|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
سطوة
القراءة الناقدة تفرض
مفاهيم عدة عند قراءة اى نص
أدبي, ففى ظل مغليات مناهج
النقد المختلفة تصبح
الحتمية المفروضة على
القارىء اتخاذ وسيلة
التعامل الواعى مع هذا النص
بدءا من بنيقه الداخلية
وانتهاء بأطره المضمونية،
خاصة مع تجربة تبدو من أول
وهلة بعيدة المدى، عميقة
الاغوار، لكن هذا العمق,
وهذا الاتساع سرعان ما
يتضاءل اذا ما عرفنا ان
خطوطا مشتركة تجمع افكار
هذا النص وثيماته (1) هذه
الظاهرة بدت لنا جلية فى
محاولتنا سبر اغوار التجربة
الشعرية الجديدة فى عمان,
ذلك ان تجربة بكرا كهذه
اللتجربة بمقياس الزمن -
تبدو روح المخاطرة واضحة فى
كشف مضامينها برؤية ناقدة
تقويمية, خاصة ان غياب او
تناقص,او تناقض الانتاج
الشعري لبعض رموزها يشكل
تأرجحا مضطربا بين تقليدية
المضمون واشكالية الحداثة
اذا صح التعبير، من هنا
سنعتمد فى هذه القراءة
الاولية افق الخط الراصد
لمراحل نمو وتطور هذه
التجربة من خلال ثيمات
البعد المضمونى
لها، وبخاصة ثيمات الغياب
والعزلة، هذا الخط يكشف لنا
على الجانب الأخر الصلة
الحميمة بين هذه التجربة
والواقع فهى تجربة لصيقة
بكل ما هو مرئي ومحسوس
ومجسد، ناهيك عن نظراتها
للمتخيل بنفس الروح
الواقعية لذلك المجسد،
ولاضير فى ذلك, فأسماء هذه
التجربة اشد ما يمن ان تطرحه
فى ابعادها هو ذلك التفاعل
المؤثر مع حركة الحياة
والواقع فى محاوره الثلاثة
عمانيا وعربيا وعالميا. وهذه
فى حد ذاتها سمة مهمة من سمات
النص النابض بحيوية
الدلالات الفاعلة التى يتسم
بها النص الجديد لهذه
التجربة. ومن هذه المنطلقات مجتمعة ستكون معابرنا لتقديم قراءة النص الشعري الجديد فى عمان مركزة على خارج النص, مع ملامسة حتمية لداخليته عند استنباطنا لثيماته التى تنصب
اكثر ما تنصب على موضعة
الأفكار وايديولوجيتها،
فثمة سمات مميزة لهذه
التجربة اكد عليها النقاد
فى قراءتهم العارضة، منها
ما يتصل بظواهر الغياب,
والعزلة, والسفر، والمدينة,
والموت, والحز ن, والاسطورة,
والترا ث وغيرها. ان
مثل هذه الثيمات تندرج بشكل
متفاوت, وتشكل ابعادا رقمية
تختلف من شاعر لأخر تبعا
لدرجات التأثر الشعرى
للشاعر على نحو ما يوضحه
الشكل الدائرى / البيضاوى
الذى يرتكز على بؤرة مركزية
قوامها فكرة الغياب /العزلة /
التي تنداح الى افكار
مشابهة ومستنبطة منها
احيانا كالسفر ولمدينة
وسطوة المفتقد/ التائه, ثم
تصل هذه الافكار عند بعض
الشعراء الى درجة التوحيد
الصوفى، وهذه الدلالات
يوضح حجمها
الكمى، وتقنية علاقاتها،
الشكلان السابقان ان هذه
الثيمات مجتمعة لاتبدو
فريدة او غريبة فى خارطة
الشعر الحديث, لكنها تبدو
جديدة بالمقياس العينى
للتجربة الشعرية العمانية،
اذا ان تقنية طرحها فى النص
تشكل هاجسا ظل يراود
الشاعر، ويدفعه نحو اخفاء
ظاهرية معانيها، ومن جانب
أخر فإن هذه التقنية تؤكد
المخزون الثقافى والالم
داعى لبعض رموز التجربة،
خاصة فى ظل تلك الحلاقة
الحميمة بين شعراء التجربة
الجديدة فى عمان ومثيلاتها
فى الوطن العربي, وذلك من
خلال صلات الانتماء والتبنى
الروحى الذى ابداه لبعض
رموز الشعر العربي كيوسف
الخال ومجلة شعر على سبيل
المثال لبعض الاصوات من هذا
كله يمكن الدخول الى خارطة
الشعر الجديد فى عمات من
