انشطار جان جينيه الذاتي العنف
داخل مسرح المرتب اللاكانية الثلاث

بقلم / مارك بيزاتو
ترجمة / نعيم عاشور (كاتب ومترجم من البحرين)


فى كتابه الصغير عن بروست ، يقول صمويل بيكيت:

ان قوانين الذاكرة خاضعة لقوانين العادة الاكثر عمومية..

والعادة ما هى إلا تسوية تتم بين الفرد ومحيطه ، أو بين الفرد وشذوذاته العضوية، وهى ضمان لمقدسى يعوزه البريق الذى هو الدليل الساطع على وجوده ، إن العادة هى الثقالة التى تقيد الكلب الى قيئه ".

ولكن فى الذاكرة الروائية البروستية، وفقا لبيكيت هناك انقطاعات فى قانون العادة "عندما يتم للحظة استبدالى ضجر العيش بمعاناة الوجود" وفى لحظات كهذه تخرق المعاناة الوجودية "شاشة" الذاكرة والاعتيادية و"تفتح نافذة على الحقيقى.." هذه الملاحظات يمكن تطبيقها ايضا على كتابات جان جينيه ، وعلى الاخص من خلال المشهد الرئيسى لولادته الثانية ككاتب كما يتذكرها هو على الرغم من أن كتاباته تنطوى على قدر من الفانتازيا اكثر مما تحتويه من ذاكرة مستعادة بغرض الانبعاث الذاتى.

لقد كتب جينيه رواياته الاولى فى زنزانة، فيما يشبه "التسوية الناقصة الأونانية بين الفرد ومحيطه " ومن خلال عادة اداته فى الكتابة "وفى امور غيرها" قام جينيه، بقذف معاناته وشذوذاته الجنسية على الورق مفتتحا بذلك نافذة تخيلية على الحقيقى بداخله ، وحتى لو كانت هذه الأونانية  "عدم بلوغ الذروة" التى يتذكرها جينيه على انها اصل رواياته مجرد ذاكرة ملفقة او استعارة فإن النرجسية الاونانية "العاجزة عن بلوغ الذروة" لاسلوبه فى الكتابة تظل واضحة وهذا يدعونا الى التساؤل عما اذا كان جينيه قد كتب ما كتب لكى يقرأه احد أخر غير نفسه ؟ يقول بتاى مختلفا مع سارتر الذى يحيط "القديس جينيه " بهالة من القداسة: (1)

فى الواقع ، لا يوجد اتصال بين جينيه والقارىء.. وعلى الرغم من ان سارتر يعتبر عمله هذا صحيحا... إلا ان جينيه ، وفقا لسارتر قد جعل من ذاته مقدسة عن طريق القارىء... وهذا يقوده الى التأكيد على ان الشاعر انما يسعى لكى يعترف به من قبل جمهور هو لا يعترف به اصلا لكن "وفقا لبتاى" فإن العملية التقديسية او الشعرية انما هى اتصال أو لا شىء.

اذا كان جينيه قد كتب اصلا لنفسه وحسب فهو لابد قد تخيل قارئا واحدا على الاقل فى الواقع ، سيكون الغرض الوحيد لكتابته عندئذ هو ان يقرأها بنفسه وان يعيد قراءة ذاته وتخيلاته ، كما يعيد تخيل ذاته من خلال فنتازياته المكتوبة، على الاقل كان جينيه يتواصل "ويتوق الى التواصل " مع ذاته ،ولكن تلك "الذات " كانت تمثل آنذاك جينيه - القارىء -الخارجى والمستقبلي وكان جينيه - الكاتب - يراودها من اجل تواصل وصلة حميمة محتملين هذا الانشطار بين لحظات الكتابة ولحظات القراءة، وبين جينيه الكاتب وجينيه القارىء،يكشف عن انشطارات اخرى بين تلك اللحظات "الذاوت اللحظية المتكررة" وبين لحظة الذات المتخيلة، جميع هذه الشخصيات الجينية "نسبة الى جان جينيه " الثلاث والانشطارات فيما بينها، تكمن فى تلك اللحظة التى تخترق فيها "معاناة الوجود"، "ضجر العيش " وسكنى السجن ان ذاتية جينية الثلاثية ككاتب وقارىء وحالم يقظة توضح كلا من وعيه المعتقل وغربة ذلك الوعى عن ذاته "ذات الوعى"... فى التوق الى الأخر وتوق ذلك الأخر ذاته.

