وتطرح الدراسة أسئلة أساسية عن علاقة الثقافة بالهوية ثم لماذا تدمج الهوية الثقافية ضمن الهوية الوطنية؟ كيف تلعب الأديان والثقافات دورا في تشكيل الهويات؟ كيف يصبح التفرد الثقافي لأمة من الأمم طرحا مضادا للتعددية الثقافية؟ متى تقف انتقادات الفرد أو الجماعة في وضع منافس لبعضها البعض؟ كيف يمثل الاختلاف الجنسي بين البشر نموذجا للإقصاء الداخلي الذي تمارسه الهويات في مواجهة بعضها البعض؟ ما هي مضامين الخطاب النسائي وهل يطرح ذلك الخطاب أي جديد لم يسبق طرحه من قبل الرجال؟

نص الدراسة: الثقافة والهوية (مدونات عمل)

أولا: الهوية الثقافية، الهوية الوطنية

كيف يمكننا اليوم أن نقيم الدور الذي يلعبه مصطلح الهوية الثقافية؟(2) سأحاول القول هنا إن ذلك الدور يكمن في الثقافة. وللاجابة على السؤال السابق سوف أدرس استخدامات مصطلح الهوية الثقافية في الوثائق الرسمية للمنظمات الثقافية الدولية. ذلك أن تلك المنظمات تعتبر مؤسسات نموذجية للخطاب الشامل، كما أنها تتميز بكونها أماكن انتاج وتلقي خطابات عامة. بالاضافة إلى ذلك تعد هذه المنظمات الدولية الثقافية أماكن عامة لاستقبال واصدار الملاحظات والتعليقات بل فرضها بطريقة جبرية.(3)

لقد أفرزت تلك الخطابات الثقافية العديد من القضايا التي تأثرت بها - نذكر على سبيل المثال "الحقوق الثقافية" للأفراد والجماعات، "الديموقراطية الثقافية"، زالتنمية الثقافية س والعلاقات بين زالثقافة س و "التنمية" "تعزيز اللغات الوطنية"، العلاقة بين "الحفاظ على التراث الثقافي" وبين "الخلق" أو "الإبداع"، الإعلام في علاقته بحرية التعبير أو التأكيد على السلام، وغيرها من القضايا- سواء على شكل تصورات نظرية أو حتى على شكل بعض الممارسات السياسية. ويمكن تحديد تلك القضايا على شكل مصطلحات ضمن أربع فئات أساسية:

1- الموضوعي والشخصي

تظهر الهوية الثقافية كمجموعة من الميزات والبنى الموضوعية، كما هو الحال في التفكير العفوي ضمن الإطار الجمعي، والإطار الاجتماعي والإطار التاريخي. كما أنها تظهر كمبدأ أو عملية موضعة للأشياء (كما هو الحال في التفكير العفوي في إطار "الخبرات المعاشة"، "الوعي و اللاوعي الفردي"). بين هذين القطبين المتضادين يظهر عادة بعض التوافق أو التبادلية، لكن في حالات معينة يظهر بينهما نوع من الصراع أيضا. الفكرة التي يمكن التأكيد عليها هنا أن ذلك التناقض قد يترجم إلى كارثة (أو حتى حالات مرضية)، وفي المقابل يمكن اعتبار التناقض أو عدم التوافق قاعدة. إن التوافق الذي سيسمح بتمييز أفضل للموضوعية الفردية في الهوية الثقافية أو إدراك أفضل لمعايير الثقافة الجمعية لهوية الموضوعات، سيظهر كمحدد يمكننا أو يجب علينا تحقيقه.

