يوسف سامي اليوسف:
أسستني كارثة 84 
أكثر مما أسسني أفلاطون والجرجاني..

أجرى الحوار: عبدالمنعم قدورة كاتب من سوريا
 و سعيد البرغوثي كاتب من فلسطين


واحد من النقاد القلائل على الصعيد العربي الذي يمتلك تلك الذائقة العميقة الشديدة الحساسية بجانب ثقافة موسوعية متنوعة بعيدة عن التحذلق والاستعراض الكتابي والمجالسي. فحياته بكاملها شخصا وكتابة مسكونة بالعزلة والابتعاد عن الأضواء الاجتماعية الكاذبة, آراؤه دائما حاسمة وبعيدة عن المجاملة والتزويق حيث يرى أن الشر يكتسح العالم والرداءة تقذف به إلى الجحيم.

س بداية, دعنا نتحدث عن منطلقات الابداع, ففي »القيمة والمعيار« و»الخيال والحرية«, ثمة محاولة نقدية, أو نظرية, لتبيان الظواهر الفنية والابداعية وتجلياتها وإعمال العقل في دراسة الظاهرة الأدبية. ما تأثير الغربة والشتات والبحث عن الذات والهوية الوطنية في تأسيس ما كتبت?

ج لم يؤسسني افلاطون ولا أرسطو, ولا كانط ولا هيجل, ولا الدكتور جونسن ولا ت.س. إليوت الناقد, ولا الآمدي ولا الجرجانيان, وإنما أسستني النكبة, أو الكارثة التي حلت بفلسطين سنة 1948, وفي الصلب من يقيني ان من هو ليس مغتربا في سواء حضارة الايدز والسفلس, حضارة النهب والعدوان, لا يسعه البتة أن يكون انسانا, بل هو حيوان بليد وكفى.

وفي الحق أن المسافة بين البشر والبقر آخذة بالتقلص في هذا الزمن الخاوي. ولكن ثمة بقية من أهل الاغتراب مازالت تحيا بمنأى عن البذاءة والابتذال, لتمثل الجنس البشري على الأصالة, ولتصون الانساني بوصفه لباب الكون, أو روحه النفيس.

وعندي ان جل العملية النقدية يتجذر في مزاج الناقد, والمزاج هو الطبع الذي يولد مع المرء, ولكن يتأثر كثيرا بالحوادث الحادة التي يعيشها في حياته, ولا سيما بالكوارث الوطنية والاجتماعية التي من شأنها ان تشحذ الحساسية وأن تمدها بزخم عارم لم يكن لها من قبل, والحساسية عندي هي اليخضور الساري في شجرة الحياة كلها.

س  هل تتطلع الى صياغة نظرية جديدة في النقد, متبلورة ومتماسكة, من شأنها أن تتناول التراث والأعمال الأدبية المعاصرة?

ج في الحق انني اتطلع الى البرهة التي أكف فيها عن ممارسة هذا العناء السقيم العقيم الذي يسمى الكتابة فلامراء في أنني أشقى وأتعب بغير مردود, أيا كان نوعه. فلو لم يكن هنالك سوى مردود معنوي لرضيت. ولكن, ما من شيء إلا التعب اللامجدي, والعداء من كل حدب وصوب, واللصوص ينهبون الكثير مما أكتب, دون أن يشعروا بأي حياء او خجل. وفي الحق ان استطاعتهم أو قدرتهم على الاحتيال هي قدرة ابليسية ماكرة. والغريب أنهم في الغالب من ذوي الأسماء المرموقة في العالم العربي, ولكنهم على الحقيقة مسوخ, ويجهلون غريزة الشرف جهلا ما بعده جهل.

انني لا أشعر بشيء قدر ما اشعر بالغيظ والحنق والاشمئزاز, في هذه الايام. وأنني لأحمد الله كثيرا لأنه زودني بنازع التقزز والازدراء, ولأنه وهبني حاسة من شأنها ان تكتشف الغثاثة والرثاثة بسرعة, وأن تقرف منهما وتجتنبهما فورا.

