العلاقة بين الأئمة والعلماء
وتطورات الدولة العمانية حتى نهاية القرن 01/61
قراءة في السير العمانية

عبدالرحمن السالمي
كاتب من سلطنة عمان


الأمة في كل شيء من الأشياء المنفرد به دون غيره, الثابت له حكمه من قليل أو كثير, و لو كان واحدا فهو أمة في ذلك الشي القائم له المنفرد فيه, و لو كانوا كثيرا فهم أمة, وليس معنى الأمة الكثيرة و إنما المعنى في الأمة الخلوص بالشيء, فمن ذلك قوله تعالى (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا و لم يكن من المشركين) فكان وحده أمة في قومه و الأمة اجتماع للإمام و المأموم«.

( الكدمي, المعتبر, 2: 152).

محددات العلاقة من منظور الفكر الإسلامي بين علماء الدين والإمامة أو المؤسسات الدينية والدولة أو المعرفة الدينية والسلطة متشعب ومتداخل مع جميع المدارس الإسلامية, بل هي قضية أشبه ما تكون عالمية تتداخل جميع الأديان فيها مع الأبحاث متوسعة فيها.  واوجه هذه العلاقة لنا نحن كمسلمين تبرز ملامحها منذ بدايات تكوين الفكر الإسلامي, فعلى سبيل المثال لو أخذنا مثالا بسيطا كيف نعرف الإمامة أو السلطة أو الدولة نحن كمسلمين سنجد تباينا واسعا في اوجه النظر بين مختلف المدارس الإسلامية كل يعرف هذا المفهوم بشكل متباعد ومختلف, مما يحدو بكثير من المسلمين الاستناد بتأصيل هذا الموضوع بالرجوع إلى بدايات الإسلام. i وبما أن اوجه النظر في هذه العلاقة في غالبها تتجه نحو التنظير والآراء في العموميات اغلب من تقنين هذه العلاقة بالحقائق التاريخية والواقع العملي.ii كما هي العادة وفي سائر المواقف من الأفضل أن نميز بين النظرية والتطبيق, فالنظرية تتمتع بالحرية وبامتلاكها لفضاء زمني واسع; وهي في العادة لا تأتي إلا متأخرة عن الواقع في حين أن التطبيق يتطلب تصرفا آنيا, وهو يخلق مباشرة. وخلال دراستي للسير في السنتين الماضيتين وهي تمثل أشبه ما تكون أرشيفا للتاريخ الماني, فتصوري كان جمع هذه النصوص وعرضها لتكوين صورة مبسطة حول هذه العلاقة من الجانب العملي, وأنا مدرك منذ البداية أن التقصي سيحتاج إلى استيعاب اكثر لكني اقتصرت في هذه الورقة على السير لأنها تضم مراسلات وكتابات للائمة والعلماء العمانيين. ومن اجل الإمساك بهذا الموضوع  يدعونا التساؤل ما هي إسهامات كل مذهب من المذاهب الإسلامية للمجتمعات الإسلامية والدولة?

إن التركيبة السياسية والاجتماعية في عمان دعمت الإمامة من حين لآخر حتى بداية القرن العشرين مما أثار اهتمام العديد من الباحثين, حيث غطي من وجهات نظر ورؤى متباينة ومختلفة سواء البحث  عن التعليم الديني وتطوراته, أو التركيبة الاجتماعية, أو التاريخ السياسي لعمان فالقاسم المشترك بين هذه البحوث أنها تجد في الإمامة  جزءا من الثقافة العمانية, وعاملا مقوما في التاريخ العماني.iii وفي هذه الدراسة سنحاول المعاينة بمنظور السير في ما دونت عنه, ليتقصى البحث عن جانب آخر وهو دراسة العلاقة بين الأئمة والعلماء  والعوامل المؤثرة في هذه العلاقة,  ليكون إضافة لما سبق من  بحوث في مجال الدراسات العمانية. إن التركيز في دراستنا لهذا الموضوع سينصب على ما دونته السير خلال عرضها للأحداث وإبراز الآراء التي تضمنتها حيث سنستند في عرض الورقة على التسلسل التاريخي وتقسيماته كما بين  ا في تعريفنا لأدبيات السير العمانيةiv منذ القرن 1/8 حتى نهاية القرن 10/16,  أما في استخدامنا للمراجع الأخرى سيكون لتوضيح أبعاد بعض الحوادث المحيطة بالقضايا المتعرضة إليها. فالورقة تهدف إلى مناقشة العلاقة بين الدين والدولة وتطورات هذه العلاقة وأثرها على الحياة السياسية الاجتماعية في الإقليم,  كما أنها محاولة للربط بين النصوص التاريخية وتحليلها من جهة ولتقييمها كشواهد عن تفسير بعض الملامح التاريخية من جهة أخرى.  لذا فالورقة ستأخذ في الاعتبار أوصاف ذوي السلطة في عمان بحسب ما تم ذكرهم في مواد السير التي تمت معاينتها.v

