|
|||||
|
سبهري
فضاء أخضر وهذا
لا يعني أن
سبهري خارج
عصره. على
العكس من ذلك
فروح عصرنا,
والانحدار
التدريجي
للقيم, وظهور
فكرة البحث
عن الجذور
تجد صداها في
أعماله. ولكن
قلق الشاعر
ليس بيأس روح
تائهة
متباكية على
الأطلال
المتفحمة
للزمن, إنه
بحث عن نبع
حيث تنبثق كل
تجربة
إنسانية. طفل
الصحراء, من
قاشان التي
يعشقها
ويلجأ إليها
معظم أشهر
السنة, فارضا
على نفسه
نظاما شبيها
بنظام
التنسك, في
العزلة
والصمت
يعيش وحدته,
يحسها,
ويقطرها,
خالقا منها
جدارا هشا
يحيط به
كهالة النور,
مخدرا بهذه
الشفافية,
مستسلما
لنزوته,
يمارس
موهبته
رساما أو
شاعرا:
متنقلا بين
الريشة
والقلم,
متعاطيا
الاثنين
بذات
البراعة
وثبات
البديهة. على
حافة تنتظم
صفوفا حول
الصحراء
الوسطى
لإيران, مثل
حبات فيروز
سبحة, تبدو
قاشان مركزا
لكوكبة من
الواحات
الساحرة.
الخضرة
المفرطة على
خاصرة جبل
تتفتح على
ينابيع من
المياه
العذبة
النقية, حيث
تلجأ أشجار
الصفصاف
والحور,
والعنادل
والسنونو,
خالقة وسط
رحابة الأرض
المجدبة
سيمفونية
خاطفة, سرابا
من الانتعاش
والراحة, حيث
صفحة
التاريخ
فارغة
كالسراج
المقفر
للوقت. يعرف
سبهري
وبتفرد
محطات
الصحراء هذه.
سجادها
الأخضر الذي
يستقبل
الخطى
المهتاجة
للحجاج, رؤية
القبب
الزرقاء
المشعة في
لازورد
السماء, إن
طوبوغرافيا
ارض السراب
هذه هي ما
يعيد إنتاجه
بهياج روحي
في قصيدته,
كما في رؤية
تشكيلية في
لوحة. متجذر
في أرضه كأي
شاعر أصيل,
يرتوي من
النسغ
المرضع
لوطنه, هذا
النسغ سواء
شئنا أم لم
نشأ, في بلد
ذي تراث شعري
ضخم كإيران
له نكهة
روحانية.هناك
في الواقع ما
يشبه
الروحانية
الطبيعية
تمتزج
بعبقرية
اللغة
الفارسية,
روحانية
تنبعث من
هيئة
أسلوبها
المليء
بالغموض, من
التعدد
المتزامن
للكلمات
الممتدة على
العديد من
اللهجات, من
التماسك
النموذجي
للصور التي
تحتويها. كل
حب يمكن أن
يسمو إلى حب
إلهي, كل
مقهى مكان
للفسق ومكان
لنسيان
الذات, فيها
يمكن لكل
نظرة أن
تكتسب
الشفرة
القاطعة
لرؤية
تأملية. ولكن
ورغم تشربه
بهذا الجو
الرؤيوي فإن
سبهري يتجنب
كل
الكليشيهات
السهلة التي
يزخر بها
الأدب
التقليدي
الإيراني.
وريث شرعي
لذاكرة خصبة,
يعيشها في
سياق معاصر
لزماننا
الحائر, في
هذا العصر
حيث يسود (صعود
الفولاذ),
حيث (الأرض
السوداء
مرعى
للرافعات).
