ساحة التحرير بغداد الجديدة

ياسين النصير (كاتب من العراق)


1

الساحة لافتة المدينة وإعلانها،

والمكان الذي تصافح الريح، الضوء فيه والوجوه،

والوعاء الذي يمتص غضب الناس والحجر..

تمنح الساحة الريح انسيابها

والعين رؤيتها

والمدينة فسحتها

والناس شعريتها

لغتها مفردات على ألسنة الصغار،

وقولها هتاف

ولسانها لا يعرف الكتمان.

..............

هي الموقع الملتقى،

و "الباحة" المستراح،

و "الفضاء ببن الدور"

   والنفوس.

2

الساحة مكان مضطجع على الأرض، سطحها وجهها، وجسدها عمقها، ماضيها، ذكريات، وحاضرها الحركة، لها من لغة الأنهار الجريان، ولها من فسحة السماء الديمومة والاستمرار، ولها من انسيابية الريح لغة مستلة من وجه الحسان. ولها من البعد الظاهر للعيان مفردة في حرية الرأس والقدمين. لا قيود تحد الساحة، ولا موانع، هواؤها ريح منتشرة في فضاء الوجوه، وماؤها أرض تتعايش فيها كل الممكنات. الناس فيها سياج بعضهم لبعض، مفرداتها اليومية: ناس، وكلام، وحركة، وأصوات، وباعة متجولون، ونصب، واعلانات، ودعايات سينما، والتفاتات نحو الحسان اللائي يعبرن بحرها، وشباب يلتقون من أجل الا يعبروا زمنا... يمنحها الضوء طاقة حضور مفتوح، ومجالا لأن تمارس فيها الأفعال العلنية، ولأن ساحة التحرير ليست ساحة بيت، ولا ساحة منطقة معينة، فاكتسبت بدلالة "التحرير" الملحق بالاسم صفة البلاد وهو ما يجعل زمنها- مكانها متحركا بأفعال تجري في مواقع أخرى...

ليس لساحة التحرير وجه أو قفا، كلها وجه وكلها قفا، كلها يمين وكلها شمال، كلها شرق وكلها غرب، هي المكان الذي لا اسرار فيه، باطنها هو سطحها، وسطحها هو باطنها، المشي فيها دوران للجسد، والدخول اليها دخولا فيها، والخروج منها تحولا عنها، لا ترى الناس فيها مغادرين او قادمين، بل كل من فيها هو قادم ومغادر والجلوس فيها جلوس في الاتجاهات كلها، والرؤية فيها رؤية بزوايا منفرجة، لا تراما الا وهي في سعة فضاء ممتد ولفة جسد يقظ ليس لها كيان ثابت، ولا حركة تتشابه، ولا فعل يحدد، فان حددت بأفعال ثبتت، وان ظهرت بهيئة واحدة ماتت، وان وظفت لغرض واحد اهملت، لغتها هي اللالغة التي تنمو من خلال كل اللغات، وهادتها من تلك التي يمتلكها الجميع دون الأفراد، لها ساحل ومحيط ولها مجرى وسابلة، هي تيار في كل اتجاه، ولكل اتجاه، ولأنها كذلك فقد اسهمت الفضاءات - المكانية والبشرية - المحيطة بها في تشكيل هويتها.