1 ففي القرن الذي تلي نهاية الدولة الأموية, نجح الإباضية بتأسيس إمامات الظهور القائمة على مبدأ الانتخاب في عمان واليمن وتلتهما بعد ذلك شمال إفريقية بعشر سنوات, يرجع النجاح في هذه الأقاليم إلى النشاط الممارس بالبصرة من قبل قادة ودعاة الحركة حيث اثر على هذه المناطق من قبل طلابهم ؛حملة العلم إلى الأمصار«.vi ومن خلال تقصينا في كتابات السير لم نعثر على  أية مراسلات متبادلة بين المنظرين للحركة وطلابهم خلال  فترة التكوين الأولى الحرجة,vii إلا أن الكدمي بين دور هؤلاء في عمان بقوله: ؛وقد صح معنا أن أهل عمان كانوا على غير دين الاستقامة, وأحسب انهم كانوا على دين الصفرية, وكان الفقهاء  والعلماء يخرجون في التماس العلم إلى العراق, ويأتون يعلمون الناس ما جهلوا من دينهم, ولم يلزموا أحدا من الناس خروجا إلى البصرة«. viii لقد كان نجاح التنظيم بانتخاب العمانيين الجلندى بن مسعود كإمامهم الأول الذي قام بإنهاء السلالة الجلندانية, بالرغم من كونه فردا من أفراد هذه العائلة المخضرمة الحاكمة في عمان. فالعلماء والإمامة كمنظومة سياسيةix قد فرضتا تنظيمهما كعمل تنافسي للسلطة في عمان. يمكننا ملاحظة ذلك أولا بتمرد السلالة الجلندانية ضد قريبها الإمام الجلندى بن مسعود ومحاولة استعادة النفوذ من القوة القادمة,x ثانيا العمل النضالي لرغبة العمانيين في الاستقلال عن الدولة المركزية (الأموية والعباسية) مما دعا قادة البصرة التعجيل بإرسال مجموعة محاربة بقيادة هلال بن عطية الخراساني في محاولة لتثبيط التحالفات القبلية في حال تسببها بتمرد ضد الإمام. فسرعان ما تم الانتخاب وعقدت الإمامة حتى برزت هذه العلاقة بين العلماء والدولة, بالاتصال بالبصرة مع أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وحاجب لتنتظم العلاقة بين مركز التنظيم والإقليم.xi لكن الإمامة لم تعمر إلا سنتين حتى قضي عليها من قبل العباسيين, وهنا بدأ يبرز العمل السياسي الديني  حينما نهض شبيب بن عطية العمانيxii مستحدثا عمل »المحتسب« في الحياة الاجتماعية العمانية ,  وتم هذا العمل برغبته لملء الثغرة التي تلت القضاء على إمامة الجلندى بن مسعود وحتى لا يجعل من الانتكاسة العسكرية سببا إلى انتكاسة سياسية ودينية, وليعمل على إعادة ترتيب الاتصالات بالبصرة. ومن ناحية أخرى حث شبيب على إبقاء الروح السياسية-الدينية فقام في جبي الزكاة من القرى العمانية ولكنه كان  يترك هذه المهمة عندما يأتي نواب السلطان xiii, فسيرة شبيب التي صدرها تعتبر من روائع الأدب السياسي العربي الكلاسيكي يعكس في خطابه العمل السياسي المنتهج نحو الثورة للحصول على دولة مستقلة من خلال إحياء الروح السياسية بين الناس بأمثلة الإباضية الأوائل. إن التمعن في مرحلة التكوين تعكس لنا العلاقة إنها بنيت على مستويات عدة أولا بين مركز حركي وإقليم, ثم انتقلت بعد قيام الإمامة لتتشكل ما بين السلطة والمركز الحركي, ومن ثم بعد انهيار الإمامة  تبلورت بالعمل الديني في المحيط السياسي غير العماني أو الإباضي.