خلال اسمائها: سيف
الرحبى، سماء عيسى، محمد
الحارثى، عبدالله الريامى،
ناصر العلوى، يحيى
اللزامى، صالح العامرى،
عاصم السعيدى، عبدالله
البلوشى، مبارك العامرى،
وهلال العامرى،
زاهر الغافرى، وغيرهم. فهذه
الاسماء تتيح فرصة تقديم
قراءة اولية لثيمات الغياب
والعزلة فى تجاربهم خاصة
بعد تبين هوية النص الجديد
فى اصداراتهم الاولى الغالب
على بعضها طابع
الاصدار الصحفى
اليومى الذى طالما تأرجح فى
بداية الامر فى انتمائه
لمدارس الشعر الحديث بدءا
من صداماته المبكرة مع
تيارات التقليد السائدة فى
تجربة الشعر العمانى منذ
اواخر السبعينات من هذا
القرن وحتى الآن. وقبل الدخول فى قراءة هذه الثيمات يمكننا تلمس احجامها الكمية من خلال إلقراءة الرقمية التالية. (2)
ان
اهم ما يمكن التركيز عليه فى
هذه القراءة هو ان الصلة
الواقعية بين مرتكزات
الشاعر وظواهر
حياته قائمة لامحالة،
فأغلبية هؤلاء الشعراء
عاشوا تجارب الغياب
بمعناه المادى،
وتمثلوا احاسيسه بالمعنى
المتخيل الميتافيزيقى،
لهذا فالاحساس به مثل جوقة
يعزف عليها قراء تجاربهم
بشكل كبير(3). والظاهر
ان
ارتفاع النسب
وتدرجها تعطى مؤشرا دالا
وصريحا على ذلك الخط
المشترك اللافت
للانتباه فى شعر هؤلاء
الذى، هو موضعة السفر بعيدا
عن المكان الاول فمعظم
هؤلاء الشعراء عاشوا
متنقلين فى عواصم مختلفة
وبعدت بين بعضهم ووطنه
ازمان بعيدة. النص
الشعري الجديد - اذن - عند هذه
الأسماء يطرح قضية مهمة
تنطلق من مفاهيم
مركبة هى فى حد ذاتها خيارات
ممتدة بين ماض مضى وحاضر
مرفوض, وأخر مهاجم ومستقبل
لم يكشف عن وجهته بعد لكنه
يومىء بأطروحات واعدة منجزة
بالمكان والزمان المطلقين. تظل
مفردات الغياب والعزلة
حاضرة فى النص الشعري فى هذه
التجربة، فحيث
موضعة السفر البعيد عن
المكان الاول,تنطلق رهائن
المرادفات التأويلية
والمؤولة، اذ كثيرا ما
تطالعنا تركيبات "التائه " و"المغترب"
و"الضليل " و"المعانى " عبر
تداخلات نصية تظهرها مفردات
اخرى كتذاكر "السفر" و"الطائرة"
و"المطار" و"تراخيص العبور"
و"حقائب السفر" وما الى ذلك.
هذه الموضعة المحسوسة
لثيمات الغياب تطرح على
الجانب الأخر ألق الحنين
الى الطفولة / العودة الى
المكان او الذات احيانا لمن
صرف من هؤلاء الشعراء شطرا
من طفولته فى ارض الوطن ثم
غادرها يافعا او ممن ولد
خارج الوطن ثم رجع اليه بعد
غياب طويل
فغادره ثانية. دوائر
التكوين وأثرها فى ثيمات
الغياب / العزلة: لقد
شكلت المنابع الاصلية التى
حظيت بها عمان كبلد تاريخى،
استطاع ان يحتضن موروثا
خصبا على امتداد تاريخه
الطويل, شكلت هاجسا ظل يراود
شعراء التجربة
الجديدة، ويدفع
بهم وبتجاربهم نحو تكوين
ثيمات معينة للغياب تنطلق
من هذه الخصوصية الاصيلة،
لتحدث تغييرا جذريا فى
تكوينات التجربة الشعرية
الجاثمة على الذاكرة لقرون
طويلة، وهى بذلك سمحت بخلق
تجربة مغايرة ومثيرة فى ذات
الوقت لتلك التى
تعودت الاسماع عليها.. ورغم
صعوباتهم الاولى فى اختراق
حواجزها إلا ان شعورهم
الحاد بضرورة مجاراة العالم
المحيط خاصة بعد عصر النهضة
الحديثة التى عاشتها عمان
بدءا من عام 1970 وحتى الأن اضافة
الى عوامل اخرى شهدتها
شرائح معينة من المجتمع
العمانى، واختطلت اثرها
بمثيلاتها فى الخليج العربي
فى الثلث الاخير من ستينيات
