كتاب جزر الأنتيل
  ونص سان جون بيرس
ألاعيب البناء والتحري عن شجرة النسب

فيرونيك بوني - ترجمة : بنعيسى بوحمالة
مترجم وكاتب من المغرب


قليلون هم المبدعون الفانون الذين خلدت حظوتهم الاعتبارية, عن جدارة واستحقاق, في الوجدان القرائي العام لمواطنيهم وغير مواطنيهم على السواء. لذا فإن تبادر ثلة من المعجبين الفرنسيين والأجانب, دارسين وباحثين ونقدة وقراء من الصفوة, وذلك منذ سنوات خلت, بإطلاق مشروع »مؤسسة سان جون بيرس« والائتلاف ضمن حلقة اختيرت لها تسمية »جمعية أصدقاء سان جون بيرس«  مع إصدار مجلة متخصصة في تراثه الشعري تدعى »نفحة بيرس«, فإن هذا المسلك الثقافي, بل الحضاري, لدليل سيان على المكانة الرمزية المرموقة التي يحتلها الشاعر مقارنة مع شعراء آخرين, فرنسيين وغير فرنسيين, أو على الاعتناق الصميم, الذي يوحد ثلة المعجبين هاته, لثراء الشعرية البيرسية وغور أسئلتها البنائية وكشوفاتها الموضوعاتية وتحققاتها الرؤياوية..

إن هذا الاحتفاء ليس مخصوصا لأي  كان وإنما هو مرتب لأحد أوزان الشعراء الرمزيين وأرقاهم في النصف الأول من القرن العشرين, أحد أشدهم شكيمة من حيث اجتراح السجلات اللغوية الباذخة وطرق الموضوعات العصية وابتكار الأخيلة البعيدة الشأو. ولأن خبرته الشعرية على قدر عال من التراكب والتعقيد, إن على صعيد التوسل الأدائي أو من حيث كيفية بناء الاستبصارات وتدبير شأنها الشعري, فإننا نلفيها ذات قرابة ملموسة بمجموعة من الشعريات المتقدمة: فهي تتماس مع الأفق الشعري الذي انضوى إليه نداه الرمزيان الشهيران, جان بول فاليري وبول كلوديل, مقدار تماسها مع القارة الشعرية الوعرة, الخطرة, واللاهبة التي استوطنتها مخيلات شعراء ألمان ونمساويين مشهود لهم بالاقتدار الشعري, من عيار فريدريش هولدرلين وجورج تراكل وراينر ماريا ريلكه, هذا من غير إغفال تصاديها / تفاعلها الثابت مع المتخيل الشعري السريالي الفرنسي, الذي هو متخيل جريء واقتحامي, وبخاصة مع نصوص بول إيلوار وجان ب ولان وروبير ديسنو.

إن الأمر يتصل, بتعبير مواز, بالشاعر ألكسيس سان ليجي (1887-1975), المعروف في الأوساط الشعرية والثقافية باسم الشهرة سان جون بيرس, وريث التقاليد الأرستقراطية المفطور على زبدة النبالة الفكرية والأخلاقية الفرنسية, رجل الدبلوماسية المتأنق, المحنك, واللبق, والسائح النبيه في أمصار المعمورة, صاحب المجموعات الشعرية ذائعة الصيت: »مدائح« 1911, »سفرة استكشافية صوب الدخيلة« 1924, »منفى« 1944, »رياح« 1946, »منارات« 1957, »طيور« 1962, »نشيد من أجل ربيع رائق« .1971. إضافة إلى ما خلفه من دراسات ومترجمات ومقابلات صحفية ومراسلات فائقة القيمة, والحائز على جائزة نوبل للآداب - عام 1960 - كتتويج عالمي لجهده الإبداعي الاستثنائي.

