هرمز المملكة التي ابتلعها التاريخ

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

محمد صابر عرب(استاذ التاريخ الحديث في جامعة السلطان قابوس)


لقد عرفت مدينة سيراف كواحدة من اهم المراكز التجارية فى الشرق بحكم موقعها المتميز على الخليج العربى لذا فقد. وصفها ياقوت الحموى بانها من اغنى بلاد فارس (1).

ويبدو انها لعبت دورا رئيسيا فى حركة التجارة خلال العصور الوسطى مما جعلها فى مقدمة المراكز التجارية فى الشرق حيث تستقبل البضائع القادمة من اوروبا كى تمر بها الصادرات الآسيوية لذا فقد كانت من اغنى المدن الفارسية بعد شيراز (2).

لقد بقيت مدينة سيراف تؤدى دورا فى حركة التجارة العالمية خلال القرنين الحادى عشر والثانى عشر الميلاديين الى ان اغار عليها المغول ودمروها فاذا هى اطلال لايقطنها سوى صيادى السمك وبهذه النهاية المأساوية انتقل النشاط التجاري الى مدينة هرمز القديمة على الساحل الفارسى، بالقرب من ميناء ميناب (3).

وعلى ما يبدو فان هرمز هذه لم تستطع ان تجذب اليها التجار كما كان الحال فى سيراف سواء بسبب غارات البدو والقراصنة او لانها كانت مستهدفة من قبل التتار مما دفع بحاكمها "شهاب الدين " الى الانتقال الى جزيرة اطلقوا عليها اسم بلدهم الاول "هرمز" على الرغم من ان الاسم القديم "جردن " قد ظل مستعملا فى حالات قليلة كما ورد فى احدى رسائل توران شاه الى ملك البرتغال عام 1522 (4)..

وخلال فترة زمنية قصيرة لعلها قد استغرقت جزا من نهاية القرن الثانى عشر استطاعت هرمز الجديدة ان تلعب دورا فاعلا فى حركة التجارة العالمية بحكم موقعها فى الخليج العربى، فى نهاية القرن الثالث عشر زارها الرحالة الايطالي الشهير ماركو بولوMarcoplo  وسجل انطباعه عنها قائلا:

"يفد التجار على هرمز من الهند وسفنهم محملة بالتوابل والاحجار الثمينة والاقمشة الحريرية والعاج ثم يتولى تجار هرمز بدورهم نقل تلك البضائع الى اسواق العالم انها مدينة عظيمة وثمة كثير من المدن والقرى تخضع لها" (5).

وفى منتصف القرن الرابع عشر وفد ابن بطوطة فى رحلته الشهيرة الى الخليج حيث زار هرمز وكتب عن اهميتها الاقتصادية قائلا: "هى جزيرة مدينتها تسمى جردن واسواقها حافلة وهى مرسى الهند والسند ومنها تحمل سلع الهند الى العراق وفارس وخراسان "(6).

 ولعل اجمل ما قيل فى وصف هذه الجزيرة ما ذكره الاب رانيل Raynal الذى وفد على الخليج فى نهاية القرن الرابع عشر فى مهمة لعلها تتعلق بالتنصير ويذكر الرجل انطباعاته قائلا لقد اصبحت هرمز عاصمة لامبراطورية تشمل جزءا كبيرا من بلاد العرب وجزءا أخر من فارس والمنظر الذى يشاهده القادم الى هرمز اعظم ما يمكن ان تقع عليه العين فالتجار من جميع انحاء العالم يتبادلون سلعهم ويرتبون اشغالهم بمنتهى الادب واللياقة والشوارع مغطاة بالحصر وفى بعض الحالات بالبسط كما ان الاغطية الكتانية المعلقة من الاسطح تقى الناس من حر الشمس والبيوت تزينها مزهريات وتحف عن الهند والصين والزهور والنباتات العطرية متناثرة فى كل مكان وماء الشرب يقدم الى الناس فى الساحات العامة (7).

