|
|||||
|
وحيدا في
المحطة شعرت ، لأول مرة،
بأنه قرار جدي ؟ بل
مفزع أيضا. سأغادر
إذن! والى أين ؟ إلى بيروت
التي لا أعرف فيها احدا! تذكرت ""وفاء"
التي تركتني ، فجأة، بعد أن
بدا تعلقها بي أقوى من أي شيء
آخر. تذكرت
آهلي الذين سيتوقف القطار
عندهم في المفرق ويقلع دون
آن يشعروا بى. تذكرت
أصدقائي كلهم . زهرة المعاني ، صلاح حباشنة،
محمد داودية ،إلياس فركوح . هل امقت
بلادي الى حد أن اتركها،
هكذا، بلا ندم ؟ هل خذلت
أهلي الذين ارادوني ضابطا
ينضم إلى سلك السلالة ولم
يفرحوا، قط ، برؤية شىء
يتلألأ على كنفي سوى نجوم
الخسارة والاخفاق ؟ ناي مجروح
يتصادى فى برية مهجورة
نداءات غامضة من فضاءات
بعيدة وشواطئ مسترسلة
في بهجة المياه وخطى العشاق
تجذبني الية كقطب هائل لا
سبيل الى مقاومتة . انه قدري
وعلي ان اتبعه حتى النهاية. هكذ!
انطلق بي القطار البطيء
الذي يسير رحلة ركاب
أسبوعية بين عمان ودمشق . مزيج من
الخوف والتوتر والبهجة
المبهمة يد وم في اعماقي . كأن علي
أن اعبر عددا من المحطات ،
يصعد أليها موظفو خط الحجاز
ور جال ألشرطة الاردنيون
قبل ان اطمئن ، نهائيا،إلى
انني سأنجو. ولن يحصل هذا الا
عندما أدخل محطة درعا
السورية وتتفوح فيها رائحة
المازوت الغريبة. (2) كانت
مساحتا السيارة تزيحان ، في
نشاط ، مياه المطر،المنثالة
في ليونة ولكن في ثبات ، على
الزجاج الأمامي . اجتزت نقطة
عبور " المصنع " اللبنانية
وحمل جواز سفري الأردني أول
ختم لبنانى وربما اخر
واحد أيضا. ظل مطر
أوئل الشتاء يتدافع في كل
اتجاه والسيارة تعبر
جغرافيا جديدة تغير فيها
وجه الأرض والسماء. مطر يلف
الأرض بثوب رهيف من المياه . - هذه هي
الأرض التي وعدت نفسك بها! هكذا هجست
وأنا منحشر بين راكبين في
المقعد الخلفي . لا أتذكر
وجها لرفاق رحلتي من "
كراجات بيروت " في دمشق إلى "ساحة
البرج " التي كانت السيارات
تصل اليها في حذر بعد أن هدأت
المدافع . لا أنذكر
شيئا. أتذكر
فقعد أن الاحساس بتلاشي
العزم يشتد كلما امعنت
السيارة في الأرض اللبنانية.