يمنحها العمران الذي يحيط به، أفقا حدا، وتمنحه هي أفقا حدا كذلك، لكنهما لا يصنعان حدودا. وتجلب لها الشوارع التي تصب فيها، أطراف المدينة وأحشاءها، وتعيد لأطراف المدينة ما جلبته في نهاية النهار احمال يوم، لذلك فحدودها ليست بما تحتله من بقعة مسماة، ولا بما يحدده لها المحيط، بل بما تسحبه اليها من مناطق المدينة وما تفرغه في هذه المناطق، فهي التي تؤسس وتنظم أفعال ومهمات الآخرين، حتى لتبدو الأجزاء المحاذية لها: البيوت، العمارات، المخازن، الحدائق... الخ موظفة لحضورها الدائم، وعرضة للتغيير كلما فرضت الساحة عليها تصورا جديدا، شأنها شأن الأمكنة المطوبة كالعابد والمساجد والبناء التراثي الذي يحرك ما حوله بما يحمله من ارث وبما يستجد فيه من معنى، لذلك بقيت الساحة مفهوما لفريا ثابتا منذ وجودها وحتى الآن. جاءت الى المدينة من البيت الاسلامي، بمفردة "الحوش" واتسعت في المدينة تعويضا عن جريان النهر فيها، فهي نهر المدينة المرتفع، وكأنها من البنى التي ترتبط ببيولوجيا الجسد الانساني، حر وحرك وتجديد ونمو وفاعلية، تلك البنى التيتلغي القديم كلما مر زمن ما عليه. وتحتضن الجديد كلما كانت شروطه معلنة. لا تبلى الساحة الا من داخلها، ولا تتجدد الا متى كان من حولها منسجما وأفعالها.. ولا نعدم القول ان مفهوم الساحة - الحوش، موجود في كل بيت، وفي كل مكان يسكنه البشر، بل ويحمله كل انسان معه، حتى عدت بأسمائها المختلفة دالة على معنى الديمومة والجريان..

ليست ساحة التحرير عنصرا بنائيا مجردا، مثل البيت أو الفندق أو المقهى، بل هي بناء كلي، ومن المواقع الشاملة لمعنى المدينة، فيها تتمظهر الفعاليات التي تنتمي الى الحضارة، وفيها يموت ما هو مغاير لها، من هنا كانت وما تزال البؤرة التي تتشكل فيها سمة بغداد الاجتماعية والحضارية، ولأنها في عاصمة العراق حملت الفعاليات التي تقام فيها سمة العراق كله، فاحتوت لفتها مفاهيم مثل الشعبية، العمومية، الشمولية، الديمومة، الحرية، التقدمية... الخ. ولذلك تلجأ الحكومات اليها كي تكسب قراراتها صفة شعبية - تتمتع الملاعب الرياضية بمثل هذا التعميم السياسي أيضا، ولا تتمتع به القاعات المغلقة.

تعد ساحة التحرير والفعاليات التي تقام فيها منذ منتصف القرن الحالي، وحتى في فترة الحروب الداعية، العين التي لا تنام، فما اعترى بغداد من ظلام وظلمة، كانت هي عينها المبصرة في ظلام المدينة والتاريخ.. وكأنها تكمل بيقظتها المستمرة، ما يفكر به رأس شارع الرشيد- الباب المعظم.

3

لا تبدو ساحة التحرير لمشاهدها الا صورة مصغرة لبغداد كلهان فهي من حيث الموقع كانت وما تزال البؤرة التي يتصاهر فيها صوبا بغداد- الرصافة والكرخ - وكأنها بقعة لا تنتمي لأي منهما، ومن حيث الدلالة أصبحت هذه الساحة بعيد سقوط العهد الملكي في الرابع عشر من تموز عام 1958 رمزا للتحرير. وما اسم التحرير الذي استبدل به اسمها- لم نعرف ما هو اسمها القديم الا صفة ملحقة بها آتية اليها من ثقافة الشارع اليساري في الخمسينات. في حين ان مكانها جزء من البستان البغدادي الكبير الذي كانت حدوده نهاية شارع الرشيد، وبدايتها الكرادة والجادرية وديالي وكل الفضاء الممتد خارجا. وحتى عندما وضع فيها تمثال السعدون لم يكن لها اسم محدد، يسميها الاستاذ عباس بغدادي "احدى ساحات بغداد"، فاسمها الحالي "ساحة التحرير" مواصلة لدور الشهادة في الذاكرة العراقية اليسارية، حيث الشخصية الوطنية عبدالمحسن السعدون الذي انتحر، جراء خلافه مع الانجليز، يعد رمزا من رموز الحرية الوطنية المناهضة للاستعمار، فبيت السعدون كان قريبا منها، وتمثاله وضع بعد انتحاره فيها، ولكن لغة "الحرية" السياسية التي حدثت في المجتمع العراقي بعد ثورة تموز عام 1958 كانت اكبر من دلالتها اللغوية المجردة. فسميت الساحة بـ "التحرير" تيمنا بهذه الحرية، ثم زاد حضورها في ذاكرة الناس والمجتمع والعمران عندما اصبحت لاحقا مكانا لنصب الحرية - لا ندري على وجه الدقة متى اطلق عليها "ساحة الحرية"، هل تم ذلك بعد ثورة تموز 1958، أم بعد ان قررت أمانة عاصمة بغداد وضع نصب الحرية فيها والذي صممه الفنان العراقي جواد سليم، عام 1962 مسبغا عليها طابعا جماليا وفنيا جعل منها ليست ساحة فقط، بل كيانا عراقيا عريقا ترى بغداد التراث والمعاصرة فيها.

