|
|||||
|
كنت
قد انخرطت في ترجمة محمد
اركون منذ 1978 -
1979، أي
منذ أكثر من خمسة عشر عاما.
وقد ترجمت له حتى الان مالا
يقل عن سبعة كتب, هذا
بالاضافة إلى المقالات
والمشروحات والمقابلات
العديدة التي اجريتها معه
من أجل توضيح
فكره وتسهيل توصيله إلى
القارىء العربي, ولكن على
الرغم من كل ذك كنت اشعر
دائما بأن المهمة ما تزال
ناقصة،
وأن فكره ما يزال صعبا حتى
على القارىء المثقف, وقد
تلقيت بالفعل أكثر من شكوى،
من هنا وهناك, تطالبني
بتوضيحه أكثر، وبتسهيلة
أكثر. ولم تكن هذه الشكوى تخص
الترجمات الأولى التي تميزت
بالحرفية وضعف التجربة فقط,
وانما انصبت أيضا على
الترجمات الأخيرة التي
تميزت بنضج أكثر وسيطرة
أكبر على هذا الفكر ومحاوره,
ذلك أنه مع تقدم الأيام
والسنوات فإن الباحث -
المترجم يصبح أكثر ثقافة
وأوسع إطلاعا، بل ويصبح
محنكا قادرا على نقل الفكر
من لغة إلى أخرى بطواعية
أكبر من السابق. على
الرغم من كل هذه الجهود إذن
بقي فكر من اركون صعبا، بل
ومستغلقا في محاوره وأسسه
الكبرى على القارىء العربي,
ولهذا السبب فكرت في طريقة
أخرى لتقديمه. هي أن اكتب عنه
مباشرة بدلا من ان أترجمه أو
أشرحه وأهمش عليه, أو قل
ينبغي أن
ازاوج بين كلتا الطريقتين
في الكتابة لكي استطيع
تقديمه على الشكل المرجو،
فبما إني رافقت هذا الفكر
طيلة خمسة عشر عاما، وبما
انني منغمس في نفس الجو
الفكري الذي انتجه وترعرع
من خلاله, فاني قد احسست في
نفسي بعض المقدرة على
التنطح لهذه المهمة التي ما
كنت اجرؤ على التنطح لها حتى
أمد قريب قلت بما أني تقدمت
في الترجمة إلى مثل هذا
الحد، وبما اني عاشرت هذا
الفكر طيلة كل تلك السنوات,
فلماذا لا أعود على اعقابي
خطوة خطوة، وأحاول تلمسه في
محاوره الأساسية،
ومصطلحاته المركزية،
ومنهجياته العلمية؟ ألم يئن
الأوان لكي استريح قليلا
وألقي نظرة إلى الوراء
فأتأمل في حجم العمل المنجز
والمسار المقطوع ؟ ثم أن
الكتابة المباشرة تختلف عن
الترجمة فهي تحملني مسؤولية
أكبر وتعطيني حرية أكثر في
شرح هذا الفكر وربطه
بحيثياته ومحيطه العلمي
وبقية التيارات الفكرية
الأخرى الموجودة في الساحة.