فكل متر اقطعه سيبعدني
عشرات عن تلك البلاد. كان ذلك
أول عهدي بالسفر. كنت لما
أزل غض العود. . ولم يكن
في عائلتي او محيطي . انذاك ،
تقاليد هجرة أو سفر يطول . شيء ما في
داخلي كان يقول لي انني لن
اعود، وان عدت فلن يكون الا
بعد وقت طويل ، انطويت على
حجر الذكريات والزمن الذي
خلفته ورائي . وأصخت السمع
إلى هتافات واهنة محمولة
على جناح المسافات . هل هي
هتافات أرض العطش والغبار ؟ كنت اخشى
ان اضعف وأتردد. لا أر يد ان ا عود . قلت
للهواتف التي توسوس داخلي . انني ابن
اليوم وليد اللحظة. سأمشي ما
دامت هناك أرض وقدمان . كانت
المناظر اللبنانية الخلابة
قد خففت وطأة قلقي . عبرنا
الجبل من طريق الكحالة الذي
سأعبره لآخر مرة ايضا. فبعد
قليل ستستأنف الاشتباكات
ويصبح هذا الطريق المتعرج الجميل
الذي يهبط إلى بيروت كالسيل
أخطر طريق في العالم . كانت هناك
قوات عربية وسورية على نقاط
متفرقة في الجبل . بدا نا
نطل على بيروت مع حلول
المساء وأخذ قلق من نوع اخر
يستبد بي . كيف سأصل الى
العناوين التي زودني بها
إلياس فركوح ومعظمها عناوين
عمل ؟ لم يكن
امامي ، والليل يزحف ، إلا أن
ابيت ليلتي تلك كيفما اتفق ،
وفي الصباح اشرع بالسؤال
عمن يمكنه مساعدتي في تدبر
أمر ي . حتي تلك
اللحظة كان مخططي لحياتي
القادمة في بيروت يرتسم كما
يلي ة الالتحاق بجامعة
بيروت العربية التي كنت
منتسبا اليها اصلا وايجاد
عمل يقيم أودي . فما حصل
في عمان كان كافيا ليملأني
انفصالا عنهم وعن أساليب
عملهم . لم انس ،
بالطبع ، انني شاعر. وان
اختناقي في عمان يتصل ،في
جانب كبير منه ، بحالة
الاستنقاع الأدبي للساحة
والشعر في صلبها. سألت
السائق نفسه الذي اقلني من
دمشق الى بيروت ان يدلني على
فندق متواضع اقضي فيه الليل .
فأخذني إلى منطقة الحمرا
التي سأدخلها من اتجاه لن
يتكرر مرة أخرى. لكن
الفندق الذي لم اعد اذكر له
اسما أو رسما لم يكن
بالتواضع المطلوب . فقد بدا
لي فخما أكثر مما ينبغى لشخص
يملك عشرة دنانير أردنية
بعد احتساب أجرة الطريق . كانت
الدنانير العشرة تساوي
تسعين ليرة لبنانية. سألت
عامل الاستقبال عن اجرة
مبيت ليلة واحدة فقال لي :
ثلاثون لبرة. كان ذلك
مبلغا يزيد عن أجرة الطريق
من عمان إلى بيروت مرورا
بدمشق . فما العمل
إذن ؟ فهذه
مدينة حرب وغرباء والدنيا
ليل ومطر. ابيت الليلة هنا،
رغم المبلغ الباهظ الذي اصر
عامل الاستقبال على قبضه
سلفا، والصباح لناظره قريب . هكذا هونت
الأمر على نفسي . كنت جائعا
وتعبا. كان رأسي
يمور بالصور والمشاهد التي
توالت علي ، في رحلة استغرقت
نهارا بطوله . ما أطول
هذا النهار! من "نزلة
وادي سرور" في عمان الى نزل
قي الحمرا: رحيل من سنيا
بسوية الطابع إلى دنيا
مدينية وصفت حتى الامس
القريب بأنها "سويسرا العرب
"، من وضوح المصير حتى لو
كان السجن الى غموض
الافاق ، من استنقاع الحياة
إلى فورانها وعصفها، من
الكتابة - الصدى - التقليلد
الى الكتابة - الابداع -
التجريب ، من هزيمة
المقاومة الفلسطينية إلى "دولتها". ما أغرب
هذه الرحلة وما أغرب
قراري كان الناس
يهربون من بيروت التي
دخلتها، للتو، "قوات الردع
العربية" بعد قتال دام وأنا
اذهب اليها! طلبت شايا إلى
الغرفة ولم اجرؤ على طلب
طعام . كنت معتادا على ترويض
ألجوع . عرفته في
عمان وأخيته . بحثت في
جيوبي عن السرقة التي تحمل
عناوين من اوصاني الياس
فركوح برؤيتهم . كانت ثلاثة
عناوين : اثنان في حي "ابو سهل
" في منطقة " الفاكهاني "
لمسؤولين فلسطينيين
والثالث لطالب فلسطيني
يدرس في جامعة بيروت
العربية كنت التقيته في بيت
الياس فركوح في عمان صيف
العام الماضي . كانوا يطلقون
عليه اسما غريبا: محمد
المجند. هذا هو كل
رصيدي الآن : ستون ليرة
لبنانية، وثلاثة عناوين . رحلت
كأنني لم ارحل ووصلت كأنني
لم أصل . تعب وجائع
. والمطر
الذي قالت " وفاء" انها تود
لو نتعانق تحته الى
الأبد،يصل الأرض بالاعالي . (3) كأن المطر
استمر طوال الليل . في بلادي
يزورنا المطر ولكنه لا يطيل
الاقامة. هنا، على بعد خطوات
من البحر يستمر المطر طوال
الليل . افقت مفعما بالنشاط .
