من خصائص الأسلوب في شعر السبعينات في مصر

عبدالله السمطي (ناقد من مصر)


يرتكز الخطاب الشعري السبعيني- في سعيه لتثبيت وجوده أولا في السياق الشعري العام والى توكيد تميزه ثانيا- يرتكز على جملة من الخواص الأسلوبية التي تعضد سيرورة حركته الأدائية، وتبور وظائفه التعبيرية المختلفة، ليس تبريرا تجريبيا فحسب، إنما تبرير جمالي يتسع في تجليه ليشمل مختلف الصيغ والظواهر التي أنتجتها شعرية الحداثة وبادئا منها نقطة الانطلاق التثبيتية، وجائلا في حركة الوعي الشعري الحداثي الخلاقة ليصل إلى ميزات هي له.. والى محددات تنطلق - بإزارها السبعيني- هي من عندياته.

إن الخواص الأسلوبية لا تتحدد فيما يصير عاما في الوعي البويطيقي الحداثي، أو فيما يصير أسا تركيبيا في أساسات هذا الوعي كالتركيب المعقد، والصورة المحلقة، والترميز، واستثمار العناصر التراثية وابتكار الأسطورة، والاتكاء على أبعاد إيقاعية متنوعة، مع حداثة اللغة التي تتجلى في انتقاء الكلمات الدالة من بين النظام اللغوي، والتقاط الكلمات التعبيرية غير المستهلكة بحيث يتولد عنها وحدات دالة جديدة، وتتخلق هي أيضا وسط سياقات جديدة تحملها الرؤى الشعرية الموغلة في استقصاءاتها.

لا تتحدد الخواص الأسلوبية أيضا في الصيغ المعهودة، ذلك لأن الشاعر الحداثي ليس أولا في سياق الشعر العربي، فوراءه تاريخ عريض من الشعر. وتفرض البلاغة قيما معينة للتعبير في هذا الشعر، ولا يكتفي في الشعر الحر بمجرد إسقاط القافية واقامة التفعيلة، بل إن هناك فوا عل أخرى، سوى ما ذكرت سابقا، من حيث الموقف من العالم، وتطور المفهوم الشعري الغنائي الانفعالي الانشادي الذاتي، إلى مفهوم أكثر قابلية للبناه الدرامي، والنظرة التجريبية الخلاقة.

كل هذه الأمور وغيرها تمثل خلفية إبداعية - تتوارى في تقنياتها- للنص الشعري السبعيني، فلا تعد خصائص أسلوبية، قدر ما تعد خصائص للبناء، وحين تطفو كظاهرة، فإن هذا يتولد حين يلح الشاعر على تكرار هذه الخصيمة أو تلك بشكل فعال، وحين يتسنى له استثمار هذه الخصيمة أو الظاهرة الأسلوبية في نسيج نصوصه.

ولا شك أن هذا الاستثمار يتطلب جهدا مغامرا واعيا من الشاعر المبدع فان "المغامرة الشعرية لا ينحصر همها ولا يقتصر خوض تجربتها في التسمية، وانما في تلك القدرة على جعل ذلك الجانب المعتم من الكينونة يفصح عن غيابه دون أن يخون أو يتنكر لجذره الأصلي". (1) إن هذه المغامرة الإبداعية النصية تجعل الشاعر - لكي يبدع ظاهرته الكلامية - مهموما بالاستقصاء الدائب النشط الفعال لما بين يديه من كلمات وما في مخيلته من أمشاج وهواجس انفعالية، "فالشعر إضاءة ويقظة، إضاءة ما يمكن من الانحراف عن مسار الذاكرة العامة التقليدية، ويقظة تسمى الأشياء تسمية أخرى بلفة أخرى وهو، فيما يفعل ذلك - يقدم صورة للعالم مغايرة، ويتغير هو نفسه، إن استقصاءه هو تحركه الدائم، المتسائل حول العالم، وحول نفسه، في المسافة التي تفصل أو تظل تفصل بين الكلمات والأشياء".(2) إن هذه المغامرة وهذا الاستقصاء هما السبيل الأول لتكوين أساليب شعرية خاصة، وحين نهيب بالمنهج الأسلوبي في رصد ظاهرة ما، فنجد أن "المنهج الأسلوبي يمتلك مسالك متعددة تتيح له ممارسة فاعليته الكثيفة على مستويات مختلفة، فقد يتوجه إلى رصد ظواهر العدول وكثافتها، واتساعها أو ضيقها، وقد يتوجه إلى التعبيرات البراقة ليتابع رصد دورها في خلق التوازن بين التعبير والتأثير، وقد يتوجه إلى رصد البنى التكرارية، ومتابعة دورها في تحريك الدلالة من دوائر التقرير إلى دوائر التأسيس، وكل هذه التوجهات تمتلك أدوات منفردة أو مجتمعة تشارك في خلق الحركة الإيجابية التي تجوس خلال الخطاب فتكشف عن نظامه الكلي، وتحدد مناطق التداخل والتخارج، ثم تطرح شعريته على المتلقي".(3)

