مقدمة في الفن المعماري العسكري العماني في الفترة من القرن السادس عشر وحتى الثامن عشر

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

انريكو دي اريكو (باحث ايطالي في شؤون العمارة الشرقية)
ترجمة :هلال بن سعيد الشيباني (باحث عماني)


ان الفترة التي بدأت مع نهاية النصف الثاني مع القرن الخامس عشر، وانتهت مع نهاية القرن الثامن عشر قد ابرزت اتجاها جديدا وكبيرا للعالم ، فقد اكملت الاكتشافات الجغرافية اخيرا معرفة الانسان بأجزاء وتركيب الكوكب الارضي وحملتة بعيدا عن الانطباعات والآراء التي كانت سائدة في العصور الوسطى، والتي تم تبنيها نتيجة الاهمال فى التعامل مع التجارب العملية حول طبيعة الكوكب الارضي، تلك التجارب التي صاحبت رحلات الاستكشاف البحرية ، فلقد غدت المهارات البحرية مهنة تدعمها العلوم الجغرافية والخرائط التي تطورت من تخيلات مخترعة فى العصور الوسطى الى تمثيل ادق للواقع ، ومع الجغرافيا البطليموسية التي اعيد تقويمها باستخدام طبعات جديدة من مخطوطات قديمة اعيدت طباعتها باللغة اللاتينية .

ويجب ألا ينسى ان الجغرافيا البطليموسية فى القرن الثالث كانت قد استنبطت دون الاستفادة من المعدات كالبوصلة او اية معرفة بجغرافية الارض الكروية ، ورغم هذا فقد كانت الاثمن كانت تطويرا قيما للمعرفة فى الفترة الاخيرة من العصور الوسطى وليست محض صدفة انني ركزت على هذه النهضة التي شهدتها نهاية القرن الخامس عشر، وذلك لان النظام البطليموسي كان قد قدم من جديد الى ذخيرة الغرب المعرفية بشكل كبير عن طريق الطبعات العربية فى كتبها الثلاثة عشر المعرفة بـ"المجسطى" Al-Magwsta   والتى نشرت لاول وة باللاتينية فى فينيسيا "البندقية" عام 1475.

وفى عام 1410 الف كاردينال د. ايليس (Carddnaal, Aillys) كتابه المعروف "اميجو موندى" "صورة العالم" "IMAGONODY" والذي تبنى اسسه ايضا على المعرفة البطليموسية ولقد كان هذا الكتاب معروفا تمام المعرفة من قبل كريستوفر كولومبوس ، وقد ساعده على زرع الثقة فى نفسه ليبحث عن طريق بديل يوصل للشرق عن طريق الغرب ، واكتشف العالم الجديد خلال هذه العملية ، ان الكتب ككتاب "انسيولارم اليوستراتوم" لهيزكس مارتليس 1490- الكتاب موجود فى المتحف البريطاني _ يعطى وصفا لساحل افريقيا الغربى.

يقوم هذا الكتاب على تقارير المغامرات ما بين عام 1485 .عام 1489 وخصوصا استكشافات "ديجو كام" وما خلاصة كاردينال د. ايليس الوافية ، إلا قائمة معلومات اخذت من لجغرافيين القدماء وتحتوي عل قدر كبير من العلوم البحرية والجغرافيا الموروثة من العرب كما تحتوي "بيبليوتيسا امبروزيان"  فى ميلان على مجموعات من الوثائق البحرية من القرن الخامس عشر من بينها خرائط عربية ، وبالتالي مع انه كما هو الحال عادة هناك اسماء قليلة فقط اشتهرت مع الاكتشافات العظيمة فى العالم ، فعلى الرغم من ذلك فإنه يجب تذكر تاريخ البحارة العرب منذ الازمنة الغابرة والذين مخروا عباب المحيطات واستخدموا الادوات العلمية ورسموا الخرائط لتجعلهم قادرين عل التكيف مع هذه الاجهزة ، وهناك وصف دقيق للنشاطات البحرية العربية يحتوى على وثائق عن الرحلات البحرية للصين وماليزيا، والتي قام بها بحارة الخليج قدمها "جى اف حوراني" "1951"، كما يجدر بالذكر ان الرياح الموسمية قد عرفت جيدا قبل ان يعرف فائدتها البرتغاليون بزمن طويل ، لان البحارة من الامم الاخري من غير الاوروبيين كانوا قد بحثوا عن طرق جديدة للملاحة فى ازمانهم وبقوة وذخيرة علمية مساوية للاوروبيين .