لقد نمت أك! ر من عشر ساعات .
وأنا ابن النوم البار، لا
أحب شيئا كما أحب النوم
،النوم والنساء. النوم
امرأة . والمرأة نوم . في النوم
نحلم بالمرأة حتى وهي إلى
جانبنا على السرير. والمرأة
تسحبنا من أطراف أصابعنا
إلى النوم . لننام . ذلك النوم
الجميل . لم اكن ، حتى ذلك
الوقت ، قد اهتديت إلى كلمة
تمجد النوم . سأسمعها، بعد
وقت طويل من محمود درويش
وسأرددها سسن نسجها اليه :
النوم أجمل أعطيات الحياة.
هدية لا تقدر بثمن . لم تكن
القهوة قد دخلت ، حتى الان ،
مدار حياتي . كان في وسعي أن
أنشى من النوم إلى السجائر
مباشرة . كنت من مسمنى الشاي .
والشاي لا وقت له . شربت الشاي
في مطعم الفندق
، وانطلقت بحقيبتي الصغيرة .
عرفت من عاملة الاستقبال
الصباحية ان العناوين
الثلاثة تقع ، كلها، في محيط
واحد: الفاكهاني . وماذا عن
الجامعة العربية ؟ قالت إن
الجامعة العربية في
الفاكهاني . " أشارت علي
أن استقل " السرفيس " إلى
الجامعة العربية وهناك اسأل
. انطلقت من فوري ، وجدت "السرفيس
" كما هو " عندنا. سيارة تحمل
وتنزل ركابا على الطريق
نفسه . كل يستقلها
إلى مقصده أو بالقرب منه
ويهبط . كنت ، على ما يبسو:آخر
راكب على الخط . وكبدوي لا
يطمئن الى الطريق سألت
للمرة الثانية سائق السيارة
عن العنوانين الأولين في حي
أبو سهل . حاول ان يدلني
بالوصف ، فقلت له انني غريب
عن المدينة فأوصلني بزيادة
على الاجرة. ليرة لبنانية ؟
ربما. كان
الصباح مشرقا، وكشف لي
الضوء ما أخفته
العتمة،فليست المدينة
مختلفة كثيرا عن تلك التي
خلفتها سرائي . فهناك اسمنت
وهنا اسمنت . وهناك بشو وهنا
بشر. لكن الوجوه ، بدت
اكثر انبساطا والقسمات
أقل حدة . . . والعيون اقل اعتداء
عليك أما الفارق ة فالنساء
هنا اكثر وضوحا، نساء
وفتيات بسراويل من الجينز
وقمصان ضيقة تكور وتشد
وتبرز ما تخفيه الثياب
الفضفاضة فى بلادي،
فتية يحملون اسلحة تخفق على
جنوبهم ،لم يسألني المسئول
الاعلامي الفلسطيني ما انا
فاعل ، بل قال دعنا نلتق مرة
أخرى . كان ذلك ايذانا بنهاية
الحديث واللقاء معا. خرجت
خائبا شبه ضائع من "محلة ابو
سهل . " فلم يتبق
لدي سوى :محمدالمجند. كل
رهاناتي منعقدة الان على
هذا الشاب الربعة مفتول
العضلات ، أكرت الشعر، الذي
لم أظن عندما التقيته في
عمان الصيف الماضي أنه
سيصبح في لحظة ما " كل أملي ". يا لهذا
الأمل الذي قد يتبدد مثلما
يتبدد الأمل دائما. لم أكن
محظوظا بوجه خاص . ورغم
السجال الصبياني الذي خضناه
،جاهلين ، ضد اسين فإنني كنت