هذا الوضع لايختلف كثيرا عن وضع اى كاتب وحالم وناقد ذاتى مجهول يحاول ان يكون مقروءا من قبل الآخرين... سوى ان جينيه كان مسجونا.خلف جدران حقيقية واكثر صلادة من العادة ومن رغبة الكاتب فى التواصل مع ذلك فنحن جميعا "كتاب وغير كتاب " مشكلون كذاوت منشطرة طبقا لما يقوله جاك لاكان "تأسيسا على الانا الفرويدية المنشطرة". "ما اخبركم به أنا لا كان مقتفيا فى ذلك خطى الاحافير الفرويدية،هو ان ذاتا كتلك ، غير يقينية لانها منشطرة بتأثيرات اللغة... إنالذات دائما ما تدرك نفسها أكثر فى الأخر لكنها فى الوقت نفسه ، تسعى هناك الى ما هو اكثر من نصف ذاتها، فالذات هى كذلك فقط لانها تخضع لمجال الأخر... وهذا هو السبب فى ان الذات ينبغى ان تخرج... ان تضع نفسها خارجا..( 2)

لقد وضع جينيه نفسه خارجا بالفعل -ان كان السجن هو المقصود - وذلك عن طريق الكتابة وقراءته من قبل الأخر الموجود خارج اسوار السجن "وعلى الاخص سارتر وكوكتو".

ان سعيه من اجل ما هو اكثر من نصف ذاته فى شخصياته المقذوفة خارجا بشكل غير مكتمل "الاخرون المتخيلون من قبله " قد أنتج فى المحصلة الاخيرة جمهورا حقيقيا ربما اكبر مما قد حلم به قط وحينما اتجه جينيه نحو الكتابة للمسرح ،جسد ممثلون حقيقيون يشاهدهم جمهور آخر حقيقى،شخصيات الآخرين المتخيلة من قبله ، عندها امتدت ذاتية جينيه الانشطارية كحالم وكاتب وقارىء اكثر فأكثر الى/ وفى خضوع "لمجال الآخر" والى حد ما، قام مخرجون وممثلون ومصممو ازياء ومهندسو اضاءة وديكور وفنيون بالاضافة الى الجمهور الليلى "ولايزالون " باعادة تخيل واعادة صياغة مسرحياته على خشبة المسرح العمومى "الحى" كما كان يفعل القراء الحقيقيون لرواياتهم وهم فى عزلة، وهكذا قادت الممرات المسرحية التى تشق مقاعد المتفرجين الى مدخل جينيه الكاتب المسرحى الجديد والممتد "رغم عدم اكتماله ".

وبناء على ما يقول هيربرت بلو، وهو مخرج امريكى اخرج مسرحية الشرفة فإن:

"مسرح جينيه يداعب ارتياب الممثل ويجعل من تجربة الانتهاك والاغتصاب الحدث الرئيسى فى المسرحية... إن الممثل يقاوم سيناريوهه "جينيه " وهو ما ينبغى له فعله والمسرحية تكتسب كثافة المعنى من بتشيع شكاوى الممثل الطبيعية".

فى انتاج بلو، تم استنفاد معنى الانتهاك والمقاومة فى المسرحية بين الممثلين والنص ، وبين الممثلين وشخصياتهم ثم بين الممثل / الشخصية وجمهور المسرح.

"كانت مهمتهم العثور على الذات فى انسجام خضوعهم..وكممثلين كانوا سيستغلون التوقعات التلصصية الشهوية التى يمكن ان يشعروا بوجودها لدى المتفرجين ".

ينبغى على ممثلى مسرحيات جينيه "اى مسرحية" ان يبحثوا عن ذات عن شخصية يصورونها على الخشبة الامامية اذ على الرغم من ان فكرتهم وفكرة المتفرجين عمن يكونون فى أية لحظة لاتكونان متطابقتين إلا انهم دائما ما يكونون فى تدفق حواري اثناء الاداء.