وبإيحاء من
رعب هذا
الاغتراب
الكوني
يتحول وبفضل
حركة عودة,
حينا في (رعب
شفاف) وحينا
في (حميمية
متموجة
للفضاء
المقدس),
وحينا آخر في
(نافورة
تنبثق منها
اساطير
الارض). الموضوع
الخالد
للروحانية
في إيران يجد
لديه شكلا
متحررا من
الأماكن
العامة التي
ترتادها
تقاليد غنية
بالصور, شكل
يدفعنا
للتفكير
أحيانا في
مراثي ريلكه,
و في البحث
عن الوردة
الزرقاء لدى
نوفاليس, وفي
الحنين
المسائي
لطاغور و في
العفوية
اللحظية
لفكر الشرق
الاقصى.
وبخلاف
العديد من
شعرائنا
الحديثين
يمتلك سبهري
ثقافة كونية.
لقد قرأ كبار
الشعراء
المعاصرين
من
الامريكتين
وآسيا. يقظ
الفكر في
نغمة
الأعالي,
غاسلا عينيه
في نسمات
الأراضي
الشاسعة,
سبهري طفل
الصحراء
الإيرانية
الذي يرى
عالم اليوم
بحياء هلع
التجريد. لا
يرغب في أن
يحد شجرة
نسله السهل
الإيراني.
يذهب للبحث
عن أسلافه
الأسطوريين
في سلالة (نبتة
معجزة من
الهند) كما
لدى (عاهرة
خرافية) من
آسيا الوسطى.
سبهري يحب
آسيا. ما
يكنه من حب
للطبيعة
يربطه بقربى
مع كبار
شعراء
الطبيعة في
اليابان
والصين. ومن
ذلك إقامته
الطويلة في
اليابان, حيث
درس الحفر
على الخشب
على يد معلم
ياباني علمه
فن تجريد
الفراغ الذي
يعد
اليابانيون
أساتذته. حبه
للهند فتح
آفاقه على
اللغة
الأساسية
للأساطير.
طفل الصحراء
هذا أقام
طويلا في
فرنسا
وأمريكا. لو
سرنا على خطى
باشلار في
البحث عن (الخيال
المادي)
لسبهري,
لقلنا بأنه
شاعر العنصر
السائل و
منتزع
الجوهر
المائي. ولكن
العنصر
المقصود هنا
ليس المياه
النائمة
الخاملة رمز
الوعي
العميق
للذات, كما
نجدها عند
ادغار الن بو,
ولكن الماء
كعنصر أصيل
يطهر الروح,
معمدا إياها
في حركة مد
لولادة
دائمة, الماء
كمادة شفافة
تجري في
الأوردة
اللامرئية
لكل الأحداث,
الماء كمبدأ
خيميائي
للتحولات:
ذاك الذي
يثير
الشلالات
الصغيرة
الضاحكة في
الحدائق, ذاك
الذي يخفق في
جداول
العزلة, الذي
يحلم في
قنوات الري
الرهيفة,
الذي ينام في
مرآة بساط
نعس, ذاك
الذي يسقي
نظرة الصباح
المنعشة,
متفتحا كما
القبلة
الحذرة في
الندى
الخافت
للتواصل. سيبدو
لنا بان
الشاعر يعيد
إنتاج
النشيد
الدائم
الحضور
للإلهة (اناهيتا)
الحارسة
القديمة
للماء في
إيران, لهذه
الأرض
الشديدة
الغيرة من
دموعها, ألا
يلقي ذلك على
عاتق الشاعر
استخلاص
المادة
الكريمة
بجهود صبورة
وأدعية
مستمرة.
وللعنصر
المائي لدى
سبهري علاقة
باللون
الأخضر, وليس
مصادفة أن
يكون عنوان
اجمل
مجموعاته
الشعرية (الفضاء
الأخضر)
فاللون
الأخضر
للنبوة
المحمدية هو
أيضا فيض
الغلة
الخصبة
للطبيعة,
هناك حيث
تنبت الشجرة
ينمو العشب
ويتفجر
البذر
النائم من
الأرض, وهو
الاستقبال
الرطب لواحة
فيها يتزاوج
الماء
والخضرة
ليصبحا رمزا
لكل حياة كما
لكل بعث. إنها
ارض (اكسفارناه)
حيث لجأ ذات
زمان زرادشت,
وهي أيضا
الجزيرة
الخضراء
الواقعة في
البحر
الأبيض على
قمة الجبل
العالي حيث
ينبثق نبع
الماء
المندفع تحت
شجرة عملاقة.
