الشعرية والخطاب الشعري في النقد العربي الحديث

سعيد الغانمي (ناقد عراقي)


ينبغي لنا، أولا، أن نحدد المقصود بالشعرية. مادام الأدب يعتمد في مادته اللغة، ومادامت اللغة مشروطة ببناها الصوتية والنحوية والدلالية، فإن عين دارس الأدب تتجه ، قبل كل شيء ، إلى المظاهر اللغوية في الأدب ، أي الى هذه البني "الصوتية والنحوية والدلالية، لوصف العلاقات القائمة بينها، بشرط ألا ينسى هذا الدارس أنه أمام نص أدبي ، وليس نصا يستعمل اللغة المعيارية العادية . وتبدأ فرادة الأدب ، في رأي جاكوبسن ، من كونه رسالة تتجه الى ذاتها. وفي حين يدرس علم اللغة مستويات التحليل اللغوي ، فان العلم الذي يدرس مستويات التحليل الادبي هو الشعرية، ومثلما يهتم علم اللغة أو اللسانيات بدراسة القوانين المجردة في اللغة، وليس في الكلام أو التطبيق الفعلي ، تحاول "الشعرية" كذلك الامساك بوحدة الاعمال الادبية وتعددها في وقت واحد. ومن هنا فانها تريد ان تشتغل على الاعمال ، وليس على النصوص ، فتضع المصطلحات الضرورية والادوات الاجرائية اللازمة التي لا تقتصر على اضاءة؟ ما تشترك به هذه الاعمال ، بل ما تختلف فيه ايضا، دون ان تغفل أهمية الأوصاف الجزئية في النصوص المفردة. وبهذا المعني فان موضوع الشعرية يتكون من الأعمال الممكنة، أكثر مما يتكون من النصوص الموجودة بالفعل (1).

 الشعرية، إذن ، تفكر بأعمال وتشتغل على نصوص . وهذا ما يعطيها سمتين أساسيتين : الاولى انها لا تتعلق بقراءة الاعمال الادبية أو تأويلها، بل أن تتأمل في الأدوات الاجرائية لتحليل هذه النصوص ، ولذلك فان حقل اشتغالها ليس ما يوجد، أو وجد سابقا من أعمال ؟ بل الخطاب الأدبي نفسه ، وما يميزه عن سواه من أنواع الخطابات الاخرى، من حيث هو مبدأ مولد لعدد لا حد له من النصوص . فهي حقل نظري يريد ان يثرى بالبحث التجريبي . والثانية: إن تقكيرها بالنصوص الأدبية دون تعيين لجنس أدبي معين ، يجعل منها حقلا يهتم بالتمييزبين ما هو أدبي وما هو معياري ، أي بين لغة يمكن أن تفيض عنها لغات ضمنية أخرى، ولغة تكتفي بحدها الأدني ، وليس حقلا للتمييز بين ما هو شعري وما هو نثري مثلما كانت الحال في دراسة الأدب سابقا. قد عاني النقد العربي منذ "المبرد" حتي وقت قريب من ثنائية البلاغتين . بلاغة الشعر والوزن ، وبلاغة النثر والخطبة (2)0 اما الشعرية فتقترح بديلا اخر عن هذه الثنائية لتجعل التمييز بين الخطاب الادبي والخطاب غير الأدبي .

واستنادا الى القوانين الداخلية المستخلصة من الاعمال المفحوصة، في حقبة معينة، تحاول الشعرية ان تسأل السؤال الأخطر: "ما الأدب ؟". وان تعثر على ما يشكل هوية كل نص اختلافا وائتلافا. وهي لا تعول عى الموجهات الخارجية كالوقائع والاحداث والنيات ، ما لم يكن هذا التعويل قائما على أساس داخلي نصي . ان الشعرية قراءة داخلية وليست خارجية للاعمال الادبية في تمايزها واندماجها. وحيث ان كل نص يتكون من طبقات متعددة، ومستويات متفاعلة، فان الشعرية تحاول فرز هذه الطبقات وتحديد العلاقات القائمة بين المستويات المتداخلة في النص الواحد، من خلال نصوص متعددة . وهذا ما يميزها عن "القراءة" التي هي استكشاف في نص مفرد ذي نظام خاص وتحليل له ، وما يميزها أيضا عن اللسانيات التي تكتفي بالوصف اللغوي البحت دون استكناه التداخل والتعدد والتفاعل في هذه المستويات .