ان علاقة الممثل - المتفرج بالمسرح تعكس ذاتية جينيه الثلاثية فى كلا الاتجاهين: فالمتفرج يقرأ، يحلم ، و"يعيد"كتابة الشخصية التى يقدمها الممثل على خشبة المسرح الامامية فى نفس الوقت الذى يقوم خلاله الممثل بقراءة، وتخيل ،والاستجابة "للتوقعات التلصصية الفضولية" التى تبدر عن المتفرجين. ان الممثلين وعلى الخصوص فى مسرحيات جينية يقومون بتخيل شخصياتهم ويعيدون كتابتها "تمثيلها" باستمرار على الخشبة الامامية عن طريق قراءة ردود افعال مشاهديهم "وزملائهم الممثلين " اما المتفرجون فيحلمون بالمسرحية مثل "جينيه الاونانى " حيث يدركون بأن الاداء يغيرها بالفعل فى داخلهم وفى تأثيرهم على الممثلين "مثل جينيه الكاتب " ان هذه الفجوة المتفاعلة بين خشبة المسرح والمقاعد انما تعكس الفجوة التى بين جينيه وشخصياته المكتوبة كما انها توضح التشظيات داخل جينيه نفسه المسقطة من خلال الأخرين المتخيلين من قبله ، بحيث تعكسه وتخضعه لحظة يحلم بهم ، ويكتبهم ويعيد قراءتهم (كما يحلم ويكتب ويعيد قراءة ذاته هو) وهكذا فقد كانت كتابته للمسرح تدرك وتضخم ذاته المنشطرة.

لقد بدأ جينيه حياته كطفل لقيط لعاهره ، وكمنبوذ من المجتمع لم يكتسب فكرته عن الذات إلا عبر الجريمة... وعبر استيلاد ذاتى عنيف ، كما يشرح ذلك ايهاب حسن:

المنبوذ لا يرفض المجتمع فحسب ، ولكن ايضا كل نظام للاشياء انه يعمل ضد الطبيعة، ويبتكر جنسه وذاته ، من اجل ان يقطع كل الروابط التى تربطه بالكون.

مع ذلك فإن هذا الرفض هو وسيلة لاستغلال القوانين المرفوضة فى المجتمع والطبيعة من اجل صقل هوية المنبوذ الخاصة، ان الروابط فى الواقع لاتقطع ابدا، بل انها على العكس تشتد احكاما، فالمجرم يبنى على نحو مزعوم ما تتكىء عليه هويته "كخارج على القانون " ويتملص بشكل مؤقت ، من القانون لكى يؤكده ولكن هذا الوضع فى النهاية يؤول به لان يصبح تحت بصر وقبضة القانون بشكل اكبر... كسجين ان متكئه الذاتى يسعى به الى قضبان الزنزانة، انه بحاجة لان يلقى القبض عليه لكى يثبت انه (خارج على القانون).

فى نهاية مسرحية جينيه الاولى"الاولى كتابة وليس تمثيلا" "حرس الموت " يرتكب لوفرانك جريمة قتل فى زنزانة السجن من اجل الأخر الذى يحرسه يراقبه غرين أيز والمتفرجين ان هذا الفعل هو عطاء حب لمثال ذات "القاتل " لوفرانك الذى يمثله غرين أيز، ومع ان الفعل يخفق فى توحيد ذات لوفرانك المثالية بمثال ذاته فانه اى الفعل لا يعيده الى معايشة مرحلة المرأة الذى يتسم بالاستحالة رغم التوق الدائم اليه ، على العكس من ذلك يثبت الفعل ان لوفرانك مخادع (كما يخبره غرين أيز) وان تلك لا تزال هويته على الرغم من ذلك بل واكثر من ذلك بسبب من تصرفه الجديد وحين يصل الحارس ، ينظر شزرا الى غرين أيز... فى اخراج جينيه للمسرحية، ملمحا الى ان القاتل المعروف وحده غرين ايز، سوف يعتقد بأنه القاتل الجديد، وحتى اذا ما ادعى لوفرانك انه المسؤول عن جريمة القتل فسوف يعتقد عندئذ بأنه مجرد مخادع.

