|
|||||
|
يكمن
خلف هذا
الجهد شغف
مهمل. وكأن
الجهد
المبذول
نفسه قد آل
بهذا الشغف
إلى وهدة
الاهمال الى
أن صير الى
إحيائه بفضل
مقالة مؤرخ
الأفكار
الراحل
اشعيا برلين »هيوم
والنزعة
الألمانية
المضادة
للعقلانية«
(1). سنأتي
الى الدور
الذي لعبته
هذه المقالة
في النهاية.
اما الشغف
نفسه فيمكن
تلخيصه
بالسؤال حول
طبيعة
معرفتنا
بالغير. ولئن
وقع هذا
السؤال في
قلب »نظرية
المعرفة«,
وهي الميدان
الراسخ في
تاريخ
الفلسفة, فإن
الانضواء في
هذا الميدان
ليس بحد ذاته
حافز الشغف
المذكور او
مولده.
فالسؤال حول
طبيعة معرفة
الآخرين ليس
إعرابا
عن محض هم
معرفي - على
الاقل في
حدود المعنى
والممارسة
المنسوبين
اليه في سياق
الميدان
الفلسفي
التقليدي -
وانما يصدر
عن حافز
اخلاقي
وجمالي معا
ويهدف الى
تسويغ
اعتبار
معرفة
الآخرين
بمثابة وقوف
حيال لغز. واللغز
المقصود هنا
هو ذاك الذي
لا سبيل الى
حله ما دام
هناك غير.
فوجود الغير
ودوامهم,
دواما
فعليا
او رمزيا ,
هو ما يملي
أنه اذا ما
جاز
إعتبارهم
لغزا اصلا
, وهو امر
يتوقف
بالدرجة
الاساس على
البحث في
طبيعة
المعرفة
الممكنة لهم,
فإنه لا يمكن
البت بأمر
هذا اللغز
على صورة
نهائية
مطلقة.(2). والشغف,
او السؤال,
اخلاقي
الحافز
لانه لا
ينحصر
بطبيعة
الحقائق
فحسب وإنما
بالقيم ايضا
, وهو جمالي
ايضا لانه
ينطلق من
فرضية أن
الحقائق
والقيم يصار
الى بلوغها
من سبيل واحد,
وبما يجيز
القول بأن
القيمة تعي ن
الحقيقة
بقدر ما تعي
ن الثانية
الأولى.
فالتمييز ما
بين
الاثنتين,
تبعا لزعمنا,
فعل تال
لعملية
إكتسابها
جميعا .
والاعتقاد
هو الكلمة
المفتاح
لهذه
الفرضية, بل
للسؤال نفسه:
إننا لا نعرف
الحقائق
والقيم
وإنما
نعتقدها. مثل
هذه الفرضية
تجعل الشك
بمعرفة
الغير, اي
بتمثيل
ماهيتهم
والحكم
عليهم, امرا
جائزا . بيد
ان الشك
المنشود ليس
غرضا بحد
ذاته, وهو لا
يهدف حتما
الى إنكار
اية معرفة
على الإطلاق.
فإذا ما كانت
المعرفة
المعنية
بمثابة
إعتقاد لم
يعد من
العسير نبذ
ما نعرف وفي
اقل تقدير
تعليقه بما
يسوغ لنا في
النهاية
إعتبار
الغير
بمثابة لغز. انه
لهذا السبب
وجد الشغف
المذكور
ضالته في
معالجة
الفيلسوف
الاسكتلندي
ديفيد هيوم
لمسألة وجود
الجسم
المستقل, او
الواقع
الخارجي
عموما . صحيح
ان هيوم
يعالج هذا
الامر من قلب
الميدان
الفلسفي
الراسخ, وان
معالجته
للامر لا
تنحصر
بمعرفة
الآخرين,
وإنما تهدف
الى معالجة
هذه المنحى
إستكمالا
لنظامه
الفلسفي حول
ما يسميه بـ»علم
الانسان«.
