شهادة انسي الحاج

نوري الجراح
 
 شاعر من سوريا


هذا هو عالمي الداخلي الذي أتحدى

أي ناقد أن يتجرأ على كشفه

* بعد ثلاثين سنة من كتابتي الشعر لا يتحدث الباحثون في شعري إلا عن مقدمة (لن)..!

* أنا معجب بكل الشعراء الصادقين بصرف النظر عن درجة إلتقائي بهم أو اختلافي عنهم.

* لم أكتب نصوص (لن) لأصرع الأدب العربي أو لأدمر التراث أو لأخرب اللغة, بل لأعبر عن الحب ولتنشر في جريدة يومية!

* جذوري الشعرية عربية وليس لها علاقة إطلاقا  بالقصيدة الأجنبية.

* أدونيس وأنا أطلقنا تسمية قصيدة النثر لنعطي القصيدة نوعا  من الوجود الشعري, ونوعا  من الهوية! وبالاستعانة بسوزان برنار استطعنا أن نقترب, مبدئيا, من الشروط المعقولة للخروج من الفوضى.

* توفيق صايغ شاعر عميق ومجدد وجريء وفضلا  عن ذلك فهو مثقف كبير.

* لولا مجلة (شعر) لكانوا اعتبروني شاعرا  وجدانيا !

* أبحث عن الكتاب المتوترين لأنني شخص ملول جدا.

* جبران يشعرني بالضجر...

* فؤاد سليمان أحد الذين أث  روا في   وجعلوني أكتب ما كتبت.

* عندما أقرأ ما يكتب عني لا أجد إلا  الشتائم أو الإسقاطات والاتهامات التي تعكس رغبات كاتبيها. لم يدخل أحد إلي تجربتي ذاتها!

* الذين كتبوا عني لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث, فمرة يقولون إنني تأثرت بكتاب سوزان برنار (قبل أن يصدر كتابها!) ومرة أخرى يقولون إنني متأثر بأنطونان أرتو!

* بروتون أكثر الشعراء الأجانب تأثيرا  في  .

* أنا شخص معرض للتأثر بكل جميل أقرأه ولأي كائن كان.

* لا يوجد بحث حول التجربة الإنسانية عندنا.. هناك وقوف على العتبات والأبواب فقط...

* لو كنت أملك قانونا  يخولني منع الأخرين من كتابة (قصيدة النثر) لفعلت..!

* ليس مهما  في أي شكل تكتب ولكن المهم أن يكون ما تكتبه شعرا .

* كنت أظن أن لا أجمل من الحب حتى اكتشفت الحرية.

* الخلاص من الضوابط التقليدية لقصيدة الوزن لا يعني القضاء على قصيدة الوزن نفسها.

* »لن« هو كوابيس الطفولة والمراهقة... انتهيت من ذلك فشفت  لغتي وتصف  ت .

* عندما كتبت (لن) كتبته وكأنه كتابي الأول والأخير... هو كتاب مخيف فأنا لا أقرأه الآن!

* الباحث عن الوحشية لن ترضيه كتاباتي الأخيرة...

* منذ البداية أسعى إلى خلق التوازن بين الشر والخير, لا أريد أن أتنازل عن أحدهما!

أنسي الحاج شاعر مؤسس وصاحب تجربة فاتحة في الكتابة الشعرية العربية الحديثة. فهو منذ أن أصدر ديوانه الأول (لن) في سنة 1961 بعد عام واحد من صدور الديوان الأول لمحمد الماغوط (حزن في ضوء القمر) كر س اسمه في طليعة كتاب القصيدة الجديدة, وتحول هو والماغوط إلى الشاعرين الأكثر راديكالية وطليعية في العربية. وبالتالي باتا لاحقا , مع أواخر السبعينات خصوصا , إلى الأكثر إغراء بالنسبة إلى شعراء قصيدة النثر العرب الذين أخذوا يفتشون عن أسلاف متمر دين في اللغة وعلى اللغة, وصولا  إلى ؛نص مضاد« على حد تعبير بعض النقد.