وهكذا يجد المتفرجون الصامتون أنفسهم وقد وضعوا فى موقف قانونى بالغ حد الازمة رغم عجزه لقد شاهدوا الحقيقة التى اخطأها الحارس كما انهم أيضا يرون هويات المجرمين وقد اشتبكت واختلطت فى ادائهم لادوار شخصياتهم الخاصة..

ولو ان غرين آيز قد ارتكب جريمة القتل ، فإن ذلك سيكون طبيعيا ورائعا كما فى الماضى الميثولوجى، ولكن لوفرانك فى محاولته محاكاة عظمة غرين أيز يرتكب جريمة قتل مخادعة لانه ليس قاتلا، إن جريمة قتل موريس تنجح وتخفق كفعل رمزى فى ذات الوقت: فهى الجريمة تخفق فى تأمين هوية جديدة ومتعالية للوفرانك لكنها الجريمة ايضا تنجح فى البرهنة على عظمة الأخر الذى تتشكل فيه ذاتية لوفرانك ورغبته وهما تحديق غرين أيز ومرآته.

المتشرد أيضا مصبوب فى دور المنبوذ وفى طبقته المنغلقة ان ثورة جينيه الاونانية "غير المكتملة" فى الكتابة قد اكسبته هوية جديدة كروائى مسرحى وحررته من جدران السجن ولكنها اخضعته أيضا بكلا المعنيين اللاكانيين لقانون الاسم - وغياب الاب.

وبخلاف لوفرانك ، يغير جينيه اسلوب كيفية وجوده فى العالم الى حد ما لكنه لاينجو أبدا من مشنقة اللغة، ان عليه ان يستمر فى التقيؤ وفى شنق نفسه على مصطبة شخصياته المخلوقة بشكل ناقص الاشباع ، وفى تأكيد هويته الجديدة بأن "يلقى القبض عليه " على خشبة المسرح الامامية وبين حروف الطباعة، هذا ما يجب عليه وهذا كل ما فى الامر، حتى يتوقف بعد ثلاث عشرة سنة فقط من اطلاق سراحه من السجن يتم طبع أخر مسرحيات جينيه ربما كان احد الاسباب ، ان امتداد ذاتيته المنشطرة قد ازداد مع كل مسرحية تالية.

فمن "حرس الموت " وعبرا" الخادمات " ومنها الى "الشرفة" وسع جينيه من اطار وموضوع مسرحياته بل اكثر من ذلك وفيما يتعلق بمسرحيتي السود والستائر كانت انعكاسات شخصية جبنيه المتخيلة تتخذ شكل وجوه سوداء بأقنعة بيضاء وتواريخ ثم تنتقل الى هويات وقضايا واقدار عربية.

فى مقابلة اجراها معه روريجر فيشنبارت عام 1984 سئل جينيه عن علاقته بالفهود السود ومنظمة التحرير الفلسطينية(3) وعن سر انجذابه الى مثل تلك الجماعات ، فكانت اجابته (بعد الاشارة الى بروست).

""كنت فى الثلاثين حين بدأت الكتابة وكنت فى الرابعة أو الخامسة والثلاثين حين توقفت عن الكتابة كان الامر حلما حلم يقظة على الاقل ، كتبت فى السجن وحين خرجت كنت ضائعا لقد وجدت نفسى حقا... وجدت طريقى هنا فى العالم الحقيقى.. فقط فى هاتين الحركتين الثوريتين الفهود السود والفلسطينيين كان ذلك عندما خضعت للعالم الحقيقى لقد تصرفت وفق شروط العالم الحقيقى وليس وفق عالم الكلمات ".

ولكن بعد جملتين يعترف جينيه كذلك بقوله ان الاحلام حقيقية وبالمصطلح اللاكانى فإن العالم الخارجى، عالم الاشياء والتجارب الحقيقى والعالم الداخلي عالم الاحلام واحلام اليقظة المتخيل مرتبطان معا عبر عالم البنى اللغوى الرمزى(4) ولكن هناك ايضا عالما حقيقيا بالداخل هو ما يطلق عليه اللاواعى كما يوجد عالما حقيقيا فى الخارج الاحلام حقيقية كالمسرحيات لان لها معنى ولانها دائما ممكنة التفسير عبر الرمزى الذى يشير الى عالم لاواعى حقيقى، لذا فإن عالم احلام الكتابة المتخيل لدى جينيه ، الذى يبدو انه سيشجبه فى نهاية حياته يربط بواسطة الرمزى ما بين الحقيقى فى داخله والعالم الحقيقى الخارج عنه وذلك من خلال كتاباته التى تنشر وتمثل على المسرح (5).