2- لهذا فان العلاقات مع مناطق الحركة الإباضية تواصلت من محور المركز بالبصرة, وبغض النظر عن المحيطات السياسية المهيمنة وبالتحديد كانت سلطة البصرة تمارس المحور الحركي بين جميع الفئات الإباضية بعد نهاية إمامة الجلندى بن مسعود ذلك ما يمكن رؤيته وملاحظته في حالة ثابت بن درهم وسدوس بن يوسف في عمان والحكم القضائي المرسل من البصرة في شأنهما, ويمكن لمس هذه العلاقة بأكثر دقه في حالة قتل عبدالعزيز الجلنداني,xiv ففاجعة الحدث بالنسبة للجلندانيين مؤلمة لقتل أحد اكبر زعمائهم إلا انهم ما لبثوا أن سلموا الأمر وقدموا دعواهم إلى إمام الإباضية في البصرة عندما لم تبت قضيتهم في عمان. فمن هذا الشأن كان كلا الطرفين (الدعاة الإباضية والجلندانيين) يتجاذبان السلطة برغم التوافق الأيديولوجي الإباضي في الرغبة إلى استقلال عمان والذي كان موجها  للعمانيين نحو العمل الثوري ضد العباسيين.

فمن خلال متابعة تطور الروح الإباضية ووجودها كعقيدة في عمان خلال فترة خلو الحاكم الفعلي لعمان, فان المصادر الأخرى عادة ما تشير إلى أعمال وإنجازات »حملة العلم« في إعادة الإمامة; وذلك عندما رجع هؤلاء إلى عمان كانوا مدركين  إلى الحاجة نحو القوة الأخلاقية التي تقف في دعمهم, وهي وراء مقاومتهم. ففي البدء كان كل الدعاة قد أعدوا في البصرة , لكن  ما إن تأسست الإمامة حتى تمكن العلماء من تأسيس مراكزهم المحلية, وربما يعود هذا التأثير من طرف التحالفات القبلية التي بدأت بدعم حملة العلم في تأسيس أيديولوجية الإمامة وتوحيد القبائل تحت رايتها حيث يعلق  ويلكنسون  »دخلت الحركة الإباضية مرحلة جديدة تميزت بنضالية سياسية« xv.

فبالظهور المتجدد لرأس حملة العلم موسى بن أبي جابر خلال فترة خلو البلاد من القيادة , حيث عد سابقا من الذين عقدوا الإمامة للجلندى بن مسعود , ومن بعد ذلك اصبح أحد كبار الدعاة والعلماء في البلاد, فمؤسسة العلماء وظهورها كحيز فعلي سياسي بدأ التنازع يدب فيها بين حملة العلم الجدد الذين وصلوا من البصرة -وهم من ذوي القبائل العمانية المشهورة- وبين العمانيين الذين هاجروا إلى العراق أو غير العمانيين المرسلين من قبل علماء الإباضية بالبصرة. فالسالمي يبين لنا أنه كان هنالك شبه تصادم بين رؤوس العلماء وعدم تراض  بين موسى بن أبي جابر وشبيب بن عطية.xvi لكن العمل الاستقلالي بين القبائل كان متواصلا, فالبرادي يد ون لهذه الفترة _ قبل إمامة الوارث بن كعب_  بأن العمانيين قد ثاروا من جديد  بقيادة الكلندى بن الجلندى -يحتمل انه كان من سلالة الجلندانيين - ضد العباسيين, حيث إن ثورته امتدت إلى حضرموت لكنه قتل.xvii