وهكذا تتضح مفاصل فكر محمد
اركون, ويعرف القارىء
مصادره وتأثيراته, ومن أين
استقى منابعه. وعندئذ لا
يتحول محمد اركون إلى "أسطورة"
وينقد تاريخيته وهو الذي
طالما عرى الأساطير وكشف عن
جذور تاريخية الفكر
الإسلامي يضاف إلى ذلك ان
هذه العملية تمكنني من
الاجابة على الكثير من
التساؤلات التي يطرحها
القارىء العربي على نفسه
فيما يخص تراثه الديني, او
تراث الغرب, أو المسيحية،
أو الإسلام, أو الظاهرة
الدينية بشكل عام وكيفية
دراستها في البيئات العلمية
الأكثر طليعية. وهذا يقودني
بطبيعة الحال إلى دراسة
المصطلحات التي يستخدمها
محمد اركون ويطبقها على
دراسة الفكر الاسلامي ومن
المعلوم أن هذه المصطلحات
بالذات هي السبب الاساسي
لصعوبة فكر اركون وعدم تمكن
القارىء من النفاذ اليه كما
يجب. ولا يكفي تعريبها إلى
اللغة العربية بكلمة واحدة
أو حتى بجملة، وإنما ينبغي
أن تشرح شرحا وافيا ببين سبب
نشأتها في الفكر الاوروبي,
وعلى يد من, وضمن اية ظروف من
المناقشة العلمية، وما هي
الحاجة التى سدتها او
الرغبة التي لبتها، إلخ... كما
ويلزم علينا أن نكشف عن سبب
اختيار محمد اركون لها دون
غيرها، ولماذا طبقها على
دراسة الفكر الإسلامي, وكيف
طبقها، وما مدى نجاحه في ذلك,
الخ... هذه المصطلحات تعود كما هو معلوم إلى ما يدعى الآن بعلوم الإنسان والمجتمع Les Sciences de I bomme et de، Ia Socieete نلاحظ أن بعضهم يتحدث فقط عن "العلوم الإنسانية", ولكن التسمية الأكمل هي علوم الإنسان والمجتمع لأن المقصود ليس فقط دراسة الفرد أو الإنسان مستقلا بحد ذاته, وانما دراسة الفرد في المجتمع أيضا أي دراسة بنية المجتمع وآلياته ووظائفه. وهذه الدراسة أصبحت شهيرة في الثلاثين سنة الاخيرة، بل واصبحت تشكل المنهجية السائدة في بيئات البحث العلمي. فمنهجيات علم الاجتماع, وعلم النفس,والتحليل النفسي, وعلم الانثربولوجيا، وسلم التاريخ, وعلم اللغات (الالسنيات)، وعلم الاديان المقارنة، الخ... تتضافر كلها من أجل فهم الإنسان وفهم المجتمع. وقد قطع الغربيون شوطا بعيدا قي دواسة مجتمعاتهم على ضوء هذه العلوم ومصطلحاتها ومنهجياتها. وحصل ذلك إلى درجة أنه لم تبق هناك من قرية أو مدينة أو فترة تاريخية قريبة أو بعيدة لم تدرس أو تحلل بشكل دقيق واحصائي وبنيوي داخلي. ولذلك فعندما يخطط الاوروبيون لمستقبل مجتمعاتهم فإنهم يعرفون على أي أساس يخططون. أنهم يمتلكون كافة المعطيات والمعلومات التي تمكنهم من السير على هدى من أمرهم. أما نحن فلا نكاد نعرف عن مجتمعاتنا أو تاريخنا شيئا يذكر. أقصد بالطبع المعرفة العلمية الموثوقة، لا الآراء العمومية الشائعة أو الأحكام المسبقة. فهذه موجودة في كل مكان, وهي التي توهمنا بأننا نعرف مجتمعاتنا لأننا تلقيناها بشكل عفوي عن بيئاتنا وطفولتنا وأدياننا ومذاهبنا. هذا مع العلم ان المعرفة العلمية تقتضي منا أولا وقبل كل شيء تحييد هذه المعارف الخاطئة او الكليشيهات السوسيولوجية الضخمة والكثيفة. فعلى انقاضها سوف تنهض المعرفة الصحيحة، وإلا فلن تنهض أبدأ. لن
أتوقف هنا عند مسألة علمية
العلوم الدقيقة أو
الصحيحة/وعلمية
العلوم الإنسانية
والاجتماعية فهذه مسألة
ابستمولوجية
ضخمة تحتاج
إلى معالجة
مستقلة. سوف اكتفى
بالقول بان
العلوم الإنسانية استفادت (ولو
عن طريق المقارنة
عن بعد) من
منهجيات العلوم الطبيعية من
اجل دراسة الإنسان
والمجتمع دراسة
علمية تجريبية. وكل ذلك بغرض
التوصل إلي
تفسير علمي
لسلوك الانسان في المجتمع
وآليات المجتمع
ووظائفه وطرائق
اشتغاله. لقد ارادت التوصل
إلى قوانين بنفس
حتمية قوانين
العلوم الدقيقة. ولذا فان
مصطلحاتها ومناهجها
جديرة بأن تعرف
في الساحة العربية، بل وأن
تطبق على دراسة
مجتمعاتنا
وتاريخنا لكي نفهمهما جيدا.