 لقد استطاعت هرمز ان تتبوأ مكان الصدارة منذ القرن الثالث عشر الميلادى حين اصبحت اهم سوق تجاري فى الخليج واكبر منافسى لميناء قيس الذى ازدهرت التجارة فيه بعد تدهور سيراف (8).

ويؤكد الكتاب الفرس على ان مدينة هرمز كانت مدينة فارسية بحكم نشأتها الاولى إلا ان توران شاه الذى حكم هرمز عام 1516 ينفى هذا الزعم مشيرا الى ان مؤسس هذه المملكة شيخ عربي وفد من عمان الى فارس ثم انتقل الى هرمز واسس بها هذه المملكة ويؤكد هذا الرأى احد المؤرخين الايرانيين حيث يذكر انه فى عهد ملوك بني قيصر كان القسم الشرقى من الخليج "ميناب وعمان وهرمز" تحت سيطرة حكام عرب اتخذوا من هرمز عاصمة لهم ويدعون انهم من سلالة الازد العمانيين ويسمى اميرهم "محمد" الذى استقر فى هرمز وضرب العملة باسمه فلقب بمحمد درهم (9).

ولعل ما يضاعف من قناعتنا بأن هرمز كانت عربية الطابع منذ نشأتها تلك الهجرات العربية التى لم تنقطع عنها وكانت فى معظمها من عمان ويذكر الرحالة "دوراتى بربوزا" الذى زار عددا من مدن الخليج وحدد الاماكن التابعة لمملكة هرمز ومن بينها "قلهات " و"قريات " و"مسقط " و"صحار" يؤكد الرحاله ان اللغة العربية هى السائدة وان غالبية السكان من العرب وحكامها من سلالة الازد وهم اهل اداب حضرية (10).

اما المصنفون الجغرافيون المسلمون كالاصطخرى والمقدسى والادريسى فإنهم يؤكدون على عالمية المدينة حين يتحدثون عن سكانها الذين يخالطهم الكثير من التجار الفرس والهنود والبلوش والترك والعرب والاوروبيين الى الحد الذى كانت تظهر فيه المدينة كمنطقة تجمع عالمية وان احتفظت مع ذلك بطابعها العربى والاسلامى.

لقد بلغ عدد سكان الجزيرة مع نهاية القرن الخامس عشر حوالي اربعين الف نسمة من المسلمين اضافة الى اقليات من الهندوس واليهود والمسيحيين ولعل هذا ما جعل المصنفين الجغرافيين يعتقدون بأنها مدينة عالمية الطابع وظاهرة تعدد الديانات تنم عن الطابع الحضاري الذى تميزت به الجزيرة.

واللافت للنظر تلك المكانة السياسية والاقتصادية التى شغلتها هرمز على الرغم من مساحتها الصغيرة وهى ظاهرة استرعت انتباه المؤرخين ولعل ذلك لايبدو مستغربا بالنظر لموقع الجزيرة المتميز فى قلب الخليج مما مكنها من السيطرة على جزء كبير من حركة التجارة العالمية، حيث تحولت تلك الدويلة الصغيرة الى ما يشبه المدينة الحرة، حيث يرتادها الاجانب من كل بلاد الدنيا فى الوقت الذى كانت فيه تجارة آسيا تسلك طريقين أساسيين احدهما طريق البحر الاحمر الى السويس والطريق الثانى عبر الخليج العربى الى البصرة ثم حلب الى سواحل الشام.

ويلاحظ ان طريق الخليج منذ القرن الثالث عشر وحتى مقدم البرتغاليين فى بداية القرن السادس عشر كان اكثر رواجا بسبب تحكم هرمز فى الخليج مما مكنها من الاجهاز على حركة القرصنة بعكس البحر الاحمر الذى كان يواجه مشاكل متعددة بسبب الضرائب الباهظة التى كان يفرضها المماليك.