ومع بداية عصرنا الحالي تطورت الاتصالات بشكل كبير جدا واستحدثت علاقة جديدة بين الشرق والغرب ، ولقد تطورت هذه العلاقات فى وقت متأخر نتيجة التنافس البحري بين اسبانيا والبرتغال ثم بين هولندا وانجلترا فى حين ان الدول التي بينها دشنت الطرق البحرية الاوروبية الجديدة ومع انه لم ينته اي من هذه الى فراغ ، فإنه نادرا ما حقق احدهم اهدافا ذات اهمية من غير ما معونة ، وقد كان هذا حقيقة للبحارة كما كان لصانعي الخرائط ، ويشكك بعض الناس الان فيما اذا كان فاسكودى جاما قد استعان بالبحار العماني احمد بن ماجد للوصول الى الشرق .

ولكن بما ان العمانيين قد لعبوا دورا تجاريا كبيرا عل هذه الخطوط الملاحية فإنه يبدو افتراضا مقبولا جدا ان فاسكودى جاما قد استعان بعماني، فبالتأكيد ان عرب الخليج كانوا يتاجرون حول المحيط الهندي لقرون عدة "كيركمان 1976" كما ان شرقي افريقيا قد وهبت ثراء عظيما نتيجة استقرارهم هناك ومن الامور التاريخية الموثقة انهم تاجروا مع بلدان الشرق الاقصي.

مع حلول القرن الخامس عشر وصلنا الى مرحلة ازدهرت فيها ثقافات العالم المعروف اكثر مما حدث فى عدة قرون اخري، فلقد كان حوض البحر الابيض المتوسط محور حضارة اوروبا الجنوبية ، كما لعب دورا مماثلا للشرقيين ومسلمي شمال افريقيا "براودل 1972" ولقد كان الشرق الاوسط همزة الوصل بين اوروبا والشرق الاقصي ولهذه المنطقة الغامضة _ الشرق الاقصي ء ادارت العربية وجهها البحري.

ونتذكر الأن ان مملكة غرناطة فى اسبانيا كانت حتى عام 1492 معقلا للا سلام فى شبه جزيرة  الاندلس واستمرت حتى بعد طردهم من صقلية وجزر البحر الابيض المتوسط .

ومع ذلك فعلى اية حال لقد كان هناك نشاط تجاري كبير وتبادل كبير فى الافكار بين الثقافتين خلال فترة العصور الوسطى اكثر بكثير من القرون التي تلت ذلك .

وقد اثر هذا على كل مظاهر النشاط الحياتي ابتداء من اصغر الاشياء كالزينة وحتى الادب والعلوم والمعمار ويحق ، لقد كانت استمرارية الثقافتين حتى القرن الخامس عشر عظيمة

جدا حتى اصبح من المستحيل تحديد على اي اسلوب تتشكل صقلية فى الحس المعماري "الاوروبي _ النورمانى - ام الغربي" والمصطلح الوحيد الذي يصح اطلاقه عليه هو تحويل نورمان الى "العربى _ النورمانى" كما هو الحال فى اسبانيا حيث "العربى  الاسباني" هو الملائم اكثر للفن المعماري فى تلك الفترة "بافون والدونادو 1973"، ان الاحساس بهذه الخلفية والاخذ فى الحسبان بغياب الفروق التي ظهرت بين كثير من الناس فى العالم فى وقت قريب نسبيا فقط انما نستطيع تقديرها فى الحقيقة ، فقد كان هناك كثير مشترك سواء فى التقاليد او فى الممارسات اليومية للامم المحيطة بالبحر الابيض المتوسط والفن المعماري هو احد هذه الاساسيات .