وأظن أنني احترم المتنبي لجملة من الأسباب, أولها وأهمها انه شخصية ازدرائية لا تضاهى بتاتا, وإن كان شخصية تنديدية في الوقت نفسه, وهذه مثلبة من مثالبه الشائنة. فلئن كان الازدراء تلميحيا واستعلائيا, في آن معا, فان التنديد جهوري وغوغائي أيضا. وفي هذا فرق كبير بين العلو والدنو.

فلم يبق أمام المغتربين, عشاق السمو, إلا ان يحتقروا بصمت, وبخاصة هذه الحضارة الحديثة التي اسميها حضارة السخام, والتي أخذ انسانها يتحول بالتدريج من كائن بشري الى كائن بقري. ولكن الاحتقار لا يسعه أن يكون جماع وظيفتهم, إذ لابد لهم من رسالة ايجابية. ولعل في الميسور أن تتلخص تلك الرسالة بوجوب صيانة المسافة التي تفصل بين النفيس والخسيس. وبايجاز, ان أخلاق العلو هي لباب الحياة, ولا يبقى سوى اللحاء وحده.

س تذهب الى أن معظم الدراسات الأدبية والنقدية العربية منذ أوائل القرن العشرين هي نقود من النمط التطبيقي, وأن الكتابات المتخصصة بنظرية الأدب, أو بالتعرف على ماهية هذا الجنس الأدبي أو ذاك, قليلة الكمية وضئيلة القيمة في آن واحد.. كيف توضح هذه الفكرة, إذا ما تذكرنا الدراسات النقدية الجادة التي حفل بها تاريخ الأدب العربي المعاصر في اربعينات القرن المنصرم وخمسيناته?

ج ان هذا الامر شديد الوضوح, فلقد درس طه حسين والعقاد ومندور والنويهي وايليا حاوي ومارون عبود وسواهم, هذا الشاعر أو ذاك, وهذا الديوان, أو ذاك, وهذه الرواية أو تلك. فمثلا, درس طه حسين كلا من المتنبي والمعري, كما راح كل من النويهي والعقاد يخصص كتابا قائما بذاته لدراسة أبي نواس. ولقد كرس طه حسين عدة مقالات لدراسة أبي نواس نفسه في الجزء الثاني من »حديث الأربعاء«. وقدم ايليا حاوي دراسة مطولة جدا للمتنبي. وهذه جهود يحمدون عليها حقا. ولكن من من النظريين العرب, أكانوا نقادا أم مفكرين, قد خصص كتابا لنظرية المسرح, أو للشعر أو للرواية, أو حتى للنقد, أعني بحثا يدور على ماهية النقد ووظائفه المتعددة? ان مثل هذا الجهد قد تأخر في الظهور, من جهة, وجاء قليلا من الناحية الكمية وطفيف الشأن من الناحية الكيفية.

ولا يمكن لمثل هذا الحال أن يكون وليد المصادفة, فنظرية المسرح, مثلا, لا يسعها أن تنضج في دائرة حضارية مسرحها ضامر, أو يكاد أن يكون معدوم الوجود. وقل الشيء نفسه عن الرواية. (فالرواية العربية مازالت حتى الآن دون مستوى النضج. أما الشعر فأمره مختلف.. إذ لقد ازدهر الشعر العربي الحديث على نحو نادر, كما ازدهر نقد الشعر أيضا. ومع ذلك, فان التنظير للشعر قد ظل متخلفا في العالم العربي الراهن).

س كيف يمكن أن توضح لنا رؤيتك لعلاقة القيمة ومعيار القيمة, ما دمت قد قررت في كتابك »القيمة والمعيار«, ان ليس ثمة معيار واحد شامل ومطلق نملك من خلاله أن نتوصل الى حكم قيمة نقدية حاسم ونهائي?

ج بداية, حبذا التوكيد على أن القلق من اجل القيمة, وكذلك السعي الصادق وراء المعيار, هما قيمة بحد ذات كل منهما, اذ ما قيمة الانسان بغير قيم, أو بغير قلق من أجل القيم?