تجربة كل من أنسي الحاج والماغوط لم تطلعا من فراغ جمالي فقد سبقتا بنصوص وأسماء عدة نشرت نتاجها الأول ما بين 1948 - 1958 مهدت لهما في سياق ما اصطلح على تسميته يومها بالنثر الشعري أو الشعر المنثور, أو قصائد النثر: ثريا ملحس (النشيد التائه - 1948 (قربان - 1952) (الأردن), توفيق صايغ (ثلاثون قصيدة) 1954 (فلسطين), سليمان عواد (أغاني بوهيمية - 1956 ) (سورية), فؤاد سليمان والياس زخريا (لبنان), فضلا  عما شكله نثر جبران, والريحاني ويوسف غصوب من مقدمات أبكر.

هذه الشهادة أخذتها من أنسي الحاج بالاشتراك مع صديقي الشاعر أمجد ناصر, سنة 1988 خلال زيارة للشاعر إلى لندن أثناء التحضير لإصدار مجلة (الناقد) التي كنا قد اجتمعنا لتأسيسها بدعوة من الكاتب والناشر رياض الريس. كان اهتمامنا - أمجد وأنا- في تلك الأيام, ومعنا كل من صلاح فائق وسركون بولص منصبا  على البحث في جذور قصيدتنا ومصادرها الجمالية والفكرية, وكنا  في تلك الفترة على اتصال متقطع مع كل من عباس بيضون وعبده وازن في بيروت للاسباب نفسها. يومها كان انشغالنا كبيرا  بمراكمة ما أسميناه في ذلك الوقت ب-؛وثائق شعرية« فكانت أولى تلك الوثائق أول ندوة حول قصيدة النثر يعقدها شعراء عرب حتى ذلك الوقت. وقد انعقدت الندوة في بيتي في 09 شكسبير أفينيو وأدارها أمجد ناصر  وشارك فيها صلاح فائق, وسركون بولص وأنا, وقد نشرها يومها في جزءين في مجلة (الأفق) الفلسطينية التي كانت تصدر من قبرص ويحرر ورقاتها الثقافية, وشك ل صدورها دعوة لاحياء نقاش جاد حول قصيدة النثر.

شهادة أنسي الحاج هذه لم تنشر في تلك الأيام لكنها ضاعت بين أوراقي فترة طويلة من الزمن إلى أن عثرت عليها في لندن العام الحالي لدى الصديق الناقد حسام الدين محمد الذي اهتم بحفظ بعض أوراقي, فله الشكر. وهي تضيء تجربة أنسي الحاج الرائدة, وتكشف عن فهمه للشعر وطبيعة عمله على نصه, فضلا  عن أنها تكشف عن بعض مصادره ومراجعه بشيء كثير من الجرأة والحرية في التصريح طالما عودنا عليهما هذا الشاعر.

 

1-  حول الوزن  وموسيقى قصيدة النثر

بدأت في كتابة هذا الشكل الشعري قبل أن نطلق عليه تسمية (قصيدة النثر), وكنت أنشر مثل هذه القصائد في المجلات الأدبية في منتصف الخمسينات قبل أن تصدر مجلة (شعر) بسنتين أو ثلاث سنوات, وكنت أعبر عن نفسي بصورة تلقائية من خلال هذا الشكل الشعري وأنا ما أزال على مقاعد الدرس, فقد كنت أرتاح فيه وأجد نفسي من خلاله. وخلافا  لما قد يظنه بعض النقاد, ففي نفسي إيقاعات عديدة تتناوب بين الشكل الغامض والشكل الأكثر وضوحا . وهذه الإيقاعات لم أكن أجد لها موقعا  يتناسب حقيقة مع نفسيتي وتفكيري في الايقاعات العربية التقليدية. وهنا علي   أن أوضح أن هذا الاستنتاج لم يأت من خلال تجربتي وممارستي للإيقاعات التقليدية, وإنما جاء من خلال دراستي أولا  وقراءتي للشعر العربي. أنا أحب الإيقاع ولم أكتب قصيدة نثر واحدة إلا  وفيها إيقاع, بل وأكثر من ذلك يمكنني القول إن قصائدي تتوافر على الوزن. ليس كما في قصيدة الذئب التي قصدها السؤال, بل إنني أتحدث عن أوزان غير تقليدية كما هو الحال مع بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي, وهذه يمكن أن نسم  يها (أوزان شخصية) غير أنها تبقى أوزانا  في النهاية.