وهناك أيضا
المعبد حيث
اختفى
الإمام
الغائب, سيد
الزمان,
والذي سيأتي
في آخر
الزمان
ليختم دائرة
عيوننا.
الماء
والخضرة هما
المصدران
اللذان ينهل
منهما طفل
الصحراء
بنظرة صافية
كالماء,
وخضراء
كالأراضي
الأسطورية
للخيال
يكتشف سبهري
النعاس
الكوني الذي
يضم الواقع
الراهن, وهذا
النعاس (الأخضر
كحلم الإله)
هو ما يعنيه
عندما يقول
لجميلة
عزلته: حينها احك
لي قصة
القنابل
التي تساقطت
أثناء نومي, والخدود
التي بللها
الندى ساعة
غفوتي, وكم
من البطات
عبرت فوق
البحار وهذه
الأوقات
المضطربة, حيث
تعبر سلاسل
المدرعات
أحلام
الأطفال, أخبرني:
تحت أقدام أي
ملجأ أوثق
الكناري
الخيط
الأصفر
لغنائه. وراء
خلفية عصرنا
يتفتح العمق
السحيق
لنعاس
الشاعر الذي
يشبه (مايا)
فيشنو: النائمة
على سريرها
الثعباني,
ترى في
خيالها
تفاهة
الحالة
البشرية
التي تتفجر
كالفقاعات
على محيط
المياه
الأولى. والى
هذه النظرة
المليئة
بنعاس سحري
يجتمع ملمح
آخر ألا وهو
الفكاهة.
فكاهة تتكون
من سخرية
وشفقة, فكاهة
تدين السخف
الملازم
لأكثر
عاداتنا
اكتسابا
وعادية, وما
يثيره الحدث
الأكثر
تفاهة من
سخرية
متأصلة مثل (هذه
البقرة التي
شبعت من رعي
النصائح) أو (البغل
المحمل
بالحكم
والأمثال
العقيمة) أو (الجمل
الحامل على
ظهره سلة
مليئة
بالمفاهيم
الفارغة) أو
هذا
اللاهوتي
الكتابي
الذي يصارع
رغما عنه
إناء خزف
يفيض أسئلة
معلقة.
بإيجاز أنها
كل المواعظ
المجانية
التي نسرف
فيها
بلاتمييز, كل(المفاهيم
الأخلاقية)
التي نفرضها
على أقاربنا
معتقدين
أنفسنا اكثر
حكمة منهم.
كل الحكم
والأمثال
اللامجدية
التي نؤلفها
من جانب إلى
جانب,
معتقدين
حلنا للغز
الكون.
لان
النصائح
التي تكثر من
أكلها النفس
تشبعها
وبتخمة, وهو
إشباع يحتوي
على خوار
ثقيل لبقرة
مثلما السلة
مليئة
بالمفاهيم
الفارغة, مع
اعتقادنا
بإصلاح
ذواتنا, إلا
أنها تبقى
خاوية ولا
معقولة في
جوهرها , لأن
كل معيار
أخلاقي يبقى
دائما
محدودا
بنظرتنا إلى
العالم, وإذا
اعتقد
اللاهوتي
بحل كل
الإشكاليات
في عالمه
المصنوع من
معتقدات
مسبقة, فانه
يبقى صحيحا
بأنه يصطدم
باستمرار
كذلك بإناء
الخزف
المليء
بالأسرار
التي حين
تسقيه تتركه
عطشانا. إذا
بقي عمق لعبة
العالم هذه
حلما يتبخر
كفقاعات
الصابون,
لماذا لا
يكون ما فوق
الواقعي
واقعيا,
واكثر
واقعية من
العالم
المألوف
للواقع ? ألم
يعلمنا شاعر
كنوفاليس
بان الشعر
اكثر واقعية
من الواقع?
