حوار مع أحمد الفلاحي

أجرى الحوار: يحيى سلام المنذري
كاتب من سلطنة عمان


إنه عاشق الكتب جاء من »وادي نام« بالمنطقة الشرقية من عمان, معطرا بطيبة القرية ونسمة روحها الهادئة, كرمه ينافس ثقافته العميقة, يعتبر الأب الروحي للمثقفين العمانيين, ومحور اتجاهاتهم الأدبية, والينبوع الذي يسقيهم التشجيع الدائم, كثير الغيرة على ثقافة وحضارة بلده. هو صندوق حكايات عمانية, حينما تجلس إليه وتسمعه وتناظره وتجادله لا تعبأ بالساعات الطوال التي تتحول إلى رصيد ثقافي وتاريخي تحتفظ به. إنه عاشق الكتب, الأستاذ الأديب أحمد الفلاحي يحكي لنا بعض سيرته مع الثقافة والأدب.

أجرى الحوار : يحيى سلام المنذري

 

* الطفولة هي المكون الأول لحياة أي إنسان, وهي نبع أنهاره وشخصيته وتحولاته فيما بعد, فهلا حدثتنا عن نشأتك الأولى, طفولتك, صباك, بداية تشكيل وعيك?

* ولدت في بلدة »بطين« وهي قرية زراعية صغيرة تحيطها الجبال والوديان وتكثر في وديانها البعيدة غابات الأشجار البرية المألوفة في البراري العمانية كالسدر والغاف والراك والأثل والشوع والسمر والسرح وغيرها. وهي واحدة من تسع قرى صغيرة يتضمنها »وادي نام« ولا تبعد المسافة كثيرا بين كل قرية وأخرى بل كلها في حكم الجارات المتقاربات.

كانت هذه القرية يوم خرجت إلى الحياة تعاني شدة الجدب ونقصان الماء وانقطاع الفلج عن التدفق مما أدى إلى موت النخيل والأشجار واضطرار أغلب السكان للهجرة إلى مناطق أخرى في عمان أو إلى شرقي إفريقيا وبلدان الخليج, ولم يكن بقي من أهل القرية عندما بدأت أعي سوى قلة قليلة, وكان من هؤلاء الباقين جدي الذي كنا نعيش في كنفه, حيث كان هو كبير القرية ومرجعها وإنسانها الأوحد وموئل أهلها ومقصد زائريها, وكان متدينا قارئا للكتب له اهتمام بالأدب والتاريخ بالإضافة إلى ثقافته الدينية العالية وكان بيته ممتلئا بالكتب المختلفة من شتى صنوف المعرفة. ومن نماذج الكتب التي تركها وبعضها موجود حتى الآن كتاب »شرح النيل« في عدة أجزاء وكتاب »قاموس الشريعة« في عدة أجزاء و»هيمان الزاد« و»مشارق الأنوار« و »طلعة الشمس« و »جوهر النظام« و»أرجوزة الصايغي« و »تحفة الأعيان« و » قصص الأنبياء« » والجنة في وصف الجنة« و »السيرة الجامعة« وأجزاء من »بيان الشرع« و »القاموس المحيط« و »إحياء علوم الدين« و »الجامع الصحيح« وشرحه في جزئين يحتويها مجلدين ضخم و»مختار الصحاح« وكتب أخرى متنوعة بعضها مخطوطة وأكثرها مطبوعة في الهند أو في مصر أو في مطبعة السلطان برغش في زنجبار.

كنت في السادسة من العمر حينما توفي جدي ولم أعد أذكر اليوم شيئا من ملامحه سوى قامته الطويلة وعمامته الدينية البيضاء وجلسته الصباحية يتدفأ على الجمر الموضوع في »كانون« أمامه ملتفا بعباءته الصوفية السوداء » المنسول« وبقربه كتاب يطلب من والدتي أن تقرأ له منه, نظرا لضعف نظره خاصة داخل الحجرات في ساعات الصباح على الرغم أننا كنا نراه يقرأ في أوقات الظهر والعصر في السبلة أو في المسجد في كتاب أو مصحف محمول على مرفع خشبي يوضع بين يديه.