علاوة على
ذلك فإن هيوم
يشدد في
النهاية على
ضرورة
التسليم
بالاعتقاد
في وجود جسم
مستقل, او
عالم خارجي ,
وليس الشك
فيه او
تعليقه. غير
ان كلا
من مفهوم
هيوم لـ »علم
الانسان«
وحجته
القائلة بأن
معرفتنا
للواقع
الخارجي
هي بمثابة
إعتقاد
طبيعي , ما
يتجاوز حدود
الابستمولوجيا
(نظرية
المعرفة), ان
في سعة
الطموح او
الخلاصة.
فعلم
الانسان
الذي يطمح
هيوم الى
إنجازه هو
اساس سائر
العلوم
الاخرى, بما
يعني ان الهم
الاخلاقي
والجمالي
ليسا بمنأى
عن حدود
طموحه. اما
الاصرار على
ضرورة
التسليم في
إعتقادنا
بوجود واقع
خارجي , فإنه,
على ما
سنجادل
لاحقا , لا
يستقيم. فما
ان نقف على
سر هذا
الإعتقاد,
حتى تمسي جل
معارفنا,
التي تتجاوز
حدود
ادراكاتنا
الفورية,
موضع إرتياب,
وفي كافة
الاحوال,
بعيدة البعد
كله عن
اليقين
المنسوب
اليها بما
يوهن
الاصرار على
التشبث
بالإعتقاد
المذكور. -حدود
المعرفة: في
مستهل »شكوكية
في ما يتعلق
بالحواس«,
وهو الفصل
الاول من
الجزء
الرابع من
الكتاب
الاول لـ »بحث
مطول في
الطبيعة
الانسانية«,
يصرح هيوم ان
سؤاله ليس
سؤالا
حول اذا ما
كان ثمة واقع
خارجي
للموجود
المدرك,
وانما حول
الاسباب
التي تحدو
بنا الى
الاعتقاد
بتصور كهذا.
وإن لفي ضوء
تصريح كهذا
فإن امرين لا
يمكن للمرء
تجاهلهما:
اولا ان
هيوم يسلم
بأن المعرفة
المتداولة
بوجود الجسم
المستقل او
الوجود
الخارجي لهي
عبارة عن
إعتقاد.
وثانيا
ان شاغله
الرئيسي ليس
البرهان على
صحة او خطأ
هذا
الإعتقاد,
وانما تقصي
الاسباب
التي تسوغ
لنا الأخذ به. مثل
هذا المستهل
قد يبدو
مستهجنا
بالنسبة
لسؤال حول
الواقع
الخارجي ,
غير اننا اذا
ما وقفنا على
مرامي مشروع
هيوم
الفلسفي بطل
مبرر
إستهجاننا.
فهيوم يرمي
الى تأسيس
علم يدرس
الطبيعة
الانسانية,
يكون شاغله
إختبار قوى
وملكات
وحدود
المعرفة
الانسانية,
او بإختصار,
قدرة
الانسان على
المعرفة. وبما
ان هيوم يضع
موضع
المساءلة
اية معرفة
تقع ابعد من
حدود
ملكاتنا,
بحيث
نلاحظها
ونخبرها,
فإنه يسقط
مقولة
الوجود
الخارجي, او
اية مقولة
مكافئة مما
يرسي اساسا
للزعم
بوجود اجسام
مستقلة.
فعنده
الوجود هو
وجود موضوع
ما(3) ومن ثم
فليس من
الممكن ان
تكون هناك
فكرة وجود
مستقل لجسم
ما. بحيث لا
يمكن ان يكون
هناك إنطباع
وجود لا يمكن
ان تكون هناك
فكرة كهذه
طالما ان اصل
كل فكرة
إنطباع
مستعاد(4). اما
بالنسبة
للظن بما هو
خارجي
فهو لا يقل
خطلا عن
فكرة الوجود
المستقل
للجسم. فأن
نزعم ان هناك
وجودا
خارجيا , او
ان هناك
وجودا
مستقلا عن
ادراكنا
لوجوده, هو
ان ند عي,
ببساطة, أننا
نعرف ما لا
ندرك, بل وما
لا يسعنا
ادراكه.
