|
(1) مدخل أريد
في هذه القراءة أن أحاور نصا
رياديا فريدا من نوعه لأثير
فيه ومن خلاله ثلاث قضايا
مطروحة علينا اليوم بحدة
وجدية أكثر من أي وقت مضى،
وفي الخطاب الأدبي كما في
أشكال مختلفة من الخطاب
العربي بكل أنواعه وتوجهاته. القضية
الأولى تتعلق بـ "نص المنفى"
ككتابه قلقة متوترة تقع في
هامش العلاقة بين لغتين
وأدبين وثقافتين دون أن
تتموضع وتستقر في أي منهما. وإذا
كان هذا النمط من النصوص "الهامشية
" يشكل اليوم "ظاهرة " أدبية
عالمية تتسع باستمرار مكونة
تيارا أدبيا قويا وطليعيا
بكل المعايير كما يقول
إدوارد سعيد (ا)، فان للكتاب
العرب حضورهم الخاص
والمتميز في هذا السياق, إذ
أصبحت بعض نصوصهم المكتوبة
في المنفى بلغة المنفى جزءا
من الأدب العالمي لرواجها
وحسن استقبالها. من
هذا المنظور يمكننا أن
نعتبر (مذكرات أميرة عربية )
التي كتبت بالألمانية في
ستينات القرن الماضي، ونشرت
في برلين عام 1886م، ثم ترجمت إلى
الانجليزية عام 1888م، والى
الفرنسية 1889م، والى
الانجليزية مرة ثانية عام 1905م،
بمثابة النص التأسيسي الأول
في هذه التغريبة الجديدة
التي مازالت فصولها تتوالى
منذ سالمة بنت سعيد إلى
أهداف سويف مرورا بجبران
خليل جبران ومحمد ديب ومالك
حداد وكاتب ياسين واندريه
شديد والطاهر بن جلون وأسيا
جبار وعشرات الأسماء
المبدعة الأخرى. القضية
الثانية تمس ما أسميه "نص
الجسد" واعني به هذا النمط
من الكتابة المتحررة التي
تحاول تغطية الجسد الفردي
والاجتماعي والثقافي
بأصناف الخطابات التي تحجبه
وتغيبه وتنفيه إلى مجال
المصموت عنه, واللا مفكر فيه.
فإذا كان تراثنا الكلاسيكي،
وخاصة الشعبي منه, مترعا
بمثل هذه الكتابات الكاشفة
عن أقانيم الرغبة والمعبرة
عن الشوق إلى الانعتاق
والحرية فان أدبنا الحديث
مازال فقيرا اليها لان
الجسد، وخاصة الجسد الانثوي
- مازال يختزل في صورته "الرغبوية"
أو في صورته "البيولوجية –
الوظيفية" نتيجة الهيمنة
الأبوية - الذكورية المولدة
والمكرسة لهذه الصور
النمطية الاختزالية. من
هذا المنظور أيضا لاشك أن
النص الذي بين أيدينا يجسد
ريادة ما لأنه يمثل خلخلة
مبكرة لهذه الايديولوجيا،
إذ لم تبدأ الكتابات التي
تمارس مثل الخلخلة القوية,
إن في الخطاب الأدبي أو في
الخطاب المعرفي, إلا منذ
عقود قليلة... أي بعد حوالي قرن
كامل من كتابة ونشر هذه
المذكرات الجريئة حتى من
منظور كتاباتنا الواهنة (2).