على كل حال فإن مسرحيات جينيه بتحولها الى حقيقية فى الفضاء الخارج عنه فقد اضحت كذلك اكثر ضياعا ونأيا عنه.

ان رحلة جينيه المأساوية من كاتب اونانىOnanistic  وعبر تدرجه الى مسرحيات اكثر اجتماعية ثم انتقاله الى الانا المثالية ،"للغوريلا المثقفة" عنوان مقابلته مع فيشنبارت ، ويقصد به جينيه ذاته ، تعرض اخفاقا متصلا وحتميا فى الوصول الى الحقيقى.. وفى الربط مباشرة بين الحقيقى المضمر بداخله والحقيقى فى العالم الخارج عنه ، ذلك لان الحقيقى وفقا للمصطلح اللاكانى دائما ما يتم التوصل اليه عن طريق الرمزى والمتخيل اى انه دائما بعيد المنال (6) ويبدو جينيه وكأنه يقترح ذلك بنفسه "بشكل غير مباشر" فى نهاية مقابلته مع فيشنبارت اذ يقول انه سوف يخون الفلسطينيين حالما يؤسسون انفسهم اى عندما يصبحون اكثر حقيقية واقل رمزية ويسأله فيشنبارت عما اذا كانت تلك العبارة مجرد تلميح ساخر فيصر جينيه على انها عبارة "صادقة" ولكنه بضيف قائلا:

انا صادق فقط مع نفسى وحالما ابدأ الحديث ، يبدأ الوضع بخيانتى يخوننى الشخص الذى يصغى الى.. حتى اختياري للكلمات يخوننى.

ان حساسية جينيه البالغة تجاه الانشطار فى الذاتية الانسانية والفجوات بين المتخيل الشخصى ورمزية التعبير اللغوى وكذلك رمزية بنية الذات "وبين الحقيقى الموجود فى الخارج " وفى داخله ، رغم وجوده دائما على مبعدة منه تدل على سبب عظمته ككاتب كما انها ايضا سبب للقصر المؤلم لحياته الكتابية.

ووفقا لايهاب حسن فإن جينيه ينسف كل فرضيات الوجود، انه يسبر اغوار الوعى المضاد وبهذا المعنى ايضا فإن كلمات جينيه المقتطفة اعلاه تشاطر لاكان فى تفكيكه الصامت للفكرة الفرويدية الجديدة المتعلقة بمبدأ للواقع ، كما يشرحه ايلى رغلاند - سوليفان - ان مسرحيات جينيه ، بترتيب كتابته لها،توجه تفكيكها اكثر فأكثر نحو مبدأ ا"او مبادىء" واقعية المجتمع... واساطيره... ان مسرحيته الثانية "الخادمات " (7) تنتهى هى الاخرى بجريمة قتل لكنها هذه المرة عبارة عن لعب طقوس لجريمة قتل السيد المدام حتى النهاية بواسطة العبيد الخادمات ومع ذلك ، فإنها ليست مجرد تعبير عن حقد عبد يتغلب على قوة سيده ، كما فى الدراسات الرمزية النموذجية الهيجيلية لدى نيتشه (8) وماركس ، ولكنها كذلك عبارة عن طقس تدمير ذاتى حيث تتبادل الخادمات اعادة اللعب واعادة توجيه حقدهن الاجرامى نحو بعضهن البعض ومن الواضح ان المدام نفسها تنجو من ذلك.

ان جينيه الكاتب المسرحى المنبوذ لايصور نضالا لوكاشيا ظافرا لابطال بروليتاريين ، لكنه بالاحرى يصور حقدا محكوما عليه بالاخفاق ، يرتد الى الداخل: بين الخادمات وفى داخلهن انهن واقعات فى شرك عملهن / وموقفهن وادوارهن تماما بقدر مايتعرض له سجناء مسرحية "حرس الموت " انهن يستنفذن قتلهن المتخيل والرمزى للمدام فيما بينهن: من الأخر فى الأخر والاخر فى ذاته هذا هو انتصارهن الوحيد، لذا فإن جينيه يفض بوضوح كلا من مبدأ الواقع للوضع الاجتماعى الرأسمالي /الارستقراطى وذلك الذى للبروليتاريا الماركسية.