ليست ساحة التحرير الا الخليج الذي تصب فيه شوارع المدينة كلها، فلا تشعر بالغربة عندما تكون فيها، فهي البؤرة التي ولدتها الشوارع والمناطق، ولأنها كذلك لا تراما الا وعاء لحركة هذه الشوارع والمناطق، تواجهك في كل لحظة بمتغيرات المكان والناس، وتواجهك في لحظة أخرى بسكونية المجتمع والناس، تفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم، وما دامت منفتحة للريح وللناس ليس لها أسئلة، فالأسئلة تتكون في الاماكن المنقطعة، المغلقة، في حين ان الساحات كلها أجوبة عن اسئلة لا نعرف متى تشكلت، من هنا تبقى ساحة التحرير منفتحة على أزمنة عراقية قديمة وحديثة، فيها تشعر بحضور العباسيين، وفيها تشعر بحضور الأوروبيين كل الآتين اليها من الساسة العراقيين ومن الايديولوجيات المختلفة انتموا اليها، وكل التصميمات المعمارية الحديثة تجدها مموهة فيها، لذا فهي تنتمي لكل التواريخ. الا تاريخ أولئك الذين اطلقوا النار على نصبها "الحرية" عندما وجدوا انهم اصدقاء السجون - كان من الداعين لهدم نصب الحرية الشيخ جلال الحنفي!!

4

في بعدها المكاني نجدها تتوسط أمكنة عدة:

فمن جهة الغرب يأتي اليها جسر الجمهورية، المشيد على دجلة، ساحبا خلفه صوب الكوخ كله، بركابه وسا بلته، بتاريخه وسلطته، بمخاوفه وافراحه، بعرباته والمشاة، ليلقي حمله فيها. وقد شكل الفضاء الذي صنعه شريان الجسر النازل اليها أفقا بصريا وجماليا يعمق احساسنا بالنصب والساحة معا. بحيث يبدوان وكأنهما يحتضنان القادم اليهما، ومانحين الرؤية بعدا حضورا يملأ فضاء المنطقة كلها، فنصب الحرية ذو تركيبة أفقية - فضائية معلق على جدارين، مما يعني انه يحتاج الى رؤية أفقية متأملة لتفاصيله. هكذا فعل فضاء جسر الجمهورية مع الساحة، يزداد احساسك بجمالية النصب كلما قربت اليه، وكلما اقتربت منه ارتفع، حتى اذا ما وقفت تحته كان سماء لوحده.