اخشى تحقق دعوات أمي التي
كانت ، لفرط ما أسومها
عذابا، تضع يديها على صدرها
وتتضرع إلى الله أن " يريني
يوما". فهل هذا
يومي الموعودة ؟ أكيد أن
أمي لم تكن تقصد ذلك تماما. كانت
تستنجد بقدرة أعلى لإخراج
الشيطان الصغيرا مني . لكن
الدعاء يصعد إلى السماء ولا
يخيب دعاء الأمهات : مشيت إلى
جامعة بيروت العربية التي
تسمى اختصارا،هنا، "الجامعة
العربية " . سألت عن " المجند"
في اتحاد طلاب الجامعة.
فقالوا يستحسن ان اسأل عنه
في " الاتحاد العام لطلبة
فلسطين لما . فالجامعة،
جامعتي التي احمل بطاقتها
طالبا في السنة الأولى - قسم
اللغة العربية - تضم خليطا من
الجنسيات وان كانت
الفلسطينية هي السمة
الغالبة عليها. اذهلني أت
أرى طلابا بمسدسات
داخل حرم الجامعة. ولكن في
بيروت كهذه يجوز،على ما
يبدو، كل شيء . كنت اسابق
الوقت الذي ، كلما مر، تضاءل
أملي . فاليوم هو
يوم السبت ، وفي لبنان ، عكس
بلادي ، فان العطلة الرسمية
هي يوم الآحد. فإذا لم اجد "
المجند" اليوم فذلك يعني أني
لن أراه قبل يوم الاثنين . وهذا ما
لا ينبغي أن يحصل . لم يكن
مقر الاتحاد يبعد سوى خطوات
من الجامعة. سألت عنه
باسمه الحقيقي فقالوا لي
أنه لم يأت اليوم . - هل يعرف
أحد عنوانه ؟ - نعرفه
ولكننا لا نعرف عنوانه . - لكن من
الضروري أن اراه اليوم . - انتظر
حتى يأتي أو يأتي احد من
اصدقائه. شربت
الشاي تلو الشاي و" المجند"
لم يأت ، ولا جاء أحد من
اصدقائه . وبدأ الطلبة الذين
كانوا يتجادلون في السياسة
وفي انتخابات فرع ما من فروع
الاتحاد ينفضون . كنت ذاهلا
عنهم وعن أحاديثهم . أفكر
في " المجند" هل سيأتي؟ هل
سيأتي أحد أصدقائه ؟ أين هو
الان؟ وتدريجيا
تحول أملي بالمجند إلى غضب
عليه . كيف لا
يأتى؟ كيف وانا
فى هذه الحيرة الكونية ليس
لى احد سواه ؟! لقد قطعت
جسوري كلها. فلا العودة
ممكنة ولا البقاء ميسر دونه . ينبغي أن
اجده . قررت ، ،
وقد حل العصر، ان اروي
حكايتي للشاب الذي طلب لي
شايا حوالي ثلاث مرات . كان
يتأهب للانطلاق هو أيضا . قلت له
انني قادم من الأردن
والمجند هو الشخص الوحيد
الذي أعرفه في هذه المدينة
وليس في وسعي المبيت ليلة
أخرى في الفندق . قال ان كل
ما يستطيع فعله هو ان
يصطحبني إلى " المسؤول ". فهو
الوحيد الذي يعرف كيف يجده . خرجنا. ومشينا في
شوارع فرعية، سأمر فيها
كثيرا في ما بعد، حتي وصلنا
الى مكتب يبعد حوالي خمس
عشرة دقيقة مشيا، كان
المكتب الذي دخلناه ضعيف
الضوء. سأل ؟
لشاب حارسا يجلس في غرفة
الاستقبال عن " الاخ صخر".