فمعرفتنا,
بحسب هيوم,
هي مجموع
ادراكاتنا (انطباعاتنا
وافكارنا),
لذا فإن
الزعم بأن في
الوسع ادراك
ما يقع خارج
حدود
مداركنا لهو
من قبيل
التناقض
الذاتي. لربما
يتسنى لنا
الآن ان
نفهم سر
إعتبار
هيوم ان
مقولة وجود
الجسم
المستمر
والمستقل عن
الذهن, لهي
بمثابة
إعتقاد ليس
حقيقة. بيد
ان الاعتقاد
اعظم شأنا
من محض فكرة
وجود جسم
مستقل (او
بالضرورة
وجود الواقع
الخارجي),
فالاعتقاد »فكرة
حية وثيقة
الإرتباط
بإنطباع
حاضر«
(5). والفارق ما
بين الاثنين,
اي الفكرة
والفكرة
الحية
المرتبطة
بإنطباع
حاضر, يكمن
في السبيل
الذي يصار من
خلاله الى
تلقي كل
منهما.
فإكتساب
إعتقاد
بالوجود
المستقل
والمتصل
للواقع
الخارجي لا
يتلخص في
إكتساب فكرة
لهذا الوجود,
وإنما ايضا
ما يضاف
اليها من قوة
وحيوية. اما
بالنسبة
لمصدر القوة
والحيوية
اللتين
تجعلان فكرة
الوجود
المستقل
والمتصل
فكرة حية,
فإن هذا ما
يتولى هيوم
سوق تفسير له
لاحقا . يجادل
هيوم ان ليس
اي من الحواس
او الذهن,
بمصدر
اعتقادنا في
إستمرارية
وإستقلالية
الواقع
الخارجي,
وانما
المخيلة.
ولعل اهمية
المحاجة
التي يسوقها
في سبيل شرح
كيفية حصول
هذا
الاعتقاد,
انها تبين
لنا ايضا
سر رفضه
لكلتا
نظريتي الواقعية
المرسلة
والواقعية
غير المرسلة(6).
فكلتا
النظريتين
تقولان
بوجود
الواقع
الخارجي
المتصل
والمستقل,
هذا في حين
ان الامر
بحسب هيوم,
هو ضرب من »إختلاق
المخيلة«. غير
ان هيوم ليس
محض شاك
بالواقعية,
مرسلة وغير
مرسلة, او
بقدرة
الحواس
والذهن,
وليست
الشكوكية هي
ما يشاء
الدفاع عنها
في توليه امر
هذا السؤال.
فكما سبق
الإشارة, فإن
هيوم يحض, في
النهاية, على
الايمان
بوجود
الواقع
الخارجي
المستقل عن
اذهاننا- ذلك
ان من الطبيع
يحمل
مثل هذا
الاعتقاد.
وما محاولته
شرح كيفية
إكتسابنا له,
عوضا عن
الانشغال
بإظهار صحته
او خططه, الا ما يدل على
ان غرضه ان
يشرح
الاسباب
التي تحدو
بالبشر الى
الادراك
والتفكير
والفعل
بسائر السبل
التي يفعلون(7).
الواقعية
مرسلة وغير
مرسلة: بما
ان المعرفة
هي مجموع ما
لدينا من
ادراكات, فإن
هذا ما يملي
بأن جل
الوجود الذي
نعي هو وجود
هذه
الادراكات,
وليس أيما
شيء آخر. غير
ان الواقعية
المرسلة ترى
ان
الادراكات
اجسام تستمر
في الوجود
حتى حينما لا
تكون موضوعا
للإدراك.
فالادراكات
مستقلة
الوجود عن
الذهن, لذا
فإنها تستمر
في الوجود
حتى بعدما
تغيب عن
الذهن, تماما
كما
الاجسام.