وفضلا عن ذلك فان في الميسور الذهاب الى أن العقل البشري يملك قدرة على النقض (النقد والنقض اخوان توأمان) فحين يظن المرء بأنه قد توصل الى المعيار الشامل, أي الى القيمة التي تؤسس الحق كله, فان في مقدور أي من تلاميذ المدارس المتوسطي الذكاء أن يهدم كل ما قد تأسس, وذلك بحكم كون العقل البشري أقدر على الهدم منه على البناء.

ولكن أهم ما في الأمر ان القيم كلها, سواء أكانت فنية أم أخلاقية انما يصنعها المزاج وليس الذهن البرهاني المتخصص بالحقائق اللازمنية, أي تلك التي لا تعني  لاختلاف الأماكن والازمان, مثل حقائق الرياضيات الخالدة. ومادام الأمر كذلك, فان الاجماع سوف يكون صنفا من أصناف المحال.

وقصارى المذهب ان الحكم النقدي انما ينبع من مزاج الناقد, أكثر مما ينبع من ذهنه البرهاني, مهما يك حصيفا أو فاره القامة. وما النص الأدبي العظيم إلا ذاك الذي يناسب أمزجة متباينة, ويصلح للقراءة في أماكن كثيرة وأزمان طويلة.

س ترى أن محتوى الشعر هو محتوى النفس حصرا, أين ذهبت آفاق العالم الخارجي, علما بأنك تؤكد على أهمية التجربة الانسانية ودورها في انبثاق الشعر?

ج لا مراء في أن محتوى الأدب والفن بعامة هو محتوى النفس حصرا, والا سقط  الابداع في الخارجية المبتذلة التي من شأنها أن تزيل كل مسافة بين الأغبياء والألباء. فالشاعر الجيد يملك أن يصف الزهور وكأنها تنبت, لا في الطبيعة, وإنما في تربة روحه. وأحسن مثال على ذلك هو قصيدة »النرجس البري« للشاعر الانجليزي وليم وردزورث. أما الشاعر الخارجي فيصف الزهور وصفا محايدا فاترا, أو فقيرا الى الحرارة التي من دونها لن تكون هنالك حياة بتاتا. وتملك أن تجد مثالا واضحا على هذا الصنف من اصناف الخارجية الخامدة في اشعار البهاء زهير.

فبواسطة الداخلية الحية لا يظل الشيء كائنا موضوعيا قابعا هناك في الخارج المحايد, أو قل انه لا يظل موجودا في ذاته, بل يصبح برسم الحدس والتوسم والعاطفة والوجدان, أي هو يصير من أجلنا بعدما كان من أجل لا شيء.

إن الشعر شعور, وعلى الأشياء أن تستحيل الى مشاعر كي تصير صالحة للولوج في بنية القصيدة الحية الفاتنة. ولست أؤكد على شيء بقدر ما أؤكد على أهمية التجربة الانسانية, أقصد بالضبط ممارسة الانسان للحياة وعلاقته بها. ان الشعر, بل الفن بعامة, إنما يخزن أو يستضيف العلاقة التي بين النفس والأشياء, فالنفس بغير الأشياء ليست سوى خواء, والأشياء بغير النفس ليست سوى حياد, أو حتى بلا معنى. ولهذا يجوز القول بأن الكون لم يكتمل إلا يوم جاء الانسان, أو الوعي, الى الوجود.

وخلاصة الأمر أن النشاط النفسي, أو الجواني, هو المنتج للعلاقة, أي للشعور, أو للشعر والآداب بوجه عام.

س ماذا أردت بالتركيز على موضوعة الذائقة, أو التذوق الأدبي, للنص الشعري?

ج أردت بدقة أن يكون النص الأدبي انجازا ممتعا منعشا جذابا, لأنه لن يؤثر في النفس إلا إذا اتسم بهذه السمات الماهوية حصرا.. والتأثير في النفس هو الغاية النهائية للعمل الفني.