من هنا لا تنحصر مهمة الشعرية بالنصوص والأعمال الشعرية وحسب ، بل بالنصوص الادبية جميعأ، حتى ليمكن الحديث عن شعرية القصة وشعرية الرواية وشعرية المقامة . .الخ .

ومع ذلك فان ما يعنينا هنا ليست هذه الشعريات ، بل شعرية الشعر وحده ، أي ما يميز الخطاب الشعري من منظور النقد العربي الحديث ، وفي بعض تطبيقاته الفعلية.

وستحاول هذه الورقة ان تفحص المفهموم النقدي عن شعرية الخطاب في النقد العربي الحديث في ثلاثة نماذج ، تعدها ثلاث لحظات أساسية، هي ! نازك ا لملائكة، وأدونيس ، وكمال أبو ديب ، وان تتوصل من خلال هذا الفحص الى بلورة مفهوم نقدي خاص بها. وغني عن البيان ان النماذج المدروسة هنا قد اسهمت الى حد كبير في تطوير حركة النقد العربي الحديث باصرارها على لحظة التأمل الداخلي في الابتداء بالسؤال عن المقومات الضمنية الداخلية للشعر، وبالتالي استبعاد الموجهات

الخارجية (الواقع ، والمرجع ، الايديولوجيا) والانطلاق من العناصر البنيوية للشعر نفسه.

(2)

لا تكف نازك الملائكة عن الاشارة الى "ان الشعر ظاهرة عروضية قبل كل شيء . ذلك انه يتناول الشكل الموسيقى القصيدة وبتعلق بعدد التفعيلات في الشطر، ويعنى بترتيب الاشطر والقوافي واسلوب استعمال التدوير والزحاف والوتد وغير ذلك مما هو قضايا عروضية بحتة"(3). وفي مناقشتها لقصيدة النثر تصر نازك الملائكة ان "الوزن هو الروح التي تكهرب المادة الأدبية وتصيرها شعرا، فلا شعر من دونه مهما حشد الشاعر من صور وعواطف ، لا بل ان الصور والعواطف لا تصبح شعرية، بالمعنى الحق ، الا إذا لمستها أصابع الموسيقى ونبض في عروقها الوزن "(4).

الشعر، في رأي نازك ، كلام عاطفي موزون ، بل ان هذه العاطفية هي نتاج كهربة الوزن . والشعرية، بما هي المبدأ المولد للخطاب الشعري ، تقوم عندها على الوزن . فالوزن هو روح الشعر. وهو رأي يجد أساسه التاريخي عند الزهاوي الذي كان يرى - وهو يخوض معركة الشعر المرسل - ان الوزن هو العمود الفقري الذي لا يمكن الاستغناء عنه في الشعر، بينما لا تزيد القافية عن كونها ذيلأ لهذا الكائن الحي . ولا حياة لكائن في بلا عمود فقري ، أما ذيله فقد يستغنى عنه ويظل كائنا حيا. ان استعارة الروح الوزنية والمادة الأدبية لدى نازك تستفيد من هذا التناظر. فالوزن في كلا الرأيين ، وسواء اسميناه روحا ام عمودا فقريا، يظل جوهر الشعر الذي يستطيع أن يتخلص من بعض زوائده الايقاعية كالقافية - وهي متشابهة في حالتي الشعر المرسل والشعر الحر - ويظل مع ذلك جوهرا. ومن جهة اخرى يستجيب هذا الرأي لخصومة ضمنية أو صريحة بين طريقتين في الكتابة هما الشعر الحر وقصيدة النثر، وعلى احداهما ان تستبعد الاخرى باثبات شرعية ولادتها من رحم الموروث الشعري ، ولا شرعية ولادة الاخرى. وهذا ما  يجعل نازك الملائكة تقع في تقسيمات خارجية للناس بالنسبة الى الشعر:

1 -إنسان يتذوق الشعر يميز الوزن فيه .