كنت أذهب للجلوس بقربه ومصافحته وكان يلقنني بعض الكلمات المتعلقة بالتوحيد ويحفظني بيتا من الشعر, ويستمع مني إلى قصار السور التي كنت حفظتها. كان هذا الجد هو الشخصية الأولى ربما التي انبهرت بها في باكر طفولتي مع ما تراكم بعد ذلك من حديث لم يكد ينقطع في البيت والقرية كلها لسنوات طويلة بعد مماته عن مزاياه العالية وفضله وكرمه ونبل أخلاقه ومكانته الجليلة بين الناس وحكمته ومعارفه الواسعة والأنوار التي تكررت مشاهدتها على قبره, لم يكن في بيتنا رجال  يوم توفي جدي فقد غادر أبناؤه الأربعة منذ زمن بعيد, ثلاثة إلى أفريقيا وكان أبي أحدهم, والرابع إلى منطقة الخليج سعيا وراء الرزق, وقد بدأت أعي دون معرفة والدي الذي قيل لي أنه غادر بعد عام من مولدي وبعد أربعين يوما من مولد شقيقتي, وكانت هناك بالإضافة إلى والدتي خالتي الكبرى وجدتي لأمي وجدتي لأبي وبعض الأمهات الأخريات من نساء الأسرة, وقد تولت والدتي رعايتي والإشراف الكامل على تربيتي وتعليمي وكانت شديدة لا تتساهل وكانت تقرأ وتكتب شأنها شأن كل أفراد أسرتنا الذين كانوا يجيدون القراءة والكتابة رجالا ونساء, وتلك في الحق سمة لأغلب أهل قريتنا حيث لم يكن سوى القليل منهم من لا يحسن الكتابة أو القراءة, وبفضل حرص أمي ومثابرتها استطعت الانتهاء من ختم القرآن وأنا في سن السابعة ثم بدأت تعليمي الكتابة وتدريبي على قراءة بعض الكتب مثل »تلقين الصبيان« و »الجامع الصحيح« و»نونية أبو مسلم« وكانت مطبوعة بطريقة تشبه طباعة القرآن في المطبعة البارونية في القاهرة, بالإضافة إلى دفاتر مخطوطة بخط نسخي جميل تحتوي على قصائد متنوعة معظمها عمانية تنتمي لعصور مختلفة, ومنها لبعض أجدادنا الراحلين وأخرى لشعراء من قريتنا أو من المنطقة ومن بينها أراجيز تتحدث عن أسفار ورحلات في مناطق عمان أو في خارجها. وفي الأمسيات كانت الجارات وصديقات أمي يتجمعن وتقوم هي بقراءة كتاب قصص الأنبياء المسمى »رائس المجالس« أو كتاب »دلائل الخيرات« أو »الجنة في وصف الجنة« أو كتاب »السيرة الجامعة« وتبكي النسوة حينما يجيء ذكر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر حروب الصحابة ومعركة -النهروان- وقصة الإسراء والمعراج ووصف الجنة والنار, وحينما تأكدت أمي من قدرتي على قراءة تلك الكتب والمخطوطات أوكلت إلي مهمة قراءة السهرة لصديقاتها وكنت أحلم بشوق لذلك, وكم من مرة حاولت لفت انتباهها إلى قدراتي وما كدت أصدق حينما جربتني ظهيرة ذات يوم واطمأنت لمستواي وأنبأتني أن هذه الليلة ستكون ليلتي, وأخذت أدرب نفسي وأعد العدة لتلك اللحظات المهمة وفي المساء كانت أمي وسط صديقاتها تقوم بطبخ قطع »الفندال« على موقد الجمر الذي يتوسط الجلسة »الصريدان« ثم تعد القهوة في الموقد ذاته وهي مصغية لهذا الصغير الذي يصدح بصوته مترنما بقصيدة »المحل« لجدي الأكبر وقصيدة »زنجبار« لابنه جدي الأصغر عم والدي, ثم قصيدة »النونية« لأبي مسلم في اليوم التالي أو قصيدتي »فتح الرستاق« و »فتح نخل« لابن شيخان في يوم آخر, وقصائد »التوبات« وهي عدة منها »توبة النبهاني« و »توبة الستالي« و »توبة أبو مسلم« و »توبة المر بن سالم الحضرمي« في ليال تلت, وفي الوقت الذي كنت فيه أغرد بحنجرتي الصغيرة بتلك المنظومات مسجعة منغمة كانت النسوة ومنهن جدتي يصغين مبهورات لهذا الصبي الصغير الذي تمكن من القراءة على هذا النحو ومع إصغائهن كن ينشجن بالبكاء متأثرات بما يسمعن دون أن يفقهن في الغالب معنى الكثير منه, وكانت الوالدة تقو م أخطائي وهي لا شك فخورة سعيدة بنجابة ابنها وبنجاحها في تعليمه وإيصاله لهذا المستوى الذي لا يبلغه في نظرها إلا القلائل من أقرانه في عمره ولم تكن السهرات كلها للقراءة بل كان بعضها لرواية الحكايات الغريبة عن السحرة والجن والشياطين وعن أخبار بعض الماضين من الأجداد أو من الصالحين أو حكايات معارك وبطولات وأشخاص من الشجعان الخارقين وحكايات كثيرة أخرى متنوعة تقصها بعض النساء الحافظات لمثل تلك القصص المثيرة.