وهنا نسعى لتقديم بعض الظواهر التعبيرية البارزة في شعرية السبعينات والمتمثلة في الصياغة التقنية لحركة الأسماء والأفعال داخل النصوص مركزين - في الجوهر- لا على ما هو معهود شعريا، بل على أجلى الخصائص القارة في النصوص من هذه الوجهة النحوية البسيطة، وكيف يمثل النسيج النحوي رافدا تعبيريا من روافد الإبداع النصي الشعري، ولا يمكن للتحليل اللساني للشعر- فيما يقول ياكبسون – "ان يقتصر على الوظيفة الشعرية، فخصوصيات الأجناس الشعرية المختلفة تستلزم مساهمة الوظائف اللفظية الأخرى بجانب الوظيفة الشعرية المهيمنة، وذلك في نظام هرمي متنوع، إن الشعر الملحمي المركز على ضمير الغائب يفتح المجال بشكل قوي أمام مساهمة الوظيفة المرجعية، والشعر الغنائي الموجه نحو ضمير المتكلم شديد الارتباط بالوظيفة الانفعالية، وشعر ضمير المخاطب يتسم بالوظيفة الإفهامية، ويتميز بوصفه التماسيا ووعظيا وفق ما إذا كان ضمير المتكلم فيها تابعا لضمير المخاطب، أو وفق ما إذا كان ضمير المخاطب تابعا لضمير المتكلم".(4)

إن البحث الأسلوبي، والتحليل اللساني، والرصد التعبيري لحركة النص الشعري، هي أمور تسعي كلها لا لمجرد توصيف الظاهرة أو استبيانها، بل تقويلها واستبطان دلالات تجليها ومدى تغايرها عن السياق، ومدى تكوينها لسياقات جديدة خلاقة.

وحين ننظر إلى الأسماء والأفعال في النص الشعري، إنما ننظر إلى التجسد اللغوي شبه الكامل للنص، فبعد الأسماء والأفعال، لا يتبقى من النص سوى حروفه. والأسماء تتجسد - نحويا- في المبتدأ والخبر، وفي الصفات والإضافات، والمعطوفات، وفي الفواعل والمفعولات. وقد تكون أسماء جامدة أو مشتقة، وقد تأتي على هيئة ضمائر بارزة أو مستترة، وهنا سوف نمس بعض ظواهر هذه الأسماء لا بإعرابها نحويا، بل برصد دلالتها التقنية، وآلياتها التعبيرية داخل الخطاب الشعري الأمر نفسه الذي سنرصده في حضور الأفعال بنسقها الثلاثي، مركزين على تجليها الدلالي/ التشكيلي في النص الشعري.

إن الأسماء والأفعال هي جسد النص، بهما يولد، وعبرهما يتخلق جماليا، حيث يمضي بمكنونه الدلالي، وبمكوناته اللفظية المتجاورة، التي تسعي لتبيئة سياقها الجمالي الخاص في سياق الشعرية الحداثية بوجه عام.