2- العالمية والفردية

توصف الهوية الثقافية عادة بأنها ما يعبر عن تفرد "المجموعات"، أفرادا أو مجتمعات، وما يمنعهم من الصراع الفكري أو العملي، وما يمسح ببساطة ونقاء "الحدود" التي تفصل بينهم، وما يترجم ميل العلاقات المتبادلة بين الحقائق اللغوية، والحقائق الدينية، وحقائق النسب، والحقائق الجمالية بمعناها الواسع (اذا قلنا بوجود أنظمة للحياة فإنه يوجد أيضا أنظمة موسيقية وأدبية)، والحقائق السياسية. لكن في المقابل تطرح الهوية الثقافية سؤال العالمية أو الشمولية. وذلك لعدد من الأسباب، أولها أن الثقافات لا يمكن التفكير فيها ضمن التنوع الاجتماعي والإنساني دون عقد مقارنة شاملة لها لم سواء كانت موضوعية أو علمية ~. ثانيا، هذا التنوع يتضمن اتصالا بين الثقافات أو بين الحدود الفاصلة بين الثقافات الفردية التي تجتهد لتعبر الحدود. ثالثا، وبالإضافة إلى الأسباب السابقة، تطمح الهوية الخاصة بكل ثقافة إلى اعتبارها إطارا من القيم لها صفة العالمية. هذا السبب يرتبط مباشرة بالاسباب السابقة بل ويذكر بها. هذا الاطار القيمي يتيح لنا التفريق بين مصطلحات "الخير" و "الشر" في الشمولية الثقافية، بين الأخلاقي ووجهات النظر السياسية. كما يتيح لنا التفريق بين صيغ "الخير" و "الشر" في الاتصال: تلك التي تحاول التأسيس للعالمية بالانتباه إلى الفردية أو التي تبحث عن توحيدهما بشكل متوازن، كمقابل لتلك الصيغ التي تقضي على الفردية بذريعة الاتساق أو الانتظام (في الوقت الراهن يخشى من تأثير ثورة وسائل الاتصال الجماهيرية ومن سيطرة نماذج - معينة على المستوى العالمي) أو في المقابل المتطرف تماما تحاول التأكيد على الفردية لدرجة الوصول إلى حد العزلة. وبين هاتين الصيغتين المتضادتين، سيوظف البعض وسائل الإعلام في خدمة إنتاج الاختلافات، تلك التي تؤكد الفردية بتوسط العالمية، أو بشكل عكسي تؤكد حقيقة العالمية بتوسط الفردية.

3- النخبة والعوام (الصفوة والشعبي)

هذه الفئة من القضايا موجودة في كل مكان، لكن بصياغات مختلفة بتفاوت علاقات التناظر الوظيفي بين الفترات الزمنية المتعددة. لعل أهم هذه الصيغ في الحديث عن النخبة والعوام صيغة كلاسيكية - على الأقل منذ القرن التاسع عشر- للتفريق بين الثقافة لم العلمية، التقنية، الأدبية) والثقافات التعبيرية للجماعات الاجتماعية (أو بشكل أفضل انتماءات الأفراد إلى الجماعات). وفي هذا السياق تسقط هذه الصيغة الجدل السابق الذكر بشأن العالمية والفردية في حقل علم التاريخ الاجتماعي. كما تضيف هذه الصيغة دلالات جديدة أخرى، أهمها إعطاء السلطة للمعاها والأنشطة التربوية (في المجال التطبيقي، المدارس) لتكون هي الجانب الأهم لحل التوترات التاريخية بين الثقافة العلمية - التقنية وبين الثقافة الجمالية، وبين التطبيقات اللغوية على مستوى الإعلام الدولي وبين ضرورات اللهجات غير القابلة للاختزال، بين الحفاظ على التقاليد وبين التجديد الثقافي، وأخيرا بين أدب المشاعر وتطوير الملكات الذهنية. هذه النقاط جميعا تقود مباشرة إلى الفئة الرابعة.

4- الثبات والتحول

يعكس مصطلح الهوية الثقافية هنا بشكل معين نفسه تحت معيار الزمن، بفض النظر عن تحديد مرجعية التقدم أو نقد علاقة ذلك المصطلح - الهوية الثقافية - بالسلطة الزمنية للتاريخ والمفترضة سلفا في أي بحث عن تاريخية الثقافة.