فمما هو معلوم أن عددا كبيرا من الناس في العالم العربي قد راحوا يتبنون, في الربع الرابع من القرن العشرين, فكرة مؤداها أن على النص الأدبي أن يسهم في تغيير العالم. أما أنا فاعتقدت, ومازلت أعتقد, بأنه ما من أدب قط يملك أن يستقلب المشروع البشري على نحو مباشر. ولكن الأدب يستطيع أن يغير الذات, أو النفس, التي سوف تغير التاريخ, أي تغير وجودها, أو جملة شروطها.

ولكن الأدب لا يملك أن ينجز هذا الأثر, أو هذا التغيير المنشود, إلا إذا كان ممتعا, والأدب لا يكون كذلك إلا إذا كان حيا موارا بالدماء القانية الحمراء المفعمة بخضاب الحياة. فمما هو بديهي أنه ما من شيء يغير, أو يؤثر على نحو ايجابي, إلا الجميل الحي المحبوب والجذاب.

ومما هو مؤسف حقا أن معظم ما يكتب من أدب في هذه الأيام لا يصلح للقراءة بتاتا , ناهيك عن المتعة والتأثير. ولهذا فان لا ينعش, أو لا يخلب ولا يجذب, وهذا يعين ألا يصلح للتذوق بأي حال من الأحوال. فان يكون النص برسم الذائقة يعني, كما قال عز الدين بن الأثير في »المثل السائر«, أن تكون له نشوة كنشوة الخمر.

لقد فسد الذوق الفني في هذا الزمن القاحل البليد, وفساد الذوق يعني بالضرورة فساد الآداب والفنون. فلا خروج عن سمت السواد إذا ما أعلن المرء بأن العالم العربي لم يخرج من عصر الانحطاط بعد.

س تقول بأن ترفيع اللغة الى أفق اكتمالها هو الوظيفة الأولى للشعر, بل ربما لكل نص أدبي عظيم, كيف ترى الوظيفة الاجتماعية والفكرية للشعر, علما بأنك تذهب الى ربط الشعر بالحياة?

ج حين أعرف الشعر بأنه كمال اللغة, لا أقصد بتاتا أن يتحول الشعر الى نزعة لفظية, أي لغو تلغيه الأيام, بل أقصد أمرين متجادلين أو متكاملين, لابد من توضيحهما في مقالة خاصة. أما الأول فخلاصته أن المحتوى قد وجد تعبيره الأكمل بواسطة اللغة الأكمل. ولهذا, شددت الحضارات القديمة كلها على الشعر, وصاغت ما هو جوهري في أديانها صياغة شعرية. وأما ثاني الأمرين فهو أن البلوغ الى الكمال اللغوي من شأنه أن يلغي كل فرق أو تمييز بين الشكل والمضمون, وهو تمييز اصطنعته هذه الحضارة الحديثة في طورها الشائخ, وإن كانت له جذور في أطوار تاريخية سابقة.

إذن, حين أقول إن الشعر الجيد هو كمال اللغة إنما أعني بالدرجة الأولى أن الفحوى الاجتماعي, وكذلك التاريخي والروحي قد بلغ إلى أكمل ظهور ممكن, أو صيغ بأسلوب مناسب, إذ ينبغي أن نذكر دوما أن الأدب تعبير وقدرة على تفعيل اللغة بنهج تلقائي ناج من الافتعال, بحيث تستجيب لمطالب الروح, ولا سيما لحاجة الحساسية والذائقة والغريزة الفنية التي هي برهة ما هوية في بنية النفس. وعندي أن الأدب الذي يلبي حاجات الذائقة لا يسعه البتة إلا أن يكون ملاء يترعه الهم الانساني قبل كل شيء, أي يأهله هم تاريخي أو اجتماعي صار أزمة روحية, أو أزمة تفعل فعلها في داخل الروح بالدرجة الأولى.

جزما إن البشر يقتات بعضهم ببعض, أو يغتذي الواحد منهم بلحم الآخر, فلا يسع الفنان, (ولا سيما الكتاب الأدبيين) أن يقف متفرجا على هذه الحقيقة العضالية التي من شأنها أن تفجر الدماغ الحساس.

ي تربط بين الخيال والحرية, وتشير إلى أن الخيال لا يختزن شيئا بقدر ما يختزن حنين الروح الى الحرية, كما تشير الى أن الخيال الفني هو انبثاق من المتناهي, أي من المجسد والمعطى, هل الخيال الممزوج بالواقع هو حرية مطلقة?