لقد استطاع اهل هرمز ان يصنعوا لانفسهم كيانا مستقلا عن فارس من خلال قوة بحرية ضاربة تمكنت من فرض الأمن فى الخليج لدرجة ان البرتغاليين قد ترددوا كثيرا فى مهاجمة هرمز بسبب استحكامات المدينة والسفن الكبيرة الراسية بمحاذاة الساحل وهى فى كامل استعدادها للمواجهة(11).

لم يكن الرحالة المسلمون وحدهم الذين استرعى انتباههم اهمية هرمز وانما جذبت شهرة الجزيرة انتباه عدد كبير من الرحالة الاوروبيين لعل من اهمهم الرحالة لودفيج وارتمان Wartheman الذى زار الجزيرة قبيل مقدم البرتغاليين "1502 م " ومما ذكره عنها انه كان يوجد بمينائها ما يزيد على ثلاثمائة سفينة تجارية راسية على ارصفتها البحرية ومعظم تجارتها كانت من اللؤلؤ والاحجار الكريمة والعقاقير والتوابل (12).

كما ذكر الرحالة البرتغالي دورات باربوسا ان المدينة ليست كبيرة على قدر ما هى جميلة ووصف مبانيها بأنها اشبه ما تكون بالمتاحف لما تحويه من تحف وقطع أثاث واردة من الهند والصين والسجاد الفارسى الفاخر والقناديل المصرية ذات النقوش الشرقية البديعة (13).

وعلى الرغم من ان الجزيرة كانت تجمع الكثير من الاجناس إلا ان اللغة العربية كانت لغة التعامل كما كان اغلب سكانها من العرب وخصوصا من عمان واليمن ومع نهاية العصور الوسطى اتسع نشاط الجزيرة فلم يعد نشاطها مقصورا على نقل التجارة بين الشد وسواحل شرق افريقيا بل اصبحت جزيرة هرمز تملس الحلقة الهامة فى نقل التجارة العالمية بين الشرق والغرب خاصة حين دخلت جنوة والبندقية ذلك الميدان واصبحت هرمز مثلا هاما يضرب على الثراء ويعرفها رب الشارع الاوروبى باعتبارها نهاية العالم وان من يمتلكها يمتلك العالم بأسره (14 ).

لم تحصل هرمز على شهرة تجارية فحسب بل حصلت على شهرة فى عالم الادب حين اشاد بها الشاعر الانجليزى جون ميلتون فى ديوان الفردوس المفقود، حيث اورد بيتا من الشعر جاء فيه:اذا كان العالم مجرد خاتم فان هرمز هى جوهرته هرمز تحت السيطرة البرتغالية  ومما يستلفت نظر المؤرخين ان هذه الجزيرة التى ظلت لاكثر من قرنين وطبقا لروايات الرحالة المعاصرين حيث كان يعيش اهلها فى مستوى عال من الرفاهية والثراء، إلا انه مع نهاية القرن الخامس عشر الميلادى بدأ الضعف يدب فى كيان هرمز بسبب تفاقم الصراع بين افراد الأسرة الحاكمة مما شجع القبائل العربية المنتشرة على طول السواحل الشرقية للجزيرة العربية للتخلص من تبعية هرمز.

وبينما كانت الاوضاع في الاحساء والبحرين تتأرجح بين سيطرة بنى جبر وسيادة مملكة، هرمز كانت الاوضاع فى عمان اكثر اضطرابا ففى الوقت الذى كانت فيه المناطق الساحلية من عمان فى قبضة ملوك هرمز كانت المناطق الداخلية فى ايدى النباهنة الذين كانوا يخوضون حروبا ضارية ضد بعض القبائل العمانية التي تحاول التخلص من نفوذ هرمز والنباهنة معا.