خصائص الاسم

تعبر الأسماء فيما تعبر من الوجهة الدلالية - عن. الثبات، وحضورها في النص الشعري يتأدى باعتباره الأساسات اللغوية التي يتكئ عليها النص في ثباته ورسوخه، وفي إشاريته أيضا، فالأسماء هي التي ترن ثقل النص، وتحدد مقدار وجوده المؤثر، ذلك لأنها غير متغيرة، أو بالأحرى غير مرتبطة بزمنية ما مثل الأفعال، الأسماء هي الطرف الآخر للصياغة التي تجذب القارئ إلى أسلوبيتها إلى حملها المعاني المختلفة، إذ تقع دائما في نطاق الفاعلية، والمفعولية، والصفات والاضافات، وبذا فان مجال حضورها الكمي في الصياغة أكبر، وأكثر كثافة من الفعل الذي لا يتواتر، إلا في نطاقه الثلاثي فحسب.

ونركز على بيان خواص الاسم في النصوص الشعرية السبعينية من حيث انبثاقها في التركيبة للنص، وكيفية التشكيل بها في السياق الجمالي للنص، وفي أسلوبيته، حيث نجد عدة ظواهر مارسها الشعراء السبعينيون، يمكن أن نشير إلى أبرزها.

أولا: تكرار الاسم

يتكرر الاسم - غرض التشكيل الفسيفسائي به - بصيفه المتعددة إفرادا وتثنية وجمعا في نصوص سبعينية كثيرة، بما يعطي نسقا أسلوبيا بينا، يدمجه الشاعر في بنية نصه، ويعبر به عن هذا الثبات الأسمى المركون الذي يدل على- ويفضي الى- جمالية ما يختزنها، النص ويفجرها أيضا ويحمل للمتلقي مشهدا اسميا جاذبا لفعل القراءة.

من ذلك هذا النموذج الذي نزجيه بوصفه دليلا على تكرار الاسم بشكل متوال يمثل ظاهرة جلية لدى الشاعر السبعيني، يقول أمجد ريان:

كنت أنحني والخلايا تشب

الروح والرواح، الدهشة، الحريق،

الأشداق، الوشيش، الفيضان،

المباغتة، المتاريس، التوحد، التطوح،

اليقظة، التلاطم، الشرخ، التمشيط،

الإشراق، التشابك، الايقاع،

التوقيع، الاصطخاب، الخمش، الشهيق، الشهوة،

الأطراف الحنين، الهرج، اليأس

الصعود، الملمس، الهيجان، النهضة، الانبجاس

يسكن الجبروت.(5)

إن تأمل هذا النموذج يفضي بنا إلى أن ندل على عدة أمور، أولها أن الأسماء تتوالى بين فعلين مضارعين هما: (تشب) و(يسكن) وهما يصوران هذا البعد الايروسي للذات داخل النص. هما فعلا نقيض بين بدء التوتر العالي الذي يسبق الممارسة العاطفية الجسدانية، وبين نهايته، وتتوالى الأسماء معبرة عن ثبات اللحظات الايروسية من جهة، وتجددها من جهة ثانية بتجدد دلالات الأسماء وتعددها ويصبح الاسم هو مدار الحركة النصية الثابتة - إذا جاز التعبير- فيه تدار دلالات كل دال على حدة، وتتجمع وتتكثف لتصب في نهاية الأمر في البؤرة الكلية للمعني، حيث يعبر النص عن هذا التوتر والرهج الايروسي الطافي حتى يسكن الجبروت.

ويتحقق الأمر نفسه بالنسبة للأسماء في نص حسن طلب: "بنفسجة للجحيم" وفيه ينجز الشاعر شكلا هندسيا شعريا مصنوعا من توالي بعض الدوال وادراجها في نسق هندسي محدد، يصاغ ويبدأ على شكل مثلث قائم الزاوية، تمثل دالة (الكساد) رأسه في نقطته العليا، وكل من كلمتي: (السواد، والكساد) طرفي قاعدته، ويختتم بالشكل نفسه، ولكن بقلب المثلث، فتصبح قاعدته كلمتي: (السواد والكساد)، فيما تمثل كلمة (السواد) رأسه المقلوب إلى أسفل وما بين المثلثين نحو عشرة أبيات شعرية تربط ما بينهما.