قال انه موجود وأشار إلى باب
أمامنا. قرع الباب ودخلنا.
كان المسؤول ، المنكب
على أوراق يطالعها، في حدود
الثلاثين ، أسمر، غامق
السمرة. له عينان نافذتا
البريق . ولنحوله بدا مفرط
الطول عندما وقف مصافحا.
فهمت من الشاب الذي اصطحبني
اليه انه رئيس اتحاد الطلاب
أو انه كان رئيس الاتحاد. لكن
ليس هذا هو سبب "مسؤوليته عن
المجند" . فالمجند
من الأرض المحتلة، وخان
طلاب الأرض المحتلة الأعضاء
في التنظيمات الفلسطينية،
عكس الطلاب الاخرين ،يكتمون
عضويتهم التنظيمية كيما
يتمكنوا من العودة دسن
انكشاف امرهم لسلطات
الاحتلال . لم اكن
حتى ذلك الوقت اعرف شيئا عن "الهوية
التنظيمية " للمجند، لكن
الشعارات والملصقات التي
كانت معلقة في مكتب المسؤول
لم تترك مجالا للشك . سألني "الاخ
صخر" عن سبب بحثي عن " المجند". فاخبرته
الحكاية التي اخبرتها من
قبل للشاب الذي اصطحبني
اليه . كان اسم "
الاردن " ما يزال يثير لدي
المسؤولين الفلسطينيين
ريبة لم تبددها سبع سنوات
مضت على جراح ايلول . سألني أن
كنت عضوا في تنظيم ما فأنكرت . قلت له
انني وطني بشكل عام . (4) كان الجوع
قد شل قواي . فمنذ يومين لم
اتناول ، تقريبا، ما يسد
الرمق. قلت له انني جائع .
فلنأكل ثم نتحدث . مشينا في
قال لنا ذات
ظهيرة قائظة من عطلة الصيف
ونحن نتفيأ ظلة شجرة تين
عجفاء. هل تعرفون كيف يمكن
للواحد منكم ان يكبر عضوه؟ فاجأنا
سسؤاله فهتفنا : في لهفة ؟ كيف
؟ فقال :
بسيطة. يدهنه بحليب التين ! لم يكن
الأمر يحتاج إلى عناء. فنحن
تحت شجرة تين . هببنا إلى
الاغصان نقصفها ونقتطع منها
الأوراق والثمار الفجة حتى
تجمع لنا ما يكفي لدهن
أعضائنا الصغيرة . الصغيرة
حقا. وفي ظهيرة
قائظة كتلك لا يخرج الفاس
عادة إلا للضرورة القصوى .
شلحنا سراويلنا الرثة
الممزقة عند الركب خصوصا. وطفقنا
ندهن اعضاءنا بما تيسر لنا
من حليب التين ذي اللزوجة
والرائحة النفاذة. ولم يمض
وقت طويل حتى تحققت "معجزة "
الولد السبعاوي وخبرت
اعضاؤنا. . ولكن من الورم
المصحوب بألم باهر.