يبدو أنه يمكننا طرح المطالبة التي تأخذ شكل التعارضات المتحدة: الهوية الثقافية تقاوم الزمن كرمز للتغيير، كما أنها تعتبر نفسها أساسا ضمنيا لأي تحول (بمعنى إعطاء صلاحية التمييز، والتسمية "المناسبة" للموضوعات الجمعية). كما أن الهوية الثقافية تظهر بنفسها كنموذج للتغيير (تسمى ابتكار، حياة، تطور، التي تظهر في النهاية وكأنها مطلب لمعظم مصطلحات ز الثقافة س). هناك حضور لبعض المسلمات الواهنة التي تحاول بشكل منتظم تثبيت أو مقارنة أثار الثبات بالآثار التاريخية، وتغير فردية الجماعات. في المقابل هناك حضور لمسلمات قوية دفعت بوحدة الجماعات إلى ما وراء النقطة التي يمكن تسميتها- في المفاهيم الهيجيلية - هوية الهوية والاختلاف.(4)

ودون الرغبة في طرح جدال حول الاستخدام الدقيق أو غير الدقيق، المعقد أو البسيط لهذه الفئات الرئيسية السابقة والتي تعتبر استخدامات ومصطلحات كلاسيكية في الفلسفة، سوف أطرح هنا سؤالين أساسيين على اعتبار أنهما يتضمنان تفاصيل خطاب المؤسسات في الهوية الثقافية، كما أن السؤالين يطرحان مقدما إطارات الاختلاف المحتملة.

أولا.. السؤال الأساسي

هل الثقافة شيء مكتسب أم عمل مؤسساتي؟ يمكن التشكيك في ذلك فقط عن طريق متابعة الملاحظات السلبية للنمط: فمصطلحات "الثقافة"، و "الهوية الثقافية" لا يمكن الإمساك بها دون توضيح البعد الذاتي والموضوعي، العالمي والفردي، دون الحاجة إلى التضحية بالثقافة الجماهيرية لصالح ثقافة النخبة أو العكس. قد يبدو من المفيد مراجعة مصطلحات الثقافة وحتى مصطلحات الهوية الثقافية من الناحية الوظيفية، كمصطلحات تشير اليوم إلى إطار بالأمن الإشارة إلى مضمون أو موضوع.

ويظل الأفضل: إشارة هذه المصطلحات إلى المكان الفارغ الذي يحتوي عددا من المضامين والموضوعات، والتصميم على تعارض الخطابات التي صممت وفق الفئات سالفة الذكر. يتضح مما سبق أنه يمكننا القول إن أي شيء يمكن التفكير به بمرجعية الفئات القطبية السابقة، وفوق كل ذلك بضمها مع بعضها البعض بكل ما يتصل بحقل الثقافة.

لابد لنا من ملاحظة أن أي واحد من الأقطاب السابقة، يضع بشكل مباشر أو غير مباشر حدودا بين حقول مختلفة يتم من خلالها التفكير في "البشرية": الجانب النفسي (أو النفسي- الاجتماعي) الجانب العلمي لم أو العلمي- المنهجي)، الجانب السياسي والجانب التاريخي. لقد ظل سؤال الهوية، على الأقل في العقدين الأخيرين، يطالب بمحاولة تعريف الهوية سواء من الناحية النفسية، أو العلمية، أو السياسية، أو التاريخية. لكن إذا كان هناك من يريد تجميع أو تركيب هذه الأطراف المتباينة -الوثيقة الصلة أيضا-، ويوجد أيضا من لا يريد التضحية بأي من تلك الأطراف، فإنه أليس من المحتوم اليوم، أن تحدد "الهوية" بشكل دقيق وكأنها زثقافة س؟ أو بشكل عكسي، أن تحدد الثقافة وكأنها أكثر العناصر عمومية في تحديد الهوية؟

ثانيا- السؤال التاريخي

إن ما يسمى بالهوية الثقافية يقارن باستمرار بل ويدمج إلى حد معين بالهوية الوطنية، وبالرغم من ذلك تفصل الهوية الثقافية في بعض الأحيان عن الوجود الفعلي للأمم، وعن حدودها، وتاريخها السياسي-العسكري.(5) إذن نتحدث باستمرار عن زالثقافات الفرنسية والإيطالية والأمريكية والصينية وغيرها، بل إننا نصل إلى حد استخدم تلك الترجمة للهوية في مصطلحات تخص الوطنية من أجل تقييم واقعية وقوة بناء المؤسسات الوطنية م هل هناك وجود لثقافة إسرائيلية أو سوفييتية أو فلسطينية؟