ويبدأ المثلث العلوي الأول بكلمة واحدة في السطر الأول ثم كلمتين، ثم تزاد الكلمتان إلى ثلاث والثلاث إلى أربع، وهكذا حتى يصل السطر الأخير من المثلث إلى نحو سبع عشرة كلمة ويحدث العكس في المثلث الثاني السفلي حيث تتناقص الكلمات من سبع عشرة كلمة إلى كلمة واحدة.

ويبدأ النص كالتالي:

الكساد

الوجوه الكساد

الجراد الوجوه الكساد

الفساد الجراد الوجوه الكساد

الجسوم الفساد الجراد الوجوه الكساد

اصطفتني الجسوم الفساد الجراد الوجوه الكساد

إلى آخر النص حتى يصل إلى قاعدة المثلث، ثم يبدأ الشاعر في مثلث آخر تتناقص فيه هذه الكلمات حتى يصل إلى كلمة واحدة في نهاية المثلث الشاي كما يبين هذا الشكل:

 

  وبغض الطرف عن أن النص يندرج في سجل الألاعيب اللغوية والشعرية، وانه لا يحرك ذهنيتنا في التلقي، أو يثير المخيلة المعمقة لدى أدائه لانصرافه إلى الشكل الهندسي فحسب، والى تكوين أية كلمات تخدم هذا الشكل، وبغض الطرف عن ذلك، فان الشاعر اتكأ على الاسم في هذا التشكيل بوصفه أساسا لهذا الثبات الشعري الذي عبر عنه بالكساد السواد.

وتحقق الأسماء لدى رفعت سلام بنية وصفية داخل فضاء النص الشعري، ففي نصه (منية شيبن)، يعمد الشاعر إلى تكوين وحدات وصفية، يقف، بها معبرا عن المشهد الشعري معطلا، زمن النص بشكل مؤقت حتى يتم توصيف مشهده، ورصده بحيث يمثل حيالنا آخر الأمر باعتباره مشهدا وصفيا تتحرك فيه العدسة الشعرية من خلاله لتلتقط أبعاده وزواياه: "القطارات، الرحيل اللوعة، الأبناء للحرب، مناديل الأمهات، الصبية، الفتيات، السواد، الرصيف المقفر الخالي، نشيج، بائع الكولا، مواء القطة الحامل، نظرة الدهشة من عين المدينة، المحطة، الأوراق طائرة من السلة للأسفلت، صوت الريح يأتي من بعيد، دقة الساعة، رعب دهشة، صفارة البدء صوت العجلات، بكاء".(7) إن مشهد المحطة، محطة القطار، يتشكل من هذه الأسماء المتكررة التي يكاد أن يغيب فيها الفعل، وكأن هذا المشهد بمثابة بنية وصفية - كما ذكرت - تتأكد دلالاتها عند حضورها عبر السياق الكلي للنص.

إن هذه التقنية التي يقوم فيها الشاعر بتشكيل مشهده الشعري عبر الأسماء فحسب بوصفها دلالات مركزية تصويرية واصفة، راصدة من التقنيات البارزة في شعرية السبعينات، وتتخذ مداها الاستقصائي حين يخلق الشاعر من تجاورها الأفقي أعداءه النصية المشهدية، ويوسع من آفاقها خاصة وأن الأسماء هي أساسات النص وأثاثاته، وهي ركيزته الجوهرية التي تقله إلى كثافة التعبير وثرائه الدلالي البين.

ثانيا: أسماء والأعلام والشخصيات

تحمل أسماء الأعلام التي تشير إلى الشخصيات أو الأماكن المختلفة دلالاتها المباشرة، فكل اسم علم مثلا يشير مباشرة إلى صاحبه.. ولا يحتاج الأمر لتأويل دلالته أو تفسيرها، من هنا فان انبثاق هذه الأسماء في النصر الشعري إنما يشير إلى أصحابها الذين هم على الأغلب - في تجارب السبعينيين - شعراء أو تشكيليون، كأن الشاعر في اشارته اليهم انما يشير إلى هذا الفلك الشعري الواحد/ المتعدد الذي يجمعهم في مدار واحد، بوصفهم أصحاب الكلمة المشكلة المرقومة في نص شعري، أو المصاغة بطريقة تشكيلية بصرية.