أما القضية الثالثة التي
اريد اثارتها والحوار حولها
فتتعلق بالكتابة "المختلفة
" عن "الهوية والاختلاف" وهي
كما نعلم, قضية إشكالية تحتل
المركز من خطابنا الحديث
نتيجة تطور الوعي بالحضور
الطاغي للآخر الغربي في
حياتنا ومخايلنا من جهة
ونتيجة نمو وتعمق الوعي
بحقوق الذات الفردية في
علاقاتها المختلفة في
المجتمع من جهة ثانية. كذلك
من هذه الزاوية تمثل مذكرات
سالمة بنت سعيد مغامرة
سباقة في هذا الاتجاه إذ ما
إن نقرأها حتى نكتشف أنها
تسمي وتوصف تجليات وآثار
الوعي بهذه القضية
الاشكالية بطريقة متطورة
ومتقدمة عما نجده في نصوص
كتاب القرن الماضي ممن تعرض
للعلاقات مع الحضارة
الغربية, وساهم في تأسيس
خطاب (النهضة )، أو "التنوير"
كما نسميه اليوم, أمثال
الطهطاوي وعلي مبارك وخير
الدين التونسي وأحمد فارس
الشدياق وعبدالرحمن
الكواكبي، ولا أبالغ إذا
قلت أن سالمة بنت سعيد كانت
سباقة إلى نقد الخطاب
الاستشراقي وإلى تأسيس
اللبنة الأولى في سياق ما
يسميه الخطيبي بـ (النقد
المزدوج ) ويعني به هذه
الممارسة الفكرية التي تسمح
للمثقف العربي بتبني رؤية
نقدية جذرية تجاه ثقافة
الآخر "الحديثة" وتجاه
ثقافة الذات "التقليدية"،
وصولا إلى بناء خطاب جديد
يحرر هويته من أي انتماء
منغلق لا يعبر عن معاني
حضوره الخاص في الحاضر
الكوني (3). سنحاول
مقاربة هذه القضايا
المتعالقة باعتبارها "ثيمات"
يمكن تحديدها من خلال لعبة
الكتابة, وتحديدا من خلال
علاقات التعارض والتكامل
بين لغة الذاكرة ولغة
الجسد، لأن جملة البنية
النصية تتأسس على هذه
العلاقات ومنها وعنها تنبثق
أبعاده الدلالية الأهم من
وجهة نظر هذه القراءة كما
سيتضح لاحقا. ماذا
نعني بلغة الذاكرة ولغة
الجسد؟. أعني بالأولى جملة
المقاطع التي تحكي وتخبر عن
أحداث ووقائع خارجية
موضوعية عاشتها أو عايشتها
الكاتبة في الماضي وهي
تستعيدها "تتذكرها" لحظة
تدوين النص لأهميتها
المعلوماتية الوثائقية
أولا وبعد كل شي ء. في هذه
المقاطع, ويمثلها الفصل
الأول بقوة ووضوح, يسرد
الحدث بصوت "الراوية /
الكاتبة" دونما تدخل مباشر
فهي حتى وإن أوقفت عملية
السرد لتشرح وتعلق وتقارن
بين ما هو "هناك"- في وطنها
الأصلي- وما هو "هنا"_ في
الوطن المنفى". أما
لغة الجسد فهي ماثلة في
المقاطع والعبارات التي
تبوح فيها الكاتبة عن
مشاعرها واحساسيها
وخيالاتها, في الماضي أو في
الحاضر، باعتبارها أحداثا
داخلية -ذاتية تترجم عن عالم
الرغبة والطموح والحلم
والألم والحب والكره والخوف..
الخ. هذه اللغة تصلنا نحن
القراء- المتلقين عبر صوت "الكاتبة-
الشخصية المركزية" في
الحكاية إذ لا مسافة هنا بين
الذات والموضوع, أو بين النص
وكاتبته, وهنا تحديدا
تتراجع الوظيفة الحبرية, أو
المعلوماتية, لصالح الوظيفة
الانفعالية والتعبيرية حسب
مفهوم رومان جاكبسون
للوظائف المختلفة للخطاب
اللغوي» (4). ولعله
من البديهي القول بأن اللغة
الأولى, لغة الذاكرة, هي
المهيمنة في النص نظرا لأن
الأمر يتعلق بـ "مذكرات" لكن
هيمنة هذه اللغة في مستوى
البنية الظاهرة, أو السطحية,
للنص لا تعني أنها هي الأهم
في مستوى بنيته العميقة.
فلغة الجسد التي ترد كمقاطع
عرضية قصيرة, مكثفة ومنطوية
في ثنايا اللغة الأولى هي
المنبثق الأول والأهم للنص
لأنها الامتداد الحقيقي
والحميمي لجسد الكاتبة في
متن _ جسد النص. أكثر من ذلك فإن
هذه اللغة كثيرا ما تحضر
كفلتات اللسان (Labsus) فتخلخل
اللغة الأولى وتكشف عما
تحاول اقصاءه واخفاءه وكأن
الذاكرة خداعة وخوانة بينما
الجسد لا ينسى كما قال فرويد.