3- بتأسيس إمامة محمد بن أبي عفان 771/397-971/597, فمن الضروري التلميح ولو بشيء مختصر عن هيكل وتركيبة الدولة العمانية, فمنذ ارتباطها بالفكر الإباضي وقبيلة الأزد بالبصرة أخذت هذه العلاقة فيما بعد طابع الاستمرارية في عمان, فمن حين لآخر تتجلى أركان هذه العلاقة بوضوح آنذاك في تكوينات الدويلات والممالك العربية, وفي تجسيماتها المكونة بين السياسة المحلية للإقليم والقبيلة, والايديولوجية المتبناة.

 ولشرح هذه النمط في عمان فان الدولة مكونة بأركانها الثلاثة: قبيلة الأزد والإباضية, والسياسة الداخلية لعمان. فهذه الأركان قد صاغت وشكلت ما يشبه الهرم في التاريخ العماني. فالأيديولوجية الإباضية ساعدت فعلا في ملء الفجوة الحادثة بين العرب وسكان الأرض الآخرين الذين انجلى حكم حكامهم بمجيء الإسلام, وساعدت أيضا وضع حد للتدهور الاقتصادي خلال فترة الجلندانيين. ووفقا لذلك فويلكنسون يضيف بان الايديولوجية الإباضية قد حددت في بعض نواحيها شكل الوحدة السياسية العمانية, والتي سمحت لعمان بأن تكون دولة مستقلة بالبقاء بشكل ما لقرابة 1200 سنة.xviii

فمع نهاية القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي كان العلماء ذوي النفوذ في الإمامة قد عرفوا بمسمى »أرباب أهل الحل والعقد« حيث تمكنوا من توحيد رؤساء القبائل العمانية لإنتخاب محمد بن أبي عفان للإمامة. كان موسى بن أبي جابر قلقا لئلا يتربع منصب الإمامة أحد قادة القبائل العمانية, ذلك خوفا من أن ينشأ تنازع بين زعماء القبائل ويجبرون الإمام على اقتسام السلطة مما يترتب عليه نضوب تأثير العلماء عند عقدهم للإمامة ونفوذهم في السلطة, إضافة إلى انه قد يؤدي إلى التحالف القبلي والتحزب بين القبائل.xix فويلكنسون يعبر عن هذا الأمر بقوله: »لقد كانت السلطة اللامركزية لسلطة الإمامة أحد العوامل التي أدت إلى استمرار نشاط البناء القبلي وسط المجتمع المستقر في عمان والتي تشرح لماذا حرص القادة على البقاء في قراهم في اتصال مباشر مع مصدر قوتهم. ففاعلية هذه التركيبة في المجتمع القائم على هذه الشاكلة هو مواجهة تطور سلطة إقطاعية داخل القرى«.xx وفي هذا السياق يجب أن نذكر للتوضيح المحددات السياسة بعد عقد إمامة محمد بن أبي عفان فالهيكل التقليدي لنظام الإمامة في عمان قد وزع على عدة سلطات مختلفة أشبه ما يكون تصوره على النحو التالي : السلطة التنفيذية والتي تتمثل في الإمام, والسلطة التشريعية وهي ممثلة في علماء الدين, والسلطة العسكرية والتي ينتمي إليها الشراة. 