فتفرقنا متقافزين كل في
اتجاه بيته .وياللاستقبال
الذي حظيت به في البيت : ضربني
والدي بـ"القايش " وهو حزام
عسكري من الكتان ذو مشابك ة
حاسية لامعة،
كما لم يضربني من قبل . وظلت
رائحة التين الحريفة في
انفي إلى أمد طويل . وهأنذا
اعبر رائحة التين قريبا من
البحر لتذكرني بطفولة طلعت
من الوعر. كانت
البناية التي يقطن فيها "المجند"
تطل على البحر.أمامها بيت
عربي محاط بأشجار التين
والصبار. ولم يكن "
المجند" يسكن الشقة وحده ،
بل هناك ثلاثة طلاب اخرسن
يشاركونه السكن . (6) في الصباح
افقت معهم . اعدوا افطارا
سريعا وذهبوا إلى الجامعة.
قلت لصاحبي انني أريد رؤية
البحر والتمشي في الحمرا ثم
نلتقي ظهرا. اتفقنا
على اللقاء في مطعم الاندلس . . كان البحر
على مرمى لهفة من "كراكاس ". البحر
الذي لم اره الا في الصور. فليس في
بلادي بحر. أقرب واحد الينا
هو بحر فلسطين وهذا بحر حلم .
اما خليج العقبة فيبعد عن
مدينتي لم المفرق لما قرابة 400
كيلو متر. عندما كنت في
المرحلة الاعدادية رتبت
المدرسة رحلة الى
العقبة فلم يوافق أهلي على
شهابي . كان رسم الرحلة
دينارا أردنيا ولم يروا
سببا لهذا الترف : تبديد
دينار للحس كامل لمجرد رؤية
البحر! . والى
اليوم لم أر بحر بلادي . هبطت من "كراكاس
" الى الكورنيش . كانت الشمس
مشرقة لكن البحر كان مائجا.
هذا هو البحر إذن . لجة عارمة
من المياه تتقوس عند الافق .
كأن المياه تأتي من هناك . من
سراء ذلك التقوس الذي يتقلب
بين اللونين الازرق
والرمادي . من لأين يأتي
البحر؟ سأقرأ،
لاحقا، ترجمة ادونيس لاعمال
سان جون – بيرس الكاملة
وسأردد أمام بحر بيروت كلما
هاجني الحنين الى الارض
الأولى كلمات الشاعر
الفرنسي . "للبحر
وحده سنقول كما كنا
غرباء في أعياد المدينة ". لكنني
الآن في حضرة البحر نفسه ،
غير مسبوق الا بلهفتي إلى
المياه . المياه التي لها
عندنا صلوات . كان أول
طقس ديني رأيته في طفولتي لا
يشبه الصلاة العادية، هو
صلاة الاستسقاء. ايد معروقة
ووجوه شاحبة تشخص الى
السماء وتبتهل إلى الته
ليهطل المطر. مذ ذاك رثيت بلادي
المقصاة عن مصادر المياه .
وباستثناء نهر الأردن الذي
امتصه الاسرائيليون من
منابعه لم تكن لدينا مياه
جارية. كان السراب . في ظهيرات
الصيف يتلألأ السراب مياها
كاذبة، مياها نمضي اليها
ولا تصل . نخوض في لألئها
الخلب ونزداد عطشا. هناك
صورتان للمياه في ذاكرة
الطفل الذي كنته ة الأولى
لشلالات تسقط من علو عشرات
الأمتار في بلدة تل شهاب
السورية التي يقطنها جدي
وتتشظى على الصخور ثم ما
تلبث ان
تنساب لتكون رافدا من روافد
نهر الأردن على المقلب
الثاني من الحدود. والثانية
للسراب وصلوات الاستسقاء
على أطراف مدينتي الزرقاء
والمفرق الأردنيتين
المكلتين بالغبار. عشت
طفولتي الأولى حتى بلغت
سن الدراسة في كنف جدي وجدتي
وعمي في تل شهاب وهناك تعلمت
السباحة إذ سيتساءل أصحابي
، لاحقا، كيف لولد بدوي مثلي
ان يجيد السباحة ! وها انا
واقف على بحر بيروت الذي
يرمي الي شظايا المياه
المتكسرة على الصخور. كنت
أحمل دفرا. سأبت دائما على
اقتناء مثله ، اسسن عليه
ملاحظاتي . لكنني لن اكتب
ملاحظات هذه المرة، بل
رسائل إلى أصدقائي في عمان
أصف فيها رحلتي إلى بيروت .