إن شعره يتلامح محفلا لقلق أنطولوجي موجع, لوحدة وحنين روحيين ممضيين, ورغبة عارمة في التجذر الكياني في أرض شعرية - رمزية بعيدة المنال, أما مهمة القصيدة فهي محصورة, من منظوره, بين حد ين اثنين متكاملين هما: تمجيد الكينونة الإنسانية وتبجيلها ثم التعرية عن دواخلها وإنارة عتماتها. لقد استطاع بذهنه الشعري المفتوح على التيارات العقدية والفكرية الكونية أن يلتقط, بفطنة لا يكاد يضاهيه فيها إلا  الشاعر الأمريكي عزرا باوند, النبض الحي لروحية الشرق الأقصى العتيق ويدمجه في صلب قصيدته, الموصولة في الجوهر بخلفية إيمانية مسيحية وثقافية إغريقية - لاتينية, جاعلا إياها بمثابة مطهر رمزي للذوات والأشياء والأزمنة والتوض عات والمصائر.. بمثابة نشيد نشوان / أليم يبدد كثافة ليل العالم ووحشته المطبقة.

و إذ تهيأ له أن ينجز كتابة شعرية تبرهن على مسؤولية ومراس  وعلو  كعب لم ينصرم سوى ردح من عمره الشعري المديد حتى تخطت سمعته الشعرية النطاق الفرنسي المحدود واخترق صوته الشعري الكثير من الآداب الوطنية الحديثة, الأوروبية والأمريكية واليابانية والزنوجية - الإفريقية والعربية (تأثيره في شعراء تجمع مجلة ؛شعر؛, أدونيس على وجه التحديد).

و عليه فإذا ما كان شعره قد أرخى بظلاله على أرجاء مترامية من الكرة الأرضية فما بالنا بجزر الأنتيل التي شاءت الصدفة أن يولد سان جون بيرس بجزيرة الغوادولوب التي تشكل, بمعية جزيرة المارتينيك وحفنة من الجزر الصغيرة المتناثرة, إقليما فرنسيا لما وراء البحار يسمى بجزر الأنتيل الفرنسية, وإذا انتماؤه الفعلي, بقوة الجغرافيا والتاريخ, إلى سلالة »الكريول« Créole أو »البيكي« Béké, أي سلالة السكان البيض الذين ولدوا في ذلك الأرخبيل المداري الهاجع في لجة بحر الكاريبي ويتعايشون مع أحفاد العبيد الأفارقة الذين تم استقدامهم مكرهين, في غضون موجة التهجير الرهيبة والمشينة التي شهدتها القرون الماضية القريبة لتول ي أعمال السخرة في العالم الجديد.

لهذا الاعتبار لربما كان أدباء جزر الأنتيل السود: شعراء وروائيون وقصاصون.. أولى من غيرهم للاعتناء بتراث سان جون بيرس ومعاودة قراءته ومساءلة قضاياه والتموقف من تداعياته وآثاره. فهو لم يكن شاعرا فرنسيا حديثا كبير الشأن, رفيع الطراز, وكفى, بل وشاعرا ترعرع بين ظهرانيهم وأمضى القسط الأوفر من حياته في أرضهم/ أرضه, معنيا بتقاليدهم وثقافتهم, مصغيا إلى أحلامهم وتطلعاتهم. إنه إذن, فضلا عن هويته الشعرية الناجزة, واحد من ألوف البيض الذين يؤججون بحضورهم في ذلك الصقع التخومي, الذي قر  مزاج الدوائر الاستعمارية الفرنسية على بقائه, في معاكسة صارخة لمجرى التاريخ, كما جزيرة الر يينيون في المحيط الهندي وجزيرتا تايتي وكاليدونيا الجديدة, أو ما يعرف بب ولينيزيا الفرنسية, في المحيط الهادي, إقليما فرنسيا يتعايش فيه, طوعا أو قسرا, خلف المستعمرين البيض مع الأهالي السود, المأزق الحضاري والثقافي الشقي اللصيق بعلاقة الأبيض مع الأسود, وهو المأزق الذي عاركته أجيال من المثقفين السود, سواء الأفارقة منهم أو الأفرو - أمريكيين, كما انكب  عليه, من بين المثقفين الأنتيليين, الكاتب والطبيب النفساني اللامع, فرانز فانون مؤلف »معذبو الأرض« و»جلد أسود, أقنعة بيضاء«, والذي بلغت به عاطفته العالم ثالثيه المناوئة للاستعمار والميز العنصري والاضطهاد حد  الانخراط في صفوف جبهة التحرير الجزائرية في إبان سني الثورة.