4- فبعد سنتين تقريبا قام موسى بن أبي جابر عاقد الإمامة بتنحية محمد بن أبي عفان من منصبه, فمنشوره السياسي بين أسباب التنحية بسبب التشدد المفرط من أبي عفان بل وصف بالجبار. فأبو المؤثر يفسر الأحداث بقوله أن العلماء الذين انتخبوا محمد بن أبي عفان كانوا هم نفسهم الذين عملوا على تنحيته, وذلك أن موسى بن أبي جابر حين أعفى محمد بن عبدالله بن أبي عفان من الإمامة كان قد أعطى ولاءه في الوقت نفسه للوارث بن كعب (179/796-192/808), وقد يكون كذلك ان محمد بن أبي عفان نحي من منصب الإمامة لأنه كان من الشراة الذين تدربوا في البصرة ولم يكن عمانيا أي انه كان من العمانيين اليحمد الذين هاجروا إلى البصرة.xxi

اضافة على ما سبق,يبرر أبو الحسن البسيوي يبرر هذه النتيجة السياسية غير المسبوقة في العمل السياسي الإباضي من قبل, بأن سبب التنحية من منصب الإمامة أحد اثنين: هو إما أن يكون العلماء استخدموا ابن أبي عفان كإمام دفاع حتى تضع الحرب أوزارها أو إما انه كان قائدا للجند. لكن اكبر النجاحات التي حققها العلماء على الصعيد الثقافي والسياسي والاقتصادي لعمان هو تحويل العاصمة من صحار إلى نزوى التي عرفت بعد ذلك ب-»بيضة الإسلام« لكي يحافضوا على أمن عاصمة الإمامة وإبقاء الاتصال بين الساحل ومنطقة الداخل بعمان; وللتأكيد فان هذا الحدث هو  مساعد للعلماء لأن يكونوا منظمة سياسية نشطة في التاريخ العماني بدلا من جماعة علميه معزولة في حلقاتها الخاصة. وكان إنجازهم غير المسبوق والجدير بالملاحظة في التمسك بالنفوذ السياسي حين تم الاتفاق بين العلماء بعد وفاة الإمام الوارث في تعيين خليفته غسان بن عبدالله الفجحي قبل اجتماع رؤساء العشائر لئلا يخسروا نفوذهم السلطوي.xxii

إن السير التي دونت خلال فترة إمامة غسان بن عبدالله (192/808-207/823) تبدو من عرضها إن العلماء عرفوا كمفتيين ومستشارين ووزراء, وهذا ما يمكن تفهمه من سيرة منير بن النير للإمام غسان بن عبدالله في توجيهه بالسعي نحو بسط النفوذ خارج حدود أراضى الإمامة في مسعى لتوسيع سلطة الإمام نحو ارض الهند, وحماية طرق التجارة البحرية بتشكيل قوة لردع الهنود الممارسين للقرصنة في الخليج (بوارج الهند).xxiii فالتداخلات السياسية لأجل التحكم بتجارة الخليج كان عاملا   لإبراز دولة الإمامة; لقد ظل عامل الصراع حول السيطرة للطرق التجارية في الخليج محركا للسياسة العمانية, بل عده الأوربيون هو أحد الأوجه المكونة للثقافة العمانية والنفوذ للدولة العمانية واتساعها بمقدار السيطرة في هذه الطرق التجارية.xxiv

لكن الشيء اللافت للنظر الذي يجب أن ننبه عليه في هذا التتبع هو أن بعد وفاة الإمام غسان بن عبدالله في عام 207/823 لم يتم الاعتراف بخليفته حتى عام 208/824. وهذا يدل على حقيقة أمر مهم ذلك ان الدولة كانت تمر بفترة الحاكم الشرعي  وكان حكم الدولة تحت سيطرة العلماء, بالرغم من أن ويلكنسون يشكك في أن الإمام غسان بن عبدالله يمكن أن يكون قد توفى سنة207/823 أو أن خليفته انتخب سنة 208/824.