ومن جهة الشمال - الغربي تشكل نهاية شارع الرشيد، بداية لساحة التحرير، التي امتلأت بمراكز فنية واقتصادية مهمة: منها اسواق شركة حسو اخوان، التي أممت في الستينات، واصبحت شركة للأحذية والجلود العراقية. وبالقرب منها فتحت قاعة التحرير للمعا رض التشكيلية، وخلفهما بمحاذاة شاطئ دجلة تشهد المنطقة آثار بيت للمرحوم عبدالمحسن السعون. وبالمقابل لها بقيت محلات القيمقجي الموسيقية قائمة تسمع زوارها والسائرين في الشارع أصوات الموسيقى العراقية القديمة. وفي وسط الباحة وبالقرب من رقبة جسر الجمهورية فتحت مطاعم حديثة، منها المطعم التركي، وعلى الشاطئ ما يزال المثقفون يزورون مطعم ومشرب سولاف، وفي البناية المحاذية للجسر كانت فرقة المسرح الفني الحديث تحتل شقة فيها قبل ان تنتقل الى مسرح بغداد، وعلى امتداد الممرات ثمة بنايات كثيرة أهمها: دائرة البريد والبرق المركزية، وثمة عشرات المخازن والمطاعم والبارات، وفي زاوية من هذا المكان اعتلت مكانا مجلة الثقافة الجديدة، مجلة الحزب الشيوعي العراقي، فنهاية شارع الرشيد حصيلة لثقافات عدة وموقع لمواقع تصب كلها في تيار تحديث المدينة، فساحة التحرير ونصبها المشهور يتكئان على مكونات مدينة حديثة هي فعالية المراكز والمؤسسات التي تتجمع فيها مما يعطينا انطباعا ان شريحة عريضة من الناس تأتي وهي محملة بنوى التحديث، واذا أضفنا اليها جمهور المكتبات الذي تقع في مدخل شارع السعدون، وجمهور وزارة الثقافة التي تقع في نهاية شارع الجمهورية وجمهور البارات التي تقع خلف محلة البتاوين نجد ان الساحة ونصبها، مركزا للحداثة.

ومن جهة الشمال الشرقي يصب مجرى شارع الجمهورية، الذي فتح في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم، فيها ناقلا اليها الآتين من الباب المعظم وشمال بغداد، وهو شريان تجاري صناعي نقدي كبير، وفيه تتركز أعم عمارة بغداد الحديثة، وفي نقطة الالتقاء بالساحة توجد وزارة الثقافة والاعلام في أول السبعينات، ومقاه ومحلات للملابس القديمة، وعيادات الاطباء، ومكاتب هندسية ومكتبات، ثم جرى تغيير جذري لهذه التركيبة بعد وأثناء حروب العراق. تختلط في البقعة الواقعة في مدخل الساحة أشياء بغداد القديمة - على الجهة اليسرى أسواق العبي والملابس واليشماغات والاحذية القديمة، والأكلات الشعبية، ومحلات الخياطة، والافرشة وتجهيزات العرس. وكراجات النقل الداخلية، وعلى الجانب الأيمن توجد محلات الحلويات ومحلات الأحذية الجديدة والقمصان والأقمشة الحديثة، حتى لتجد ان ضفتي شارع الجمهورية متناقضتان، احداهما تنتمي لتقاليد بغداد القديمة، والأخرى تنتمي لحداثة بغداد المتحولة، وفي كلا الحالين نجد تيار الاثنين يصب في الساحة ونفقها.

ومن جهة الشرق تشكل ساحة الطيران امتدادا لساحة التحرير واستيعابا لبعض مهماتها بالرغم من انها أقدم من ساحة التحرير. وهي موقع يشد أجزاء بغداد بعضها لبعض من خلال وسائط النقل المتجمعة ليلا ونهارا فيها، وقد احتوت ساحة الطيران على نصب "14 تموز" للفنان فائق حسن. الذي يعد تحفة من تحف الفن الحديث، وتعد هذه الساحة موطنا مسائيا وصباحيا للعربات الممتلئة بالأكلات الشعبية، حيث يتجمع العمال والمقاولون فيها للاتفاق على العمل اليومي، خاصة عمال البناء والسواق. وتبدأ حركة الساحة بعد منتصف الليل، حيث تمسي ملتقى للآتين من أطراف بغداد للذهاب الى بيوتهم او الى أعمالهم، كما يشكل الشارع المحاذي لساحة الأمة والمنتهي بساحة التحرير من جهة الشمال محطة لانطلاق السيارات بركابها الى صوب الكوخ، وكأنها تعيد ما قدم اليها أثناء النهار.