لكننا في ذات الوقت يجب أن نراعي دائما عدم اختزال الهوية الثقافية في "طابع وطني" أو في معالجات معيارية تقدمها مؤسسات الدولة. هذا الاختزال متحقق في الكثير من المناقشات التي تتناول العلاقة بين "الهوية الثقافية والهوية الأثنية"، بدرجة أكثر أو أقل إلحاحا اعتمادا على درجة التماثل في الوضع التاريخي المعطى، بين الأثنية والوطنية. ومما لا شك فيه أن هذا النوع من التقارب المتضارب بين خطابات الهوية الثقافية والهوية الوطنية يتضح تحديدا عندما تكون أطر هذه الخطابات مقدمة من المؤسسات الدولية للثقافة والتي قدر لها البحث عن الهوية (وعن هويتها الخاصة هي أيضا) بين "الأمة" و "الثقافة". هذا الدور الذي تضطلع به تلك المؤسسات هو أكثر ما يمكن فهمه عن تلك المؤسسات التي تم إنشاؤها واستخدامها في مواجهة المشاكل الاجتماعية والسياسية مثل إزالة الاستعمار، التنمية أو التعايش السلمي بين جبهات الأمم بمعاني الثقافة. لكن هذا التصور يقدم فهما عاما، ويبدو لي أن هناك ثلاثة أنواع من المشاكل هي:

أ- مشكلة العلاقة بين الأمة والدولة: تعتبر الثقافة عنصرا مهما يتيح تجنب خلط الأمة بالدولة، وحتى بشكل عملي، يواجه الأفراد الأمة من خلال الدولة (أو على الأقل من خلال الدولة الممكنة) التي "تمثلها" مؤسسات وهيئات معينة. وتبقى الثقافة هي الاسم الذي يعطى للأمة "الأساسية"، وهي التي تحدد الفرق الجوهري بين الأمة كدولة وطنية وغيرها من "الأمم" التي يمكن تمييزها من أي دولة، تماما كما تميز الجماعة الداخلية أو الجوهرية من الجماعة الاصطناعية. الثقافة بهذا الاتساع يمكنها استباق الدولة، أو رفضها، أو تحديد الهدف النهائي لدستورها.لكن بما أن الهوية الوطنية مدينة للثقافة بأنها هي التي أوجدتها، يصبح الواجب الأول للدولة، وقبل كل شيء، أن تعطي للأمة هويتها الثقافية بل وتعمل أيضا على تنميقها.

ب- مشكلة العلاقة بين الأمة التاريخية، المرتبطة بشكل أقل أو أكثر بتشكيل الوحدة السياسية، ومجموعات دول الحراك التاريخي لم غالبا الأمم العظمي) والتي خصص لها اسم الحضارات. أما معالجتها الدائمة لثقافتها فهي بما يرتبط بالأمة، سواء "كبيرة" أو "صغيرة"، أو لنماذج –لا نقول الطراز البدائي- من الحضارة التي يمكن أن تصبح مثالا مجسما ومتنوعا.

لابد لنا أن نلاحظ هنا أن هذا التحديد الام يمكنه أن يخضع بشكل مستقل وكامل أي اختيار قد يقدم عليه أي فرد في تفضيله "لنظرية" معينة للحضارة - حتى وان كان الاهمال هو الخيار المثالي لذلك النوع من التورطيات السياسية - الحضارة كإظهار لروح المادة أو التركيب المعقد لقاعدتها، الحضارة كتراث للأصل القديم أو كأنها منتج للاسهابات والتقاطعات، الفكر الحضاري فوق كل ذلك إطار مميزات القيم، والدين والجغرافيا. لكن زيادة على ذلك، هذه المرجعية لفكرة الحضارة تأخذ مكان القلب في التفكير بشأن الألفاظ - في الساحة الوطنية – "بين ثقافتين"، أو إذا كنت تفضل بين مفهومين للثقافة، الأول يرجع إلى الهوية التقليدية للجماعة والتعبيرات عن خصوصيتها، والثاني يعود إلى بناء وتنمية الأطر الفكرية للفن والمعرفة. الحضارة (حضارة المرجعية، سواء تمت مشاهدتها أو ببساطة من الممكن تصورها) هي الوسيط التي بدونها يصبح من الصعب التقريب بين جانبي الثقافة في البحث عن الذات وتحقيق العالمية.(6)