وبما أن محمد اركون
هو أول باحث مسلم
كبير اعرفه
يعشق هذه الروح
العلمية الجديدة
اعتناقا كاملا ويطبق
منهجيتها على دراسة الإسلام
عبر تاريخه
الطويل, فان اهتمامي قد انصب
عليه لسنوات
طويلة. وبعد ان
تراكمت الترجمات لدي رحت
أفكر في كيفية
جمع المصطلحات
وترتيبها وإعلانها على
الملأ. في الواقع أني كنت
دائما ارجيء انجاز هذه
المهمة إلى وقت لاحق. كنت
اقول بيني
وبين نفسي ينبغي أن انتظر
إلى أطول وقت ممكن حتى
تتكاثر
الترجمات إلى الحد الاقصى
وبعدئذ ابتديء بعملية الفرز
والجرد
والتنسيق. ولكن بما ان اركون
لا يزال مستمرا في
عملية البحث
العلمي ولايزال ينتج الفكر
ويتابع اهم ما تنتجه
المكتبة
الغربية من مصطلحات في
مختلف العلوم, فان هذا يعني
اني سوف انتظر
إلى ما لا نهاية. ولذلك قررت
ان اضع حدا
لهذا التردد وأن
ابتديء بتبويب المصطلحات
العلمية الوافدة إلى
لغتنا من ساحة
اللغات الأوروبية (وبخاصة
الفرنسية فيما
يتعلق بأعمالي
وترجماتي). وهكذا أضع بين يدي
القارىء العربي
دليلا يساعده على فهم محتوى
النصوص المترجمة، فلا
يعود يشكو
من صعوبة التراكيب أو غموض
المصطلحات
الاجنبية التي "يغص
" نجها فكر اركون حسب زعم
البعض. قبل
أن انخرط في عملية فرز
المصطلحات وتعريبها
وشرحها، سوف
أحاول أن أقدم الملامح
الاساسية للمنظور
الابستمولوجي
العام الذي يشتغل محمد
اركون من خلاله.
أصبح من المتفق
عليه أن كل فكر مسؤول - أي دقيق
وجاد - يرتكز
على بعض المصطلحات والأدوات
المعرفية والمنهجيات.وفكر
بدون مصطلحات أو منهجيات
واضحة يعتبر كبيت بدون
دعائم أو جدران
أو ككلام مبثوث في الهواء.
والشيء الذي يميز
الفكر الجاد - أي
المسؤول عما يقول - عما يمكن
أن ندعوه بالثرثرة
العمومية الفارغة، هو أن
الأول يكشف عن هويته منذ
البداية ويحدد
مصطلحاته ومنهجياته
ومرتكزاته. ثم يطلب من
القارىء ان
يحاسبه عليها - لا على غيرها -
في نهاية المطاف.
بمعنى: هل طبقها
بشكل صحيح أم لا؟ هل تقيد يها
على طول الطريق
أم لا؟ هل وفى بحثه العلمي
بوعوده أم لا؟... عندما
ننظر إلى المسار الفكري
لمحمد اركون نلاحظ أنه قد
ابتدأ ينتج
البحوث العلمية حول الإسلام
- وحول الإسلام
وحده - منذ أوائل
الستينات وحتى اليوم.