ولو نحن  رجعنا إلى الأوزان العربية التقليدية لوجدنا أنها وضعت استنادا  إلى قصائد كانت موجودة قبل الوصول إلى تقنين الأوزان المعروفة, فكان لكل   شاعر عربي إيقاعاته الخاصة التي يكتب قصيدته على أساس منها.

إذن أستطيع القول إن قصائدي تنطوي على أوزان وليس على إيقاعات فحسب, فالإيقاع موجود في أي كلام نثري مثل الخطب والمقالات وما شابه ذلك إنه إيقاع الدورة الدموية لصاحبها. وهنا أسارع إلى التنبيه إلى أن هذه الأوزان التي أتحدث عنها ليست أوزانا  صالحة للقياس عليها أو لاعتمادها وتقنينها. إنني أبالغ قليلا  في القول لأؤكد أن كتابتي لهذا النوع من الشعر لم تكن خارج الإيقاع الموسيقي تماما, ولا هي عزوف عن الموسيقى تماما , ولا هي ثورة تجهز على الموسيقى, وإنما هي موسيقى أخرى أسميناها في ذلك الوقت الموسيقي الداخلية... ربما كان ينبغي أن نستدرك في تسميتها ما تتواف ر عليه من الموسيقى الخارجية, أيضا . فالحقيقة أن هناك, أيضا , إيقاعا  خارجيا  في هذه القصيدة, قد يكون أحيانا  منسرحا  كثيرا  ويشبه السرد, وأحيانا شديد الإنضباط ويشبه نظام البيت, إنما دون تفعيلة متكررة. وكانت هناك, دائما, بنية إيقاعية لديها هاجس موسيقي يتمثل, على الأقل, في موسيقى الكلمة المفردة, إذا لم يكن يتمثل في موسيقى العبارة, أو البيت.

أما شكل هذه الموسيقى وتفاصيلها فلذلك بحث آخر, لكن الثابت أن كتابة (قصيدة النثر) بالنسبة إلي ترمي إلى تقديم إيقاع موسيقي جديد.

2- حول ما قيل عن تأث ري بالقصيدة الغربية

ما قيل حول تأثري بالقصيدة الغربية الجديدة والفرنسية تحديدا , وما إذا كنت انطلقت منها لأكتب قصيدة النثر, أقول إن هذا الكلام ليس له أي نصيب من الحقيقة. فحتى تلك الفترة التي نتحدث عنها, الآن, لم أكن قرأت قصيدة نثر أجنبية واحدة, وعندما بدأت كتابة قصيدتي لم تكن مجلة (شعر) قد وجدت بعد, كما لم يكن كتاب سوزان برنار الذي أخذنا أدونيس وأنا منه تسمية (قصيدة النثر) قد صدر بعد أيضا ... وقبل كل شيء لم أكن أعرف أن ما أكتبه هو (قصيدة نثر) أصلا !

عندما بدأت أكتب هذا النوع الشعري الذي عرف في ما بعد بقصيدة النثر, كنت ما أزال في المدرسة الثانوية, وكانت التصنيفات الأدبية تنقسم إلى شعر ونثر ونقد وما شابه ذلك, ولم أكن قد اطلعت بعد على التيارات الأدبية الحديثة, إنما كنت قارئا  ومعجبا  بكتاب لبنانيين كتبوا شيئا  من النثر الشعري الذي كان محط إعجابي, خصوصا  أولئك الكتاب الذين جمعوا بين الغنائية والتوتر. كنت أبحث عن الكتاب المتوترين لأنني شخص ملول جدا , لا يحب الكتابة المرتخية, ففي حين كان زملائي معجبين بجبران كنت أتجنبه كثيرا  في ذلك الوقت, فقد كان جبران يشعرني بالضجر... كنت أميل إلى الكاتب الذي أشعر أن كتابته تنبض بين يدي, الكاتب الذي تشعر أنه يصنعك صنعا !