على كل حال فإن جينيه لايدمر المبادىء الواقعية للرأسمالية والماركسية فحسب ولكنه كذلك (يزيح وعلاوة على ذلك يستبدل) قمة التركيب البنيوى النفسى لنظرية فرويد، وبينما يقوم لاكان بشطر الأنا العليا Uber-ich بين الهو او الهذا Mio  التماثلية المقموعة بها وبين الانا Je الاجتماعية المشكلة هكذا فإن خادمات جينيه ، وبطريقة درامية أوديبية ومسرحيه متوازية يقمن بقتل اناهن العليا بالقتل الطقوسى للمدام ثم يوزعنها (المدام) فيما بينهن لكنهن ايضا يكررن... مع كل اداء حقيقى فى المسرحي ومع الطقس المتخيل المؤدى داخلها.. عملية انبعاث أو اعادة انتصاب الدال القضيبي ، لها أذ انها المدام موجودة داخل كل واحدة منهن هكذا تسبر مسرحيه الخادمات الوعى المضاد بفضح قانون وقوانين الضمير المضاد.

وطبقا لقراءة رجلاند سوليفان للاكان فإن "ما يتبقى من نمو طفل ما هو المتخيل الذى يؤكد نفسه فى حياة الانسان البالغ فيما يتعلق بتعاقدات وتحالفات وقوانين نظام الرمزى،بيد ان المتخيل يميل الى تخريب هذه القوانين ، سواء من خلال التهكم غير الضار أو الاعمال الاجرامية" ان لعب الاطفال المتخيل بشكل مهيمن يتطور هو ايضا الى متخيل البالغين المسرحى التأكيدى والجاد، الذى غالبا ما يثور ضد بل ويحاول ان يخرب قوانين المجتمع وتمثلاته الرمزية، علاوة على ذلك فإن مسرحيات جينيه تثور ضد ثوراتها ذاتها وتمعن تخريبا فى تخريباتها ذاتها، وبهذا تقارب ولكنها لاتصل ابدا الحقيقى الكائن فيما وراء نطاقها.

يستنفد زبائن مبغى مدام ايرما الطفوليين فى مسرحية الشرفة فانتازياتهم المتخيلة على خشبة المسرح الامامية فى الغرف العديدة يبدو الديكور ظاهرا للعيان ، بينما يسمع فى الجزء المخفى عن انظار المتفرجين ضجيج ثورة حقيقية او اكثر حقيقية بين الفينة والاخرى.

فهل ستقوم تلك الثورة الحقيقية او الاكثر حقيقية الدائرة خارج المبغى بتخريب متخيل المبغى المخرب أساسا؟ وهل العنف المتخيل ضمن المبغى ذاته مع احتمالاته الخاصة بالحقيقة هو ثورة ضد الخارج الحقيقى؟ ان العنف المتخيل داخلى المبغى والعنف الحقيقى او الاكثر حقيقية فى الخارج، والذى تؤكده دلالات صوتية هى نيران مدفع رشاش نسمعها ضمن المسرحية... هذان الشكلان من العنف يضاهيان اجتماعا عاصفا وعنيفا فيما تتطور أحداث المسرحية بشكل مشوق ، غير ان جدران مبغى الشرفة الكبيرة التى تصد الثورة الخارجية الحقيقية او الاكثر حقيقية تنطوى ايضا على ما يلي: العيون الحقيقية لمتفرجى المسرح الذين هم هناك فى الخارج وهى ترقب ما يجرى فى الظلمة من الجانب الآخر للحائط الرابع بين خشبة المسرح والمقاعد.