ج ليست هنالك حرية مطلقة بأي حال من الأحوال. وكل ما أردته هو أن انتقد أدب عصرنا ففي الحق أن هنالك تيارين أدبيين واضحين في النصف الثاني من القرن العشرين, وكلاهما لم يحالفه النجاح.

أما التيار الأول فهو تيار الواقعية الفجة او المباشرة التي تريد أن تصف الواقع من حيث هو معطى, أي كما هو تماما, وبغير أي توظيف للخيال أو للتخييل.

وأما التيار الثاني فهو التيار التجريدي الخاوي من كل محتوى واقعي صريح أو أصيل. ويسعني أن ألخص ما قد شددت عليه في أن الأدب الناجح يمزج العنصر الواقعي بالعنصر الخيالي, إذ أن من شأن هذا التزاوج الخصيب أن يجعل النص ممتعا بفعل ما فيه من خيال معتدل, كما يجعله صلبا أو تجسيديا وبريئا من التجريد المفرط, بفعل ما فيه من حقيقة مستمدة من صميم الحياة التي تعاش بالفعل.

س ترى أن الأدب من صنع الخيال, وأنه لا يمكن لنا أن نفهم الأدب حق الفهم الا إذا فهمنا ماهية الخيال الذي هو جزء من ماهية الانسان, مستدلا على ذلك بأن كتابا مثل الكوميديا الالهية لدانتي ما كان له أن يتمتع بتلك السمعة الطيبة إلا لأنه شديد القدرة على دمج الخيال بالوجدان. هل تعتقد بأن النص الجيد هو ذاك الذي يمزج الخيال بالوجدان?

ج نعم, أؤمن جازما بأن من شأن النص الجيد أن يدمج الخيالي بالوجداني أو العاطفي. وهو إذ يفعل ذلك فان يكون قد وظف عناصر الواقع سلفا, وإلا فانه له يؤثر في الوجدان, أي في الجهاز العاطفي للانسان.

وفي الحق أن دانتي المغترب الذي كابد اللوعة بعدما طردته فلورنسا, فراح يتشرد في الأرض, ما كان له أن ينتج »الكوميديا الالهية«, التي هي درة الآداب الأوروبية في القرون الوسطى كلها, لولا شعوره بأن ليس من نسيج عصره, وربما ليس من نسيج هذا العالم الأخذ بالتخمج يوما عن يوم.

ثم إن شعور دانتي بالاغتراب هو الذي استطاع أن يؤسس الآداب في أوروبا من جبال الاورال شرقا الى جزيرة ايرلندا غربا, وفي الحق أن آثاره على شكسبير, الذي لم تنفه أية حكومة, لا يخفى على أي بصير. واهم ما في أمره أنه كان أعرف الناس في زمنه بكيفية توظيف الخيال ودمجه بالواقع والوجدان ابتغاء انتاج نص أدبي خالد.

س تنقل عن الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي, أن الخيال هو نعيم الناس وجحيمهم في آن واحد. وترى أنه أدرك الوجه التحريري للخيال, بل أدرك الجذر الماورائي العميق الذي يؤسس حرية الانسان وفنونه وأحلامه وأساطيره. هل يمكن لنا أن نطبق هذه الرؤية على صنوف الأدب كلها, أم على الأدب الصوفي المثالي وحده, حيث يضحى عالمنا عالم الخيال ليس إلا?

ج لعل مما هو جلي أن نظرية ابن عربي في الخيال هي بالدرجة الأولى رؤيا صوفية خالصة, ولكنها, مع ذلك, نافعة للناقد الأدبي الذي يود أن يستوعب ماهية الأدب من حيث هو نشاط لقوة الخيال, تماما بقدر ما هو نتاج للوجدان الذي ينفعل بالواقع الحي دوما. لقد رفضت فكرة ابن عربي حين قال أن العالم كله خيال وحسب. فالواقع هو الحياة التجريبية العينية التي لا مراء في كونها حقيقة محسوسة تعاش يوميا, بل تكابدها النفوس المطهمة أيما مكابدة.