جبران ليس لديه الكثير من هذا, فهو كاتب يخيم عليه السكون. من الكتاب اللبنانيين الذين تأثرت بهم أنذاك أذكر على سبيل المثال فؤاد سليمان الذي اطلعت على كتاباته بالمصادفة وقد أعجبني نبض كتابته خصوصا  في مقطوعاته السريعة لأن هاجسي الحقيقي, أنذاك, كان البحث عن الكتابات التي لا ملل فيها, لم أكن أبحث عن الجانب السياسي أو الفكري في هذه الكتابات, ربما لأنني كنت مصابا  بلوعة الملل إلى حد بعيد, خصوصا  وأن طريقة تدريس الأدب في ذلك الوقت كانت, بدورها, تبعث على الضجر... فالشاعر يجر  د من كل إنسانيته ويتحول إلى لفظة أو حادث تاريخي ويخرج بذلك من إطار الشعر ومن إطار اهتماماته كإنسان ايضا .

فؤاد سليمان أثر في   كثيرا  آنذاك... كان يوقع كتاباته باسم (تموز) وكان يكتب في شؤون متعددة: في السياسة والمرأة والحب والمودة وبأسلوب غنائي متوتر فيه واقعية وفيه رومانطيقية, فيه لغة حية وجديدة. أحيانا  هو لا يتردد في استخدام العامية عندما تكون اللفظة العامية قوية وفي مكانها. فؤاد سليمان شاعر موهوب ومجدد على طريقته دون أن يد  عي التجديد, إنه بحق أحد الذين أث  روا في   وجعلوني أكتب ما كتبت. وحتى عام 1954 لم أكن أقصد أن أكتب شعرا , لكني كتبت بعض المقالات على الطريقة التي ذكرتها ونشرتها. وبعد ذلك اطلعت على كتابات كاتب آخر اسمه الياس خليل زخريا وهو شاعر وكاتب مغمور ومظلوم, وكتاباته النثرية, هي شعر فعلا  رغم أنه كان يرى في كتاباته تلك كتابات نثرية فحسب. تقرأ الياس خليل زخريا فتخال نفسك في كاتدرائية فخمة وشديدة الجمال, كان البعض يشب هه بأمين نخلة ولكنه مختلف, في رأيي, عن أمين نخلة.

باختصار ومن دون الخوض كثيرا  في التفاصيل إن جذوري الشعرية والأدبية هي جذور عربية ليس لها علاقة إطلاقا  بالقصيدة الأجنبية.

جذوري عربية شكلا  ولغة, وتأثري إنما تم على أيدي أولئك الذين أشرت إليهم وخصوصا  عبر لغتهم الحسية... فأنا لا أحب اللغة التجريدية كما إنني أفضل الرسم الحسي على التجريدي... كل هذه الأمور لم يتناولها أحد في إطار الكتابات التي تناولت تجربتي... وعندما أقرأ ما يكتب عني لا أجد إلا  الشتائم أو الإسقاطات والاتهامات التي تعكس رغبات كاتبيها. لم يدخل أحد إلى تجربتي ذاتها.

يتهمونني بالتأثر بالغرب رغم أن التأثر بالشعر الأجنبي ليس تهمة فالشعر موجود لكي يؤثر ولكي يؤخذ, لكن الحقيقة تقتضي أن أقول إن مصادري الأولى كلها عربية, ولا أقول ذلك بفخر ولا بخجل, ولكن لإقرار واقع فقط. وهذه ليست المرة الأولى التي أعترف فيها بفضل من ذكرتهم علي , فالذي قرأ مقدمة ديوان (لن) سيقف على اسم فؤاد سليمان وإلياس خليل زخريا كمصدرين من مصادري الشعرية.