وليس من
إعتراض
لهيوم على
افتراض
الادراكات
اجساما , فهو
غالبا
ما يسميها
كذلك. ما
يعترض عليه
هو الظن
بأنها توجد
غير مدركة.
فالادراكات
عند هيوم
ذهنية
الإعتماد,
ومن ثم فهي
داخلية
وفانية ما لم
تدم حاضرة
الى الذهن. وبرهانا
على ان وجود
الادراكات
ذهني الإعتماد,
يلجأ هيوم
الى إختبار
بسيط يتلخص
في أنه اذا
ما وضع المرء
إصبعه امام
عينه ناظرا
الى جسم ما,
فإنه يرى
الجسم
المدرك
جسمين ومن ثم
يحصل على
ادراكين.
ولكن حيث ان
الادراكات
هي اجسام,
بحسب
الواقعية
المرسلة, فإن
من الجلي
ان ادراكا
واحدا مكافئا
للجسم, يدوم.
والمفارقة
هنا, ان
الادراكات
من طبيعة
واحدة, ومن
ثم فإن ما
يحصل
للإدراك
الواحد يحصل,
فإذا ما زال
احدهما فلا
بد ان يزول
الآخر. وفي
هذا برهان
واف على
ان
الإدراكات
ذهنية
الوجود. وبما
ان
الادراكات
غير مستقلة
عن عقل
المدرك,
وانها لا
تدوم غير
مدركة, فلابد
وأنها
داخلية
وفانية. ولكن
كيف, والحالة
هذه, لا نبرح
نؤمن
بالوجود
المتصل
للأشياء غير
المدركة? ان
هذا على وجه
التحديد ما
يزمع هيوم
شرحه عندما
يحيل مصدر
الاعتقاد
بالوجود
الخارجي
المتصل الى
المخيلة. غير
ان المتوجب
التعريج
اولا على
موقفه من
الواقعية
غير المرسلة. تسعى
الواقعية
غير المرسلة,
او ما يسميها
هيوم »بالنظرة
الفلسفية«, الى
تجنب
الصعوبة
التي تنتهي
عندها
الواقعية
المرسلة من
خلال
التمييز ما
بين
الادراكات
والاجسام
الخارجية.
فحيال
البرهان على
ان
الإدراكات
داخلية
وفانية, لا
يجد اتباع
هذا الضرب من
الواقعية
مناصا
من إفتراض
نظرية تقول
بإزدواجية
وجود
الإدراك
والشيء
والمدرك.
فالادراك
يعتمد على
العقل, لذلك
فهو داخلي
وقابل
للفناء, في
حين ان الجسم
مستقل, لذا
فإنه يواصل
الوجود
بمعزل عن
ادراكنا او
عدم ادراكنا
له. وتبعا
لأصحاب هذه
النظرة, فنحن
اذا ما ايقنا
وجود اجسام,
فهذا لأن
الادراكات
هي بمثابة
صور لها,
وبما يعنى ان
هناك اجساما
موجودة على
نحو مستقل. ولكن
على رغم ان
هيوم ينكر
صحة فرضية
الواقعية
المرسلة بأن
الإدراكات
اجسام
مستقلة
دائمة
الوجود, الا انه في
الوقت نفسه
لا يقبل
التمييز ما
بين
الادراكات
والاجسام,
واقله كذلك
عزو صفة
الوجود
الخارجي
لهذه
الاخيرة: »ليس
هناك مبدأ
للفهم او
المخيلة
يقودنا على
الفور الى
إحتضان هذا
الرأي
للوجود
المزدوج
للإدراكات
والاجسام,
وليس يسعنا
بلوغ هذا
الرأي من
خلال
الفرضية
الشائعة
للهوية
وإستمرار
إدراكاتنا
المتقطعة..