5- خلف الإمامة من بعده الإمام عبدالملك بن حميد (208/824-226/841), وتم تعيينه رسميا من قبل العلماء. فهاشم بن غيلان في سيرة له أرسلها للإمام أوضح له بما يجب اتباعه نحو القدرية والمرجئة الذين استطاع دعاتهم ايجاد اتباع لايديولوجياتهم في صحار وتوام (البريمي حاليا) فالعلماء اظهروا تخوفا من العقائد الأخرى والازدهار الاقتصادي كان يتحتم إلى وجود مرونة التعامل. لكن هذا التلميح يرجع بشكل أساسي لازدهار المدن العمانية التي أصبحت عامل جذب للمذاهب الإسلامية ومأوى للاجئين الدينيين والسياسيين سواء كانوا إباضيين أو آخرين, وفي ذات الوقت مثلت الدولة مكان منعة لأن تكون مصدر حماية لهم, وتوافقت الدولة العمانية إلى الاستقلال الشبه التام مع الجيش المتكامل والقوة البحرية المنفردة. كذلك صاحبتها وصول عائلة محبوب بن الرحيل (شيخ إباضية البصرة) إلى عمان واصبح ابنه قاضيا على صحار وخلفه ابناه من بعده وتصاهروا مع عائلة موسى بن علي, حينها بدأت تطورات الأمور بإبراز العائلات العلمية الدينية لتتولى مراكز قوى في السلطة وذات نفوذ ومؤثرة على الجو السياسي العماني. لكن تطور علاقة الأئمة والعلماء في السلطة سجلتها سيرة موسى بن علي حين اتفق العلماء على عزل الإمام عبدالملك بن حميد من منصبه بسبب كبر سنه الذي جعله عاجزا عن السيطرة على شؤون البلاد. ويضيف أبو قحطان في سيرته أن عجزه كان بفقدان عقله لكبر سنه. هذه الحادثة بينت عن سلطة العلماء التي تمتعوا بها وكيفية التعامل مع الادعاءات الشرعية ضد ذوي السلطة في إبقاء الإمام أو عزله. لقد كان حدة النقاش بينهم هو كيفية إيجاد المبررات لعزل الإمام من السلطة, لكن بروز موسى بن علي المضاد لهم _ كأحد رجال أهل الحل والعقد_ اقترح عليهم بالسيطرة على الجيش وإدارة البلاد بدلا من عزل الإمام.

6- في توالي الإمامة خلف من بعده الإمام المهنا بن جيفر (226/841-247/851),  تميزت شخصيته عن سابقيه من الأئمة انه كان إمام وعالم دين فالأئمة السابقون انتخبوا كسياسيين, وهذا يمكن تتبع  ه بوضوح من سيرته إلى معاذ بن حرب (ينسبها البعض على أن  كاتبها كان موسى بن علي) التي ناقش فيها قضايا الشرعية والفقهية والعقائدية. كان توجهه إلى إعادة هيكلة إدارة الإمامة   وإعادة تشكيل القوة العسكرية في البلاد حيث استبدل ميليشيا الشراة بجيش نظامي موال  للإمام: ثلاثمائة مركب وما بين ألف وثلاثمائة إلى تسعة آلاف من الخيل والجمال وعشرة آلاف العسكر, كذلك دعم الجيش بأقليات عرقية البعض منها كان من الهند أو من المناطق التي خضعت لنفوذ الإمامxxv, مما قوى دعامة السلطة التنفيذية, وهذا الإجراء كان تغييرا في الأيديولوجية الإباضية التي ترى ان الجيش ما هو إلا أداة قمع يحل ما إن تنتهي من مهامه حيث أن المتبع هو»الشعب المحارب« إذا ما دعت الحاجة. وبسبب هذه الإجراءات الدستورية كان بعض العلماء غير راضين عنه قرروا عزله وتولى زمام الأمور موسى بن علي اكثر العلماء نفوذا - رئيس أهل الحل والعقد- قال له الإمام المهنا: يا أبا علي والله لئن أطعت أهل عمان على ما يريدون لا أقام معهم إمام سنة واحدة, وليجعل لكل حين إمام ويولون غيره, ارجع إلى موضعك فما أذنت لك في الوصول  ولا استأذنتني, ولا تقم بعد هذا القول«. فالإمام يتضح كأنه اتخذ الحجابة في مجلسه فمفتيه ورئيس أهل الحل والعقد لا بد له من الإذن المسبق.