العلاقة بالشعر الفرنسي

اطلاعي على القصيدة الفرنسية الحديثة جاء بعد أن نشرت في مجلة (شعر) وليس قبل ذلك. لكن الذين كتبوا عني لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث, فمرة يقولون إنني تأثرت بكتاب سوزان برنار (قبل أن يصدر كتابها) ومرة أخرى يقولون إنني متأثر بأنطونان أرتو رغم أنني لم أتأثر بكلمة واحدة من شعر أرتو (أظن أن ذلك جاء على لسان سركون بولص في ندوة لمناقشته (قصيدة النثر) وقد عتبت على سركون لأنه شاعر ومثقف وكان عليه أن يمحص ما يقول, إلا إذا كان هو نفسه لم يقرأ أرتو أصلا . ليس لي أية علاقة بشعر أرتو كما إنه ليس لأحد في العالم أي علاقة بشعر أرتو, فهو تجربة محض شخصية ولا يستطيع أحد أن يدخل في تجربة أرتو إلا أرتو, فهذا الشاعر لغته في إطار اللغة الفرنسية نفسها هي غير قابلة للتقليد والتكرار. إنه شاعر كتب بلغة خاصة جدا  عن تجربة خاصة جدا , وهو مغلق إلى درجة أن كثيرا  من كتاباته لا يفهم.

لو كان هناك نقد حقيقي لما كان من المقبول قول ذلك, فالدراسة النقدية العلمية تثبت بما لا يدع مجالا  للشك انتقاء علاقة شعري بشعر أرتو, اللهم إلا أنني كتبت ذات مرة دراسة عنه ونشرتها في (شعر).

طبعا  هذا لا يعني أنني لست معجبا  بشعره, بل إنني ترجمت بعض قصائده ونشرتها في مجلة (شعر) وجاء ذلك من باب الإعجاب بصدقه الكبير, وأنا معجب بكل الصادقين بصرف النظر عن درجة التقائي بهم أو اختلافي عنهم.

التأثر بأندريه بروتون

هناك اعتقاد آخر يقول بتأثري بأندريه بروتون الذي ترجمت له قصائد ونشرتها في مجلة (شعر) وكتبت عنه مقالا  عندما توفي. وإذا كان لابد من البحث عن تأثري بالشعر الأجنبي فلربما كان بروتون أكثر الشعراء الأجانب تأثيرا  في  , ولكن ليس إلى درجة, التمثل أو الطغيان.

أعتقد أن شعري هو شعر شخصي جدا . احتار البعض في نسبته إلى مصادر خارجية في حين أن لا لزوم لذلك. طبيعي أن أتأثر بكل قصيدة جميلة أقرأها ولابد أن تترك أثرا  منها في أعماقي. أنا شخص معرض للتأثر بكل جميل أقرأه ولأي كائن كان.

من الجدير ملاحظة أننا نتحدث عن أمور تبدو معيبة في نظر الآخرين, فمن يستطيع أن يدخل على إيف بونفوا ويقول له أنت متأثر بفلان من الشعراء? من المؤكد أنه سينظر إليه بدهشة لفرط غرابة السؤال, فهو حتما  متأثر بفلان وفلان وهذا الأمر ليس محل تساؤل أو نقاش هناك. أما عندنا فسيكون رد الشاعر:

أنا لم أتأثر بأي كان, أنا طلعت لوحدي, وأنا وأنا!!

3- حول التماس بيني وبين مجلة (شعر) وتيارها, وكيف حدث?

حدث ذلك عندما جاءني يوسف الخال وطلب مني المساهمة في المجلة وكنت آنذاك أعمل محررا  في جريدة (النهار). أظن ذلك حدث في عام 1956. قال لي الخال نريد أن نصدر مجلة للشعر. قلت له وما شأني في ذلك? فحتى ذلك الوقت لم أكن أظن نفسي شاعرا  وما كنت أظن أن ما أكتبه هو شعر, خصوصا  في ظل الشعر السائد آنذاك. فالنصوص التي كنت أكتبها وأنشر بعضها لم يكن لها هوية واضحة بل يمكن وصفها بأنها نصوص لقيطة غير معترف بها وغير مصنفة في إطار الأنواع الأدبية السائدة. ولا أخفيك أنني لم أسر كثيرا  بتصنيف هذه القصيدة فيما بعد, ولكني مشيت في هذا الموضوع على أمل أن هذا التصنيف (أقصد مصطلح »قصيدة النثر«) ليس نهائيا . ويمكن أن أحيل القارىء إلى مقدمة ديواني الأول (لن) حيث أوضحت أن هذا الإطار ليس نهائيا .