يمكن القول بأنه  بعد اعادة فتح غرناطة كان الاسبان هم المحطمين الذين كانوا يعملون ضد المرافىء العربية ، على نفس النمط الذي حطم به العرب ، وثقا فتهم ثقافة الارض الام كأمواج المد، وبما ان ما يعنيني فى هذا الموضوع يبدأ مع القرن السادس عشر، فإنني لا استطيع اهمال الحديث عن البرتغاليين فى مسقط ولكن باعتبار المنشأة فإنه لايمكن التحديد بالضبط متى واين كانت الفواصل بين فن معماري واخر اخذين فى الحسبان قلعتي الجلالي والميراني، كما يجب الاخذ فى الحسبان ايضا بأن الفن المعماري هو شىء اساسي للناس فهو ينشأ من اعماق انفسهم وظروفهم ويظهر كتعبير عن ادراكهم فالبناء وهو وضع حجر فوق اخر، وجدار مقابل لاخر، ومن ثم ختام البناء ليشكل منازل وقرى ومدنا وعواصم ، يجد تعبيرا مشتركا فى العمل لدى قروي البحر المتوسط وقرينه المسلم فكلاهما توحدا فى البساطة وارتبطا بأبسط الادوات وهى ايديهم .

بتذكر ان اوروبا والشرق الاوسط لم يكونا فى اي وقت من الاوقات منفصلين تماما، فإننا نستطيع الرجوع الى تاريخ هذه الفترة ، فلقد ابحر فاسكودى جاما من لشبونة فى يوليو من عام 1497 بغية اعادة طريق جديد الى الهند عن طريق رأس الرجاء الصالح والذي اكتشفه باراتلوميودياز عام 1436.

ولقد وصل فاسكودى جاما الى كلكوتة فى 28 مايو 1498 وعاد الى لشبونة فى سبتمبر من نفس العام ، وذلك بإكمال رحلة العودة فى اربعة اشهر بدلا من عام كامل ، وهى الفترة التي استغرقها فى الوصول الى كلكوتة ، ولقد مكنت هذه الرحلة البرتغاليين من احتكار التجارة مع الشرق والتي استمرت مائة وخمسين عاما "بوكسر 1935، 1973، 1980"، "بوكسر دي اذيفيدو 1960، باري 1963".

ان اول ما قامت به البرتغال هو تعيين "افونسودى البوكيرك" قائما على الهند، ولقد بسط .هذا السلطة البرتغالية على طول ساحل افريقيا الشرقية  واستولى  على جزيرة سو قطرة وهرمز    ومسقط بين عامى 1505 و 1509بنية اغلاق الحركة فى البحر الاحمر والخليج . وفى وضع مشابه - قبل فاسكر دي جاما _ جاكليمو دي آدم اقناع الجينوسى والمالديفيين ببناء اسطول بحري فى هرمز بقصد حصار سلطان مصر فى البحر الاحمر عام 1507 وفى عام 1650 سيطر البرتغاليون عل التجارة فى المحيط الهندي، وقد استخدمت مسقط كقاعدة للتموين فقط ، كما انه لم يكن فى استطاعة البرتغاليين بجانب انهم لم يرغبوا فى مد سيطرتهم الى داخلية عمان وذلك بسبب كره وعداء سكان داخلية عمان للبرتغاليين .

ليس المعرفة العلمية وعلم الخرائط فقط هما كل ما ازداد وتطور فى هذه المرحلة وانما شهدت هذه المرحلة حدثا مهما جدا وهو ادخال البارود فى الحروب .