2 - إنسان ينظم الموزون بلا جمال .

3 -أنسان يحسن النظم بموهبة موسيقية عالية.

إن هذا التقسيم ، الذي لا يختلف كثيرا عن تقسيم "الشعراء فاعلمن أربعة"، لا يبسط القضية الي درجة التبذير وحسب ، بل يوقع نازك الملائكة نفسها في كثير من الأحكام المتراجعة، من نحو أسفها على فقدان النظم سمعته الايجابية، وفي الواقع فان هذه المسألة تتجاوز الخصومة المؤقتة بين أنصار الشعر المقفى والشعر المرسل في العشرينيات ، أو أنصار الشعر الحر وقصيدة النثر في الستينيات . انها تتعلق بهوية الشعر نفسه. فهل صحيح ان الشعر لا يتعدى حدود الظاهرة الوزنية؟

إن الاكتفاء بالوزن أساسأ أو جوهرأ للشعر، وبصرف النظر عن الخصومات الشخصية أو الكتابية بين هذا الشاعر أو ذاك لا يعني انتصارآ للمنظومات التعليمية كالألفيات والأراجيز وحسب ، بل أنه يفقر العروض نفسه ، ويجرده من وظائفه . فهو يجعله يؤدي وظيفة تزيينية لتطريز القول ، ثم يزعم ان هذا الوظيفة التزيينية السطحية هي جوهر الشعر. والحال ان الوزن يمكن ان تكون له أكثر من وظيفة، بل ان شعرية الشعر تقوم في الأساس - كما سنرى - في ادعاء وظيفة والقيام بغيرها فيمكن للوزن - شأنه شأن بقية عناصر الشعر - ان يدعى القيام بوظيفة، لكنه سرعان ما يقوم بوظيفة اخرى خلسة وبرغم اقتناعنا بان الجوهر ليس سوى مجموعة مظاهر، او علاقات ، وقبل ان نتأمل امكان انطواء الوزن على أكثر من وظيفة، نسأل ما وظيفة الوزن في رأي نازك ؟

 

تقول نازك "إن السبب المنطقي في فضيلة الوزن ، هو انه ، بطبعه ، يزيد الصور حدة ويعمق المشاعر، ويلهب الاخيلة، لا بل انه يعطي الشاعر نفسه ، خلال عملية النظم نشوة تجعله يتدفق بالصور الحادة والتعابير المبتكرة الملهمة. ان الوزن هزة كالسحر تسري في مقاطع العبارات وتكهربها بتيار خفي من الموسيقى الملهمة"(5).

إذا جردنا هذه الاجراءات "النقدية،" من أغلفتها الشعرية، وجدنا ان وظيفة الوزن ، أو فضيلته كما تقول ، هي زيادة الصور حدة، وتعميق المشاعر، وإلهاب الأخيلة . ولكن مشاعر من ؟ وأخيلة من ؟ من الواضح ان نازك تحيل إلى ذات الشاعر نفسه ، الذي يعطيه الوزن "نشوة خلال عملية النظم ". ما تتحدث عنه نازك هنآ إذن هو الشاعر أمام نص مكتوب . وهي تتصور وجود العبارات الشعرية أولا، ثم دخول الكهربة الوزنية عليها ثانيا. ووظيفة الوزن هنا ايجابية قارة تستند اليها جماليات الايقاع في القصيدة . والحقيقة ان الوزن لا يستطيع ان يقوم بذلك إلا إذا كان نقيض ما تشير اليه نازك ، أي إذا كان يقوم بوظيفة سلبية غير قارة.