ولا شيء نهائيا  في الشعر. غريزتي قالت لي ذلك, وربما يعود الأمر أيضا  إلى طبيعتي المتفلتة من القيود. أما تسمية (قصيدة النثر) فقد أطلقناها أدونيس  وأنا على هذا النوع الشعري وذلك في محاولة لإعطائها نوعا  من الوجود الشعري, نوعا  من الهوية وكيما نوقف التسميات الأخرى مثل: (شعر منثور), و(نثر شعري) وما شابه ذلك. وهنا يخطر لي أن أؤكد أن (قصيدة النثر) ليست مدرسة شعرية وليست تيارا  إنها نوع أدبي كان إلى وقت ما في الأدب الفرنسي هجينا  مثلما كان إلى وقت في الأدب العربي هجينا  وأطلق عليها الفرنسيون في القرن التاسع عشر بواسطة (بودلير) اسم (قصيدة النثر), وتكررت التسمية, ومنذ ذلك الوقت لم يختلفوا عليها.

ولكن قبل أن يطلق بودلير هذه التسمية فقد كانت هناك قصائد نثر فرنسية منذ الثامن عشر, لكنها لم تكن مصنفة, وكانوا يعتبرون أنها كتابات يغلب عليها الطابع الشعري. إذن التسمية, هي اشتقاق, أو استنباط لفظي, نظري لأمر واقع موجود. وكنت قد قلت إن هناك بعض الكتاب كتبوا هذا النوع الشعري بالعربية قبل أن يسمى, مثلما حصل في اللغة الفرنسية, وأنا من هؤلاء, فقد بدأت بكتابة قصيدة النثر قبل أن نتوصل, فيما بعد, إلى إطلاق هذا الاسم عليها, ونشرت فعلا  عددا  من هذه القصائد. وهذا الأمر يشير إلى العفوية التي تعاملت بها مع قصيدتي, فلم أنتظر حتى يتم تصنيف هذا النوع من الكتابة الشعرية لأبدأ بالكتابة... ولعل عدد القصائد التي نشرتها قبل أن نطلق اسم  (قصيدة النثر) أن يكون في حجم مجموعة شعرية وكنت قد نشرت الكثير من هذه القصائد في مجلة (المجلة) الأدبية التي كانت تصدر في بيروت آنذاك. حدث هذا في العام 6591 قبل أن أتعرف إلى يوسف الخال وأدونيس, وقبل صدور مجلة (شعر).

بعد هذا الاستطراد أعود إلى السؤال بخصوص مجلة (شعر) فقد جاء يوسف الخال الذي يتمتع بحدس وذائقة حديثين, وكان قادما  للتو من أمريكا ومطلعا  هناك على التيارات والمدارس الشعرية والأدبية, وقال لي إنه يخطط لإصدار مجلة شعرية, وذكر بعض الأسماء التي ستشارك في إصدار هذه المجلة ومن بينها أدونيس. وكان هؤلاء من الشعراء المكرسين ويكتبون شعرا  موزونا , فاستغربت اقتراحه مشاركتي في مجلة شعرية. فحتى ذلك الوقت لم أكن كما قلت قبلا  أعتبر نفسي شاعرا . صحيح أنني كنت أكتب ما أصبح فيما بعد يعرف بـ(قصيدة النثر) غير أن ذلك لا يعني أن يقترح علي يوسف الخال أن أنضم إلى شعراء كبار!! كنت, آنذاك, صحفيا  وأنشر بين الحين والآخر قصصا  قصيرة وأبحاثا  في الموسيقى... أما كتاباتي الشعرية, فقد كنت أخجل من نشرها لأنني أعتبرتها من الأمور الحميمة والخاصة, أو ما يشبه الاعترافات (لا أزال احتفظ بعدد من الدفاتر غير المنشورة التي تضم كتابات تلك المرحلة... ) فقلت ليوسف الخال ليس عندي ما يفيدك. فقال لي كيف ذلك فأنا قرأت لك شعرا  منشورا  في مجلة (الأديب) و(الحكمة) و(المجلة), هذا ما أريده منك... فهذا شعر.