ففي عام 1325 ظهر البارود لاول مرة فى المعارك وهو يتكون من الكبريت والملح الصخري والفحم النباتي، ولقد استجلبت هذا من الشرق الى الغرب وسر عان ما اصبح العنصر الاساسي فى الحروب ، وبحلول القرن الخامس عشر تم تعديل التقنيات بشكل كاف لجعل المدافع سلاحا خطيرا، ومما يجدر ذكره انه كان باستطاعة مدفع مونسمج رمى كرة حديدية لمسافة 1286 مترا ورمى كرة صخرية لمسافة 2620 مترا وهذا المدفع موجود الآن فى قلعة اد نبرا وقد اعطى عام 1449 لدوق بورجوندي "تيدى 1972" ويبلغ طول هذا المدفع 4.5 متر وقذيفته من عيار 457 ملليمترا، وفى القرن الخامس عشر استولى الاتراك على . كونستانتينبول بمساعدة المدفعية وذلك باستخدام مدفع استثنائي بطول فاق خمسة امتار، وتعرض الآن بعض المدافع التركية من نفس الفترة في برج لندن بعد ان اخذت من عدن عام 1839، وهذه المدافع ذات حجم مؤثر ويبدو أن وزنها يربو على سبعة اطنان "سيرجنت 1974" ولقد كان هذا النوع من المدافع صعب التحريك فى القرن الخامس عشر، بالتالي تم تقديم البنادق اليدوية كسلاح خاص بالمشاة ، ويعود الفضل لهذه الاسلحة الجديدة فى ان البرتغاليين استطاعوا التغلب على المقاتلين الوطنين الذين كانوا يستخدمون الطرق البدائية ، وعلى اية حال فانه لما كانت هذه البنادق سهلة التصنيع طويلة العمر، فإن السكان الوطنيين ادركوا اسلوب عملها واتقنوا كيفية تصنيعها بسرعة كبيرة وفى الحقيقة ان رماة البنادق فى عمان اصبحوا مشهورين فى شؤون الحرب .

لقد ادرك البرتغاليون قلة افراد سلاح المشاة عندهم ومدى عداء الشعب العماني لهمم وبالتالى عندما احتلوا مسقط اختاروا افضل المواقع علوا وبروزا لبناء قلعتي الجلالي والميراني، ولقد عزز هذا التخطيط مقع الدفاع الطبيعي الممتاز للمنطقة .

وعلى الرغم من ذلك فإن مسقط لم تستطع الاستقرار مع كل دفاعاتها لكونها كما كانت دائما موضعا للمخاوف والاخطار ولقد كانت التحسينات والتطويرات تسير بشكل دائب كما يشير الى ذلك "بيترو يلافيل" فى رسالته التي بعث بها من مسقط والمؤرخة فى 19يناير 1625، ففي هذه الرسالة يشير الى عظم الحماية الطبيعية التي تمنحها الجبال لهذه المدينة ، كما يصف تحصينات المرفأ مشيرا الى ان البرتغاليين قد بداوا بناء سور صلب لحماية المدينة وبعد هزيمتهم فى هرمز قام البرتغاليون ببناء بروج للمراقبة لتقوية الخطوط الدفاعية والتي اذكر من بينها البرجين اللذين فى مطرح وهما اصل القلعة الحالية ، ومن اكثر من اشتهر باشتراكه فى هذه التوسيعات القائدان البرتغاليان "روى فرايردى اندريا ونونو الفيرس بوتليهو" وقد كانا المسؤولين عن اعادة تنظيم الخطوط الدفاعية فى المحيط الهندي ومحاولة اعادة اخضاع هرمز.