كانت الكتب بأغلفتها الفخمة وبتجليدها الفاخر تثير اهتمامي كلما رأيت والدتي تقلب بين يديها صفحات واحد منها وكنت أشتاق للإمساك بها وتقليبها ومعرفة سرها وخباياها وقد شجعتني أمي بعد أن أثبت أنني أحسن القراءة أن أقرأ في بعضها مما كانت تعينه لي ولكن شغفي كان بالمجلدات الضخمة السوداء التي كانت تزجرني عن الاقتراب منها لأنها أكبر من استيعابي, وكنت أتمنى لو استطعت تناولها دون أن يراني أحد, ولكن البيت لا يمكن أن يخلو والكتب كانت توضع في مكان مرتفع لا يتسنى لي الوصول إليه عدا أن تلك الكتب كانت ضخمة ثقيلة يصعب علي حملها.

ومن أحداث الطفولة المهمة التي لها بقايا ضبابية في قعر الذاكرة حادثة الطائرة الضخمة التي ملأت سماء القرية ذات نهار صاف بصوتها الهادر القوي وحجمها الضخم وقد أخذت تحوم في أعالي القرية منخفضة حتى لتكاد تلامس قمم النخيل وأعالي البيوت مما أنزل الخوف والهلع الشديد على أهل القرية وأثار اضطرابهم فخرجوا صغارا وكبارا لرؤيتها فإذا بها في لحظات انخفاضها تمطر أكواما من الأوراق الحمراء والخضراء والزرقاء غطت الحقول والأشجار وأعواد القمح التي كانت تفترش الأرض أيام الحصاد وأسطح المنازل والطرقات والسواقي وكل مكان, وتجمعت النسوة حول أمي يسمعن ما تقرأه لهن مما كتب في تلك الأوراق التي كان مضمونها يتعلق بأحداث الجبل الأخضر المتفجرة في تلك الفترة, وظل حدث مجيء الطائرة وشكلها المخيف واجنحتها الضخمة حديث أهل القرية لسنوات تلت, وبعد أن عاد أبي من سفره هطلت الأمطار بغزارة فاقت كل التصور وفاضت الوديان فاقتلعت الأشجار وبعض البيوت وتدفق الفلج ليخصب القرية ويعيد حيويتها وأهلها المغادرين الذين سرعان ما توافدوا من مهاجرهم البعيدة والقريبة, ودبت الحياة حثيثة نشطة, الكل يزرع الحبوب والمحاصيل ويغرس فسائل النخيل والأعناب والموز والأشجار المختلفة.