«(8) فبما
ان
ادراكاتنا
هي كل ما
نمتلك من
معرفة, فإن
السبيل
الوحيد
للبرهان على
وجود اجسام
خارجية, ومن
ثم البرهان
على صحة
نظرية
الوجود
المزدوج, هو
البرهان على
ان
الادراكات
هي بالفعل
صور الاجسام,
وان هذه
الاخيرة عل ة
حصولها:
فيتوجب
علينا ان
نتبين مثلا ان
ادراكنا
للكرسي هو
صورة للكرسي
كجسم مستقل
ذي وجود
خارجي , وان
هذا الاخير
لهو علة
الادراك
المقصود. المشكلة
ان هذا الضرب
من
الاستدلال
غير متوافر
لنا في
موقفنا
الراهن. فما
نحاوله هنا
إستدلال من
معلول مدرك
الى علة غير
مدركة, اي
إقامة علاقة
ما بين
الادراك (الصورة)
بما هو معلول
والجسم بما
هو علة. بيد
ان علاقة
كهذه لا يمكن
ان تستقيم
طالما ان
العلاقة
السببية,
تبعا لفلسفة
هيوم, ما هي
الا عادة
شهود إقتران
حادثتين او
جسمين. ومثل
هذا الامر
غير متوافر
لنا طالما
اننا لا نعي
إقترانا
كهذا
ما بين
الصورة
والجسم,
وإنما نحن
نحاول إقامة
علاقة بين ما
هو مدرك, اي
الصورة, وما
هو غير مدرك,
اي الجسم,
وهذا ممتنع.
فليس من سبيل
للإستدلال
من المدرك
الى غير
المدرك. وطالما
ان
الادراكات
هي كل ما
لدينا, فان
الاقتران
الوحيد الذي
يسعنا
الإحاطة به
هو ذاك الذي
ينشأ ما بين
ادراكين.
والسؤال
المطروح
والحالة هذه:
اذا لم تكن
الاجسام
المزعومة هي
علة
الإدراكات,
فما الذي
يتسبب بوجود
او ظهور
إدراكات
متنوعة
ومختلفة في
اذهاننا? مثل
هذا السؤال
لا يمثل
تهديدا
لحجة هيوم.
فالفيلسوف
الاسكتلندي
لا ينكر
إنكارا
موجبا وجود
اجسام
خارجية, ولا
هو ينكر ان
الاجسام, اذا
ما وجدت, قد
تكون علة
إدراكاتنا.
وقصارى ما
يرمي هيوم
التوكيد
عليه, اولا ,
ان لمن غير
الممكن ان
نقيم علاقة
ما بين
الادراك
والجسم
المزعوم
نظرا الى
حقيقة ان
الادراكات
هي كل ما
عندنا.
وثانيا , ان
حقيقة وجود
إنطباعات
لأجسام
مختلفة, لا
يدل لزاما ,
على ان
الاجسام
المعنية ذات
وجود خارجي
مستقل وبما
يمكنها
التسبب
بحصول
ادراكاتنا.
والى ما ورد
في حجة هيوم
حول إعتماد
الادراكات
على الذهن,
فإن إحتمال
وجود غير
إنطباع واحد
للجسم
الواحد ما
يدل على ان
وجود
ادراكات
متباينة لا
يبرهن على
وجود اجسام
مختلفة. اما
في ما يتصل
بزعم هيوم ان
المخيلة لا
تسوغ »نظرية
الوجود
المزدوج«,
فيرى البعض
ان هيوم لا
يسوق حجة
مقنعة بهذا
الصدد وانما
تراه يكتفي
بطرح تحد . والحق
فلئن مال
الفيلسوف
الاسكتلندي
الى تحدي
الزعم
القائل بأن
المخيلة هي
مصدر نظرية
الوجود
المزدوج,
فإنه لا
يتوقف عند
ذلك. فهو
حينما يجادل
بأن المخيلة
هي مصدر
إعتقادنا
المتداول
بأن
الادراكات
اجسام تدوم
بمعزل عن
ادراكنا لها,
إنما هو
يجادل, في
الوقت نفسه,
ضد الزعم
القائل بأن
المخيلة هي
مصدر نظرية
الوجود
المزدوج. ولكن
اذا لم يسع
العقل او
المخيلة
تسويغ نظرية
كهذه, فكيف
امكن ورود
هذه النظرية,
او على الاقل
ورود محض
الظن
بإزدواجية
وجود المدرك
وغير المدرك? يرى
هيوم- وهو
كما نعلم
عازم على
إبانة مصدر
حصولنا على
افتراضات
خاطئة كهذه,
بقدر عزمه
على دحضها-
ان »النظام
الفلسفي
يكسب كل
تأثيره على
المخيلة
بواسطة
التأثيرات
السوقية«
(9). فأتباع
الواقعية
غير المرسلة
انما يتبنون
اولا وجهة
نظر
الواقعية
المرسلة حول
الوجود
المستقل
والمتصل
لغير المدرك.