إن ورطتهم القدرية فيه كشاعر وكمواطن, إن شئنا, ما كان لها إلا  أن تموقعه في بؤرة السؤال الأدبي والثقافي الأنتيلي, سؤال الهوية والجدارة, التماهي والقطيعة, بل وفي اللب من الشاغل السياسي والمجتمعي الضاغط على تفكير الإنتلجنسيا الأنتيلية منذ مطالع القرن العشرين, شاغل المواطنة الحق: هل نحن سود فرنسيون أم ترانا أفارقة أنتيليين?

لكننا ونحن نتحدث عن أدباء جزر الأنتيل يلزم أن ننبه إلى كوننا لا نتحدث عن أدباء كسيحي القريحة والخيال, بمعنى عن أنصاف أدباء, وإنما حديثنا عن أدباء حقيقيين أخذوا المسألة الأدبية مأخذ جد وأعربوا عن دربة ودراية بالغتين بدواليب اللغة الفرنسية, بل وحتى اللغة الإنجليزية, وأدرك بعضهم مراتب مشر فة في سل م العالمية الأدبية. حسبنا أن ننوه, في هذا المضمار, إلى ثلاثة أسماء أساسية ومشعة في الأدب الأنتيلي المعاصر: إيمي سيزير, أحد أعمدة الثالوث, الذي يضم أيضا الشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور والشاعر الغوياني غونتار داماس, المؤسس لنظرية الزنوجة, الشاعر السريالي الذي لم يتمالك أندري بروتون نفسه وهو ينهي قراءة ملحمته الشعرية الفذة, »كراسة العودة إلى مسقط الرأس«, في وصفها بأنها درس بليغ في التخييل السريالي, وإدوار غليسان, أحد ممن كرسوا جدارة النص الشعري الأنتيلي, بل وأضافوا إلى الشعر الفرنسي إجمالا, في عقر لغته ومتخيله, إضافات حاسمة لا تنكر, ثم ديريك والكوت, الشاعر والروائي الذي يكفينا استذكار واقعة فوزه بجائزة نوبل للآداب, لعام 1992, مما يمكن احتسابه تحية رمزية موجهة للأدب الأنتيلي برمته وتثمينا معنويا لجهود سائر الفاعلين فيه, لندرك أهمية تجربته الأدبية ومدى أصالة موضوعاتها وجمالياتها.

حول ماهية النص الأدبي الأنتيلي وموجوديته وحدوده.. صفائه وهجنته.. طرائق التشييد النصي وتقنيات الإعمال التخييلي.. أو لنقل حول زوايا النظر المتباينة إلى هذا النص, وضمنيا بصدد علاقة كت اب جزر الأنتيل بنص سان جون بيرس: محطات هذا التعالق وتمفصلاته البارزة, مفاعيل النص البيرسي في النسيج الشامل للمتن الأدبي الأنتيلي.. وفي كلمة واحدة حول مناحي تدب ر ما يمكن دعوته بعقدة سان جون بيرس في الوعي الأدبي الأنتيلي الراهن تدور هذه الدراسة لفيرونيك بوني, والمقتطفة من مجلة ؛نفحة بيرس« - ع 8 / يونيو 1998 - التي تشرف عليها الناقدة البنيوية والسيميائية الفرنسية المعروفة جويل تامين.