لقد سبق لي أن ميزت بين الوسائل البديعية والوسائل البيانية، وقلت أن الوسائل البديعية هي وسائل التنميط الصوتي التي تمتاز بالتوصيل ، والاتجاه نحو الصوت ،وواحدية المعنى والموضوعية، وهي بطبيعتها خطية، تعمل على محور التأليف ، فتعتمد الذاكرة، وقياس الصورة على مثال سابق . أما الوسائل البيانية، التي هي وسائل التنميط الدلألي، فتمتاز بالتضليل والاتجاه نحو المعجم ، وتعدد المعاني ، والذاتية، وخلق الصور على غير مثال ، والتركيز على محور الانتقاء، وقوة الخيال والعمودية(6). وفي اللغة المعيارية/ العادية، فإن أية جملة تحاول ان تقيم موازنة بين نوعي الوسائل المذكورين ، فتقف ، مثلا، حيث يتطلب الصوت والمعنى. أما في الشعر، فان الوقفة تتم حيث يكون هناك انقطاع على مستوى الصوت ، واستمرار على مستوى المعنى . ولو نظرنا الى التوصيل الشعري ، من حيث هو مكتوب ، لا من حيث يكتب الآن ، لوجدنا ان وظيفة الوزن تعمل في الأساس ، أو في الأقل تغري بانها تعمل على مستوى الوسائل البديعية،أي أنها وسيلة من بين وسائل التنميط الصوتي . وبالتالي فان وظيفة الوزن ستكون الاغراء بالتوصيل وواحدية المعنى. وهذه هي اللحظة التي تتوقف عندها نازك .

 لكننا لو أمعنا النظر في هذه الحالة لوجدنا ان اهم صفة يتصف بها الشعر هي التفاعل بين مستويات التحليل ، حيث تستطيع وسيلة بيانية ان تقوم بوظيفة بديعية، والعكس بالعكس ، فيمكن ان يتنكر الوزن باداء وظيفة دلالية وليس صوتية فحسب .

تمثيلا على ذلك لنقرأ قصيدة "مدينة أخرى" لمحمود البريكان (7) :

وراء المدينة ذات الوجوه المائة

هناك مدينة أخرى

وراء المدينة حيث تشع العمارات

حيث تدور الميادين حيث تعج المتاجر

هناك مدينة أخرى

هناك مدينة الأشباح والاصداء

ساكنة تقلب ذكريات رجالها الموتى

وراء مدينة الألوان والأشكال

والضوضاء والحركة

هناك مدينة أخرى

تراقب خطو الغريب الذي هو أنت .

من الواضح أننا أمام مدينتين ، كل منهما في داخل الاخرى مدينة العمارات ، وتحتها مدينة الأشباح . كلتا المدينتين في مكان واحد. توزيع الأبيات بهذه الطريقة مقصود. لقد جعل الشاعر أبيات المدينة السفلية تبدأ من منتصف أبيات المدينة الظاهرة، وكأنها تولد من خصرها. لكن لكل مدينة وزنا خاصا وإيقاعا خاصا. مدينة العمارات من ا لمتقارب ، ومدينة الأشباح من مجزوء الوافر.

وكأن لكل مدينة قصيدة خاصة وشاعرا خاصا، فنستطيع نحن أن نميز بين شاعرين وقصيدتين . سيقول شاعر المدينة الأولى قصيدة من بحر المتقارب :

وراء المدينة ذات الوجوه المائة

وراء المدينة حيث تشع العمارات

حيث تدور الميادين حيث تعج المتاجر

تراقب خطو الغريب الذي هو أنت .

ويقول شاعر المدينة الثانية أبياتا من مجزوء الوافر.

هناك مدينة أخرى

هناك مدينة أخرى

هناك مدينة اللأشباح والاصداء

ساكنة تقلب ذكريات رجالها الموتى

وراء مدينة الألوان والأشكال

والضوضاء والحركة

هناك مدينة أخرى.