فالواقع ليس
كما هو كائن
بل كما يتجلى
لنا, وهذا
التجلي
يعتمد من جهة
أخرى على
المستويات
المتفاوتة
لحضورنا
أمام
الأشياء.
بمعنى آخر,
يعتمد
الواقع, إما
على عتمة
نظرتنا, وإما
على شفافية
التجلي
والذي
بتوسعته
اللامتناهية
لحقل
الاحتمالات
يكشف عن
الإجابات
العليا
تاركا إياها
من جهة أخرى
تبدو كما هي. هل
يخضع مثل هذا
التجلي
حتميا لذات
الشروط
المكانية
والزمانية
التي تتحكم
في الحالة
المدهشة
لعالمنا
الحساس? يضاف
إلى هذه
النظرة
النافية حيث
تختلط
السخرية بما
فوق الواقع
خلجات من
الشفقة
والرأفة:
فالشاعر
منجذب بنظرة
تتفهم العبث
الضروري
للوجود
محاولة
حمايته,
مساندته
وحبه (لا
اضحك عندما
ينفجر بالون)
(لا اضحك
عندما تشق
فلسفة القمر
نصفين). هذه
النظرة لها
أصالة تلك
التي في
السابق تنكر
فراغ الواقع
لتحل مكانه
واقع الحلم.
والموقع
الذي تلتقي
فيه كلتا
النظرتين,
واحدة تدحض
عبث الشيء
والأخرى
تشهد عليه,
وبالعكس
فالوجود هو
بالتحديد
نقطة التقاء
هذا اللغز
المتفتح
مثلا في
الابتسامة
الغامضة
لبوذا. هذا
الموقف
المتناقض,
والذي من جهة
يكشف الفراغ
الجوهري
للأشياء, ومن
جهة أخرى
يتركها
تنغلق كما هي,
مساندا
ومشجعا لها
على ذلك,
هاتان
الحركتان
المتكاملتان
للشد
والتراجع,
للتأكيد
والنفي,
للدفع
والجذب هو ما
يشكل الملاذ
الأخير,
المظهر
المدهش
للغز
بمقداره
الرهيف
كجوهر الحلم
ينسج الشبكة
اللامتناهية
للأشياء. إن
في تلميح
سبهري
الموجز الى
نفاق وسطحية
المشرعين
يتخفى أيضا
صراع قديم في
الأدب
الفارسي وضع
وعلى مر
الأزمان
المفكرين
الأحرار أو (الإباحيين
الملهمين) في
مواجهة
مفوضي
السلطة من (المحتسبين)
والمراقبين
والمفتشين.
هذا التعارض
حري بعدة
مستويات من
التطبيق: على
مستوى
المعرفة,
سيكون صراع
العقل والحب,
على مستوى
السلوك
الأخلاقي هو
صراع
المفتشين ضد
الفاسقين
الملهمين (المتصوفة),
وعلى مستوى
الدين,
وبالمعنى
الواسع
للكلمة
سيكون
الصراع بين
الطريقة
والشريعة. إن
كل فارسي
مثقف, يعرف
وبالتجربة
العتيقة بان
أية مزايدة
أصولية في
الشريعة,
تغشي النفس
اكثر من
إيقاظها.
وهذا
الاعتداء
يصبح متعصبا
إلى درجة أن
الدين ولعدم
رضائه عن
دوره
التقليدي
يجهد في
التحول
إضافة إلى
ذلك إلى
أيديولوجية
سياسية. ان
سبهري ليس
غنوصيا, إنه
كائن عميق
التصوف,
والصوفية
التي
يعتقدها
والتي خاض
تجربتها هي
تلك
المرتعشة في
أشعار جلال
الدين
الرومي وفي
النظرة
الرؤيوية
لحافظ و في
السكر
المدوخ
للخيام. ونواجه
هنا مسألة
أساسية: هل
سبهري متصوف
بالمعنى
التقليدي
للكلمة ?