وفي كل الأحوال فإن الأمر
يتعلق هنا بمستويين لغويين
لذات النص احدهما ظاهر جلي
هو الذي يمكن ان يستقطب
اهتمام المؤرخ والباحث
الاجتماعي والاناسي (الانثروبولوجي)
والثاني كامن موارى هو الذي
يهمنا أكثر من غيره في هذه
القراءة. فالمؤكد أن سالمه
بنت سعيد لم تكن تتعمد طرح
القضايا التي نركز عليها
هنا وإن كان نصها يطرحها
علينا من خلال شفراته أو من
خلال "لاوعيه" كما
يمكن للقراءة النقدية
الحديثة أن تعيه وتكشف عنه.
وبصيغة أخرى نقول إننا هنا
أمام تمييز اجرائي تبرره
وتسمح به قراءتنا المسكونة
بهواجسها ومشاغلها "الراهنة
" وبعيدا عن مقصدية الكاتبة
المعلنة من الكتابة, وسنرى
لاحقا إلى أي مدى تسمح لنا
عملية تفكيك لعبة الكتابة
في هذا النص بتدعيم هذه
الفرضيات الأولية التي
سنعمل على اختبارها
وبلورتها في الفقرات
التالية. (2)
حكاية الكتاب فى /
ضد المنفى. الكتابة
بلغة أجنبية تختلف عن (الـ)
لغة الأم في معجمها ونحوها
وطرائق ترميزها للكون
والكائنات تجربة باهرة
لكنها مأسوية وموسومة حتما
بآثار العنف فهي في جوهر
الأمر جزء من تجربة المنفى
كمعاناة دائمة يعيشها ذلك
الشخص الذي تحول طوعا أو
كرها إلى "أجنبي محاصر
بعلاقات يومية تذكره بغربته
وهامشيته في الزمن والمكان.
وأي نص يحكي تجربة المنفى
والاغتراب لابد وأن ينبنى
على شكل من أشكال التوتر
الشديد "والمؤلم" بين لغة
الذاكرة ولغة الجسد. الأولى
تشده نحو الماضي المخزون في
شكل رموز وصور هي كل ما تبقى
من تلك الحياة الحميمية
المنتقدة وتجذبه الثانية
نحو الحاضر حيث يعيش الجسد
الغريب المغترب في سياق
شروط ووضعيات جديدة لا
يمكنه الاندماج فيها بعمق
واطمئنان, حتى وإن تلبس
الاقنعة ومثل الادوار وصدق
الظنون والتوهمات. المؤكد
أيضا أن النص المنكتب في
هكذا وضعية لا يشكل إلا
مقطعا قصيرا من "الكلام"
الذي يحلم الكاتب - الاجنبي
بكتابته أو سرده أو حتى
الهذيان به, بعد أن خرجت
حياته كلها من نسيج
الطمأنينة, الحقيقية أو
المتوهمة, التي تنسجها حول
الكائن لغته الأصلية
وعلاقاته الأولى بفضاءات
الطفولة والألفة في بلده
الأصلي. لكن
هذا النص الجزئي والناقص
بالضرورة سرعان ما يكتسب
أهمية مضاعفة في نظر كاتبه
إذ أنه يتحول إلى "فضاء بديل"
هو وحده القادر على ايهام
منتجه بامكانية السكني في
عالمين متباعدين, مختلفين
وقد يكونان متناقضين في كل
شي ء. فإذا كانت الكتابة
الأدبية عموما لعبة تخيلية
طقسية يحاول الكاتب فيها
ومن خلالها التحرر من
الشروط المعتادة للزمن
والمكان, فانها هنا
وبالاضافة الى ذلك تتلبس
بعدا انطولوجيا - سوسولوجيا،
يتولد عن محاولة الكاتب
اعادة تأويل معانى وجوده
ومصيره الذاتي فى اتجاه
الخلاص من آلام المنفى او
التخفيف منها قدر الممكن
والمستطاع هنا تحديدا تتحول
الكتابة الى عملية ترحال
دائم بين هذين العالمين فى