ومن جهة الجنوب الشرقي تكون ساحة الطيران وساحة التحرير نهاية لشارع النضال، وفيه تقع أهم الكنائس المسيحية، منها الكنيسة البريطانية في العشرينات كما يقول عباس بغدادي ص 27 والأطباء والمكتبات، وتعتبر هذه المنطقة امتدادا لمحلة البتاوين التي ترتبط بوجود المسيحيين سكنا وعملا.

ومن جهة الجنوب الغربي للساحة تكون ساحة التحرير بداية لشارعي السعدون وأبي نواس، الشارعان اللذان تصب سيرتهما في مناطق الكرادة خارج والجادرية والمسبح، فهي تأخذ من هذه المناطق الجريان البشري اليومي وتعيده اليها، كما كانت مكانا لسكن الدبلوماسيين والسفراء وبعض رجالات الحكم العراقي، كما هو شأن الوزيرية ومنطقة الكوخ التي اختصتا بسكن أكثرية رجال الدولة العراقية من العرب، مما يعني ان منطقة الباب الشرقي أكثر انفتاحا على الجنسيات التي تشكل نسيج المجتمع العراقي. وتكاد بغداد ان تكون في هذه المنطقة اكثر من غيرها حضورا حيا نابضا بالحركة والتجديد، ففيها تجمعت كل وسائل اللهو من سينما ومسارح ونواد ليلية ورياضية ومخازن حديثة ومحلات العمل بمختلف أنواعه، والمطاعم والشوارع الخلفية المضيئة، وبعض الدور التي تتداول بها بضاعة النساء كشارع المشجر.. وفي الرأس من شارع السعدون تقع اهم مكتبات بغداد: مكتبة المثنى ومكتبة التحرير والمكتبة العالمية ومكتبة النهضة ومقاه منها مقهى المعقدين المشهور، الذي ضم الشيوعيين وغير الشيوعيين. ومطعم نزار الذي ارتبط بأكلات شعبية غنية، وكافيه كيت عات ملتقى الشباب، وفي العمق والحواف تأتي مقهى ياسين ومطعم جبار ابو الكباب وغيره. اما اذا نزلت الى شارع ابي نواس فلا تجد هناك من بغداد القديمة الا الاسم فقط، حيث يتوسط الشارع تمثال لأبي نواس، معلنا عن دلالة الاسم بالفن في حين ان الشاطئ ومساحاته احتلتها كازينو هات حديثة، ومطاعم السمك المسكون، والمتنزهات التي تطل على ساحل دجلة، والى وقت قريب كانت هذه المتنزهات مكانا لفسحة العشات والأحبة، الا عندما اتى هادم اللذات ومفسد المسرات "الحرس الليلي والفرق الحزبية" فسرب الموت اليها لتصبح جرداء خالية من الحب والشعر. مدعين أنها تقع قبالة القصر الجمهوري في كرادة مريم..!! فساحة التحرير من أكثر الاماكن احتفالا بغنائية الحياة اليومية، وهو ما دفع الشعراء ان يكتبوا عن هذه الشيمة الشعبية. فعندما لا تكون الساحة حاضرة في المتغيرات الكبيرة، تفقد الحداثة بريقها، هذا ما نجده في قصيدتين "بغداد الجديدة" للشاعر سعدي يوسف، وقصيدة "سعادة عوليس" للشاعر سامي مهدي، الاولي تتحدث عن محتويات الساحة الشعبية وكيفية رسم أفق حديث لبغداد الآتية عبر الغبش وأكباد الجاموس وبائعات القيصر ورايات العمال، والثانية عبر تصور الحداثة الاجتماعية عبر قرارات فوقية وسياحة متأملة في الساحة وهي تحتوي بغداد المعاصرة لرجل مشحون بكآبة بيتية يقلد فيها عوليس وقضيته مع بنلوب في ثياب النوم وأرث الخيانة. وكلتا القصيدتين نقطتا تحول في مسار الشعر العراقي الحديث، فالساحة كانت بؤرة للتنوير الثقافي، وحداثتها جزء من حداثة ثقافة المعمار الذي شهد في السنوات العشر الماضية على تأسيس الساحة بداية تلمس هوية عراقية - تراثية للعمارة المدنية، استوعب بعضها شارع الجمهورية لنشاطه الاقتصادي والمالي والتجاري، لعل نشوء الساحة ومداراتها المنفتحة على جهاتها كلها هو جزء من نهوض البرجوازية الصغيرة وطبقتها الوسطى، تلك التي ترى افق الحياة اللاحق في مدارات مكانية منتجة، وفي تصورات ثقافية - مكانية شواهد حتى مفردات نصب الحرية اذا ما استقرأتها جيدا تجدها تتصل بفكر الطبقة الوسطى، وهذا ما نحاول دراسته منفصلا في مقال آخر عن منحوتات النصب.