نعتقد بان
الإجابة
بالنفي: هو
كذلك
بطريقته
الخاصة,
ولكنه طفل
عصره إلى حد
لن نتمكن من
وصفه
بالمتصوف
التقليدي,
كما هي حال
بعض
متصوفتنا
الذين
يتبعون بلا
عناء
السلسلة
التراثية
المتتالية.
إن لدى سبهري
توحدا لطيفا
بجميع
الكائنات
وميلا يقارب
الاحيائية
والتي
بفعلها
تنتشر الروح
فيما لا يحصى
من مجموعات
كوكبية
حاضرة في كل
الأشياء: في
الوردة التي
تصبح جهته
إلى مكة في
هذا النبع
الجاري الذي
يصبح غطاء
لرأسه في
الصلاة في
نبض النوافذ
الذي يصبح
وضوءه وفي
هذه الكعبة
التي في كل
مكان, على
حافة الماء
وتحت أشجار
السنط, كما
هي في المدن
والحدائق,
بينما حجره
الأسود
الليلة
المنيرة
للروح و(الإشعاع
الحي للأرض). الشاعر
يتناثر في
غبار الحاضر,
كل شيء هو
وسيلة لعيد
الظهور, الكل
يصبح مرآة
عاكسة لأحد
المظاهر
المتعددة
للكائن, كما
لو أن فعل
حضوره في
العالم
يشاركه فيه
الكون
بمجمله. هذه
الرؤية
المسماة
بوحدة
الوجود, حيث
يتوحد
الكائن تقدم
الكثير من
التجانس مع
الاتجاه
التقليدي في
التصوف وعلم
الكلام
الإيرانيين
ولكن يضاف
إليهما هنا
مظهر خاص
بسبهري
بذاته وهو ما
يؤالفه مع
تقديس
الطبيعة كما
نجده عند
المعلمين
الكبار لفكر
الشرق
الأقصى إن
نظرة الرسام
لديه تتحقق
في الأحداث
اللامنظورة
التي تسكن
عالمنا
المحيط:
الانبثاق
العفوي
لتويج
الوردة,
طيران
النزوة لدى
الطائر الذي
يحط بخفة على
غصن, التسرب
المتلاشي
لجدول ماء
رائق, رائحته
تستشعر
الرطوبة
المعطرة
بمطر طازج,
العبير
المتناثر
لذبال
الغابة
المنتشر في
الهواء. إن
أذنه حساسة
لأشد
الأصوات
خفوتا,
ولأكثر
الهمسات
غموضا:
كالخفقان
اللامسموع
لزيز يستيقظ,
أو (انسياب
القرنفل في
تموجات
الفكر) أو
(الاهتزاز
الرهيف
للمادة), أو
غناء عصفور: (اصغ
انه الطائر
الأبعد في
العالم, ذلك
الذي يغني !)
وهذا النوع
من الاحتفاء
بالطبيعة
غريب على
الشعر
الفارسي,
والذي يبقى
رغم تدفقاته
الغنائية
وحماسته
الاسطورية
شعرا اكثر
انفتاحا على
الشحنات
العاطفية
للإيقاعات
الوجدانية,
اكثر من
حساسيته
تجاه
الإدراك
المرهف الذي
تفصح عنه
الأشياء هذا
التوجه
الطبيعي لدى
سبهري نحو
الطبيعة
ستدعمه
اقامته في
اليابان
ودراسته
للشعر والفن
الصيني
والياباني.