محاولة يائسة لامتلاك
احدهما والتموضع او
الاستقرار فيه نعم لا وطن
للمنفى غير نصه... هذا النص
الذي لايمكن مهما بلغ من
النجاح وحسن التلقى
والاستقبال ان يشكل وطنا
حقيقيا ومن هنا نتفهم معنى
قول ادوارد سعيد وهو من اشهر
المنفيين فى عصرنا "المنفى
والسعادة لا يجتمعان". الكتابة
فى المنفى بلغة المنفى هي
اذن استمرار وتجسيد لمعاناة
مأسوية تذكرنا بقصة خروج -
نفى ابوينا من الجنة
وحلمهما وحلمنا الدائم
بعدهما، بالعودة اليها،
والسكني الدائمة فيها، كما
يحلم كل انسان بالعودة الى
وضعية الجنين المقيم
باطمئنان فى رحم الام, لكن
هذه الكتابة هي فى نفس الوقت
من بين انجح الوسائل لتجاوز
هذه المعاناة من خلال
تحويلها الى موضوع للتأمل
واعلاء ما تتضمنه من قيم
انسانية عميقة لعل من اهمها
قيمة البحث عن الحرية التي
غالبا ما تكون وراء حكاية
المنفى. فهذه
التجربة لايمكن ان تكون محض
اختيار للكاتب لكن
مأسويتها، يجب ان تتحمل
بغية اعادة الهوية بل
واعادة الحياة نفسها الى
مكانة ادل واعمق كما يقول
ادوارد سعيد(5)فالانفصال عن
او التحرر من تبعات
الانتماءات العائلية
والوطنية والثقافية وعدم
القدرة او عدم الرغبة فى
تحقيق الاندماج الاستلابى
فى الفضاء الثقافي الاجنبي
يجعل من عملية الكتابة
محاولة جدية للتعالى فوق
جميع التوترات وتكريس
الطاقة الانسانية الخلاقة
فى الكاتب -الانسان من اجل عملية الكتابة ذاتها
وباعتبارها وسيلة الخلاص
وفضاء تحقيق الذات بامتياز
يقول تزفتان ثودروف - وهو من
مشاهير المنفيين ايضا - ان
المنفى هو فضاء اللا انتماء
بامتياز لكن كثيرا من
الكتاب والمفكرين القدماء
والمحدثين يختارون هذه
الوضعية توقا الى حرية
العقل والجسد واللسان وهذا
تحديدا ما يميزهم عمن يختار
المنفى طلبا للرزق او للمتع
الغرائبية (6). لا
يحتاج الناقد العربي الى
الكثير من الجهد للبحث عن
نصوص تمثل فيها قصة المنفى
هذه عنصر التشاكل الاساسي
كما اشرنا اليه من قبل من هنا
ومن وجهة نظر تاريخية, تأتى
اهمية مذكرات سالمة بنت
سعيد اذ انها فى حدود علمنا
اول من كتب بلغة المنفى فى
المنفى من الكتاب العرب
والمحدثين كما ان كتابتها
لقصة حياتها باللغة
الالمانية تمثل سابقة فريدة
من نوعها اذ ان الكتاب العرب
المهاجرين او المهجرين
كتبوا ومن بعدها بفترة
طويلة بالانجليزية او
بالفرنسية وقلة منهم من
يجيد هذه اللغة اصلا
وللاسباب التاريخية التي
نعرفها جميعا. يقول
الاستاذ عبدالمجيد القيسي
مترجم النص من الانجليزية
الى العربية "واذا كان ادب
التراجم فى لغة الضاد على
هذه الحال من الندرة فى ادب
الرجال على وفرته, فهو فى ادب
النساء وهو فى حد ذاته نزر
قليل بحكم المعدوم اصلا
وعلى هذا فاكتشاف اي اثر
عربي من هذا القبيل يعتبر
ولا شك اضافة قيمة الى
تراثنا النزر فى هذا
الميدان خاصة اذا كان هذا
الاثر قد كتبته اميرة عربية