تقع الانحرافات العنيفة المتخيلة/ والرمزية فى مسرحية الشرفة امام مجموعة من المرايا مرايا خشبة المسرح الامامية الواقعية كما وصفها جينيه فى توجيهاته والمرايا المتمثلة فى عيون الممثل الآخر والعيون المرآوية للمتفرجين فعلى سبيل المثال يتأرجح الاسقف زبون المبغى الذى يرتدى ثياب اسقف على شفير لذة شبيهة بمرحلة المرآة والمرحلة القضيبية وذات هوية تنكرية اولا فى عيون المرأة المعترفة امامه خليلته وثانيا فى المرأة الحقيقية المثبتة على خشبة المسرح الامامية لكنه بعد نزع ثياب الاسقف عنه عند نهاية المشهد الاول يوجه نظره الى الاسفل الى ذاته المتخيلة /الرمزية وهى فى الثياب التنكرية المتكومة على الارض محاولا مرة اخرى ان يلتحق بأناه الخارجية، أناه الاجتماعية "Moi اللاكانية" بإحساسه الباطنى لمعنى Moi " My self اللاكانية" حتى ولو كانت الفجوة بينهما الأن وبسبب ذلك واضحة جدا.

"أيتها الزينات وأيتها الزخارف من خلالك انما اعود للدخول فى ذاتى انى اعود مرة اخرى الى اقتحام مملكة ما.. انى اضع ذاتى فى ارض جرداء حيث يغدو الانتحار ممكنا أخر الامر.. وهنا هأنذا اقف وجها لوجه مع موتى".

وفى مرآة ثيابه الملقاة على الارض يلمح الاسقف.. او بالاحرى الذاتMoi  التى كانت بداخل الزى الفجوة بين المتخيل والرمزى وهو يواجه صورة ذاته - الموت "Mio - death" التى ستوحد فى النهاية بين الذات والانا "Moi and je " كشكل رمزى.

القاضى: بدوره يتأرجح على شفير لذة فى صورة المرأة الخاصة "بجلاده " القواد آرثر الذى يضرب اللصة / العاهرة بناء على اوامر القاضى، ومع ذلك فإنه يلمح الفجوة بين المتخيل والحقيقى والكلمة الرمزية.

"القاضى: انا مسرور بك ايها الجلاد جبل عبقري من اللحم ، وكتلة ضخمة من لحم البقر تتحرك بكلمة منى! (يتظاهر أنه ينظر إلى نفسه في شخص الجلاد) مرآة تلك التي تمجدني ! صورة أستطيع لمسها، والله أني لأحبك (يلمسه).

هل أنت هناك ؟إ. والزبون الذي يؤدي دور جنرال في المبغى،هو أيضا مستثار قضيبيا كالأسقف والقاضي ، بواسطة احتمالية وجود رمزى نقى واجوف ففى غرفته فى المبغى يمتطى "الجنرال " فرسا متخيلا خليلته حتى الموت وهكذا كما تصف هى ذلك بكلماتها فإن الامة ستبكى ذلك البطل العظيم الذى مات فى معركة".

على كل حال فإن البطل الحقيقى او الاكثر حقيقية هو قائد الشرطة الذى يحقق بطولته بإخماد الثورة الحقيقية المفترضة والمندلعة خارج المبغى.. ولكن حتى قائد الشرطة البطولى بحاجة الى ثورة اخرى والى انحراف ماخوري جديد خاص به هو، لكى يحدد مكانه الرمزى ضمن اطار ذلك المبغى، ولكى يجسر الفجوة القائمة بين متخيل المبغى والحقيقى فى الخارج فبعد سحق الثورة الخارجية يراقب قائد الشرطة قائد الثورة السابق روجر وهو يقوم بدور متخيل كقائد شرطة فى احدى غرف المبغى. ان القائد الحقيقى وهو يراقب ، يأمل فى ان يمنحه هذا المشهد الانحلالى الذى يجرى فى المبغى او بالاحرى صورة ذلك المشهد وضعا رمزيا دائما كواحد من ادوار المبغى الذى يعاد تمثيله مرة تلو الاخرى.

لكن روجر الذى ما يزال هو الثائر، يحرف الانحراف ذاته عن طريق اخصاء نفسه اثناء قيامه بدور قائدالشرطة، وعلاوة على ذلك فإن العنف الحقيقى "المفترض " لثورة روجر الاخرى يتوجه نحو القصد المتخيل /الرمزى لقائد الشرطة الذى