إن في
مجموعته (شرق
الحزن) والتي
كتب قسمها
الأكبر في
اليابان,
مقاطع ترسم
لنا الجو
المدهش
للهايكو
الياباني. ولكن
فترة
الاختمار
والبحث ستجد
ذروة
اكتمالها في
مجموعته (فضاء
أخضر) وهي
ذروة رؤيته
الشعرية
للعالم. يسمي
سبهري هذا
العالم (الواحة
في اللحظة)
أو
بالفارسية (هيجستان)
أي (لا مكان)
والتي خلفها
(تبقى مظلة
الرغبة
مفتوحة
دائما) و(حيث
ظل شجرة البق
يمتد حتى
الأبدية). و
الهيجستان,
ارض
اللامكان
التي كونها
الشاعر ليست
المقصودة
بالمفهوم (نا
كوجا آباد)
بلاد لا نعرف
أين, والتي
أبدعها في
القرن
الثاني عشر
الفيلسوف
الصوفي
السهروردي
مؤسس مدرسة
الإشراق. هذا
المفهوم
يرمز إلى
الطقس
الثامن. ارض
الصور
المعلقة
بمعنى عالم
الصور
النمطية و
ارض الرؤى,
وعن هذه
الأرض يقول
سبهري: هناك
خلف البحار
مدينة حيث
النوافذ
تفتح لفيض
الكائن ومن
على أسطحها
يتأمل
الحمام
إشراق
الصعود
البشري في يد
كل طفل في
العاشرة
يورق غصن
المعرفة حيث
الشمس شاسعة
المدى
كاتساع
العين في
صحوها
الصباحي. هذه
العين
المتسعة في
صحوها
الصباحي
تعبر
بالتحديد عن
عين ذلك
الكائن
المنفتح على
ارض الرؤى.
ومع هذه
الأرض يأتلف
مفهومان
ليشكلا
العنصر
المجرد
للطبوغرافيا
الشعرية
لسبهري: هما
الوقت
والصديق. في
هذا الفضاء
الشعري تمتد
اللحظة نحو
بزوغ الحدث,
والحدث هو
نفسية أو (حال),
حضور منفتح
على (الوقت).
الوقت هو هذه
اللحظة حيث
الزمان
والفضاء
ليسا سوى
وحدة
متلاحمة
لأرض الرؤى. وعلى
هذه الأرض
المفتوحة
على الفضاء
الخلفي (المكاشفة),
وفي هذا
الوقت حيث
يتأمل
الشاعر (عقارب
النافورة
تبعثر الوقت
على ميناء
الحوض) وحيث
يهب نسيم
الصديق (ناشرا
الدهشة
تويجا..
تويجا). في
هذا الوقت
المستدير (كجسد
طائش لحمامة
فجأة هناك)
بمعان أخرى
من حيث
تأتيني
رسالة
الصديق. في
شعر سبهري
طبوغرافيا
من (الفضاءات
الخلفية),
كفضاء ما خلف
البحار,
وفضاء ما بعد
ختام
الأصوات, خلف
جدران اللبن,
خلف الأسيجة
والعرشان
الشبكية.
فالفضاء
الخلفي هو
الخط الفاصل
بين أرضنا
الجغرافية و
أرض الرؤى,
أي أرض (اللامكان)
حيث يقيم
الصديق. انه
الجسر الذي
يقذفنا (حتى
الصخرة
المستحيلة
للصديق),
أنها (العتبة)
وهي كذلك
الثغرة
الشاغرة
للحديقة حيث
تتناغم شجرة
الصنوبر,
الفزع, و
ذاتي). العشرون
قصيدة التي
تشكل مجموعة
(فضاء اخضر)
تتحرك في هذا
الجو شبه
السحري
للانتظار
المقيم في
الفضاء الذي
يفصل (جفون
الليل) عنوان
القصيدة
الأولى و(النبض
الرطب للفجر)
عنوان
القصيدة
الأخيرة في
المجموعة.
أليس كل شعر
ليس سوى بحث
عن صديق في
عالم غاب فيه
الصديق ?