هذه البانوراما الحياتية لا تجدها الا من افعال ساحة التحرير التي ضمنت توافر وسائط النقل فيها دوام الحركة بينها وبين أطراف بغداد كلها، مما يعني انها المكان الشريان الذي يؤمن وجود الناس والامكنة طوال اليوم وفي الوقت نفسه تدفعهم نحو تحديث رؤيتهم.

5

تنحدر ساحة التحرير من جهة الشرق الى بقعة منخفضة تسمى حديقة الأمة، وكأنها وعاء مائي يمتلئ بالخضرة وبأ قدام العارة والسكارى، فيها شيء من ذكرى بغداد العباسيين، واشعار أبي نواس، وعندما تمر فيها عابرا بين أطراف الساحة تتسمع ذلك الصوت الشعبي الدفين بين أحجارها وهو يردد صدى السنين لحديقة تعد واحدة من أهم حدائق الرصافة، تلك هي حديقة الأمة، وقد استوعبت الاعياد والمناسبات، ان لم تكن في عيد مستمر، فهي المركز الذي تتجمع فيه أفواه الناس المغنية والهاتفة، وهي المسرب السري الذي يلجأ اليه المتظاهرون عندما تقمعهم السلطات. وهي المعبر الذي تخشاه الفتيات لاختباء المتحرشين بهن بين اشجارها الزيتون واليوكالبتوس والنخيل.. وبقيت هذه الحديقة الى وقت قريب ملاذا للسكارى والمشردين والهاربين والمعوزين، يختبئون بين أشجارها وظلالها، ويقتسمون بقايا العرق والمازة. كانت حوافها المرتفعة الى وقت قريب مقاعد للجالسين وهم يتفرجون على حركة الشارعين المحيطين بالحديقة، ومن حولها تبدأ مسيرة الباعة اليومية، متنقلين بين ساحة التحرير وساحة الطيران، وبينهما وبين البتاوين. وثمة روائح الأكل والخمرة تنتشر في فضاء المنطقة عندما تمتزج روائح السكارى والبارات بعد ليل ضاج، برائحة الاكباد المشوية.. لتتركز كل هذه الفعاليات لاحقا في ساحة الطيران، بعد ان انسحبت حديقة الامة الى الخلف بمقاعدها الخشبية المتكسرة.