وعند مقدم الاسطول البرتغالي عام 1507 كانت الاوضاع السياسية فى الخليج عموما فى وضع متدهور، وعلى الرغم من ذلك فقد ادرك البرتغاليون خطورة الحامية المكلفة بالدفاع عن هرمز مما اضطرهم الى وقف عملياتهم ضدها بهدف التفرغ للمماليك اولا فى المحيط الهندى ولم يعاود البرتغاليون هجومهم على هرمز إلا فى عام 1515, واللافت للنظر انه على الرغم من ان كل القوى العربية والاسلامية كانت مستهدفة إلا انه لم تظهر اية تكتلات عربية فى منطقة الخليج بهدف مواجهة التحديات البرتغالية التى استهدفت الجميع.

وعلى العموم فقد وصل الاسطول البرتغالي الى سواحل هرمز وتملك البرتغاليين قدر من الخوف بسبب قوة تحصينات الجزيرة وكثرة عدد الجنود الذين تولوا مهمة الدفاع عنها اضافة إلى السفن التي حاصرت الجزيرة فى محاولة لحمايتها وعلى الرغم من التفاوت الواضح فى حجم القوتين المتصارعتين فقد كانت قوات هرمز تتفوق كثيرا، إلا ان اوضاع هرمز الداخلية كانت تنبئ بخطر محقق فقد كان حاكم الجزيرة "سيف الدين " فتى لم يتجاوز عمره اثنى عشر عاما،وكان الحاكم الفعلى رجلا يدعى عبده كوجيه عطار الذى استأجر جنودا من الفرس والعرب حيث احتشد ما لايقل عن ثلاثين الفا من بينهم اربعة الاف من الفرسان كما كان فى المرفأ اربعمائة سفينة (16).

ولم يكن البرتغاليون بقيادة قائدهم البوكيرك يملكون اكثر من سبع سفن حربية لم يتجاوز عدد بحارتها اكثر من اربعمائة وستين رجلا (17).

وعلى الرغم من كل هذا التباين فلم يتراجع البوكيرك عن تحقيق مأربه فى الاستيلاء على الجزيرة، ولعل الروح الانتحارية التى كان يقاتل بها البوكيرك والسفن المتطورة التى كان يقلها والمدافع التى كان يستخدمها وحالة الفوضى التى كانت عليها قوات هرمز كانت فى مقدمة العوامل التى عجلت بالسيطرة على الجزيرة وكان هجوم القوات البرتغالية التى نفدت منها المواد الغذائية بمثابة هجوم الجياع على مستودعات التموين وكانت كلمات البوكيرك الى جنوده وهو يحثهم على القتال "اما الانتصار او يقطع المسلمون رقابكم " (18).

وبسرعة خاطفة بدأت العمليات العسكرية ضد هرمز وبحركة التفاف سريعة تمكنت القوات البرتغالية من تحقيق نصر لم يكن متوقعا مما دفع كوجيه عطار (رئيس مجلس البلاد) الى الاستنجاد بملوك المسلمين وفى مقدمتهم الشاه اسماعيل الصفوى ملتمسا منه العون والمساعدة (19).

وعلى الرغم من ان الشاه لم يكن فى وضع يسمح له باقحام نفسه فى حرب ضد البرتغال بسبب صراعه مع سليم الاول سلطان الدولة العثمانية إلا انه بعث الى سيف الدين (حاكم هرمز) مهدئا من روعه مقللا من اهمية الوجود البرتغالي دون ان يلزم نفسه بأية التزامات فعلية (20).

لقد احدثت المدفعية البرتغالية خسائر مروعة سواء بشرية او مادية وحينما ادرك حاكم هرمز ان الاستنجاد بملوك المسلمين لم يثمر عن مساعدات فعلية تقدم الى البوكيرك طالبا التسليم والصلح.