؛يعد سان جون بيرس الأكثر أهمية من بين الشعراء الأحياء ؛, هذا ما كتبه غليسان عام 1969 في مصنفه, »الانتواء الشعري« (1). وبإحالته على هذا الشقيق الأكبر, الطاعن في القدم, وترتيبه لنوع من معترك بدني مع شعرية سان جون بيرس يدشن غليسان, من حيث يقصد أو لا يقصد, منحى لم يتوقف, في غضون العقود الموالية, عن التوسع والتجذر في نسيج الآداب الأنتيلية. ولعلهم قلة, في أيامنا هذه, الكت اب الكاريبيون مم ن يكتبون باللغة الفرنسية ولا يحيلون, بهذه الكيفية أو تلك, على سان جون بيرس (اسمه الحقيقي أليكسيس سان ليجي) الذي سوف يتمتع, وإن رمزيا, بمواطنة مسقط الرأس. فقد جرى الانعطاف به عن منبع إبداعه الأصلي وبقدر ما يلازم نثره نثر كثيرين أتوا بعده لم تكف  لغته الشعرية, من جهتها, عن تغذية جملة من الكتابات, ومع ذلك, وعلى منوال ما توضحه ماري غالاغير (2) فإن إنسية الشاعر البيضاء الأنتيلية, بل وسمته الأنتيلية القحة, ما فتئتا تطرحان أكثر من إشكال وإلا  كيف يمكننا تبرير الحضور المكرور لتمظهرات بيرسية شتى في الأدب الأنتيلي الجديد? وأيضا كيف نستطيع حصر الشعريات التي تجعل من هذه التمظهرات قرينة رمزية لها?

و سيان تعلق الشأن بالكتاب أو بالنقاد فلطالما خاضوا في حيثيات انبثاق أدب أنتيلي وفي ملابسات تعينه غير متلكئين في إقامة حججهم وبناء دفوعاتهم انطلاقا من مفارقة, ولو أنها مقلقة نسبيا, بحيث إنه في الوقت الذي يصرح فيه, على سبيل التمثيل, كل  من بيرنابي, شاموازو, وكونفيان قائلين: « لا وجود لأدب أنتيلي بعد, فنحن ما زلنا في وضعية ما قبل أدبية, نعني وضعية إنتاج كتابي يفتقر إلى متلقين في عين المكان, أي محلي ين, يمكنهم الإسهام في معادلة المؤلفين / القراء الكفيلة بإنضاج أيما أدب« (3). من المحقق أن محفلا, أو رأيا عاما, قرائيا, قد نشأ إن في جزر الأنتيل أو في الميتروبول قد يسعف على تكريس تقليد القراءة, بما هي واحدة من الأولويات المسطرة, ولم لا تلبية أوفى مما هو مؤم ل, لكن, وعوضا عن بلورة تفكير في ما يمكن حسبانه عدما تخي ليا لربما كان من اللائق, بل الأجدر, افتحاص سبل وصيغ تأسيس تراث أدبي يعثر على أهليته في العديد من الألاعيب البنائية المواربة التي تمثل, في الآن نفسه, جملة من الرهانات الغاية منها انتزاع موقع محدد داخل الحقل الأدبي. وللعلم فلكي يتم استحصال استقلالية ما وتحقيقها بإزاء أدب مرجعي ذي طبيعة هيمنية يلزم الأدب الوليد أن ينضوي على علاقة فرعية, مرتضاة أو محترز عليها لا فرق, مع الأسلاف الأدبيين, ومن هنا, ومثلما نص  على ذلك الكت اب والمبدعون المحسوبون على الإنسية البيضاء الأنتيلية, فلا مفر   لهذا الأخير من استحداث أسلافه الخاصين (4) والعمل, أحيانا, على قولبتهم ضمن شعاريته.

هذا إذا ما كان الغلاف التركيبي لأي  ثقافة كانت, والثقافة الأنتيلية في المقام الأول, من الأمور التي لا يعترضها الشك, فإنه لمن الملائم أن ننكب  الآن على جس  نبض العناصر التكوينية لهذه الثقافة واستبارها, ما دامت لا الخطابات ولا النصوص الأدبية لا تلح على تبنيها واستغلالها, والكشف سواء عن الخيالي أو عن تخييلية هاجس التحري عن شجرة النسب في ثناياها.