وظيفة الوزن هنا لا تقتصر على إحداث التأثير الايقاعي بالدورات الزمانية التي تشغلها الجملة الشعرية، بل هي تحدد وجهة النظر. اختلاف الايقاعين أو الوزنين هو في الأساس اختلاف بين وجهتي نظر لشاعرين مختلفين ، وليس ر مجرد تطريز خارجي . هناك مدينتان ، لكل مدينه شاعر، وكل شاعر يكتب قصيدة من بحر مختلف عن بحر القصيدة الاخرى. اختلاف الايقاع هو اختلاف في وجهات النظر، ولا يهم بعد ذلك ان كانا سيتلاقيان (كما سنرى في مكان آخر) أو لا. فالوزن يمكن أن يقوم بوظيفة تضليلية، كما يقوم بوظيفة توصيلية. وبالتالي فهو يمارس من التأثيرات المعنوية سرآ بقدر ما يمارس من التأثيرات الصوتية علانية.

 (3)

في الجهة المقابلة لتطرف نازك الملائكة يقف تطرف أدونيس . فهو يكتب بوعي كبير لتجربته أن هناك نقدا "يرفض سلفا البحث في امكان النظر إلي قصيدة النثر شعريا، أو يرفض أن يرى الشعرية خارج الوزن ، ويعني بذلك إنه متأصل في قديم ما، وأنه بسبب من ذلك عاجز عن النظر إلى الجديد إلا بذائقة تقليدية، وهو إذن لا يفهم الجدة الشعرية، بل أنه في أحيان كثيرة يطمسها ويشوهها"(8). وخشية أن يقع أدونيس في الحصرية التي وقعت فيها نازك الملائكة، فانه يمسك العصا من طرفها الآخر. وهكذا يستعيد تمييز نازك بين درجات التعبير، بعد أن يحوره تحويرا ضروريا، فتظهر لديه أربع طرق كما يسميها.

أ - التعبير نثريا بالنثر.

ب - التعبير نثريا بالوزن .

جـ - التعبير شعريا بالنثر.

د - التعبير شعريا بالوزن .

التعبيران الأول والثاني لا يختلفان في استعمالهما عن اللغة العادية لأنهما نثر أصلا، أما الثالث والرابع فهما مناط أهتمام أدونيس . الأول هو التعبير في اللغة العلمية والقانونية التوصيلية الواضحة. والثاني هو التعبير في الأراجيز والمنظومات التعليمية . والثالث هو تعبير قصيدة النثر والكلام الفني المنثور. والرابع هو الشعر الموزون في أشكاله المختلفة . وبرغم ما يلاحظه أدونيس من كون الوزن في التعبير النثري خارجيا "وانه كمي لا نوعي ، أي أنه ليس عنصريا شعريا" فان هذا التقسيم ليس سوى تنويع على ثنائية البلاغتين القديمة بعد طرد الوزن، واعتبار "الدلالة" مقوما للشعرية . على نحو قبلي . ولكي يوضح أدونيس مفهومه عن الشعر يعطي المثالين التاليين :

 أ - الليل نصف اليوم .

ب - الليل موج ( أو جمل )0 (امرؤ القيس )(9).

يقول . "الجملتان هنا عن الليل كموضوع واحد، لكنهما تثيران طريقتين مختلفتين لادراكه والاحساس . عدا ان لهما معنيين مختلفين . المعنى في الجملة الأولى نثري ، فنقول بكلام نثري ، والمعنى في الجملة الثانية شعري ، فنقول بكلام شعري . الكلام في المستوى الأول اعلامي ، اخباري ، يقدم معلومات حول الاشياء، ويدور في إطار المحدود، المنتهي . أما الكلام في المستوى الثاني ، فيوحي ويخيل ، يشير إلى ما يمكن أن يكتنز به الشىء، ويوحي بصور اخرى عنه ، أي بامكان تغيره ، وهو يدور في المنفتح وغير المحدود"(10).

ولكن هذه الصياغة تثير كثيرا من الأسئلة، فهل يمكن الفصل بين الصوت (أو الكلام ) والمعنى؟ وهل هناك معنى بلا صوت ؟ وهل يمكن حقا الحديث عن معنى "شعري " ومعنى "نثري "؟.