والجدير بالتنويه ان ابن عربي قد كان أول من أسس نظرية للخيال في تاريخ الفكر البشري برمته. وفي هذا الأمر دليل على أنه خبير بالنفس حقا. والأهم من ذلك ان رؤيته للنفس بعيدة كل البعد عن أن تكون رؤية سكونية, وذلك لأنه قد رأى الخيال بوصفه قوة ابتكار, أو قوة خلق وابداع, بل نوه الشيخ بأن الخيال غريزة في الانسان تطالب باشباعها الخاص. ولهذا السبب فان كل مجتمع في الدنيا ينتج الفنون والآداب. وربما كان هذا السبب نفسه هو ما جعل »ألف ليلة وليلة« أكثر الكتب رواجا في أوروبا الغربية, خلال طور الكمبيوتر والستلايت. فلاريب في أن ذلك الكتاب استجابة ممتازة لغريزة الخيال التي تطالب دوما بحقها في الاشباع.

وبايجاز إن الخيال ليس كل شيء, ولكن الواقع لا يملك البتة أن يلج الى العالم الأدبي إلا إذا جاء ممزوجا بالخيال. وهذا يعني أن مقولة »المحاكاة« التي قال بها كل من أفلاطون وأرسطو هي مقولة فاسدة, لأن النص لا يحاكى إلا بقدر ما يتخيل. فلابد من القول بأن الفنون والآداب هي في برهة الوساطة دوما, إلا اذا كان عملا متطرفا في المباشرة, أو متطرفا في التجريد. ولاريب في ان هذين المتطرفين هما شكلان من أشكال الاتضاع.

س في كتابك ؛الخيال والحرية« ترى أن الأدب حرية أو صنفا من اصناف الحرية, ثم تعبر عن رغبتك في الابتعاد عن انجاز تسوية بين النظرة المثالية وبين النظرة الواقعية, كأنك تريد ان تماهي بين أنصار الفن للفن والفن للحياة. هل هذا صحيح?

ج في الحق ان مثل هذه التسوية لا تعنيني, بل إن هذه المثنوية ليست من اهتماماتي بتاتا, فما أعني به هو مثنويات أخرى مثل الصحيح والمغلوط والأصيل والنغيل, والوهمي والحقيقي, والنفيس والخسيس, والعالي والداني, وما الى ذلك.

ولست أريد أن اوفق بين مذهب »الفن للفن« ومذهب ؛الفن للحياة«. فأنا أؤمن جازما بأن الفن ما كان ولن يكون إلا من أجل الانسان, أي من أجل الحياة البشرية, التي هي اجتماع وتاريخ بالدرجة الأولى. ولكنني لن أتنازل قيد أنملة عن وجوب احتقاب العمل الفني أو الانجاز الأدبي, للأصالة الناجية من كل تزوير. لا خلاف البتة على غاية الفن, ولكن الخلاف على كيفيته. فهناك من يقبلون الزائف على أنه أصيل. ولكن النقد الرافض لكل اتضاع سوف يصمد في وجه كل تزوير, على الرغم من أن عصرنا لا هم له إلا أن يقيم أعراسا للخصيان.

س في حديثك عن الاغتراب ترى أنه المؤسس الأول للفنون والآداب, بل حتى للفلسفة الذاتية والصوفية أيضا, هذا بينما يذهب بعض الدارسين الى القول بأن الدراسة العلمية للأديب يجب أن تنفصل عن الأدب نفسه. فما قولك?

ج أولا- لا أرضى بأن يفصل الناس بين الكاتب وبين ما يكتب. وفي قناعتي أن دراسة النصوص التي يكتبها الكاتب من شأنها أن تزيد معرفتنا بشخصه وبحياته وبالبيئة التي كان ينفعل بها ويتأثر, ويحاول أن يغير فيها الى حد ما.

ثانيا - دعنا نسلم بهذا الانفصال تسليما جدليا. فهل هذا يعني ان الاغتراب الذي يكابده الأديب, ذلك الكائن الاثيري المرهف الحساس, ليس العامل الأكبر في تأسيس الفنون والآداب? ففي الحق أنه ما من رابط يربط بين الأمرين.