لقد لعبت مسقط دور قاعدة بحرية خلال الوجود البرتغالي فى عمان ، ولم تكن لديهم ابدا اية مساع للتوسع داخليا لان مقصدهم كان ضمان امن الحركة الملاحية الى الهند الشرقية ، ونلاحظ ان المواقع العسكرية كصحار كانت تفقد وتعاد بالتعاقب من قبل البرتغاليين «بوكسر 1975» وبدون شك فقد بقيت مسقط أقوى القواعد  لمحصنة فى الجزيرة العربية ، وقد لعبت دورا مهما جدا خلال فترة النزاعات التي قامت بين البرتغاليين والهولنديين والانجليز مع التدخل الدوري من الاتراك والفرس ، وبعد فقدان هرمز فى عام 1622 اصبحت مسقط ذات اهمية اكبر للبرتغاليين ، ومن المؤكد ان الهزيمة في هرمز قد اورثت انخفاضا كبيرا فى مدى الاستقرار البرتغالي فى الهند، ويستطيع المرء ادراك مقدار المجهود الذي بذله البرتغاليون لاستعادة المناطق التي كانت تحت سيطرتهم عن طريق قوادهم المشهورين ، ولقد ركزوا قواتهم فى مسقط واليها توجه الاسطول الذي بعثه ملك البرتغال للمسا عدة فى استعادة المضيق ، وكما ذكرنا فإن التحصينات قويت فى مسقط فى عام 1626 تحت امرة "روى فراير دي اندريد "وذلك للدفاع ضد هجمات الفرس الذين كانوا متحدين في ذلك الوقت مع الانجليز والهولنديين .

وفى عامي 1632و1633عادت هذه المخاطر مرة أخرى لكن ممارسات روى اندريد فى البحر وغياب الفرس بسبب وفاة خان شيراز كانت من اكبر العراقيل لقيام هجوم مباشر على مسقط ، فضلا عن الدفاع عن انفسهم ، ولم يفكر الهولنديون والانجليز بالهجوم على مواقع البرتغاليين فى مسقط بدون مساعدة سلاح مشاة الفرس وحتى بعد وفاة د.روي فراير دي اندريد وانخفاض القدرة الدفاعية للمدينة .

ولقد اوقف الخطر الانجليزي عل البرتغال بتوقيع معاهدة بين البلدين عام 1635"يوكسير 1935" وفى عام 1581، اي قبل اربعة وخمسين عاما استطاع القائدان التركيان «بيرى ريز وعلى باي» مهاجمة مسقط وتدمير

الابراج تدميرا كاملا، وقد عرف بيري ريز الخريطة المدهشة التي وقعت بين يديه برا ودل 1972، سيرجنت 1974» لقد كانت   هذة نكسة مؤقتة للبرتغاليين ولكنهم استطاعوا بث نفوذهم مرة أخرى وللمساعدة فى ذلك فقد ارسل المهندس المعماري الايطالي سي بي كايرات " من ميلان الى مسقط :عادة بناء القلاع فيها ددماجيوروتى 1939، كيركمان 1974، بوكسردي ازيفيدو 1950".

شهد القرن السادس عشر فى اوروبا رسوخ النهضة الايطالية وانتشارها عبر القارة ، وقد كان احد التجديدات التي لا تعد ولا تحصى في ميدان الفن المعماري لعسكري وذلك عندما تأثرت مدرسة للهندسة المعمارية بأشكال جديدة وصممت كل المواقع الدفاعية العسكرية الاوروبية ، ويكفى تذكر اثنين من اشهر مؤلفي اعظم الرسائل فى الفن المعماري وهما "فرانسيسكو دي جيورجيو مارتيني" "1439- 1501" وقد قاد هذا اتجاها كاملا لمجموعة من الفنانين المعماريين فى القرن السادس عشر و"انتونى دي سانجالو الاصغر" (1485 -1546).