في هذه الحديقة وقبل ان يتسرب اليها الانطفاء، أقيم فيها تمثال "الأم" للفنان خالد الرحال الذي يعد تحفة فنية رائعة للتصميم. بانسجام حركات الجسد وانسيابية السطح ودقة التفاصيل، والمعنى الشعري من ان تكون الأم في منخفض مدينة - حديقة وكأنها تحتضن في احشأئها كل ولادات الحداثة في بغداد- تعني الأم في الميثولوجيا القديمة أرض الرافدين - وكأن خالد الرحال في هذا التمثال يستوطن بغداد المعاصرة بما حملته أرض الرافدين الأم كلها. هذا النصب اعطى للحديقة وما جاورها قبل ان يشيد نصب الحرية، عمقا سياسيا وجماليا، لتتحول الى مكان يستقطب الناس والضوء، لم تقل قيمة النصب اجتماعيا وليس - فنيا- فيها الا بعد أن شيد نصب الحرية، مرتفعا فوق هامة التمثال فسرق الاهتمام البصري من تمثال الأم الذي كان يتعايش في منخفض الحديقة. لم تلق هذه الحديقة من الثقافة شعرا او قصة الا القليل، بينما كانت مقاعدها مجالس الكثيرين منهم، ولوحاها من دون مناطق ساحة التحرير كانت تحتوي على مرافق صحية للتبول، مما يعني انها جزء من بقعة مكتفية بذاتها، فقد كانت مكانا نشطا للعبور، وممرا يؤدي الى حركة أوسع في المدينة.. وبعد ان انتقلت بغداد في السبعينات الى نهضة حضارية مرورية كبيرة ومهمة، جرى لساحة التحرير تطوير لمساحاتها وتنظيم لطرقها- لأول مرة في العراق يكون لنفق ساحة التحرير مصاعد كهربائية رغم قرب المسافة مما دفع بالكثيرين منا الى مارستها يوميا كجزء من التلبس بحداثة الطرق وتنوعها- لقد اسهم تنظيم السير فيها ومن حولها في أن يكون التجول فيها غاية بحد ذاته. في مثل هذا التنظيم الجديد تنمو حاسة جديدة للمكان، مستخلصة روح الشعر من العلاقات المنتظمة بين الناس واساليب المرور.. وثمة نغمة شعرية مضمرة يجري احتواؤها في هذه الساحة تلك هي شجيرات النخيل والزيتون التي تحتويها حديقة الأمة وكأنها تحاكي خضرة تراث وتاريخ النصب فيها. في حين ان حواف الحديقة من كل جهاتها زرعت بورد الياس، اخضرارا الأمكنة يولد سعة للمخيلة، وفي العمق من هذا كله ثمة من يتقبل رائحة العشق في هفهفة ثياب الفتيات المارات وسط وحول الساحة. الهدوء الاجتماعي يولد حرية غير مفرطة في العلاقات، في حين ان هذه الساحة في فترات لاحقة اصبحت مكانا للتحرش بالفتيات، خاصة في فترة الحرب عندما تحول الجنود العائدون من ساحات القتال في اجازاتهم الى متمردين على أعراف القبيلة والبلد وتقاليدهما. وهو أمر تنامى لاحقا ليصبح ظاهرة معقدة تفصح عن هشاشة العرف والتقاليد في رهن الحروب، فالحروب ليست سلاحا واحتلالا ودفعا، انما خلخلة في البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع وهذا ما حدث للعراق ومن الصعب استدراكه مهما فعل المعنيون له، فالاعتداء على الفتيات من قبل البعض يفصح عن خلل في التركيبة الشعورية التي تخلقها ظروف الحرب. رافقتها موجة من المسرحيات التجارية الهابطة فنا وخلقا، لتستقطب جماهير واسعة تصرف كبتها الجنسي والعاطفي من خلال سماعها لمفردات جنسية على ألسنة ممثلين صغار.. الامر الذي جعل فضاء الساحة بعيد الظهر قاحلا ومقفرا بل وموحشا مقفرا في المساء، لتصبح لاحقا عبارة عن خيمة لحرس مدججين بالسلاح يتوسدون الساحة، مصوبين بنادقهم نحو صدور اخوتهم، بينما يحتل العدو الايراني والامريكي بقعا من ارض ~ تاريخ العراق. وفي اللحظة نفسها يطل عليهم نصب الحرية ساخرا.

لم ندرك بالضبط لم كانت ساحة التحرير بمثل هذه الأهمية في زمن الحرب، بحيث عندما قاطعها الناس اقفرت الطرق، فهي الملتقى والمفرق، وهي المجمع لشرايين المدينة والموزعة فيها، لذلك كانت بمثابة البؤرة المطفأة في المدينة، ومن عايش سنوات الحرب الاخيرة يجد ان معنى الحرية لا يتجسد بشع&#