جـ- أخيرا، مشكلة العلاقة بين الجماعات القومية والجماعات اللاقومية. هذه العلاقة قد تكون علاقة صراع وقد لا تكون، وقد تعني كذلك بالمواجهة مع الأمة، أي أنها بشكل عملي في مواجهة مع الدولة -التي تقدم نفسها على أساس أنها دولة قومية - سواء كانت جماعات متخطية للحدود (على سبيل المثال جماعات التوحد الديني) أو جماعات مناصرة أو رفض القومية لم على سبيل المثال، التي تناقش حدود الدولة، أو التي تصارع الظلم السياسي والاقتصادي وفق قاعدة "إثنية"، وتطالب بإعادة التفكير بالحقوق، وبالحكم الذاتي أو الاستقلال). الأمر المدهش هنا هو ذلك التعميم في العالم اليوم فيما يخص خطاب الثقافة من أجل تشخيص الهوية واللاهوية، وتشخيص مبادئ السيطرة الوطنية واستقلال الجماعات اللاقومية. وعندما تأخذ هذه العلاقة إطار الصراع بين الجماعتين القومية واللاقومية، يمكن تلخيص مطالبهما على الرغم من الاختلاف بينهما في الصفات الشخصية والعزم التاريخي في تأكيد حقوق الأفراد: اتخاذ قرار "الاختيار"، أو حتى على الأقل المفاضلة بين عدد من "الانتماءات" المتنافسة. وبالتالي لا يمكننا إلا أن نفرض السؤال التالي: ماذا إذا كان مصطلح الهوية الثقافية اليوم ليمر أكثر من استعارة للهوية الوطنية؟

بالاستعارة يجب أن نفهم الترجمة، والتعبير، والعرض، بالإضافة إلى ضرورة إزالة تعبيرات الضعف التي قد تطلق على المؤسسات الوطنية، والتي تهب نفسها والمجتمعات التي تنتمي اليها "هوية" أحادية أو عامة أو متحدة بصورة مطلقة. هذا لا يعني أبدأ أن الأفراد لا يرغبون بهذا النوع من الهوية أو لا يطالبون به، خاصة أولئك الذين يعدون الأمة "أمتهم"، ولا تحتوي على أثار جمعية، لكن فضلا عن ذلك تتعامل هذه الهوية باستمرار مع تناقضاتها، ومع تفريعاتها الداخلية والخارجية، والتي يمكنها الانتصار عليها فقط بتخيل نفسها ضمن عناصر الوحدة الثقافية.

هذه الوحدة الثقافية لن تكون أكثر من ثنائية الأمة التاريخية التي تقف بجانبها. أو التي تقف أمامها (كالحضارة التي تسمح للماضي والمستقبل بأن يتحكما في الحاضر) أو تحتها (مثل هويات الجماعات التي تثابر وتظهر ضمن المجموعات الوطنية من أجل المشاركة في اختلافاتها أو رفض توحدها).