ثم إن الاغتراب, أو التنابذ المتبادل بين الفرد والمجتمع, هو نتيجة وسبب في آن واحد للتوتر الذي من شأنه أن يعزز الحساسية وأن يزيد من فاعليتها, وإذا ما تحركت الحساسية على نحو عارم تحرك الانتاج الفني فورا, إذ الحساسية المتفاعلة مع الاغتراب والشعور بالبؤس, هي الينبوع الأكبر للآداب والفنون كلها.

ولهذا, فإنني اؤكد من جديد على أن الشعور بالاغتراب هو واحد من أكبر المصادر الغزيرة للأداب العظيم.

س تنطلق في تبيان أثر الحساسية في النص الأدبي من مقولات ذات صفة تقريرية. وهنا تثار مسألة علاقة الحساسية بالابداع. فهل الحساسية هي عقل الأدب الباطن ولا شعوره المكنوز?

ج يتحسس الكاتب الأدبي الحياة, فيشعر بكل خلل كبير يعتريها ويشوهها. ولكنه يتحسس وجهها الايجابي أيضا, تماما- كما فعل ورد زورث حين راح يصور الطبيعة مفتونا بمباهجها وسرها الذي كان يحدسه دون ان يدرجه بوضوح.

ترى, كيف يمكن لشكسبير ودستويفسكي معا أن يعرفا دربهما الى الوجود والشهرة لولا أن يكون كل منهما قد راح يتحسس الشر بأصالة لا مثيل لها من قبل بتاتا? فلكل كاتب حساسيته التي تعمل دوما على تمكينه من التقاط الفحوى الذي يناسب طبعه أو مزاجه. وعلى قدر الزخم الذي تتمتع به حساسيته تكون قيمته او قدرته على احراز النجاح.

وفي صميم قناعتي أن الفنان الكبير, وكذلك الناقد الكبير, لا يعرف دربه إلى الوجود إلا في سواء ثقافة أو حضارة لها القدرة الكافية على تنمية الحساسية في الافراد, أقله في النخبة المنتجة للثقافة العالية, إن الأدب ليس سوى حساسية, قبل أن يكون تذهنا أو تفهما نظريا للحياة, وأن سيد الروائيين بأسرهم, أعني دستويفسكي هو أحسن مثال على صحة هذا المذهب. ولهذا كان الحدس والاستبصار هما الطاقتان الأكثر أهمية في مضمار انتاج الفنون والآداب, وكذلك في مضمار نقد الفنون والآداب.

ومما ينبغي توكيده أن الشعور بالاغتراب هو إفراز من افرازات الحساسية, فلا يكابده إلا الحساسون, أو من كانت حساسيتهم شديدة الزخم. أما البلادة فلا يسعها أن تنتج شيئا سوى كائنات تشبه البشر وحسب.

س التوتر والصراع صفتان من صفات الحياة. وإنك ترى أنهما الينبوع الثر الذي ينبثق منه عدد كبير من المسرحيات والروايات. كيف يمكن لك أن تشرح هذا الموقف وتبين تواشجه مع عوامل الابداع?

ج مما هو جد ناصع أن الحياة متوترة دوما, ولكن الى هذا الحد أو ذاك. وبما أن كلا من الرواية والمسرحية هي صورة عن الحياة, بل منبثقة من صميمها الحي, فإنها يجب أن تكون منسوجة من التوتر والصراع هي الأخرى, والا جاءت فاترة وفقيرة الى الحرارة. وكل ما يفتقر إلى الحرارة هي شيء ميت, أو على حافة الموت حتما, وذلك لأن الحياة هي الحرارة بأم عينها, بل إن التوتر هو نتاج حرارة بالضرورة, ودون أدنى ريب.

فلعل أول سؤال ينبغي أن يطرحه الناقد حين يقرأ نصا أدبيا ما هو هذا: هل يتوقد النص بالحرارة الجوانية, أم يرين عليه فتور بليد?