وكبرت قليلا وارتقى بي الحال لأكون قارئ السبلة في سهرة الرجال تحت إشراف والدي الذي يختار لي القصائد المناسبة مخلفا جلسة النساء في البيت كما لو كنت أستقبل مرحلة جديدة وأدخل في طور آخر, وقد أحضر الوالد من سفره الكثير من الكتب الجديدة التي لم تكن موجودة من قبل, وجاءته أخرى بعد وصوله واستقراره, ومن بين هذه الكتب الجديدة التي استحوذت على الاهتمام في تلك السهرات »نهضة الأعيان« و »بهجة المجالس« و»سلك الدرر« و»ديوان الستالي« و»ديوان النبهاني« «و»جواهر الأدب« و»المنظومات الأربع« و»ديوان أبي مسلم« بالإضافة إلى نخبة من الكتب القديمة, من أبرزها »جوهر النظام« و»تحفة الأعيان« و»السيرة النبوية« وديوان المتنبي ومع هذه الكتب كانت دفاتر القصائد المخطوطة والقصائد الجديدة التي كانت ترد بين فترة وأخرى ومنها قصائد أحداث الجبل الأخضر و»رثاء زنجبار بعد نكبتها« وقصائد أخرى كان الوالد يحتفظ بها لأنها نسخت له خصيصا من قبل بعض أصدقائه أيام شبابه. وفي تلك الفترة لا تكاد سبلة الوالد تخلو من الضيوف والزائرين الذين يأتون من خارج البلدة ويقيمون أحيانا لعدة أيام وكنت أشعر بشيء من الزهو حين تتاح لي فرصة القراءة أمام هؤلاء الضيوف وأنال استحسانهم وثنائهم وبعضهم من ذوي المكانة والوجاهة من الشيوخ والقضاة والشعراء ونحوهم ومن الزائرين المتكررين كان هناك رجل من حفاظ الشعر ومنشديه يسمى حمد بن سيف البطاشي وكان له صوت عذب ونبرة قوية ترك تأثيرا في نفسي بفصاحته ونغمة صوته الشجية فحاولت تقليده ولكن حنجرتي الصغيرة لم تكن تسعفني فنهاني والدي عن التكلف وكان ثمة كتاب مخطوط يحتوي على عدة موضوعات وفيه تفاصيل دقيقة لأحوال الحشر والقيامة ولوصف الجنة والنار والسماء والملائكة كان له أثره الكبير في نفسي. ومن الشخصيات الذين انبهرت بهم في صباي أحد الرجال من الأعيان اسمه أحمد بن سعيد العامري كان شيخا جليلا وكان حديثه أقرب إلى الفصحى ويبدو حين يتحدث كأنه يخطب وكان متكلما بليغا يجيد انتقاء الكلام ويحفظ الكثير من الشعر ومن قصص العرب وأمثالهم وأخبارهم وحكمهم يأسر من يحدثهم بطلاقته وعفويته, وثمة شخصيات أخرى لديهم هذا التأثير أيضا على محدثيهم ولكن هؤلاء يتحدثون بالعامية المحكية وبعضهم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب, ولكنهم كانوا من حفظة النوادر والقصص وأخبار الحروب العمانية وسير الأعلام وقصائد الشعر العامي التي تؤرخ للحوادث وكان لهم أسلوب مشوق في السرد وفي الحكايات التي يروونها. أذكر منهم سعيد بن الرشيد النهدي وأخاه مسعود, والشايب هديب بن مسلم مخزن الحكايات التي لا تنتهي.