ويعتبر هذا الموجد للنظام العسكري ألدفاعى لفترة ما بعد القرون الوسطى وقد

كان نظامه ضروريا وذلك بإدخال المدفعية وتصميم المعاقل  بأشكال مضلعة ، ولقد تبعهما على منهاجهما بعض افراد عائلة السنجالوك تراتاجليا، ليون تاتيستا البرتي، هاجى وكاستريوتو، كاتاينوب فلورياني ساميشيلي "واخيرا بالطبع " ليونارد  دافنشى ومايكل انجلو" ان ارباب الهندسة هؤلاء اثروا كثيرا فى المعماريين الاجانب الذين ذهبوا الى ايطاليا فى القرن السادس عشر، ولقد كان "بدرو لويس سكريفا" احد هؤلاء وقد عمل هناك فترة طويلة وكتب رسالة خاصة به فى الفن المعماري العسكري ولما كانت عليه المدرسة الايطالية من اهمية فقد بعث "دون جون الثالث" حاكم البرتغال "فرانسيسكو د. اولاندا" الى ايطاليا فى عام 1537 ليرى ويسجل الفن المعماري العسكري الجديد "جون باري، فرانسيسكو د. اولاندا " مصدر غير معروف كثيرا ولم يقتصر الحال على زيارة ايطاليا فقط بل تكونت شهرة دولية ادت الى استدعاء المعماريين الايطاليين الى الخارج بأنفسهم فلقد عمل "اندريا كونتوكسي ال سانسوفينو" فى البرتغال فى التسعينات من القرن الخامس عشر كما كان هناك ايطالي آخر هو "بوتاكو" والمعروف بـ "بوتياك" فى البرتغال وقد كان الاخير مسؤولا عن كنيسة الكنفنت فى بيلم واعداد التحصينات وتركيب الدفاعات في شمال افريقيا، وكان ايطالى أخر هو  "فيليبوتيرزى" هو الذي بنى التحصينات لسانت فيليب فى احد المباني فى سيتابل فى لشبونة وهو مبنى دمج احدث التجديدات وقد كان المخطط بشكل نجم غير اعتيادي ومتاريس ومعاقل فى نقاط التقاء مع النجم .

ليس من المدهش فى هذا السياق ان يكون فيليب الثاني "ملك اسبانيا" _ الذي ضم

البرتغال تحت سيطرته - شغوفا بالهندسة الايطالية ولهذا اختار "بليجرينو تيبا لدى» لتصميم قصر الاسكوريال ، وتحت ظروف مشابهة عين "سي بي كاير ادت " عام 1584 كبيرا للمعماريين "استادو داز اند باز" وطلب من لشبونة الى جوا، حيث اعاد فيها تصميم الدفاعات وارسل اخيرا الى هرمز فممباسا ومن ثم مسقط حيث اكمل اخيرا النظام الدفاعي لقلعة الميراني بالحاق القواعد وقد جعلها على مستوى البحر.

كان على البرتغاليين الدفاع عن مسقط ضد العدو الخارجي سواء من البر او البحر، ولهذا لم تذهب آثار عزمهم هباء، وقد نتج عن ذلك رسوخ الثقة فى المواطنين داخل الدولة مما قاد الى تكبيد البرتغاليين الهزيمة وطردهم من مسقط فعمان فى 23 يناير 1650 بقيادة الامام سلطان بن سيف اليعربي والذي استطاع بعد حملته العسكرية تنظيم شؤون الاقليم العماني وارسال المساعدات الى العرب فى شرق افريقيا فى نضالهم ضد البرتغاليين ، ولقد اعطته سيطرته على الموقف الفرصة لتشكيل قوة وطنية ولمساعدته فى ذلك تم بناء تحصينات كثيرة لضمان الامن فى الاقليم .

ولفترة ما خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كان يحدث فى اوروبا تغيير جذري فى التشكيل المعماري فأهملت التصميمات الدفاعية بشكل تام . 

لقد حلت الحصون محل الابراج وادخلت الاشكال الهندسية خصوصا كالمثمن والشكل الاثني عشري الاضلاع وحلت تصميمات اكثر تعقيدا محل المعمار القائم عل الوحدة لمربعة ، وتدريجيا بدأ يظهر فى اوروبا فصل بين الهندسة المعمارية العسكرية والمدنية ، بينما فى عمان اصبحت عناصر التصميمات العسكرية جزءا من الادراك الوطني، والذي نلمس عناصره وقد ابرزت كنقوش نقية ، وفى الحقيقة فإن المعمار المدني يبدو قائما على مستوى  اقل من الذي فى القلاع والحصون ، لقد كانت الجلال و الميراني أول القلاع العمانية التي قامت على التقنيات البالستية مع أنها استنبطت من الفن المعماري لما قبل اختراع البارود، وعلى اية حال فإن التغيير المهم هو فى  شكيل الابراج .