من نساء الشرق فى القرن
التاسع عشر عاشت فى بيت
ابيها السلطان فى أقصى بقعة
حكمها العرب وهى زنجبار" (ص 11). ومع
اتفاقنا التام مع المترجم
على اهمية هذا النص من هذا
المنظور الادبي إلا ان
القيمة الاهم التي تمثلها
وتجسدها هذه المذكرات
تتجاوز ما يلح عليه فى هذه
الفقرة من المقدمة,
فالقارىء العادى، فضلا عن
الناقد المحترف, يدرك بمجرد
قراءة هذه المذكرات انه
امام مغامرة تكمن اهميتها
الاساسية فى جرأتها وقدرتها
على خلخلة الكثير من
المسلمات التي استقرت فى
الاذهان لطول تكرارها عن
المرأة والكتابة والجسد
والهوية والذات الأخرى. انها
كتابة تطال النوى الصلبة في
الخطابات المهيمنة, وبعفوية
تزيد من مصداقيتها ومن ثقة
القارىء بل وتعاطفه العميق
مع الكاتبة, فهي لم تكن تنطلق
فى كتابتها من اي موقف عدائي
تجاه ثقافتها وهويتها
الاجتماعية واللغوية
والدينية والحضارية
الاصيلة وانما قادتها سلسلة
من الصدف الغريبة والباهرة
الى هذه المغامرة التي
تحاول اعادة تدوينها
وكتابتها لاغراض لا علاقة
لها بالقضايا التي نثيرها
نحن الأن وهنا انطلاقا من
وعينا بالاهمية
الاستثنائية لهذا النص. تقول
الكاتبة في مقدمة الطبعة
الأولى موضحة مقصديتها من
كتابة قصة حياتها ونشرها
لاحقا في شكل مذكرات "انهيت
منذ تسع سنوات كتابة قصة
حياتي هذه وكنت قد قررت
كتابتها ليقرأها من بعدى
اولادي حين يكبرون فلم
يكونوا فى ذلك الوقت فى سن
تسمح لهم ان يعرفوا شيئا عن
ماضي حياتي واصل منبتي وعن
وطني زنجبار وقومى العرب "وتضيف:"وكنت
فى حال من الوهن والسقم
والارهاق لم اكن اتصور معها
بقائى على قيد الحياة امدا
يكفى لاروي لهم بنفسي سيرة
حياتي ولهذا وذاك لم يكن
نشرها يخطر على بال وما
وافقت على نشرها مؤخرا إلا
نزولا عند رغبة الاصدقاء
والحاحهم"(ص 53). وهنا
لعله من الواضح ان الكاتبة
كانت تعانى من قلق الخوف من
الموت فى المنفى قبل ان
تتمكن من سرد قصة حياتها
الماضية على اولادها ولو
ضمنت البقاء معهم الى حين
يكبرون لاختارت ان تحدثهم
مشافهة عن حياتها في وطنها
الذي تحن اليه وعن قومها
الذين تحبهم وتعتز
بالانتماء اليهم, ما يدعم
مثل هذا التأويل فضلا عن
مقال الكاتبة انها لم تكن
اديبة "محترفة" وانما امرأة
مغتربة تعانى فوق شقاوات
المنفى وقلق الموت فيه
القلق على مستقبل اولادها
وعلى هويتهم من جهة
علاقاتهم بشجرة انسابهم
الامومية. فمن
شأن هذه السيرة العائلية ان
تساهم مستقبلا "انطلاقا من
حاضر الكتابة" فى الاستقرار
الذهني والعاطفي لهؤلاء
الابناء المهددين باليتم
الكامل خصوصا اذا ما ادركوا
لاحقا انهم يمتون بأسباب
وانساب الى أحدى الاسر
المشرقية النبيلة والحاكمة
وان امهم ليست مجرد امرأة
عادية اتبعت نزواتها
واهوالها فاغتربت عن وطنها
وقومها، هنا نلاحظ ان حيوية
الذاكرة تقابل وتدعم وهن