اكتب اليهم من بيروت . بلي من
على حافة البحر تماما! لا أدري
أن ظل بعضهم يحتفظ بتلك
الرسائل لكنها، على الارجح
، كانت ابتهالا أمام البحر.
تقيض حماسة لدينة سأولد
فيها باسم جديد. ظللت واقفا
أمام البحر أتأمل تلاطم
المياه . لم تكن في
عرض البحر سوى المياه . لا
سفائن ولا صيادين . وعلى
الكورنيش مشاة قليلون هذا
الصباح . للجة
العارمة من المياه قلت
سأعود. واستدرت
اصعد في اتجاه "كراكاس " مرة
أخرى. ومنها الى الحمرا. لم اعد
اخشى الطريق . صار لدي
اكثر من نقطة ارتكاز في
المدينة. ارتبط
شارع الحمرا في ذهني
بالنساء. لم يقل لي ذلك الياس
فركوح . فهو حدثني عن المقاهي
التي يرتادها المثقفون
وخصوصا مقهى " الهورس شو"
الذي يرد ذكره كثيرا في
أدبيات الستينات ، لكن نساء
شارع الحمرا طلعن ،على
الأغلب ،من فيلم أو أكثر
شاهدته أيام الفرار من
مدرسة " الثورة العربية
الكبرى " في مدينة ة لزرقاء.
في سينما "سلوى " الواقعة على
شارع الزرقاء - اربد قبالة
معسكرات الجيش حيث كنا نقطن
انذاك شاهدت عشرات الأفلام
في فترة قياسية. كل فيلم
أخذنا إلى بلد وعالم . وكانت
سينما "سلوى " التي تبدأ "حفلاتها"
في العاشرة والنصف صباحا
تقدم ثلاثة افلام بتذكرة
واحدة، خلي!ط غريب من
الافلام لا يربطها رابط ة من
" فيفا زاباتا " لامن أجل
حفنة دولارات لمه ومن "
العصفور" إلى "عودة المحارب
الأكتع " ومن " ذهب مع الريح "
إلى "جيفارا" و" طرزان " .
لحظات ترحال وسفر، غرام
وانتقام ، مغامرات واخطار . كانت "سلوى
" سلوتي الوحيدة وفرحتي
المختطفة من سياق المدرسة
العسكرية ومن صرامة البيت
لمذي يرأسه عسكري أيضا هو
أبي . رأيت
العالم كله . بكيت من
فرط الألم وتباريح الأشواق وانتشيت
من فرط اللذة ونوال المقصد احببت
وكرهت وقاتلت قوى الشر في
المستنقعات والممرات
الوعرة . كل ذلك
دسن ان ابرح مقعدي في صالة
سينما "سلوى " المعتمة. هناك رأيت
ذلك الفيلم الذي يصور بيروت
مدينة غربية وشارع الحمرا
مرتعا للهبيين : "قطط شارع
الحمرا " . أليس هذا هو اسم
الفيلم ؟ لم تكن في
الفيلم قطط من أي نوع الا
الفتيات المنذورات لليل
والمتع بلا حساب . ولن يصعب
على تلمس الايحاء الجنسي في
الاسم . لكن شارع الحمرا الذي
ادخله الان من " نزلة أبو طالب لما
لا يتميز عن أي شارع اخر سوق
في محال الملابس الأنيقة
والمقاهي التي لا شبه بينها
وبين مقاهي عمان . مقاه
زجاجية يشتهي المرء فيها
فنجان القهوة أو الشاي . دخلت مقهى بدت عليه حميمية الداخل ، كان | |||||