ويبدو انها كانت وسيلة بهدف كسب الوقت لاعادة ترتيب القوات لبدء جولة اخرى من القتال ولعل البوكيرك قد ادرك هذه الحيلة مما دفعه الى تجاهل طلب الصلح ومواصلة هجماته حيث تم اقتحام الجزيرة بعد ان احرقت كل السفن الراسية فى الميناء.

وعلى الساحل الغربى من الخليج, حيث الكيانات السياسية العربية التى لم تكن اوضاعها افضل كثيرا من فارس ناهيك عن العلاقات السيئة بهرمز التى تقسرها قوة هرمز ونفوذها السياسى الذى امتد ليشمل معظم الساحل العربى فكان من الطبيعى ان تتفق مصالح القوى العربية ومصالح الشاه عباس فى الاطاحة بتلك المملكة التى حققت مجدا تاريخيا لايتناسب وامكاناتها الطبيعية.

ويبدو ان البوكيرك قد ادرك هذه الحقيقة اضافة الى معرفته بقضية الصراع الدائر بين الشاه عباس من ناحية والاتراك العثمانيين من ناحية اخرى، لذا فقد بعث الى الشاه قائلا: "

اننى اقدر احترامك للمسيحيين فى بلادك واعرض عليك الاسطول والجند لاستخدامهم ضد قلاع الترك فى الهند واذا اردت ان تنقض على بلاد العرب او ان تهاجم مكة فستجدنى بجانبك فى البحر امام جدة او فى عدن او فى البحرين او القطيف او البصرة وسيجدنى الشاه بجانبه عل الساحل الفارسى - وعموما فإنني اعدك بتنفيذ كل ما تريد (21).

ويمضي البوكيرك حيث يعرض مشروعا للتحالف العسكري مع فارس يقضى باستيلاء فارس على مصر مقابل ان تحصل البرتغال على فلسطين (22).

لقد شعر ملك هرمز بقدر من الياس بسبب غياب التنسيق العربى او الاسلامى لذا فقد قبل بفكرة المفاوضات مع البوكيرك بينما كانت مدافع الاسطول البرتغالي تحيط بالجزيرة من كل جانب وتمخضت المفاوضات عن اعلان ملك هرمز ولاءه للبرتغال ودفع مبلغ خمسة عشر الف زرافين كجزية سنوية كذا نص على اعفاء التجارة البرتغالية من اية رسوم جمركية ولم تقتصر اطماع البوكيرك عند هذا الحد، بل عمد الى تاكيد سيادته على هرمز بطريقة تعسفية حينما اصدر قرارا بمنع اى سفينة من ممارسة الملاحة فى الخليج قبل الحصول على تصريح من السلطات البرتغالية (23).

وهكذا قدر لهرمز ان يتراجع دورها تمهيدا للاجهاز عليها نهائيا.

لقد اعتمد البوكيرك فى سياسته على فكرة السيطرة المباشرة ولعل هذا يفسر اهتمامه ببناء القلاع والحصون فى الوقت الذى كان فرانسسكو دى الميدا نائب ملك البرتغال فى الهند يرى ان هذه السياسة لاتتناسب وامكانات البرتغال البشرية وكان يفضل اقامة شركات لمزاولة التجارة يساندها اسطول بحري قوى يكفل القضاء على التجارة الاسلامية بما يحقق الاهداف الكبيرة للبرتغال دون تضحيات (24).

يبدو ان البوكيرك قد اسرف فى وعود ه للشاه عباس الذى عاد طالبا من ملك هرمز دفع الجزية المقرر دفعها سنويا وعندما استرشد ملك هرمز، برأى البوكيرك الذى اكد ان هرمز قد اصبحت جزءا من ممتلكات البرتغال وعلى ملك هرمز ان يعلم بانه فى حالة دفع الجزية لاى ملك آخر غير ملك البرتغال فعليه ان يتنازل عن منصبه لشخص لايخاف من الشاه اسماعيل ( 25).