توفيت أمي وأنا ما زلت بعد في الثامنة من عمري ومعها توفيت جدتي وأختي الصغيرة وعمي وآخرون كثيرون أخذهم الموت في نازلة مرض خطير حل بالقرية دون أن يعرف نوعه وأسبابه, وقد نقدر اليوم أنه ؛الكوليرا« وكان أثر ذلك قاسيا علي, وبعد أن أفقت من معاناتي المؤلمة وتجاوزت مرضي الشديد الذي قيل أنه استمر أربعة أشهر غصت في القراءة وتقليب تلك الكتب الضخمة المخطوطة والمطبوعة محاولا أن أتقصى أسرارها وما تخفيه في سطورها وأوراقها, وكان أكثرها فوق مستوى فهمي وإدراكي ولكنني كنت مصرا على الاستمرار في مهمتي, وكلما اكتشفت قصة أو حكاية أو مثلا أو بيت شعر عجيبا أعتبر ذلك فتحا مبينا أخبر به الناس, وفي تلك الفترة حفظت المعلقات السبع كاملة وحفظت نونية أبي مسلم وقصيدتي فتح نخل والرستاق لابن شيخان واراجيز محمد بن عيسى الحارثي في رحلاته إلى وادي الطائيين والمنطقة الداخلية والهند وزنجبار ورحلته إلى البحرين وقصيدة الشيخ السالمي البائية وبعض الردود التي أثارتها ضد الشاعر المجيزي وبعض القصائد التي قيلت في نصب الإمام سالم الخروصي وقصيدة ابن الرومي في الأوطان وقصيدة ابن الوردي اللامية وعدة قصائد للمتنبي وبائية أبي تمام وقصائد للنبهاني والستالي والشريف الرضي.

*أحداث شيقة وتبدو أنها مازالت عالقة في ذاكرتك, وحفظك لكل هذه العناوين من الكتب والتي من المؤكد أنك ما زلت تحتفظ بها, ولكل إنسان حوادث وقصص طريفة مر بها في أيام عمره, فهلا ذكرت لنا بعضا منها.

*من أحداث الطفولة التي علقت بذاكرتي حتى الآن موضوع جهاز الراديو وأول ما وعيته من أمره ما سمعته من جدتي وهي تصف أحدهما بأنه »روديا« وحين استنبأت عن معنى اللقب الذي اسند لذلك الشخص فهمت أن معناه الكذاب لأن ذلك الشخص كذوب قلما يصدق مثله مثل »الروديا« الذي هو »صندوق إبليس« وقد صنعه النصارى من أجل تدمير المسلمين وخرابهم والشيطان يغوص في دواخله ويتحدث منه إلى الناس مباشرة كما يتحدث الإنسان إلى الإنسان, ولكنه لا يقول إلا الأكاذيب التي تفتن الناس, وقد روت الجدة عن زوجها الراحل أنه أخبرها بأن من علامات الساعة أن ينطق الحديد وهاهو الحديد قد نطق فما هذا »الروديا« إلا قطعة حديد, ونقلت عن الجد تحذيره من هذا الشيء يوم أن رآه عند بعض أقاربه الأثرياء بإحدى القرى البعيدة بعض الشيء عن بلدتنا حينما جاءوا به من الهند مبينا لهم أن الملائكة لن تحل في بيوتهم طالما أن هذا الصندوق الشيطاني موجود فيها لأن الملائكة لا يمكن لها مساكنة الشياطين وحين تستفرد الشياطين ببيت فذلك هو الخراب والدمار وغضب الله.