ونلاحظ انه منذ
البداية راح
يموضع عمله ضمن منظور
التفريق الواضح بين رؤيتين
أو منهجيتين اثنتين لدراسة
حقائق الإسلام. الأولى هي
منهجية
الاستشراق التقليدي أو ما
يدعوه بالاسلاميات
الكلاسيكية،
والثانية منهجية
الإسلاميات التطبيقية التي
يتبعها هو
شخصيا ويبلور أسسها
ومرتكزاتها نظريا وعلميا. لن
نفهم شيئا يذكر على فكر محمد
اركون أن لم ننتبه إلى
هذا التمييز
الاساسي الذي أقامه منذ
البداية، والذي اتبعه طيلة
مساره العلمي
كله (بدرجات متفاوتة من
الحدة بالطبع). وهذا
التمييز يمثل
طفرة نوعية أو ابستمولوجية
كما سنرى، وليس
مجرد تصنيف سطحي
أو ظاهري للاختلافات
المنهجية. أنه
يرافق تلك
الطفرة الابستمولوجية
والمنهجية الكبرى التي
شهدتها الساحة
الفرنسية منذ أوائل
الستينات. الإسلاميات
الكلاسيكية نلاحظ أن اركون
يستخدم مصطلح الاسلاميات
الكلاسيكية
بدلا من الاستشراق في معظم
الاحيان لان كلمة
"استشراق
" أصبحت ملوثة أكثر من
اللزوم بسبب الجدال
الايديولوجي الحامي الذي
دار حولها منذ الستينات على
الأقل. وهناك
نصان أساسيان لاركون (أي
نصين منهجيين ونظريين)
يتحدث فيهما عن هذا المصطلح.
الأول هو مقدمته للطبعة
الثالثة من كتاب (مقالات
في الفكر الإسلامي) (عام 1984)،والثاني
هو الفصل الأول من كتابه
الشهير (نحو نقد العقل
الإسلامي) (طبعة
أولى 1984),يضاف اليهما نص ثالث
مهم يتناول مباشرة موضوع
الاستشراق هو: "خطابات
إسلامية، خطابات
استشراقية، وفكر علمي
". وهناك
بالطبع اشارات تطول أو تقصر
إلى هذه المناقشة المنهجية
الكبرى التي شغلت اركون
دائما كما قلنا. وهي منبثة
على مدار أعماله المختلفة.
وسوف نتعرض لها كلما دعت
الحاجة. وسوف تكون نقطة
انطلاقنا الأولى عندئذ
كتابه الكبير الأول:
الإنسية العربية في القرن
الرابع الهجري. يقول
في النص الأول معرفا هذا
المصطلح "إن الإسلاميات
الكلاسيكية هي مجمل المعرفة
الغربية المتجمعة عن
الاسلام منذ أوائل القرن
التاسع عشر وحتى الخمسينات
من هذا القرن. وقد
لعبت هذه المعرفة (أي
الاستشراق في الواقع) دورا
ايجابيا لايستهان به في
اندلاع ما يدعوه العرب "بالنهضة".