إن ذكر أسماء الأعلام، من الأمور البارزة في شعر السبعينات، وتشكل نوعا من الأساليب الخصوصية التي لم تكن معهودة في الشعرية السابقة عليهم، ولم تكن تحوز هذا القدر من الانتشار الذي نجده في النصوص السبعينية.

وفي مقطعين شعريين لكل من: عبدالمنعم رمضان ورفعت سلام سيتبدى لنا كيف يذكر الشاعر السبعيني أسماء الأعلام، وكيف يرتبها، يقول عبدالمنعم رمضان في نص لم السلالة):

انتظروا معي

آدم العجوز

...

أدم الساقط من الجنة

...

ثم احشوه، احشوه وقولوا له:

ابنك أدونيس

ابنك والت ويتمان

ابنك بريفيو

ابنك أحمد طه

ابنك أنسي الحاج

ابنك نابليون

ابنك هتلر

ابنك جمال عبدالناصر

ابنك تروتسكي

ابنك محمد

ابنك نيتشه

ابنك سارتر

ابنك النفري

ابنك هنري ميلو

ابنك الحلاج

ابنك سعيد عقل

ابنك كفافي

ابنك بن جوريون.(8)

ويقول رفعت سلام في اشراقاته: "أين أنت يا طرفة، يا نير ودا، يابوشكين، يا سعدي يوسف، يابتهوفن، يا أصلان، يا ريتسوس، يا دستويفسكي، يا تشايكوفسكي، يا ماياكوفسكي، يا رامبو، يا منيف، يا جويا، ياسميح، يا سيد درويش، يا طه حسين، وبيكاسو ياتل الزعتر، يا يارا، يا لوركا، يا حيدر، يا حيدر، ياجيفارا، يا مايكل انجلو".(9)

فكما نلحظ في المقطعين فان أسماء الأعلام والشخصيات البارزة تتواتر بشكل متجاور، كأنها تشكل خارطة إنسانية لها وجودها الفعال في مسيرة الزمان، بنضر النظر عما اذا كان هذا الوجود سلبيا أم ايجابيا.. فنجد الشعراء إلى جانب الروائيين والأدباء والسياسيين والمناضلين، والمفكرين، والأنبياء، والفلاسفة، والموسيقيين، والتشكيليين، والعفنين، جنبا إلى جنب كأنهم يمثلون جحيما أرضيا أو كوميديا أرضية تصاغ في نص شعري تجريبي يحتفي بالجديد، ويأنس إلى الخارق واللامألوف.

ويتضمن ديوان جمال القصاص "ما من غيمة تشعل البئر" نصا يذكر فيه أسماء بعض مجايليه من الشعراء وهو نصر: "الكائن يراود خفته" (10) حيث يذكر أسماء عدد من الشعراء هم: فريد أبو سعدة، وحلمي سالم، وماجد يوسف، ورفعت سلام، وحسن طلب، ومن هذا النص:

لا تفتش في جيوبك السرية عن حلمي سالم

دعة نائما قرب مقبرة النبلاء

ولا في أضابير رمزك..

عن ماجد يوسف

دعة يصلح ما قد تساقط من جرة الفصول.

ربما تعثر قبل البئر / بعد المرآة

على كائن غامض

مهوش الشعر..

حول عنقه محارة زرقاء

ربت على كتفيه

ابتسم له

وسمه رفعت سلام

فاذا عبرت السور

واقتربت من الكوخ

ونفضت عن يديك صوف الحكايات

وغشيك (البلل) الشفيق

قل هو حسن طلب

هؤلاء هم الطاعنون في العشق

وعصبة الماء والنار

سارقو الأيقونات والفرح الصغير.

إن ذكر هذه الأسماء، يمثل نوعا من التضامن الذاتي مع هذه الكوكبة الشعرية التي تضيء جنبات الواقع بابداعها، لذلك فإن المسألة تتخطى حدود الظاهرة الأسلوبية لتصبح ظاهرة سيميولوجية لها مغزاها وحضورها المتمثل في اقامة التواصل الذاتي مع آخر له كينونته الإبداعية وله سياقه الجمالي المتميز، فهؤلاء هم "سارقو الأيقونات والفرح الصغير" بتعبير النصر السابق.