ولكن نحو أي
حقل مجهول
يدعونا هذا
الصديق ? انه
نداء للعودة
إلى الجذور,
عودة إلى (النافورة
حيث تنبثق
أساطير
الأرض) وعلى
سؤال الفارس
أي (رسول
القاضي))
يجيب عابر
يحمل غصنا من
النور بين
شفتيه: ليس
بعيدا عن
الشجرة في
زقاق كثيف
الشجر أشد
خضرة من حلم
الإله حيث
الحب أعمق
زرقة من ريش
التفاني تذهب
إلى أقصى
الدرب المنبثق
من وراء
البلوغ, ثم
تعود إلى
وردة العزلة وعند
خطوتين من
الوردة
تتوقف قرب
النافورة
حيث تنبجس
أساطير
الأرض هناك
سيرجفك فزع
شفاف, و
في الألفة
المتموجة
لهذا الفضاء
المقدس ستسمع
حفيفا: سترى
طفلا يقيم في
أعالي
صنوبرة
منسولة
الورق به
توق لافتتان
حضانة عش
النور ستسأله: أين
دار الصديق ?. كأن
جميع
الثيمات
الأساسية
للطبوغرافيا
الشعرية
لسبهري
تكثفت في هذه
القصيدة. نحو
نافورة
الأساطير
يدعونا
الصديق. ولكن
ماذا ستفعل
بنا
الأساطير ?
لقد أسست
الأسطورة
العالم, انه
لا يجيب على
سؤال (لماذا ?)
ولكن على (من
أين ?) يعني
على سؤال
الجذور
إن
الأسطورة
بتأسيسها
العالم
جعلته قابلا
للسكن,
والشاعر
مستجيبا
لنداء
الصديق
وللفعل
الكوني
لتأسيس
العالم من
جهة
ولاكتشاف
نواة
كينونته من
جهة أخرى.
وفي نقطة
الالتقاء
بين الاثنين,
يؤسس الشاعر
عالمه ويبني
بيته. إن
معظم
المفكرين
والشعراء
المعاصرين
الكبار سواء
تي.اس. اليوت ,
والاس
ستيفنز,
ريلكه, رينيه
شار, هايدغر,
بوبر, غوستاف
يونغ, أي.
نيومان,
يجهدون
لاكتشاف - في
ظل غياب
الألوهية
وعلى أنقاض
المعايير
الثقافية, في
هذا العالم
الذي تحول
الى صحراء (ارض
خراب) - أساس
قادر على
تأسيس
عالمنا
المخيب
للآمال !
سواء كان ذلك
في (النقطة
الجامدة
للعالم
الدائر)
لاليوت, او
في الفكر
الاحتفالي
لهيدجر, او
في (النسغ
الخالد)
لريلكه, ام
في الانبثاق
الجديد
للاوعي
الجماعي
الذي يتحول
إلى بركاني
في عالم مهشم
الرموز
ومحطم القيم,
نلتقي دوما
بذات الجهود:
جهد لتجاوز
العدمية
الصدئة
لعصرنا
ولاكتشاف
مصدر جذر
لغبار
المعرفة
الذي يتراكم
بعضه فوق بعض. في
هذا السياق
يكتسب
الشاعر (دورا
عموديا) كما
يقول لنا
ستانلي
رومان هوبر
مستشهدا
بأبيات
للشاعر اودن,
دور إذا
أمكنني
القول ينحى
باطراد نحو
الميثولوجيا
ناهضا في
الأعالي,
وحيدا في
مواجهة
المصير, تخلت
عنه الآلهة
الهاربة,
يخدمه مهد
أمومة
الطبيعة, على
عاتقه إعادة
تأسيس عالم
بالبحث
المباشر في
المصادر
الحية
لذاكرة
منسية, ذاكرة
شبيهة في
شحوبها
بشحوب الوجه
الباهت
لأصنامنا
الحالية. وسواء
أكان عصرنا
هو (عصر
الخيبة) أو
عصر
الانتظار, أو
ليلة معتمة
للروح, فهذا
لا يبدل من
الجوهر,
فالشاعر أو
المفكر
عليهما
لوحدهما
إكتشاف ما