وضعف الجسد المهدد بالموت
فى الغربة وان نص الماضي
يستحضر فى الحاضر ليشكل فى
المستقبل فضاء لغويا مؤثثا
بالمرايا الجميلة التي تسمح
لهؤلاء الابناء برؤية ما لم
يتمكنوا من رؤيته من صور
الاسلاف ومأثرهم وقيمهم
الحضارية, فما تختزنه هذه
الذاكرة المترعة من تفاصيل
يمثل عنصر حياة يجعل الجسد
يقوى على مجابهة شبح الموت,
بل ويؤكد استمرار يته عبر
هذا النص - المتن الذي تدونه
الكاتبة ليقرأه ابناؤها من
بعدها، وهم ضمان استمرارية
بيولوجية وجودية تنضاف الى
تلك الاستمرارية الرمزية
التي يمثلها النص, وحينما
نعود الى مقاطع من هذه
المذكرات نكتشف ان قلق
الانقطاع عن الجذور عميق
جدا فى وعى ولا وعى سالمة بنت
سعيد حتى لكأن المنفى لعنة
تطاردها كما تطارد الاقدار
القاسية ابطال التراجيديات
الاغريقية !. ويمكن
تفسير حرص الكاتبة على
تدوين سيرتها لاولادها، فهي
تعي جيدا انها سيدة وفخوره
بأهلها إلا ان مغامرتها
التي تولدت عن علاقاتها
العاطفية - الزوجية بذلك
الشاب الالماني التاجر
جعلتها تجد نفسها هي ايضا
مغتربة ومنفية عن هويتها
الاصلية ولا تريد ان تعيد
انتاج حكاية تلك الام _
الضحية فما يميز منفى عن أخر
هو جملة المواقف والوضعيات
التي يتخذها الشخص المنفى
بوعى ومقصدية لمجابهة
احواله ومصائره فقد يكون
المنفى قدرا لا دخل للانسان
فيه كما فى حالة الام وقد
ينبنى في مرحلة منه على
الاقل على قرار واختيار حر
واع كما فى حالة البنت /
الكاتبة هنا، فمن المؤكد ان
السيدة سالمة بنت سعيد ما
غامرت بالهجرة الى المانيا
وتغيير اسمها وعقيدتها
وجنسيتها، إلا لانها كانت
تتوقع حياة سعيدة مع زوجها
الالماني بعيدا عن الصراعات
العائلية التي نشأت عن
تنازع السلطة من قبل
الابناء بعد موت ابيهم
السلطان سعيد كما تسردها
الكاتبة بالتفصيل فى
مذكراتها، لكن موت زوجها
بعد فترة قصيرة من اقامتها
فى المانيا جعلها تجابه خطر
الشقاء فى الغربة خصوصا
وانها كانت وحدها المسؤولة
عن ابنائها الثلاثة - وهم
بنتان وولد - الذين انجبتهم
من هذا الزواج القصير...
وستتحول غربتها الى منفى
حقيقي عندما تفشل كل
مساعيها لمصالحة الاهل
والعودة الى الوطن للحياة
فيه بهدوء واطمئنان من هنا
فإن جانبا من عملية الكتابة
يجب ان يفسر ويؤول من هذا
المنظور لا من منظور المقصدية
الاولية التي تعلنها
الكاتبة فى مقدمتها فحسب,
فالكتابة من هذه الزاوية هي
محاولة لاستعادة وتشكيل
الحلم, المشروع الممكن من
خلال لعبة الرموز والعلامات
من اجل ايجاد ذلك الفضاء
البديل الذي يسمح للذات بأن
تتحقق كما تشتهي وتريد
بعيدا عن سلطات العالم
الخارجي القوية الاستلابية
والعدائية. ولعل
أوضح واقوي دليل على وجاهة
هذا البعد الوظيفي - الدلال
للنص تتمثل فى عملية نشره
لاحقا اذ ان رغبة الاصدقاء
الالمان لاتكفى وحدها مبررا
لتحويل النص من فضاء
التداول الخاص الى فضاء