في هذا الاتجاه بالذات سوف لن يتقاعس ريجين روبان عن الجزم بحيوية متطلب كهذا, إذ ؛عندما يهم  الأمر الثقافة الخالصة المسماة إمبريالية فإن كافة الأشياء تتخذ لبوسا تخريبيا, وتصبح مادة تستوجب الإبقاء على مسافة واقية منها, لكن حالما نقوم بالنبش في ثقافة الآخرين, أولئك الذين لا يتوانون عن هدم ما هو خيالي تشرع كل  الفرضيات ذات الصلة بجوهرية الاختلاف في تلمس فضاء يسنح لها, في آخر المطاف, بإبداء التقدير, التام غير المنقوص, للثقافات المغايرة « (5). وبالنسبة لمناوئي فكرة الجوهرية فأن تكون هناك نزعة أنتيلية وأخرى تعبر عن الإنسية البيضاء الأنتيلية فإن الحركتين كلتيهما - والثانية بوجه أخص - تحكمهما, بما يكفي من الوضوح, تطلعات ملموسة إلى مواراة الأبنية المعاد تشييدها, هذه الأبنية التي تقترح, مرات كثيرة, مجموعة من الترسيمات التحديدية الملزمة بوصفها منجزات أو قيما لا غبار عليها مع أن الحاجة الموضوعية تقتضي وضعها, من قبلنا في أضعف الأحوال, موضع تدقيق واختبار.

عن توظيف سان جون بيرس في بناء الخطابات والشعريات الأنتيلية:

ما نعنيه بالخطابات الأنتيلية هو جماع الكتابات النقدية والتلقينية التي أنتجها كت اب جزر الأنتيل: دراسات, مقالات, وأنطولوجيات, وبأخذنا في الحسبان درجة الانفجار التي عرفتها الأجناس التقليدية المرفوع سهمها من لدن غليسان متبوعا بكل  من شاموازو وكونفيان يغدو في مكنتنا إدراج كل  التضمينات المتسربة إلى النصوص الخيالية والمقاطع التلقينية, التي تعالج موضوعا بعينه وتعمل في نفس الوقت على تطويره منهجيا, بمقولة الخطاب. وفي هذا الباب حقيق بنا أن نشير, بدءا, إلى أن مختلف الخطابات الأنتيلية تكاد تتساوى في ولائها لما يصح نعته بقضية الرفض والاختلاف في إطار وضعية فرانكفونية محلية معطاة (6). وبالفعل فتحت يافطة العلامة المثناة: المواجهة والاختلاف سيقوم غليسان, انطلاقا من ؛الانتواء الشعري؛, بتشخيص علاقته بسان جون بيرس وموضعتها في مكانها المناسب, ذلك أنه من بين سائر الشعراء المستحضرين في مصنفه هذا نلاحظ استئثار الشعرية البيرسية بنصيب كبير من الحدب والمساءلة في حين يصبح صاحبها مدعاة للاحتراس إن لم يكن أكثر الشعراء استجلابا للنفور. وبمنأى عن أي  انبهار سافر يعمد غليسان إلى تسليط الضوء على مجموعة من الاختلافات, المختلفين ضمنيا, جاعلا منها موضوع تأمل ناضج وحصيف باعتبارها مجموعة من الانزياحات الدالة على بناء خطاب أنتيلي مسخر لخدمة شعرية مخصوصة.

ضمن هؤلاء المختلفين قد لا يتعذر علينا أن نعزل منهم فريقا تكاد تتحول لديه فكرة الكونية, جراء طغيانها, إلى غريزة متأصلة (7), علما بأن غليسان لا يشاطر تماما فكرة الانطلاق الأدبي رأسا نحو الأفق الكوني, أضف إلى هذا أنه كان قد استقر للت و, ثانية, في جزيرة المارتينيك, إثر مقام طويل الأمد بفرنسا, في نفس الظرفية التي حر ر فيها ؛الانتواء الشعري؛. »إن الانسلاخ عن الجذور لا يستهويني«, كذا قال ذات مرة, وأبعد من هذا ما قاله مرة أخرى: »إن حلم هيا ننصرف لا يليق برجل مثلي« (8), والخلاصة أنه سوف لن ينثني عن مغالبة فكرة الكونية الحاملة, وفقا لتحليله, لمطبات الشمولية والتعميم. ثم إن وثوقه من هويته الأنتيلية المتنورة سيمنحه حصانة ضد استشعار ذاته مختزلة في ترسيمات غربية تقع في منزلة بين المجرد والمدرك ويحفزه على مساءلة الأسس الاجتماعية - العرقية لشعرية سان جون بيرس.