وأهم المكتسبات التي حققتها
وأقلها عرضة للرفض والجدال
هي:الطباعة
النقدية لمجموعة من كبريات
النصوص العربية
- الإسلامية
الكلاسيكية، هذه النصوص
التي كانت مطموسة ومنسية
لعدة قرون حتى من قبل
المسلمين والتراث الإسلامي
نفسه. إن عملية نبش النصوص من
مرقدها وتحقيقها على
الطريقة الفللوجية الدقيقة
(أي الفقهلغوية) لا تزال ابعد
ما تكون عن الانتهاء. ذلك ان
هناك مخطوطات عديدة جدا
مدفونة في طوايا المكتبات
العالمية، ولم تحقق بعد ولم
تر النور. ومن المعلوم أن
المنهجية الفللوجية
الصارمة تشكل احدى الميزات
الاساسية والملازمة
للاسلاميات الكلاسيكية. ومن
المؤسف له ان تحقيق النصوص
الاسلامية القديمة في
العالم العربي لا يراعي
ابسط قواعد هذه المنهجية
الفللوجية التي مورست في
الغرب بدءا من القرن السادس
عشر لبعث التراث الاغريقي
- اللاتيني
". هذا فيما يتعلق بايجابيات المنهجية الفللوجية، فماذا يمكن ان نقول عن سلبياتها؟ يضيف اركون قائلا: ("على
العكس من ذلك فان
الاسلاميات الكلاسيكية
تبدو ضعيفة وهشة عندما
نكتشف مسلماتها الضمنية او
الصريحة،وكذلك
عندما نتفحص عن كثب
منهجياتها وبالتالي
تأويلاتها(للاسلام بالطبع).ونحن
اذ نقول هذا لا نريد ان ننخرط
في تلك المحاكمة الاتهامية
والايديولوجية ضد
الاستشراق كما يفعل كثير من
المثقفين العرب والمسلمين
اليوم. فهم يكتفون بان يحلوا
التبجيل الدفاعي أو
الايديولوجيا العدوانية
محل الاستشراق أو في
مواجهته. هذا في حين أن
المشكلة الحقيقية تكمن في
الكشف عن المسلمات الضمنية
والخفية للاستشراق.
أي ارتباطه بما
يمكن أن ندعوه بالتشكيلة
الثقافية للعصر الكلاسيكي
في الغرب ". هكذا
نجد أن اركون يموضع نقده
للاستشراق على الصعيد
الابستمولوجي لا
الايديولوجي على عكس ما
يفعله معظم المثقفين العرب
أو المسلمين أن لم نقل كلهم.
ثم
ينهي اركون كلامه قائلا: "لقد
آن الأوان لكي نتجاوز
النزعة الاخلاقوية أو
الوعظية السائدة في الجهة
العربية - الإسلامية. وكذلك
ينبغي تجاوز الخطابات
الايديولوجية الطنانة
والسهلة التي لا تكلف
اصحابها شيئا يذكر. ينبغي
تجاوز كل ذلك لكي
ننخرط في نقد
ابستمولوجي عميق لكل من
النظامين الفكريين
التاليين: النظام العربي -
الاسلامي الكلاسيكي من جهة،
والنظام الغربي من جهة أخرى". ويمكن
القول بأن اركون كرس حياته
كلها لانجاز هذا المشروع
النقدي الكبير. أما
النص الثاني ؟ الذي يتحدث
فيه عن الإسلاميات
الكلاسيكية (أي الاستشراق
التقليدي) فهو. "نحو
إسلاميات تطبيقية". وفيه
يقول ما يلي: "إن
الإسلاميات الكلاسيكية هي
عبارة عن خطاب العربي حول
الإسلام, أي خطاب يهدف إلى
العقلنة في فهم الإسلام.
ولكن كلمة
إسلاميات
(Islamologie) ومصطلحاهما
اختراع غربي بحت. ذلك ان
المسلمين يكتفون بالتحدث عن
الإسلام مثلما يفعل
المسيحيون عندها يتحدثون عن
المسيحية".
إذن
بعد أن اخترعت الكلمة في
اللغات الاجنبية تم ايجاد
مقابل لها في اللغة العربية
عن طريق الترجمة. والواقع ان
هذا ما يحصل للكثير من
المصطلحات والمفاهيم عندنا.
فبما ان الغربيين (من
مستشرقين أو غير مستشرقين)
هم ألذين ينتجون العلم في
العصر الحاضر، وبما اننا
نحن الذين نتلقاه جاهزا
فاننا مضطرون إلى ترجمة
المفاهيم والمصطلحات مثلما
نترجم المعاني والأفكار.