منذ الجرجاني لم يعد بإمكان البلاغة العربية أن تقول بفكرة المعاني المطروحة على الطريق . فالنظم أو التأليف هو الذي يحدد فصاحة الكلمة. إن الكلمة المفردة لا تستمد معناها من ذاتها مستقلة عما يجاورها من الكلمات بل تستمد معناها في الأساس من موقعها الى جوار الكلمات التي ترد قبلها أو بعدها. وما من موضوع شعري أو غير شعري ، وما من كلمة "شريفة" أو "غير شريفة" باستقلال عن سواها من الكلمات "فالألفاظ - كما يقول الجرجاني - لا تتفاضل من حيث هي ألفاط مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة. وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ . ومما يشهد لذلك انك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر"(11).

 لا بل ان معنى الكلمة لا يتحدد بعلاقات الحضور التي تربطها ببقية الكلمات الحاضرة قبلها أو بعدها في الجملة فقط ، بل يتحدد بعلاقاتها بكلمات اللغة الأخرى الغائبة عن تلك الجملة هما يمكن ان تتبادل معها المواقع أيضأ. ولكل وحدة لغوية وجهان هما الدال (وهو الصورة الصوتية) والمدلول (وهو التصور الفكري )، وسواء أكانت العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية كما يرى دي سوسير، أم ضرورية كما يرى بنفنست ، فان المعنى هو نتاج تفاعل هذين الوجهين في تأليف لغوي ينسجم مع أعراف اللغة المستعمل فيها. فلا معنى إذن للحديث عن معنى شريف ، أو معنى شعري ، ومعنى غير شريف أو غير شعري .

 يقودنا هذا إلى القول أن "التواتر الدلالي " الذي يشير إليه أدونيس ، ليس خاصا بالمعنى أو الموضوع ، بل هو نتاج تفاعل الصوت والمعنى، وحيث ان الوزن هو أحد مظاهر الصوت ، فانه يمكن أن يكون عنصرا فاعلا في تغيير المعنى، كما رأينا في مثال قصيدة البريكان ، وطبيعي أنه لا يستغرق كلية المعنى، أما الشعرية، من حيث ارتباطها بالمعنى، فتنشأ عن مقدار تراتب المعنى في داخل البنية الصوتية، أي ما يمكن ان تختزنه البنية الصوتية الواحدة من معان متعددة . إن اتجاه الرسالة الشعرية الى ذاتها يجعلها تستطيع ان تتظاهر بأكثر من معنى. فهي شفرة واحدة تفيض عنها معان أوائل ، ومعان ثوان ، ومعان ثوالت ، وربما معان روابع وهكذا... وهذا ما تسميه البلاغة الحديثة دلالة الايحاء، وما يسميه الجرجاني معنى المعنى، حيث تعني اللغة أكثر مما نقول ، في مقابل دلالة المطابقة، أو المعنى الأول حيث تكتفي اللغة بأن تعني ما تقول . وانطلاقا من تحديد سلبي للشعرية، يريد أدونيس ان ينفيها عن النثر الموزون ، بدلا من استكشافها في الشعر المنثور أو الموزون. ويصل في الاخر إلي أن الوزن في النثر المنظوم "تكأة، شيء زائد، مجرد قالب ، وما عبر عنه ، بوساطته ، يمكن التعبير عنه النثر دون أن ينقص شيء منه . ونرى أيضا أن "المعنى" فيه شأنه في النثر. واضح ، مباشر، عقلي. ثم أن هذا المثال ينقل ،"فكرة" أو مفهومأ. . وهذا يوصلنا إلى القول أن الفرق بين الشعر والنثر ليس في الوزن ، بل في طريقة استعمال اللغة" (12). وبنفي الشعرية عن الوزن ، يصل أدونيس إلى النتيجة المضادة، وهي حصر الشعرية في "طريقة التعبير،أو كيفية استخدام اللغة".