التداول العام, فقد كان
بإمكان سالمة بنت سعيد ان
تهمل هذه المذكرات او ان
تحرقها بعدما كبر اولادها
وسمعوا حكايتها مشافهة
ولمرات طويلة وبتفصيلات قد
تكون أثرى واهم مما كتب فى
الوثيقة العائلية الاصلية
تحت وطأة الخوف من الموت
والقلق على مستقبل الابناء
لكن الكاتبة لم تفعل ذلك
وانما احتفظت بالنص كما
تحتفظ بشىء حميم من ذاتها بل
اكثر من ذلك لقد سمحت لاولئك
الاصدقاء ان يطلعوا بطريقة
ما على مذكراتها مما يعنى
انها اتخذت الخطوة الأولى
والحاسمة فى طريق نشر متنها
فى اوسع نطاق ممكن, وهذا ما
ينسجم مع شخصيتها الذكية
والقوية التي تأبى ان تحضر
فى الازمنة والامكنة
والعلاقات حضورا عاديا هشا
ومبتذلا كما يخبرنا النص فى
مقدمته فإن المسافة الزمنية
الفاصلة بين زمن الكتابة
وزمن النشر تمتد تسع سنوات
وهذه المدة الطويلة نسبيا
لابد وانها ساهمت فى تحرير
الكاتبة من قلق الموت, كما
ساهمت فى تحريرها من القلق
على هوية الابناء ايضا
فخلال هذه المدة كان اكبر
اولادها على مشارف العشرين "على
افتراض انه ولد عام 1867 اي بعد
سنة من زواجها" واصغرهم فى
سن البلوغ اذا كان عمره
حينما توفى زوجها عام 1869او1870ثلاثة
اشهر كما تقول هي فى
مذكراتها". اذن
لابد ان مقاطع كثيرة
وجوهرية من النص كانت قد
فقدت وظيفتها الاصلية اذا
انها بلغت ووصلت الى هؤلاء
الابناء مشافهة او قراءة
وبالتالي فإنه كان ولابد ان
تتجه الى قواء أخرين من خارج
العائلة, ومجرد اطلاع
الاصدقاء الالمان على وجود
هذا النص هو بمثابة القرار
الشخصي باخراج الوثيقة
العائلية من فضاء الخصوصية
والسرية, ونحن نلح على هذا
البعد الجديد للنص لانه بين
العوامل التي تؤثر على
قراءتنا له, فالعلاقة
الاقوي تحولت هنا من محور
النص _ الابناء وهو المحور
الأصلى والاول الى محور
النص _ الجمهور وتحديدا ذلك
القارىء الالماني المفترض
الذي تريد الكاتبة ان تبلغة
رسالة ما، وبلغته التي
امتلكت الكاتبة حد القدرة
على الكتابة بها. هذه
الرسالة تتحدد من خلال
وضعية الكاتبة وعلاقتها بما
ومن حولها فمن المعروف جيدا
ان الشخص الاجنبي او المنفى
يظل محاصوا بأسئلة تذكره
بغربته وها مشيته وتطالب
بالكشف عن اسباب هجرته من
هناك الى هنا، والانفصال عن
اولئك والاتصال بهؤلاء
وهكذا يجد نفسه مدفوعا
باستمرار الى تبرير وضعيته
الشاذة بما يعلى من قيمة
التجربة الانسانية التي
يعيشها ويعمل على تأويلها
من منظور ايجابي، بحثا عن
تفهم الآخرين له ، وكسبا
لتعاطفهم معه ، وهنا تحديدا
فإن عملية الكتابة بلغة
المنفى تمثل فى حد ذاتها
الدليل الاقوي على ان الشخص
المنفى يمتلك شخصية قوية
موهوبة وغير عادية ، اذ ليس
فى امكان كل احد ان يمتلك
شروط الكتابة الابداعية
بلغته فضلا عن الكتابة بلغة
اجنبية عنه قد يكون تعلمها
في مرحلة متقدمة من العمر
كما هو حال سالمة بنت سعيد.