ففي القلاع التي بنيت قبل اختراع البارود كانت الابراج فى كل زاوية من زوايا القلعة كما كانت على وجهات الجدران الكبيرة ، وما قلعتا الرباط وسوسة إلا من اقدم الامثلة الاسلامية على هذا النوع والذي اثر لاحقا فى البناء العسكري الصليبي، كما اثر فى الفن المعماري المغربي وفى جنوب ايطاليا وشبه جزيرة الاندلس ، وفى عمان استمر هذا التقليد وادخل فى بناء قلعة بهلا، وبعد ادخال البارود استبدل هذا النوع بأبنية ذات مربع مركزي او مستطيل مع زوج من الابراج القطرية المائلة فى مقابل بعضهما وهى اهم الابنية التخطيطية فى المبنى وقد طورت الجدران وضخمت بحيث تستطيع امتصاص ضربات المدافع دون احداث خرق شديد فيها وقد ساعد على عدم الاختراق انخفاض سرعة القذائف من المدافع وذلك لان قوة البارود الدافعة لم تكن قوية ، كالمعروفة الأن ولانه لم يكن بالاستطاعة التنبؤ بمسار القذائف ، ولكن انتشار النار على الرغم من ذلك كان يمكن المهاجمين من الوصول الى المبنى وفوق هذا فقد كان لها اثر نفسي لان الشرارة والفوضى تبعث رعبا كافيا في النفوس ، لقد كانت الابراج النقاط المركزية للنظام الدفاعي القائم على تركيز عدد قليل من المدافعين مدججين بكميات كبيرة من الذخيرة ضد عدد كبير من المهاجمين ليست لديهم المدفعية الثقيلة التي لايمكن نقلها عبر البلاد.

وهذا النظام الدفاعي هو احد عناصر المعمار العسكري العماني والذي هو جزء من النظام العسكري الاسلامى المنتشر من بلوشستان الى شمال افريقيا.

ومما يجدر ذكره ان الابراج هى ايضا مواقع للم الشمل تسمح للمحاصرين القيام بهجوم مضاد تحت غطاء من نيران المدفعية كما ان الزيادة فى ارتفاع البرج تسمح بتكوين ميدان اكبر للنيران ، اذا انه كلما كان المدفع فى موقع أعلى فإن مدى نيرانه يكون اكبر وقد كانت القذائف المنطلقة من البرج قادرة على الوصول الى المهاجمين قبل ان تصل نيرانهم الى نطاق القلعة وكانت الابراج أعلى مما كانت عليه قبل ذلك لان المسار المنخفض لقذائف المدفع التي يطلقها العدو من على الارض لايمكن ان تصل بسهولة الى اماكن المدافع الموجودة فى أعلى السقف ، ان ادخال المدافع الكبيرة جعل من الضروري بناء ابراج دائرية تتسع بشكل كاف لارتداد المدافع عند الاطلاق بالاضافة الى اتساعه لتعبئة اكثر من مدفع في آن واحد، إن هذه الوحدة _ مقارنة مع قواعد الاطلاق الحدثية _ تتكون من عدد من المدافع تطلق نيرانها معا مع ظهور فوهات المدافع فقط تقذف من قواعد الاطلاق وبقاء الرماة محميين بالمرامي خلال الاطلاق كما كان عدد المدافع كافيا لتشكيل حلقة دائرية من النيران مع اجنحة نارية لحماية المنطقة المركزية .

اضافة الى ذلك فقد كانت هناك حلقة من الثغرات في ارضية المنصة لتسمح للرماة بحماية القاعدة اذا ما تسلل اي من الاعداء نحو البرج وخرج عن نطاق نيران المدفعية وقد كان من المعتاد ترك المنصة مفتوحة من الأ على حيث انه خلال عمليات الامداد تخرج كميأت كبيرة من الغارات السامة من المدافع .