وحصر الشعرية بـ "كيفية استخدام اللغة" منظورا اليها كمعنى قبلي ، يعني افقارا للغة الشعر والنثر معا. وقد رأينا ان الشعرية، بما هي حقل نظري ، تستبدل ثنائية الشعر/النثر، بثنائية الخطاب الأدبي / الخطاب اليومي. والحقيقة ان كلتا اللغتين تستخدم ،"المعاني "، ولكن في حين تكتفي اللغة العادية بالاشارة الصريحة أو دلالة المطابقة، تريد اللغة الشعرية أن تناور فتقدم أكثر من مستوى للتعبير، واقتراح للفهم .

أدونيس ، إذن ، يصل إلى لغة الشعر لا من خلال فحص هذه اللغة في ذاتها، وانما من خلال المقايسة الخاطئة بما ليس بشعر، أي أنه يحاول اسناد الشعرية إلى المعني بنفيها عن الوزن . لكن هل أن القول بأن (س ) من الناس ليس بملاكم يعني ان (ص ) بطل العالم في الملاكمة؟.

لتوضيح إمكان أن تنطوي البنية الصوتية ذاتها على معنى تفريعي الى جوار المعنى الذي تقدمه البنية الدلالية، استشهد بالمقطع التالي من قصيدة "االبرعم والرعد" لعبد الرحمن طهمازي ، التي سبق ان حللتها كاملة(13).الجمرة التفت وبين رمادها انعدمت واكملت الرمادا بيدي مردت قشورها المتفطرات

أملأ

فلم أجد النواة.

تتحدث القصيدة عن إخفاق التجربة الصوفية في الوصول إلى الحقيقة . وتتحقق ذروة الاخفاق عند هذا المقطع . وتتكافل . هنا البنية الدلالية والبنية الصوتية. فعلى مستوى الدلالة يتحقق الشاعر من خيبته بأن يمرد بيديه الجمرة ليجد رمادا بلا نواة، وعلى مستوى الصوت تعطينا الابيات شعورا متسارعا بالمرارة، حيث يتكرر حرف الميم مولدا فينا الاحساس بالاغلاق والاختناق :

الجمرة التفت وبين رمادها انعدمت وأكملت الرمادا وفي البيت التالي يكرر الشاعر حرف الراء ليعطينا إحساسا بالنقر والتردد:

بيدي مردت قشورها المتفطرات .

والغريب ان تكرار الميم ثم الراء لا يقتصر تأثيره على تفجير الحس المبهم بالمرارة، بل انه يكتبها. فلو جمعنا الميم والراء لكانت كلمة (مر). ونحن نلتقي بهذين الحرفين في وسط كلمة (جمرة) وفي مقلوب بداية (رماد) وفي أول (مردت ). بل اننا لوعدنا الى المرجع الذي يمكن ان تحيلنا اليه قصيدة (البرعم والرعد) - وهو سورة الرعد في القرآن الكريم ، لاشتراكهما في الاسم - لو جدنا أن أول آية في هذه السورة هي الحروف : ا – ل - م - ر. ولا يوجد التوتر الدلالي على مستوى المعاني وحلب ، بل أن توليد المعاني يمكن أن يعتمد على الأصوات نفسها. فوسائل التنميط الصوتي لا تقل فاعلية عن وسائل التنميط

الدلالي في توليد المعاني في الشعر.

(4)

يطور كمال أبو ديب أوسع وأشمل نظرية عربية في الشعرية تستفيد من معطيات النقد الحديث في مختلف مدارسه واتجاهاته ، وتحاول ان تؤاخي بينها. وبرغم إصراره على أن "الشعرية خصيصة نصية، لا ميتافيزيقية" (14)، فانه لا يتردد في القول ان "اكتناه العبد الخفي للشعرية يبدو ان ينابيعه تفيض من أغوار عميقة في الذات الانسانية يستحيل النفاذ اليها

الآن " (15). والشعرية في التصور الذي يقدمه كما أبو ديب وظيفة من وظائف ما يسميه بـ "الفجوة مسافة التوتر"، وهو مفهوم لا تقتصر فاعليته كما يرى "على الشعرية، بل انه لأساسي في التجربة الانسانية بأكملها، بيد ا