يذكر أبو قحطان في سيرته أن محمد بن محبوب وبشير بن المنذر عثرا على ما ينكر في إمامة المهنا, ولكنهم لم يظهرا ذلك, فلعل ذلك بحسب ما يشير السالمي أن المهنا اتخذ أجرات (التشبه) الملك, »لا يتكلم أحد في مجلسه, ...و لا يقوم أحد من أعوانه ما دام هو قاعدا حتى ينهض , .. ولا يدخل أحد من العسكر ممن يأخذ النفقة إلا بالسلاح«.

فالإمامة الأولى بعمان كانت في عصرها الذهبي وانتهت مع نهاية إمامة الصلت بن مالك الخروصي (237/851-272/688). فالتشريع الإسلامي لا يوجد حلا لمعضلة عجز الإمام وطعنه في السن; فيما إذا كان جائزا عزله من منصبه أم لا? وهذا الموضوع شبيه بنفس الموقف من الخليفة عثمان بن عفان, فالعمانيون يواجهون الموقف نفسه.

من الأفضل لنا الاسترجاع قليلا لمراجعة الخطوط السابقة في بحثنا عن تراجيديا هذه العلاقة وتطوراتها.  فمن مواد السير, وعلى ما رأينا من الافتراضات السابقة فإن هذه العلاقة تبين لنا أولا أن كل أئمة عمان في فترة الإمامة الأولى معرضون للعزل من منصب الإمامة ابتداء من الجلندى بن مسعود حتى آخر الأئمة سوى كان راشد بن النظر أو عزان بن تميم. المستثنى من هذه القائمة في طوال استمرارية الإمامة هما الوارث بن كعب وغسان بن عبدالله. لقد مارس العلماء ضغوطا كمؤسسة سياسية محاولة أن تكون الممسكة بزمام أمور الدولة. كذلك كان الاتجاه السياسي نحو التعامل مع الأقاليم العمانية حيث التباين بين كلا الاتجاهين فكانت سياسة العلماء تتجه  نحو اللامركزية لأجل السيطرة على الزعامات المتنازعة لكن ما أن قويت سلطة الأئمة ابتداء من الإمام غسان بن عبدالله وبشكل مكثف في زمن المهنا بن جيفر اتجهت سياسة الأئمة نحو السياسة المركزية لسيطرة على الأقاليم العمانية. 

7- قبل إنهاء هذا الفصل علينا من الواجب توضيح مكانة الشراة أو السلطة العسكرية في البلاد فكما سبق أن ذكرنا إن إباضية البصرة أرسلوا مجموعة من الشراة إلى عمان للنهوض بإمامة الجلندى بن مسعود, لكن ازدياد نفوذهم برز خلال فترة الفراغ السياسي التي تلت انهيار إمامة الجلندى حيث بدأ شباب القبائل العمانية المتحمس بالعمل التطوعي للانضواء في عمل الشراة, دعموا من بعد ذلك في استلام محمد بن أبي عفان للإمامة, فاصبح نظام الشراة ذا تنظيم خاص مدع  م بهؤلاء الشباب المتطوعين والملهمين بالأيديولوجية الإباضية. فسيرة أبي الحواري تصف لنا أحداث وتصرفات سعيد بن زياد رئيس الشراة خلال إمامة محمد بن أبي عفان, حيث احرق الممتلكات الخاصة بالقبائل المعارضة. فكانت الإشكالية بين علماء البصرة وعمان على سلوكيات سعيد بن زياد المنتهجة بين مؤيد ومعارض لها, فيما يبدو أن العمانيين مؤيدون له بينما قادة البصرة معارضون لسلوكياته. واستنادا إلى ابن بركة في ما ذكره عن هذا الحدث أن سعيد بن زياد سرعان ما أبعد ونفي إلى البحرين لكنه استدعي فيما بعد بأمر من الإمام غسان بن عبدالله للقيام بمهام الشراة