وهكذا بدأت تتهاوى احلام ملك فارس بينما اتضحت اطماع البوكيرك الذى بعث الى الشاه بعدد من القنابل والمتفجرات على انها الجزية المستحقة على هرمز، واعلن لمبعوث الشاه بأن الاسطول البرتغالي مصمم على الدخول الى مضيق فارس وانه سيضم جميع المناطق الساحلية الخاضعة للشاه اسماعيل, وكرر تهديده قائلا "انه فى تلك الحالة سيتم دفع الجزية بطريقة افضل " (26).

وهكذا تأكدت اطماع البوكيرك ليس فى هرمز فقط وانما فى فارس ايضا ولعل الشاه قد ادرك خطأ موقفه حينما رفض التعاون مع هرمز لصد الغزو البرتغالي وانكشفت حقيقة الاطماع البرتغالية.

وعلى الرغم من كل النجاح الذى حققه البوكيرك فى الخليج إلا ان الاوامر قد صدرت اليه بالتوجه الى الهند ولعل هذا التحول تفسره عدة عوامل.

اولها: ان الضباط والجنود قد بدأوا يضيقون ذرعا بأوضاعهم بسبب قسوة البوكيرك مما اسفر عن حالات تمرد وصلت الى حد التأمر مع السلطات المحلية فى الجزيرة ضد البوكيرك.

ثانيها: السياسة التي اتبعها البوكيرك قوبلت بمعارضة شديدة من نائب الملك في الهند (دي الميدا) الذي كانت وجهة نظره أكثر قبولا لدى لشبونة.

ثالثها لقد بدأ المماليك يتجهون بألسطولهم الى الهند مباشرة كوسيلة للقضاء على البرتغاليين ليس فى الخليج العربى فقط وانما فى المحيط الهندى ايضا مما جعل القوات البرتغالية فى حالة استنفار تام بهدف المواجهة المرتقبة مع المماليك.

فى الثانى من فبراير عام 1509 تقابلت القوات المملوكية بقيادة مير حسين والقوات البرتغالية بقيادة فرنسسكو الميدا، الذى كادت ان تنزل به الهزيمة فقد اصيبت سفينة القيادة وقتل الربان القائد إلا ان الخيانة طلت برأسها عندما انضم حاكم ديو الى البرتغاليين مما حال دون تنفيذ خطة كان متفقا عليها وفى 3 فبراير عام 1509 التقى الاسطولان خارج ديو (27).

لم يستطع اى من الفريقين ان يدعى لنفسه النصر، بيد ان الاسطول المملوكى قد اسخطته خيانة سلطات جوجيرات مما اضطره الى الانسحاب نهائيا من حلبة المنافسة.

يمكن القول ان نسحاب القوات المملوكية من المحيط الهندى قد دعم ادعاء البرتغال بأنهم سادة الملاحة فى البحار الشرقية وقضى على اية أمال للعرب والمسلمين مما سهل من مهمة الاسطول البرتغالي فى الخليج العربى.

لعل هزيمة الصفويين فى جالديران عام 1514 على ايدى العثمانيين قد ضاعف من قناعة الشاه بأهمية التعاون مع البوكيرك.

وفى1515/2/25 توفى البوكيرك فى جوا بعد ان بعت برسالته الشهيرة الى ملك البرتغال ولعل اهم ما ورد فيها "لم استطع ان اكتب هذه الرسالة بنفسى بسبب شعوري بأن نهايتى قد قربت ولى هنا ولد وحيد اوصى له بالقليل الذى املكه.. إما الهند فهى تتحدث عن نفسها وعنى وانى اترك مكانى فى الهند تحت تصرف جلالتكم والاجراء الوحيد الذى يتطلب سرعة الانجاز هو اغلاق المضايق واملى ان تذكروا دائما الانجازات التى حققتها فى الهند لعلها ترفع من شأنى"(28).