بالتالي يمكننا ببساطة تفهم كيف أن الثقافة، في الوقت الذي لا يمكن الإمساك بها نظريا كموضوع يوصف أو تحدد بتعريف علمي، لا يمكن أيضا المرور عليها عمليا وكأنها خط أفق دلالي لكل الخطابات التي تحاول تحديد الهوية في عالم من القوميات (المسيطر والمسيطر عليه، المعترف به والمرفوض، في بحثهم عن وحدتهم أو إظهار توحدهم أو انضمامهم إلى مجموعات أكبر). كما يمكن الفهم أيضا، أن كل كلمة ثقافة، بعد فترة طويلة من ما قبل التاريخ وفترة تبلور نقطة التحول في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر اكتسبت وظيفة استراتيجية تملكها اليوم. وفي لحظة معينة تفوق شكل الدولة على غيره من الأشكال في أوروبا، وبدأ تعميم المصطلح على مستوى العالم. منذ ذلك الوقت أصبح أي امتلاك جمعي للمعرفة، حقوقا أو تقاليد لابد من التفكير فيها على أساس أنها ثقافة: سواء على مستوى النظام الثقافي المؤسساتي، أو الخلاف حول النظام الذي أقامته الثقافة. وهنا يجب أن توجد الهويات في أصول ثقافية موجودة أملأ، أو يتم بناؤها في مستقبل ثقافي، وتظل تلك الهويات دائما تحت استجواب مستمر حول الأصول التي تنتمي اليها. (7) هذه المكانة مقترحة بشكل واضح لوظائف قديمة /حديثة، وفي الدين، أو ما تسمى بالديانات العظمي، وبشكل أدق، الأديان العالمية. لكن كيف يمكننا اليوم التعامل مع هذا التشابه الجزئي بين دور الثقافة ودور الدين؟ يمكن توضيح ذلك من خلال طريقتين -على سبيل المثال، الأولى بمناقشة المحاولات لتسليم الصيغ الدينية للسيطرة الثقافية، كأن تصبح الممارسات الدينية ورموزها الفكرية إثباتا للهوية الثقافية، أو كنقاط تمركز مميزة لنسبة هوية ثقافية معينة للآخر، والثانية إلى جانب مناقشة عالمية الثقافة والثقافات، لابد من مناقشة ما يترجم إصرار النموذج الديني، وهنا نحتاج للتفكير بشكل أقل في عودة الدين أكثر من عودة الثقافة كأن يصبح لدينا دين الفن، دين العلم، دين التاريخ، دين الاتصال. وبشكل عام، فإنه مما لاشك فيه أن عدم الاتساق أو التماثل بين النموذجين تبقى النقطة الأكثر اثارة للانتباه.

دعنا نتفق على تسمية تلك المؤسسات التاريخية القادرة بالمسيطرة أو الجمعية، والتي تدفع ثمن صراعات العنف وتفرض فردية "الجماعات المتميزة" على كل الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم أعضاء في جماعات مختلفة - عائليه، لغوية، مهنية، محلية - وتمنح بالتالي محددا أخلاقيا عاما لتعددية الممارسات وعمليات التبادل التي يقتنع الأفراد من خلالها بأنهم موضوعات (8) إذا يقدم التاريخ المعاصر لنا نموذجين عظيمين متنافسين من المؤسسة الجمعية هما: المؤسسة الدينية والمؤسسة الوطنية. لكل واحدة من هذه المؤسسات في حقيقتها طابع سيطرة، فهي قد لا تقمع تعددية الانتماءات - في مقابل المؤسسة الجمعية إذا ما وجدت - لكنها تنجح لأوقات قصيرة أو طويلة في حدود معينة في تزعم واشباع تلك التعددية.(9) والمؤسستان جمعيتان في عدم ترك أي مظهر للحياة أو أي سبب لها خارج سلكتها كمؤسسة، وكثمن لذلك لابد من تمييز مناسب مؤقت أو دائم، عام أو خاص، كما يمكن لهذه المؤسسات أن تكتب كينونة الأفراد ضمن حد الموت وبالتالي تعطي الموت أهمية رمزية لا تعطى للموت في العادة. ثم أن هذه الديانات والأمم وجدت طرقا لتشريع القتل الجمعي وتحويله من سيطرة الانتقام الفردي، وعندما يقبل الموت تقف الديانات والأمم لتطالب بالتضحية من أجل إنقاذ أو تخليص الأخر.

لكن الفرق واضح، فأي أمة من الأمم، هي في الاصل مؤسسة سياسية تمضي فعليا وباستمرار حتى إذا لم تكن هناك مطالبة حقيقية بالفصل بين الدولة والكنيسة، ولا تتوقف عند حدود فرض صيغ الجمعية أو السيطرة على الخطابات والممارسات والأساليب الفردية ("لعبة اللغة" و "أنماط الحياة" في مصطلحات Wittgensteinian)، وبالرغم من ذلك استطاعت الدولة أن تطرح نفسها بشكل لا يضاهى وبطريقة أكثر فعالية من أي ديانة عالمية في