غير انهم ما
ان يوقنوا ان
لا اساس راسخ
لمثل هذه
النظرة حتى
يسارعوا الى
دعمها من
خلال تقديم
عنصر إضافي
مختلف. فعوضا
عن القول ان
الادراكات
اجسام تدوم
غير مدركة,
فإنهم
يقولون ان
هناك
إدراكات
واجساما وإن
الاولى
داخلية
وفانية,
بينما
الاخرى
مستقلة
الوجود
بمعزل عن
ادراكنا لها. فما
تحاوله
نظرية
الواقعية
غير المرسلة
هو مصالحة
المخيلة
والعقل.
فعندها ان
المخيلة
تعتبر
الإنطباعات
المتشابهة
متطابقة, في
حين ان العقل
لا يبرح
ملاحظا
الإنقطاع
في سياق ظهور
هذه
الإنطباعات.
الى ذلك
فبينما تعزو
المخيلة صفة
الوجود
المتصل الى
الإدراكات
الساكنة, من
حيث هي
ادراكات غير
حاضرة الى
الذهن, لا
يسع العقل
إجازة الظن
بأن
الادراكات
موجودة حتى
حينما تكف عن
الحضور عنده.
وعوضا
عن ذلك فإنه
يعزو مثل هذا
الامر الى
الاجسام(10). -الإعتقاد
بالوجود
المتصل لغير
المدرك: قلنا
ان المخيلة,
تبعا لهيوم,
هي مصدر
الإعتقاد
بالوجود
المتصل لغير
المدرك. فليس
في مقدور
الحواس او
العقل إنتاج
إعتقاد كهذا.
فمن
التناقض
للحواس ان
تسوق هذا
الاعتقاد
طالما ليس في
وسع المرء ان
يحس , او ان
يدرك ادراكا
حسيا , ما قد
كف عن
إدراكه اصلا
. فلئن وسع
الحواس
إنتاج فكرة
او إعتقاد,
على الاطلاق,
فإنه سوف
يكون
الإعتقاد
بالوجود
المستقل
لغير المدرك.
وإذا ما كان
من الممكن
حصول هذا
الامر, فإن
في ذلك دلالة
على ان حواس
نا قادرة على
التمييز ما
بين الأجسام,
بإعتبارها
كيانات
مستقلة, وما
بين ذواتنا,
بإعتبارها
صاحبة
الحواس. وهذا
ما قد يسوغ
لنا
الإفتراض,
وإن جدلا ,
بأن الأجسام
مستقلة عن
العقل, وإن
في وسعنا
التمييز ما
بينها نظرا
الى تباين
خواص ها. ففي
مقدور
الحواس
التمييز ما
بين الكرسي
والباب, مثلا
, نظرا الى
حقيقة ان كلا
من هذين
الجسمين ذات
خواص تختلف
عن خواص
الآخر. غير
ان هذا
الافتراض
يلزم
إفتراضا
لاحقا
حول طبيعة
هذه الخواص.