هذا القرن, واعنى بها ما
تبلور من اطروحات ابداعية
جديدة، وتغييرات فى
ايديولوجيات الابداع الفنى
ايضا، الذى رافق تحول
الخرائط الاجتماعية
والثقافية والسياسية فى
الخليج والوطن العربي. من
هنا ظهرت البوادر الاولى
للنص الجديد فى عمان وان
كانت باهتة فى بداية الامر
إلا انها سرعان ما تحولت الى
حضور له مؤشراته الدلالية
القوية، وذلك بفعل ما
اضطلعت به المنابر الثقافية
والصحافية بالذات فى الخليج,
خاصة من دور مؤثر فى بلورة
التكوين الذى ظهر هناك فى
المهجر اولا ثم انتقل الى
الوطن فى عمان, ومن نقاط
التأثر والتأثير نرى نماذج
بعينها تلعب دورا مهما فى
بلورة هذا التكوين ممثلة فى
نموذجين مهمين هما "مجلة شعر"
وما كان يطرحه الشاعر
العربى يوسف الخال من
اطروحات مهمة فى هذا المجال,
اضافة الى دور "اسرة الادباء
والكتاب فى البحرين " ممثلة
فى مجلتها "كلمات " التي
احتضنت براعم تجربة النص
الجديد فى عمان(4),هذا
بالاضافة الى تلك المقالات
التى اخذت تطرح فى صحافة
الخليج والوطن العربي, حول
قصيدة النثر والتى كان
الشاعر البحريظي قاسم حداد
احد فاعليها، بحكم اتصالات
الواسعة بشعراء التجربة
الجديدة فى الوطن العربي,
ولعل لمقالات قاسم حداد
اثرا فى بلورة الوعى الشعرى
الجديد "وفتح الطريق امام
ذائقة شعرية عمانية تطمح
الى تجاوز النص القديم
بصفته معادلا فنيا لبنى
اجتماعية وثقافية لم تعد
مقبولة لكثير منهم " فى زمن
مدجج بتكنولوجيا العصر
المعقدة وتغيراته الضاربة
الجذرية. وبعد
هذه المرحلة التكوينية
الاولى، وفى اطار ثيمات
الغياب الواقعى ايضا لم يكد
عقد الثمانينات ينصرم حتى
ظهرت لنا من المهاجر/
المغتربات خصوصا اصوات اخرى
جديدة سرعان ما تبلورت
ملامحها فى نصوص نشرت فى غير
دورية عربية، منها "الكرمل "
و"مواقف " و"الناقد" قبل أن
تأخذ طريقها إلى دواوين
شكلت بواكير شعرائها. هذا
المفهوهم الغيابى الخارجى
لميلاد التجربة يوحى لنا من
طرف أخر بملمح التأثير الذى
احدثته فى الاصوات المقيمة
التى ظهر نتاجها متوقدا فى
ظل ايديولوجية العزلة لحد
ان بعضها وصل لدرجة التوحد
الصوفى كما أشرنا وهى نتيجة
حتمية لضرورات التواصل
المطروحة بين اقطاب التجربة
ككل,ولهذا وجدنا ميلاد كثير
من هذه الاصوات فى رحم
الغياب الذى ربما ذهب بعضه
الى درجات عالية من الجودة
اذا ما قسناه بمقاييس فنية
النص موضوعيته. النموذج
والرؤية لثيمات الغياب فى
التجربة الشعرية الجديدة ان
اهم ما يستحق الكشف عنه فى
التجربة الشعرية الجديدة قى
عمان هو ما يتصل بأفكار
اعلامها نحو رؤية الثيمات
الغيابية المنبثقة من معالم
الهجرة، والسفر، والترحال
بغية متنفس جديد يقرب هؤلاء
الاعلام من اقطاب الحركة
الشعرية فى العالم العربي,
وروادها فى العالم ككل,
ولهذا فإننا لانجازف بالقول
اذا اعتبرنا المدن موطنا
أخر لانبثاق هذه التجربة،
بيد ان مدنا كالقاهرة
وبغداد وبيروت ودمشق
والرباط بل حتى مدن الخليج
العربي لعبت دورا فى تجلية
هذه التجربة، نلمح ذلك فى
اصدارات رموز التجربة التى
امتدت فى تلك العواصم بل
تعدتها احيانا لتصدر من
بلدان اجنبية، كالمانيا
وامريكا وغيرهما. الرؤية
اذن هى المناخ الذى انولدت
فيه هذه التجربة، والنموذج
يدلنا على ظاهرة الهجرة
والترحال التى تظهر تجارب
رائدة فى خارطة التجربة
العامة لشعراء امثال سيف