سنرى فى فقرة لاحقة ان هذه
الكاتبة لم تكتب مذكرات
عادية وانما انجزت نصا يضع
الآخر نفسه موضع التساؤل
والنقد مما يدل على انها ظلت
وفية لروح التمرد والمغامرة
حتى فى أقسى الظروف اما الان
فسأناقش حكاية المغامرة ~
المغامرات التي افضت بها
الى المنفى والكتابة باللغة
الاجنبية عن حياتها الفنية
بالتجارب السعيدة والشقية
والخارجة عن المعتاد
والمألوف كما سنرى. 3- حكاية
المغامرة
فى
الفصل الثالث والعشرين من
مذكراتها تسرد الكاتبة
مقاطع هامة من الحكاية التي
تكشف عن بداية علاقتها بذلك
الشاب الالماني الذي تزوجته
وهاجرت معه وانتحلت اسمه
وجنسيته وتعلمت وكتبت بلغته
، ورغم اهمية الدافع
العاطفي الانساني "الحب" فى
هذه العلاقة وما نتج عنها من
مغامرة ، إلا انه لايكفى
وحده لايضاح كل الملابسات
فى هذه الحكاية التي تبدو
لنا اليوم وكأنها من نسج
الخيال لما تمثله من قطيعة
مع التقاليد الاجتماعية . من
هنا لابد للقراءة ان تربط
بين ماورد في هذا الفصل
القصير المكثف وجملة النص
حيث نجد فيه مقاطع متفرقة من
لغة الجسد تكشف لنا ان سالمة
بنت سعيد كانت منذ طفولتها
مندفعة الى اجتراع كل ما من
شأنه اثبات حضورها المتميز
فى الفضاء والعلاقات . وفي
ظل الظروف ظروف متوترة
مأزومة فى المستوى الذاتي
والعائلي والسياسي شاءت
الصدف ان تسكن سالمة بنت
سعيد فى منزل متواضع بجوار
ذلك الشاب الالماني الذي
كان يعيش حياة اوروبية
برجوازية صاخبة وكان يتعمد
اقامة الحفلات الساهرة فوق
سطح منزله لاثارة اهتمام
جارته الاميرة الشابة
الجميلة الثرية من
جهتها لابد انها كانت تبحث
عن مخرج من هذه العزلة فى هذا
السكن المنفى، حيث كانت
عملية اتصالها بالعالم
الخارجي تتم تحديدا عبر سطح
الدار او عبر نافذة فى
الجدار، كما تشير اليه فى
مذكراتها هكذا تلاقت
الاهواء والصدف من الجانبين
ليندفعا الى لقاءات كثيرة
تحول فيها الاعجاب المتبادل
الى علاقة حب قوية لاتخبر
عنها الكاتبة شيئا(7). والافريقية
الزنجية الوثنية
والاوروبية الغربية
المسيحية مما يجعل هيمنة
المرجعية الثقافية العربية
التقليدية على هذا المجتمع
ضعيفة وان حكمت ووجهت
ايديولجيا السلطة والمؤسسة
الرسمية ولعل اهمية هذا
العامل تتأكد اكثر فأكثر
اذا ما تذكرنا ان سالمة بنت
سعيد هي ذاتها هجينة ولابد
ان الامور ستختلف قليلا او
كثيرا لو انها كانت تنتمي من
جهة الام الى اسرة عربية
عريقة تربطها بعلاقات خؤولة
تقليدية قوية وصارمة او "قامعة"
فمن المعروف جيدا انه لهذا
السبب تحديدا كانت النساء
الحرائر طوال تاريخ الحضارة
العربية الاسلامية كثيرا ما
يتمنين وضعيات الجواري او
من فى حكمهن لانهن ينلن من
هوامش الحرية ما يسمح لهن
بتحقيق الذات بعيدا عن سلطة
هذه العلاقات القبلية
الضاغطة (8). ورغم
اهمية كل هذه العوامل إلا ان
العامل الاهم والاقوي
والحاسم يكمن فى شخصية
سالمة بنت سعيد والتي
وصفناها بأنها كانت شخصية
قوية متمردة وذكية وغير
عادية منذ طفولتها فأولى
واخطر تجليات هذه السمات
تتضح فى كونها الوحيدة بين
اخواتها التي استطاعت ان
تتعلم القراءة والكتابة
وبشكل سرى كما تقول "ص 104"
فالأعراف والتقاليد
السائدة آنذاك والى وقت
قريب فى مجتمعاتنا العربية
كانت تحرم النساء من امتلاك
ادوات هذه اللعبة الخطيرة
لان امتلاك ادواتها تسمح
للكائن بالمشاركة فى عمليات
تأويل الذات والأخر والعالم
من منظوره الخاص . تقول الكاتبة : بدأت اتعلم الكتابة بنفسي وبطريقة بدائية جدا، وكان على ان اعمل هذا بالسر والكتمان ، فما يجوز لامرأة ان تتعلم الكتابة او تعلن معرفتها بها.... ولكن بعد مرحلة معينة كان لابد من وجود معلم يعلمني اصول |