وفي مرحلة لاحقة أظهر والدي أحد دفاتره وبه قصيدة تتحدث عن خطورة »صندوق الشيطان« وضرره للشيخ أبي حميد حمد بن عبدالله السالمي وجهها لأخيه الشيخ أبي بشير محمد بن عبدالله السالمي في سياق معارضة كبرى قادها مجموعة من العلماء والشيوخ ضد وجود هذا الصندوق في منزل الشيخ محمد السالمي وكان قد أحضره إلى بيته في بدية أثناء عودته من إحدى سفراته إلى الهند ولم يستجب الشيخ لمعارضتهم وغضبهم وأبقى الجهاز في بيته, وفي الدفتر أيضا أسئلة وجهت إلى بعض العلماء حول الحكم الشرعي لهذه الآلة الجديدة وأجوبتهم عليها. وفيما كانت هذه القصائد تقرأ في تلك العشيات وقد مر أكثر من عشرين عاما على كتابتها وصلت هذه الأعجوبة فجأة إلى البلدة على غير توقع, أحضرها أحدهم لدى عودته من السفر واضطربت القرية وأهلها أشد الاضطراب لهذا الحدث المثير ولم يعد للناس من حديث سوى حديث »الروديا« كما أسموها أو ؛الإذاعة« كما نطقها الفصحاء ممن سافر واطلع. وتوافد الرجال والنساء ليشهدوا تلك الأعجوبة وليستمعوا مباشرة إلى ما تخرجه من كلام قيل أنه كلام الشيطان, وصرح والدي ومجموعة من الذين عرفوا هذه الآلة في زنجبار وبلدان الخليج أن هذه »الإذاعة« ليست سوى آلة لنقل الأخبار من أمكنة بعيدة وأنها موجودة في مصر وأن جمال عبدالناصر ذاته قد تحدث فيها بلسانه, ولكن هؤلاء لم يستطيعوا الجزم القاطع في حمى الجدل بأن النصارى لم يخفوا في بواطن هذه الآلة شيئا من خبثهم ودسائسهم التي تلحق الضرر بالمسلمين وظلت الأغلبية في ريب وقلق من أمر هذا الشيء الغريب وتنادوا لمنع صغارهم من الذهاب إلى هناك خوفا عليهم ربما من مضرة الشيطان أو خشية على عقولهم الصغيرة من أن تتأثر بالكفر وشددت الجدة التحذير ونشطت محاولاتها لمنع أهل البيت أن يسيروا إلى حيث الشيطان وصندوقه غير أن كل من في البيت ومع احترامهم لها واقتناعهم بكل حججها لم يستطيعوا مغالبة أشواقهم في التعرف على ذلك الصندوق السحري ومنع نفوسهم من التوجه لرؤيته, وفي يوم غاب فيه أبي في سفر وفي غفلة من بقية الأهل جاء دوري وابن عمي المماثل لي في العمر فتسللنا خلسة إلى منزل ذلك الرجل لكي نشاهد ونسمع ؛صندوق إبليس« العجيب واستقبلنا الرجل مبتسما مرحبا وقدم لنا بعض الحلويات التي لم نكن رأيناها من قبل, ثم أرانا الصندوق الذي كان بجانبه صندوق آخر أصغر منه أخبرنا أنه ضروري لتشغيل الصندوق الكبير فهما أخوان توأم ؛ولم يكن ذلك الصندوق الآخر سوى البطارية التي تغذي جهاز الراديو بالكهرباء حيث لم تخترع بعد فيما يبدو البطاريات الصغيرة وكانت تلك البطارية هي نفس البطارية التي نستخدمها اليوم في السيارة, وكان ثمة هوائي منصوب في السطح للمساعدة في التقاط موجات الإرسال الإذاعي يشبه الهوائي الذي استخدم فيما بعد للتلفزيون« وظل الرجل ينتقل بمؤشر الجهاز من محطة إلى أخرى وكنا نستمع إلى ما يذاع دون أن نفقه شيئا أو نستوعبه وخرجنا بعد فترة من الوقت حائرين لا ندري إن كان هذا هو ؛صندوق إبليس« أم لا ولكن نفسي كانت أكثر ميلا إلى اعتباره جهاز الشيطان مستندا في ذلك إلى تلك القصائد وإلى فتاوى جدي التي روتها جدتي وإلى الرأي الشائع في القرية ولازمتني هذه القناعة لسنوات, وتجادلت مع كثيرين حول الشيطان الذي يدخل إلى أعماق هذا الجهاز ويعبر عن نفسه من هناك بلسان طليق, وبعد أن تجاوزت هذه المرحلة وسافرت وتطورت أفكاري أصبحت صديقا حميما للراديو ومستمعا مواظبا له في محطاته المختلفة وخاصة »صوت الساحل« من الشارقة و»صوت العرب« من القاهرة و »إذاعة لندن« وأقر اليوم بأنني تأثرت كثيرا جدا ببرامج الإذاعتين الأخيرتين واستفدت كبير الفائدة مما كان يقدم منهما من السياسة والأدب والثقافة على اختلاف مشاربها, وقد راسلت هاتين الإذاعتين في فترة شبابي الأول وكتبت لهما بعض خواطري وهواجسي وتجاربي البسيطة التي وجدت مكانا في برامجهما, وكنت أنتشي طربا وأنا أسمع ما كتبته يقرأه كبار المذيعين, وغداة عودتي إلى الوطن عام 1970 ني المصادفة المحضة بدون تخطيط مسبق للعمل في الإذاعة العمانية, وكانت إذاعتنا يومها في بداياتها الأولى, فكان ذلك من غرائب المصادفات, عداء للإذاعة واشتباه في أمرها فصداقة ثم دخول إليها والعمل في أروقتها, وقد أشرت إلى شيء من ذلك في مقالة طويلة نشرتها بجريدة عمان قبل عدة سنوات.