ولا ينبغي أن نستهين بالجهد
المبذول من أجل عملية النقل
والترجمة. فهو ليس بسيطا أو
سهلا إلى الحد الذي يتصوره
البعض. فإذا كنا لا نستطيع
حتى الآن أن نبدع في مجال
العلم, فلنحسن الترجمة
والنقل على الأقل.. مهما
يكن من أمر فان اركون يرى ان
هذا العلم لم يحظ حتى الآن
بدراسة نظرية تكشف عن نوعية
منهجيته وطبيعة فرضياته
ومسلماته الضمنية كما
العلنية. وهو هنا يريد ان
يفعل ذلك. فما هي المآخذ
الاضافية التي يأخذها على
علم الاسلاميات
الكلاسيكية؟ يلاحظ منذ
البداية "بأن الإسلاميات
الكلاسيكية تحصر مهمتها في
دراسة الاسلام من خلال
كتابات كبار الفقهاء
والمفكرين الاسلاميين
الكلاسيكيين الراسخين أو
المكرسين. وللوهلة الأولى
تبدو هذه المنهجية وكأنها
حريصة على الدقة والموضوعية.
فبما ان عالم الإسلاميات
يعرف انه خارجي على موضوع
دراسته, وبما أنه يريد ان
يتحاشى اطلاق أي حكم
اعتباطي أو تعسفي فانه
يكتفي بنقل مضمون كبريات
النصوص الإسلامية
الكلاسيكية أو الحديثة إلى
اللغات الاجنبية (من
فرنسية، وانكليزية،
وألمانية, وايطالية، الخ...). وهكذا
يتصرف عالم الاسلاميات
وكأنه دليل بارد في متحف.
إنه يدلك على اللوحات دون
أن يتدخل في شيء, أي دون ان
يفسرها او يقيمها أو يساعدك
على فهمها. والبرهان على ذلك
هو إن العلاقة الفعلية
المعاشة التي يتعاطاها
المسلمون المعاصرون مع هذه
النصوص, أو انقطاعهم الفعلي
عنها لاتهم عالم الاسلاميات
ولا تدخل ضمن دائرة اختصاصه
بحسب زعمه (فهذه
مسائل داخلية تخص المسلمين
فقط ولا علاقة لنا بها كما
يردد المستمشرقون
دائما). ولكننا
نعلم ان مسألة الاستمرارية/
والقطيعة هامة جدا بالنسبة
لمؤرخى الفكر ولا يمكنهم
تحاشيها إذا ما ارادوا أن
يقوموا بعملهم بشكل جيد.
يضاف إلى ذلك أنها لا تدرس
بشكل نظري أو تجريدي فقط,
وانما بشكل واقعي محسوس ومن
خلال التحريات الميدانية.
فهي وحدها التي تكشف لنا عن
مدى علاقة المسلمين
المعاصرين او لا علاقتهم
بنصوصهم القديمة. فلا يكفي
ان يقول المسلم بانه مسلم
لكي نعتقد بأنه يعرف نصوص
تراثه (وبخاصة الكتابات
الكبرى في العصر التأسيسي:
أي نصوص كبار الفقهاء
ومؤسسي المذاهب كالشافعي
وابن حنبل ومالك
وأبى حنيفة
وجعفر الصادق وعبدالله بن
اباض, إلخ... ثم نصوص كبار
المتكلمين والفلاسفة
والمعتزلة...". هذا بالاضافة
إلى النص التأسيسي الأكبر
أي القرآن الكريم ذاته. فليس
مؤكدا أن كل المسلمين
يعرفونه عن كثب...) وكذلك نصوص
الحديث والتفاسير القرآنية
العديدة.
وكتب الاخبار والتاريخ... يضاف
إلى هذا المأخذ الانتقادي
على الإسلاميات الكلاسيكية
مأخذ آخر مرتبط به تماما هو.