من هذا الضوء سنراه يقايس المسافة التي يخمنها فاصلة بينه وبين بيرس, بل ويقر, دونما تحرج, بانتسابه إلى أولئك الذين يجسدون, في ديوان ؛مدائح«, الديكور البشري لطفولة الملك الصغير: »أنا لست غير واحد من تلك الوجوه الخامدة الطنين, المطلية بلون العنب الهندي وبالحزن« (9), وهي الجملة التي ستكتسب فيما بعد صفة المسكوكية والتسيار ويقع الاستشهاد بها من طرف زمرة من الكت اب الأنتيليين الذين انوجدوا, على الغرار منه, وجها لوجه مع الأثر الإبداعي لسان جون بيرس الذي بزغ نور حياته في نفس أرضهم لكنه ينحدر, بخلافهم, من سلالة البيض الأنتيليين (10).

هذه الوجهة المزدوجة, بمعنى عدم التنكر للشاعر وتخوبل لغته الشعرية حقها من العرفان والثناء, يمكنها أن تجسد مدخلا إلى تخصيب المتخيل النقدي الذي قد ينتظمها ويتقرى مغزاها. فالخطاب الأنتيلي يضع نصب عينيه, وبطريقة لا مراء فيها, سمة الشاعر الأنتيلية, الشاعر الذي يمتنع عن التصنيف والموزع بين محاولتين تسعيان إلى اختزاله وتنميطه: تلك التي تود اجتثاثه من تربته الأم (هو المترحل العميق), والأخرى المتحمسة لإبراء ذمته من انتمائه إلى الإنسية البيضاء الأنتيلية, من ذلك التذبذب الذي لا ينتابني شك في أنه كابد, في الخفاء, ويلاته « (11). وهكذا سينقلب, على نحو متنام, التبرم من الشاعر إلى تعاطف, وبالمثل ستلجأ الدراسات النقدية المتأخرة, بشكل ملموس, إلى إعادة تقييم أكداس من الأحكام والتخريجات ذات الطابع الإيديولوجي, أو الأخلاقي بعامة, التي شابت المقاربات النقدية السابقة.

؛إنه لم يطق لعب دور مستعمري العالم على شاكلة ما بدا لي لفترة طويلة ؛, يؤكد غليسان مردفا إلى هذا كون بيرس »يسربل شعرية العلاقة بروح رسولية« (12). وبينما كان يرى فيه »شاعر الجوهر وخاتمة نوابغ تحرير الأعمدة الصحفية« (13) كانت, بالموازاة من هذه المفارقة الأولية في طريقها إلى الحل ليغدو الأثر الإبداعي محط تنويه, بل وتحكيم على هدي من المعايير والمواصفات الأنتيلية من جهة ونظرية - شعرية العلاقة من جهة ثانية, هذه الأخيرة التي لا يتحقق اكتمالها, فيما يرى, غليسان, سوى توسط بصنيع أدبي لأسم تقوى رمزيته واعتباريته على تغطية أدب وطني رهن الانولاد, ويقوم فيها, أي العلاقة, مفهوم الجذمور (*), المقترض من جيل دولوز وفيليكس غاتاري (41), مقام الإبدال Paradigme المركزي.

إن ما قام به كل من باتريك شاموازو ورافائيل كونفيان من قراءة نقدية لهي من قبيل الشهادة على علاقة تنسحب عليها الإشارة التي أطلقها غليسان (15), وهو ما تدققه ماري غالاغير بقولها: ؛إن سان جون بيرس يعد من بين المؤلفين القلائل, المولودين بجزر الأنتيل, الذين يتم استحضارهم والتنويه إليهم ضمن هذا النص الوجيز ]في تقريظ...[ , الذي يفجر حركة الإنسية البيضاء الأنتيلية « (16). ففي ضوء عنوان الفصل المكرس للشاعر في كتاب »الآداب البيضاء الأنتيلية«, وهو »التيه في عالم متجذر« (17), تلزمنا, في الواقع, قراءة عنوان فصل آخر هو »شعرية العلاقة: تيه متجذر«, لكن بشرط ألا  تمسي الانعكاسات, التصاديات, والتلاعبات المرآوية, قناعا للوشيجة المستدقة التي تؤالف بين الكاتبين وبين ابنهما البكر والتي تثمر عينة من الافتراضات النقدية الخالصة, وفي تضاعيف هذه القراءة سنلقى, بطبيعة الحال, تلك الصفحات الثلاث, المكتوبة وفقا لتقنية كانتونية, التي تتحدث عن سان جون بيرس متوسلة بسارد من جنس ساردي السير الذاتية: فسان جون بيرس كل  من شاموازو وكونفيان, المستعاد من خلال كتابة مواربة يبدو منشدا إلى لغة ورؤية للعالم تؤولان إلى البيض الأنتيليين:

؛كانت الجزيرة ذات الأشجار المورقة حلما يتربع على البحر.

لقد اعتاد الأب, مع حلول كل  غسق, أن يدثر جسده بجلد قرد من فصيلة كاميرونية ويشرع في تفقد الأروقة السطحية لمقر سكنانا بينما إصبعاه يمسكان بسيجار كوبي. كان قوامه الشبيه بهيكل بغل أدهم يسبغ على مآتينا الكثير من النبل والاعتزاز, أم ا شفتاه فكانتا ترتعشان بمجرد سماعه لشدو طائر الآناوو, وهناك, في تلك النقطة المتنائية من المزرعة, كانت البهائم الآدمية الضخمة الصماء, ذات الشعر القصير المجعد, تمسح عن مداريها وسكاكينها الكبيرة ما علق بها من أوساخ في بركة صغيرة يمتزج في صفحة مائها طيف أجسادها مع ما يبثه القمر من ظلال« (18).

إن الاسترفادات الحرفية ستخضع, بالنسبة لغالبية مقاطع  ديوان »مدائح«, كما يبدو لتحويرات تمس صيغ التلفظ - إحلال ضمير المتكلم محل ضمير المخاطب - في حين سيحصل تغيير مواقع بعض الترصيفات اللغوية, وفيما يخص سيد الإقامة - الأب - فهو سيحظى بغير قليل من الإشادة, أو, بالأولى, القداسة, وهو ما تجسده الحروف الطباعية المائلة التي تميز اسمه عن باقي الأسماء وشخصه عن غيره من الشخوص, مما يتنافي والمقصدية الأسلوبية والتعبيرية التي يتوخاها الديوان. فما كان يستهدفه شاموازو وكونفيان هو اختلاق مصادفة بين العمل الشعري لبيرس وبين سيرته الحياتية ما دام كل  ديوان من دواوينه الشعرية يختص بتصوير فترة معينة من حياته. ومما لاريب فيه فإن ما كان يهمهما في هذا المساق, بالدرجة الأولى, هو طفولة الشاعر الأنتيلية ثم فترة النفي والاغتراب فكان أن وقع غض  الطرف, مثلا, عن حرمان الشاعر من حقوقه الوطنية في عهد حكومة فيشي, الشيء الذي يشوه النصوص يلحق بها ضررا فادحا ويسيء, كما لا يخفى, إلى صاحبها إساءة بليغة.

إن المنافحين عن الإنسية البيضاء الأنتيلية ويتمثلونها أدبيا غالبا ما ينحتون للشاعر موقعا, يمثل مزيجا من التغاضي والتواطؤ, في مساحة لوحة صفتها الثبات وتسيجها رؤيتهم, هم, للعالم, وليس إميل يويو (19) الوحيد في هذا النطاق, بل هناك آخرون لشد  ما ألحوا على لسانه الأبيض الأنتيلي متغاضين هكذا عن لسانه الفرنسي الأصلي, ([...]) فهو من يدع مفردات المعجم الأبيض الأنتيلي تزهر في لغته بل والروح البيضاء الأنتيلية تتفتق في أمدائها: وبالنسبة لي فقد سحبت قدمي«, ومن الواضح أن الجملة الأخيرة مصدرها استنساخ عبارة بيضاء أنتيلية تقول:  Mwem memm, man tiré pyé mwem, dann  ومؤداها »فضلت أن أذهب لحال سبيلي [...]«.(20)

فهذا التعبير الذي يستشهد به لا يويو ولا غليسان يملك, يقينا, قيمة شعارية بالنسبة للسان الأبيض الأنتيلي الذي لم يخل