اسند إليهما
منذ البداية:
رسالة
الصديق
والنافورة
التي تنبثق
منها أسطورة
الأرض . هذه
الأصوات
التي يعيد
الغرب
اكتشافها (ولكن
وبدون شك هل
هناك غرب
مختبئ لا
ينساها
البتة ?) بعد
معاناته
لأهوال
الوعي الشقي,
بعد مسحه كل
المآسي التي
خضع لها (حيل
العقل) وبعد
ان عاش حتى
أعماقه
تجربة
العدمية,
إنهاء
التعبير
الرمزي,
والتخلص من
الميثولوجيا
دلالة واضحة
على التجديد
وفي ذات
الوقت دلالة
على الأمل. بيد
أن هذه
الثيمات
المعاصرة
جدا والحية
جدا, كانت
وباستمرار
موجودة في
إيران وما
تزال في
أيامنا هذه
تعيش حياة
سرية رغم
الأخطار,
الخارجية
والداخلية
المهددة
لوجودها. الرسالة
المتفردة
للأدب
الإيراني
الرفيع لم
تعرف أبدا في
الغرب, موضوع
الجذور الذي
يشغل الغرب
في يومنا هذا
كان قد كتب
وأعيدت
كتابته, عاشه
المجتمع,
وجرب حتى
الدوار من
قبل شعراء
إيران
الكبار.
وثيمة
الصديق تبقى
المحور
المركزي
لفكر حافظ.
فهناك
طبوغرافيا
للفضاء حيث
يموت الصديق
في الثنايا
المتموجة
لفكره, في
حديقة قلبه
الساحرة, وفي
الأزقة التي
تضيع في
متاهة
الدوار. حافظ
خالق مؤسس
حين يعلن
بمباهاة: (تعال
لنغلق القبب
السماوية
ولنؤسس
قاعدة بناء
جديد). أول
أبيات مثنوي
الرومي تبدأ
بنداء جارح
للناي, وبه
لوعة الغريب
لاكتشاف
أرضه وهو
بعيد عنها في
غربته. انه
لمن المفيد
بدون شك
متابعة كل
جغرافية
الرؤية لدى
كبار
الشعراء
الفرس,
والكشف عن
مدى راهنية
رؤاهم
ومطابقتها
لزمن الشدة,
ومن المفيد
أيضا
الإشارة إلى
مدى تشابه
عالمهم مع
الإبداعات
المذهلة
للصوفية
التأملية.
وبدون أن
نقصد مقارنة
ريلكه
بسبهري, نقول
أيضا بأنه في
آخر أعماله
يبحث سبهري
في التفكير
شعريا, بمعنى
بالبنيات
ذاتها التي
تفرضها عليه
الرؤية
الشعرية
للعالم
مستمدا
إلهامه من
الفكر
المشدود إلى
أقصاه, من
عفوية
الحالات
العاطفية
للذات, انه
يحاول بمعنى
آخر التحرك
في مناطق
يقترب فيها
الفكر
والشعر من
بعضهما, حيث
لم يعرفا
الطلاق الذي
فصلهما فيما
بعد. ولكن
هناك عقبة
يصطدم بها
سبهري, وهي
مشكلة اللغة
الفارسية,
التي تميل
كثيرا إلى
غنائية
الحالات
الشاعرية
والتجانسات
الصوتية
للملحمة. واللغة الباطنية الصوفية تصر بعض الأحيان شاكية الاستبداد الذي يفرضه سبهري في أعماله الأخيرة. فالشاعر يلوي بشدة أوتار اللغة حتى لنخشى انقطاعها في أية لحظة ورفضها خدمة قيثارة وحيه. باختصار فالمشاكل التي يصادفها سبهري, هي من جهة إمكانيات اللغة الفارسية - فإذا كان للفارسية مصادر لا محدودة, فلها كذلك حدودها, وانه أمام هذه الحدود يقف سبهري - ومن جهة أخرى يتلمس الطريق لشعر غير مؤكد لم يجد وسيلة التعبير | |||||