ان الاسلام الوحيد الذي يهم
""المستشرق " أو عالم
الاسلاميات الكلاسيكي " هو
في الواقع الاسلامي الرسمي
المرتبط بالدولة والسلطة
واللغة الفصحى والثقافة
العالمية (أي ثقافة الخاصة
أو النخبة). بل وان الباحتين
العرب أو المسلمين الذين
يتاح لهم ان يصبحوا اساتذة
في جامعات أوروبا وأمريكا
ويمارسون علم الاسلاميات
يتبعون المستشرقين من هذه
الناحية. فهم ايضا لا يهتمون
الا بالاسلام
الرسميالمذكور آنفا. هذا
يعني أنهم يستبعدون من ساحة
الدراسة كل القطاعات
والجوانب التالية: 1
- كل التعبير
الشفهي للاسلام.، وبخاصة
ذلك المتعلق بالشعوب التي
لا تعرف الكتابة. كالبربر
والأفارقة والجماهير
الشعبية والأمية بشكل عام. 2
- المعاش غير
المكتوب وغير المقال, أي
الذي لا يجرؤ احد على قوله أو
كتابته بسبب الرقابة
الايديولوجية الصارمة
وسيطرة الحزب الواحد على
وسائل الاعلام. (ان تقول ما
لاتفكر فيه, وإن تفكر شيئا في
اعماق نفسك ولكن دون ان
تجرؤ على قوله. من
هنا هيمنة النفاق
والازدواجية على الساحة
العربية – الاسلامة). 3
- المعاش غير
المكتوب ولكن المقال
والمحكي في
الندواتوالجوامع والمدارس
والجامعات. فالمستشرق يظل
محصورا "بالنصوص
التمثيلية" أو "الشرعية"
للاسلام الكلاسيكي, أو
بكتابات الاصلاحيين
السلفيين في القرن التاسع
عشر. ولكنه يهمل محاضرات حية
لشخص كمحمد سعيد رمضان
البوطي على الرغم من انه
يجمع حوله الآلاف المؤلفة
في أحد جوامع دمشق. ويمكن ان
نذكر ايضا اسم متولي
الشعراوي في مصر،
أو اسماء بقية خطباء
المساجد والوعاظ الكبار.
فهؤلاء يؤثرون على الشعب
اكثر بكثير مما تؤثر النصوص
الكلاسيكية. (في الواقع ان
المستشرقين الجدد أصبحوا
يهتمون بكتابات هؤلاء
السلفيين الجدد، وكذلك
بكتابات قادة الحركات
الاصولية كراشد الغنوشي أو
حسن الترابي أو غيرهما.
وأصبحوا ينقلون نصوصهم إلى
اللغات الاجنبية ولكن ضمن
منظور المنفعة السياسية
المباشرة والسريعة، أكثر
مما هو ضمن منظور التحليل
الابستمولوجي العميق. سوف
نتعرض إلى هذه النقطة فيما
بعد)0 انهم يريدون خدمة
مجتمعاتهم الغربية بالدرجة
الأولى لا خدمة المجتمعات
الاسلامية المدروسة. 4
- إهمال النصوص
المعتبر بأنها غير تمثيلية
للاسلام. اي اهمال الاسلام.
الشيعي والاباضي (أو "الخارجي
")، وتركيز الانتباه فقط على
الاسلام السني المعتبر انه
يمثل كل الاسلام أو يمثل
الارثوذكسية (أي الاسلام "الصحيح
والمستقيم "، واما ما عداه
فبدع وهرطقات). والواقع ان
الاسلام السني ليس الا
عبارة عن تنظير عقائدي
دوغمائي جاء فيما بعد أو كتب
فيما بعد من أجل تبرير ما حصل
وخلع المشروعية على الأمر
الواقع.
(أي خلع التبرير
والمشروعية
على سلسلة من
الاعمال التاريخية
والسياسية التي كانت قد
حسمت عن طريق القوة منذ
الأمويين. الامويون هم أول
من صادر الدين عندما ربطوه
بالسلطة السياسية
واستخدموه لخلع المشروعية
على سلطتهم التي اقتنصوها
عن طريق القوة المحضة). فالاسلام السني مرتبط جدا بالسلطات السياسية التي كانت قد تعاقبت منذ الامويين ( 661 م) وحتي يومنا هذا وبالتالي | |||||