طبعا  جبرا إبراهيم جبرا كان يكتب شعرا  مماثلا  وعنده كتابات سابقة على مجلة (شعر) كذلك الأمر بالنسبة إلى توفيق صايغ.. وهو, في رأيي, شاعر مهم جدا , وكان من بين الذين قرأت لهم في بدايات اهتمامي بالشعر... وكنت قد اطلعت على مجموعة شعرية, له بعنوان (ثلاثون قصيدة) وكان يطلق على هذه القصائد (قصائد نثر) وأظن أن ديوان توفيق صايغ صدر في عام 1955 أو 1956 . لم أعد أذكر بالضبط, ولكن بين هذين العامين في كل حال... توفيق صايغ شاعر عميق ومجدد وجريء وفضلا  عن ذلك فهو مثقف كبير.

وقياسا  على كل تلك التجارب, اعتبر  يوسف الخال أن هذا النوع الأدبي هو شعر... وقد قلت للخال أنني سأنتظر صدور العدد الأول من مجلته حتى أرى أين يمكنني وضع نفسي فيها, وعرضت  عليه أن أكتب للمجلة نقدا , فأبدى حماسه لذلك... وبصراحة فقد تهي  بت أن  أطرح ما أكتبه على أنه شعر... وتساءلت, فعلا, عن مدى علاقتي بالشعر?! وكنت في ذلك الوقت أطلع على القصائد الحديثة المنشورة في مجلة (الآداب) التي لعبت دورا  فعالا  في الوسط الأدبي... وكان عدد كبير من الشعراء العرب ينشرون قصائدهم في (الآداب) وكنت معنيا  بالبعد العربي الأدبي, إلى جانب اهتمامي بالكتابة اللبنانية إلى درجة الاعتقاد بوجود مدرسة لبنانية في الكتابة.

وعلى صفحات (الآداب) كان يجتمع العديد من الشعراء العراقيين الحديثين أمثال السياب والحيدري والبياتي ونازك الملائكة, ومن سوريا نزار قباني وغيرهم من الشعراء فقد كانت (الآداب) منبرا  أدبيا  مهما  في ذلك الوقت.

لن وأخواته

صدرت مجلة (شعر) وظللت متهيبا  من النشر الشعري فيها, فكتبت نقدا  أدبيا  على مدار عددين أو ثلاثة أعداد, وبعد ذلك بدأت بنشر الشعر... وسمعت في خيالي لغطا  قويا  حول قصائدي, وكنت أتخيل أن الآخرين يضحكون مني... ولم أضم هذه القصائد التي نشرتها لأول مرة في مجلة (شعر) إلى ديواني الأول (لن)... وظللت لمدة من الوقت مصابا  بصدمة لأنني سمعت آراء ساخرة مما كتبت. كانوا يقولون ماذا يقصد بثدييها وحليبها في حين أن الشعراء الآخرين كانوا أشبه بفلاسفة يتحدثون عن قضايا كبيرة لم أكن أفهمها. وكانوا رصينين, فيما كنت مراهقا  كتابيا .

 كثر  اللغط حولي الأمر الذي لم يشجعني على المضي. في ذلك الوقت كنت أكتب زوايا صحفية بأسماء مستعارة في جريدة (النهار), وكنت أمر  بتجربة عاطفية معينة. كتبت مجموعة كتابات حب (أعدت النظر فيها أثناء كتابتي الثانية لها) وهذه شكلت معظم القسم الثاني من ديوان (لن) الذي هو (الحب والذئب) وهي أشياء بسيطة لأنها كتابات حب... لم أكتب هذه النصوص لأصرع الأدب العربي أو لأدمر الترا