فضلا عن ذلك فان حضورهم في الني، يؤكد على هذه الوحدة الجمالية التعبيرية التي تنبثق منها التجربة السبعينية، وتنبثق عنها الرؤى المتقاربة والمتحالفة، وتجعل للنص شكلا من أشكال التعاصر، حيث ان هذه. الأسماء تدل - نوعا ما- على منشئ النص، ويدل منشئ النص عليها.

إنها ظاهرة متكررة في شعرية السبعينات بشكل لافت، وهي تفارق هذه الأسماء المجلوبة من الماضي، لتقدم وجوها من الحاضر، وكأنها لا تكتفي بالإشارة اليهم، إنما تتناص معهم، وليكن أن هذا القناص البعيد من قبيل توحد الرؤية، والموقف من العالم، وائتلاف واختلاف الوعي التجريبي السبعيني المتميز عن سياقه.

ثالثا: ترميز الاسم:

يتحول الاسم إلى رمز، ويفارق مدلوله الاول، في هذه المفارقة تنبثق تلوينات استعارية، بحيث يتخلق الدال من جديد. وكأنه حين يتم ترميزه، يتحمل شحنات دلالية جديدة، يشحن بها، يكتنزها داخله، ويصبح تكراره الرمزي بمثابة تأكيد على صورته الجديدة فالوردة - على سبيل المثال - كثيرا ما تم تحويلها عبر الترميز- إلى أفق دلالي آخر يقتنص لونها وحرمتها، وذلك للاشارة إلى الدم. كثيرا ما تكررت تركيبة (وردة الدم) في الشعرية العربية المعاصرة خاصة لدى رواد الشعر الحر، وكل من الدالين يأخذ - بعد ذلك - مدلولات الدال الآخر فتقترن الوردة حينا بالجرح، او القتل أو النزيف، ويصبح الدم متوردا، أو مهتزا اهتزاز الورد في غصنها، او يسفر عن أكمامه ويناعته، ولا تحتاج هذه التركيبة إلى نماذج، ذلك لان تجليها في نصوص عدة يجعل منها ظاهرة مألوفة في الشعرية المعاصرة. التركيز يحول الاسم عن نطاقه، يوسع من مداركه، الدال حين يكون اسما يقع عليه فعل الترميز، ولا يقع الترميز على الفعل لأنه مقرون بزمن ثلاثي متغير، أما الاسم فيمثل الثبات لذلك فان ترميزه من قبيل تثبيته على صورته الجديدة التي تتبدى قيمتها في قدرة النص على تخليقها واستثمارها تصويريا.. كما في هذا النموذج من أمجد ريان الذي يخاطب فيه الشاعر الأنثى ويصنع من أوتار جسدها، أفقا موسيقيا مرمزا:

وتر يتهادى

وتر يتشهى

وتر يتفتح

وتر يسأل

وتر يتشقق

وتر يكشف

وتر يغسل

وتر يتأوه

وتر يفيض

ماذا

أتنوين احتلال الموسيقى؟(11)

فالوتر هنا يتم ترميزه ليشير إلى كلمة "العضو" كأن كل عضو من أعضاء الأنثى بمثابة الوتر الذي يعزف موسيقاه، هنا تتوسع كلمة "الوتر" ويبقى معناها الأول الذي يشير إلى العزف والنغم، في سطح المعنى، أما المعنى الداخلي فهو تحوله إلى رمز إلى هذه الانوثة الطاغية المتفجرة. بالأفعال المذكورة في النص، فهي تتهادى وتتشهي وتتفتح... الخ.

ويصبح هذا الترميز - بذلك - صانعا للأفق الأسلوبي النصي، بتوسيعه مجال الدال، وتوسيعه بالتالي فضاء اللفة بحيث ينحرف النص عن المعنى الحقيقي الأول للدال، إلى أفق رمزي، قد ينحرف مرة أخرى وثالثة ورابعة في تجا