ولا شك أن هناك حكايات كثيرة أخرى بعضها طواه النسيان وبعضها قد يطول سردها وليس فيها ما يستحق الذكر ويستوجب التوقف ومثلها يقع للكثيرين. والحق أن الحديث عن التجارب والأحداث لا ينبغي ان يكون لواحد مثلي فالذين يتحدثون عن سيرهم إنما هم الأعلام من أهل السياسة أو أهل العلم أو من هو متميز ولست من هؤلاء على الإطلاق, أقولها صادقا وجادا ولكنني أستجيب أحيانا لرغبة أخواني وربما أيضا استجابة للنفس الأمارة التي أغراها ثناء الأخوان وتمجيدهم فانطلقت تتحدث عن ذاتها متوهمة أن لديها ما يجب قوله وتلك هي مأساة الكائن البشري إلا من رحم ربي يطرب للثناء حتى يصدق ما يقوله أصحابه فيه مما ليس فيه وإلا فكيف لمثلي التقدم للحديث عن سيرته وتجربته وأي تجربة هامشية بائسة تلك?

) كعادتك دائم التواضع, والإنسان ترتفع قيمته بتواضعه وكرمه وأخلاقه النبيلة وثقافته الواسعة, ولا يختلف اثنان على تمتعك بجميع هذه الصفات. ولعلك لا تمانع أن تسرد لنا مشوار بدايتك لما بعد مرحلة الصبا.. ظروفها وتكوينها وقصصها?

)  طريق الشباب لم يكن طريقا سهلا, بل لعله أقرب إلى المتاهة التي أضعت فيها أكثر مما اكتسبت, ولم أتحصل من مساري عبر دروبها ومنعرجاتها إلا على النصب والمتاعب, ولقد رأيت وسمعت ولاحظت خلال هذه الفترة فترة الشباب الكثير الكثير فيما يخص الذات والأهل والأقربين وفيما يخص الوطن والأمة والعالم بأسره, مثلي في ذلك مثل أي مواطن عربي من ملايين أبناء هذه الأمة, وقد نسيت اليوم كثيرا مما وعيت وبقيت في النفس ربما أشياء قد لا تسمح ظروفي الذاتية أو الظروف العامة بالبوح بها وإزاحة الستار عنها في يومي الراهن على الأقل. ومنذ عامين ودعت نصف قرن من الزمن أحس بشدة ثقله على ظهري وبسخونة حرارته في دواخلي وحسبك بنصف قرن من الزمن, هذه الكتلة الضخمة من الأيام كيف لمثلي أن يطيق ضغطها الرهيب وسنوات ما بعد الخمسين التي بدأت الآ