وقلعة الحزم التي بناها الامام سلطان بن سيف اليعربي دمجت كل هذه المميزات واصبحت نموذجا للعديد من التشكيلات الدفاعية لاحقا وقد بنيت هذه القلعة قرب الرستاق التي هي موقع لاول امارات الازدهار للاستقلال العماني.

وللعودة الى النظام العسكري الدفاعي الذي بناه البرتغاليون خلال فترة وجودهم  فى مسقط والمناطق الساحلية الاخري فإنه يجب ان ندرك ان التركيز على الدفاعات الطبيعية بدلا من بناء تشكيلات عسكرية ضخمة كالتي يمكن مشاهدتها فى هرمز، وعلى طول الساحل الغربى لافريقيا وفى الهند حيث ان التصميمات واحجامها وربما حتى الاحجار قد استجلبت من البرتغال .

لقد رأينا كيف ان الفن  المعماري العسكري البرتغالي قد تأثر مباشرة بمدرسة النهضة الايطالية الأولى مع الخصائص المعمارية للاستحكامات والمنصات والتي تبناها الأن بناة القوات العسكرية الاسبانية ، ان قلعة سيتوبال قرب لشبونة ، ونجاح المستعمر فى قلعة عيسى، وقلعة هرمز كلها نتاج لهذا الطراز النظامي، ومهما يكن فإن مسقط بموقع استحكاماتها الطبيعي كانت بسيطة فى تخطيطها حتى فى مراحلها الأولى ، كما كانت علاقتها بالمدافع فى المعمار العسكري فى تلك الفترة قليلة جدا، وهذا يؤكد ان اشكال الاستقلال للنموذج المستخدم عادة فى الخارج كانت تستخدم منذ مراحل التنشئة الأولى لبنائها، بالتالي فإنه يفترض وجود خصائص اقليمية فيها بشكل اكبر، هذه الانفرادية يمكن شرحها فى الحقيقة - كما ذكر ذلك "دون جارسيا دي سيلفا" عندما موضع بأن موضعها القلاع على قمة الجبال كان عاملا اكثر اهمية للفائدة الدفاعية من تصميمها الجوهري، ومن المؤكد ان تخطيط قلعة الميراني فرضته العجلة للبنا،ء كما لم يكن هناك الوقت الكافى لعمل خطة مفصلة كما كان النقص المستمر فى الايدي عاملا أخر اتعب البرتغاليين ، والذي نتج عنه ان استعين بالمهنيين المحليين لبناء القلاع ، وهؤلاء نتيجة لاستخدامهم التقنيات المحلية ، قد تركوا طابعا لاينمحى على هذا المعمار ولقد كان احتجاز المعماري الايطالي كايرات غير كاف لاكساب الدفاعات خصائص الاسلوب الاسباني المناسبة والتي استطاع تحقيقها فى تصميمه لقلعة عيسى حيث استخدم خارطة استوحاها من اشكال النهضة الايطالية الأولى وقد كان كايرات هو الذي اصلح الاعطاب التي احدثها الاتراك وحسن الدفاعات فى خليج مسقط الذي كان فى حالة من التأهب بشكل مستمر لقد قدم كايرات مع استعجاله منشآت دفاعية كان عليه دائما ان يؤقلم نفسا مع الظروف لانجازها، ومثالا على ذلك عندما عجل البناء فى هرمز بتبنى حيلة اقتصادية بأن دمج البيوت المحيطة بالمدينة مع الحائط الدفاعي.

ومع وضع هذا فى الاذهان يستطيع المرء تقدير كيف ولماذا ان المنشآت الدفاعية فى مسقط اتسمت بأسلوب منفرد والذي بسبب التغييرات التي احدثها فيه العمانيون لاحقا وجه بعد ذلك الفن المعماري العسكري للدولة .