ومما يستلفت النظر انه فى ظل انشغال البوكيرك بمشكلات الهند فقد تدهور الوضع الداخلى فى هرمز بسبب تدهور التجارة الوطنية ومارس البرتغاليون نوعا من القسوة فى معاملة الاهالي وصلت الى حد منع الصلاة فى المسجد الجامع فى هرمز فى الوقت الذى استغل فيه الضباط البرتغاليون وجود البوكيرك فى الهند وراحوا يمارسون التجارة لحسابهم الخاص, اضافة الى الرشاوى والاتاوات التى فرضوها على الاهالي (29).

 لقد خلف البوكيرك كنائب لملك البرتغال فى الهند "لويوسواريز" Soarez الذى كان يختلف تماما عن البوكيرك بسبب تحفظه المصطنع على عكس البوكيرك الذى كان يتسم بقدر كبير من الحنكة واللباقة اضافة الى ان سياسة سواريز كانت تعتمد على حرية التجارة دون اللجوء الى التنكيل والقسوة كما كان بفعل البوكيرك لدرجة ان الدعوة الى حرية التجارة قد دفعت بعدد من الضباط البرتغاليين الى الاستقالة من وظائفهم العسكرية والانخراط فى مهنة التجارة (30).

لعل هذا التحول فى السياسة البرتغالية قد حكمته عدة عوا مل.

اولها: ان عدد القوات البرتغالية لم يكن متكافئا مع التوسع السياسى الذى وصلت اليه البرتغال الذى امتد ليشمل العديد من الدول والبحار والمحيطات.

ثانيها: لقد ثبت ان المصالح البرتغالية تكمن فى حجم العائدين التجاري والاقتصادى اما فكرة الاحتلال المباشر فإنها تكلف الادارة البرتغالية امكانات مادية وبشرية باهظة لاتتناسب وعدد سكان البرتغال وقتئذ.

ثالثها: لقد حدثت متغيرات فى الموقف الدولى نجم عن ظهور قوى جديدة مثل الانجليز والهولنديين ونجاح تلك القوى فى كسب مواقع جديدة اعتمادا على سياسة المهادنة مما دفع البرتغال الى التفكير فى ملاحقة الواقع الجديد.

رابعها. لقد قنع البرتغاليون بسياسة فرنسسكو الميدا ""نائب الملك فى الهند" والتى طالما دافع عنها ايام حكومته وهى تعتمد على كسب ود الشعوب تحقيقا للمصالح البرتغالية لذا فقد ادركت الادارة البرتغالية خطأ سياسة البوكنرك لكن بعد فوات الاوان.

لقد استعرت الكراهية فى نفوس عرب الخليج عموما، بسبب التعسف فى فرض الضرائب, اضافة الى التسلط العسكري البرتغالي الذى لم يقتصر على هرمز وانما امتد الى غيرها من موانىء الخليج وخاصة حينما اتجه البرتغاليون بحكم حمايتهم لهرمز الى السيطرة على البحرين والاحساء والقطيف وغيرها من المناطق التى كانت تابعة لمملكة هرمز.

لقد اثقلت الضرائب التى فرضها البرتغاليون على حاكم هرمز الجديد "توران شاه " مما اضطره الى اعادة نفوذ مملكته ثانية على البحرين والاحساء والقطيف وهكذا توحدت مصالح حاكم هرمز مع مصالح البرتغاليين بهدف استعادة ممتلكات هرمز.

لقد نجح الغزو البرتغالى الهرمزى ضد البحرين عام 1521 فى استعادتها اثناء تغيب حاكمها السلطان مقرن بن زامل امير عرب بني جبر(3)  حيث كان يقضى فريضة الحج وقاد حركة المقاومة الشيخ حميد نائب مقرن واستمرت المقاومة الى ان عاد الشيخ مقرن من الحج إلا ان القوات البرتغالية تمكنت من دخول البحرين ووقع الشيخ مقرن اسيرا فى ايدى البرتغاليين الذين بادروا باعدامه مما ادى