الرحبى ومحمد الحارثى،
وناصر العلوى، وعبدالله
الريامى " وزاهر الغافرى
وغيرهم من سائر الشعراء. وفى
اطار هذا التقديم يمكن
الدخول الى نماذج الغياب من
خلال ثيماته المتمثلة فى
النقاط التالية : أ
- سيف الرحبى وريادة الكتابة
الغيابية الأولى
: المدلولات
التاريخية لخارطة التجربة
تصنف كلا من سيف الرحبى
وزاهر الغافري, فى ظل معطيات
الريادة لثيمات الغياب
بمفهومه الواقعى قبل كل
شىء، وهو نتاج مرحلة عاشا
فيها بعيدا عن وطنيهما،
فالأول اقترن اسمه بسياق
التجربة الشعرية فى الوطن
العربى ككل, وهو نتيجة لهذا
لا يمكن النظر الى تجربته
بصفته شاعرا عمانيا في معزل
عن مراجعه العربية وفي معزل
عن اتصاله الوثيق بحركة
الشعر العربى الحديث منذ
بداية السبعينات وصلته
القوية بحركة قصيدة النثر.. (5),
ولهذا الاقتران ابعاد عدة
منها ان النص الشعرى لدى
الرحبى اجتاز حدود بلاده فى
ظل معطيات الغياب الذى عاشه
متنقلا من القاهرة الى
بيروت الى دمشق الى الجزائر
الى باريس وهولندا وغيرها
من العواصم, لهذا ترى ان
تجربته مقترنة بشكل مباشر
بمفردات الغياب /العزلة/
السفر وفى مجموعاته الست
نقع على اسفار "كتبها رحالة
لايستقر فى موضع ويشبع نهمه
من طبيعته وناسه وظواهره
متى يفارق الى سواه, وهكذا فى
سعى لا للاحتفاء بالمكان
فحسب وانما للقبض على الزمن
ايضا، وهو قبض يحتم عليه
ايضا توظيف مفردات عدة هى
نتاج ذلك الغياب منها ما
يتصل بالبيئة والطقس,
والمناظر، والمشاهد
والصور، والطبيعة فى شتى
البلدان التى عاش فيها ردحا
طويلا من الزمن, ولعل كتابه
الاخير "منازل الخطوة
الاولى" قد جسد معالم واقعية
لتلك التوظيفات التى ما
فتئت فى حمل العناوين
التالية "ليلة البرق " و"الرسالة"
و"بنسيون فى طنجة" و"بنسيون
فى حارة القصبة بالجزائر" و"مقهى
دمشق " و"غرفة فى اثينا" و"بنسيون
على بحر الشمال بلاهاي ". ولعل هذه القصائد مجتمعة تشكل ظاهرة هى نتاج التصاق الشاعر بالمكان بواقعيته, لتشكل فى النهاية مفردات خصبة وثرية لثيمات الغياب / السفر/ الترحال... ومن اللافت للانتباه فى تجربة سيف الرحبى فيما يخص هذا الموضوع ان الشاعر بجانب ذا الثراء افرد جل قصائد هذا الديوان اضافة الى دواوينه الاخرى "رجل من الربع الخالي " و"الجبل الاخضر" و"مدية واحدة لاتكفى لذبح عصفور ورأس المسافر" للحديث والكشف المباشر عن هذه الثيمات, مما يشكل فى النهاية هاجس الشاعر الداخلي الذى قد يدفعه احيانا الى كتابة النص, ولهذا فلا ضير ان بعض النقاد تنبه لهذه الظاهرة فوصف تجربته بأنها "سفر فى الارض وفى المخيلة" وانه "اى الشاعر" صائد صور وحالات هى نتاج احتفاله باليومى الذى يعنى اكثر ما يعنى بتسجيل الظواهر المكانية ذات البعد الغيابى المحسوس. نماذج
سيف الرحبى فى هذا الاطار
كثيرة ومتعددة منها ماجاء
على شكل قصائد كاملة او
مقاطع او دواوين ولهذا
فالنسبة التى
شكلتها فاقت كل النسب
الاخرى95% ويمكن لمسها من خلال
العناوين السابقة لقصائده
والتى اشرنا اليها ابقا، او
تلك التى وردت فى الديوان
الاول, وحملت العناوين
التالية
: "حلم
" و"مشاهد يومية" التى يقول
فيها: فى
ليل الاغتراب النائى مثل
بلطة فى الرأس فى
نهار الوحدة
المعتق بلمعان الموت (6) | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||