فلا بد وان
تكون هذه
الخواص
متماثلة
الطبيعة
تماثلا
ييسر
تلقيها من
قبل الحواس. يتبع
من ذلك ايضا
ان خواص
الاشياء لا
بد وأنها على
قدر من
التماثل مع
خواصنا, نحن
الذات
المدركة, الا
لما امكن
للحواس
التمييز ما
بين الاجسام
وبيننا.
فإستقامة
المقارنة ما
بين الاجسام
المحسوسة
والذات
المدركة
ادراكا
حسيا , إنما
ترسو على
اساس طبيعة
مشتركة ما
بين المدرك
والمدرك بما
يتيح
التمييز بعد
ذلك ما بين
خواصهما
المختلفة. ولكن
هل مقارنة من
هذا الطراز
ممكنة? يستبعد
هيوم
استقامة
مقارنة كهذه
نظرا لصعوبتين
بارزتين: اولا
, انه حتى لو
جاز لنا
إفتراض
الإدراكات
كأجسام
مستقلة, فإن
لمن غير
الممكن
مقارنتها مع
ذواتنا, الا
اذا
إعتبرنا هذه
الذوات
كينونات
مستقلة هي
نفسها وذات
خواص من
الطبيعة
نفسها
للأجسام
الخارجية.
فهل يسعنا
القول ان
ذواتنا
المدركة
بمثابة
اجسام
ميسورة
للحواس كما
لو انها
اجسام
خارجية? لا
شك وان قولا كهذا جائز,
اذا ما
إفترضنا ان
الذات
المدركة
ليست »شيطا
مفكرا«,
وإنما هي جسد
المرء نفسه,
وان من
الممكن
التمييز ما
بين هذا
الجسد
والأجسام
الاخرى. بيد
ان هيوم
يعتبر مثل
هذا
الافتراض
مغالطة
شائعة. فنحن
في الحقيقة
لا ندرك
اجسادنا
كأجسام
مستقلة: فـ »ليس
جسمنا ما
ندرك حينما
ننظر بعين
الإعتبار
الى اطرافنا
واعضائنا,
ولكنها
الإنطباعات
التي تلج
بواسطة
الحواس« (11) وهذا
ان دل على
امر فإنه يدل
على ان
المقارنة
الوحيدة
الواردة ما
بين ذواتنا
والاجسام
الاخرى لهي
المقارنة ما
بين
إنطباعات او
إدراكات
مختلفة,
لذواتنا
وللاجسام
الاخرى. بل
ان هذا ما
يدل على اننا
لا نستطيع
إعتبار
الإدراكات
اجساما ,
وبما يفضي
بنا الى
الحديث عن
الصعوبة
الثانية: هيوم,
على ما بسطنا
القول, يجادل
بأن
الادراكات
كينونات ذات
وجود ذهني
الإعتماد.
وهو قد أبان
لنا من خلال
الاختبار ان
الادراكات
لا يمكن الا ان تكون
كذلك. اما
الآن فإنه
يضيف القول
بأن سائر
الادراكات,
سواء كانت
إنطباعات
الصلابة
والحركة
والامتداد,
اي ما يسمى,
في رطانة »نظرية
المعرفة«,
بـ »الخواص
الأولية«,
ام كانت
إنطباعات
الذوق
واللون
والرائحة, اي
ما ي عرف بـ »الخواص
الثانوية«, ام
إنطباعات
اللذة
والألم, لهي
على قدم
المساواة.
فإذا ما حدث
ان ظننا ان
هذه
الإنطباعات
مستقلة عن
الذهن, فإن
هذا الظن
مغالطة ليس
في وسع
الحواس
إقترافها
اصلا . وإذا
وسع حواسنا
خداعنا في ما
يتصل بمواضع
وعلاقات
إدراكاتنا,
فإن في وسعها
خداعنا فيما
يتعلق
بطبيعة هذه
الإدراكات,
وهذا غير
وارد عند
هيوم, ذلك ان »سائر
افعال
واحاسيس
الذهن
معروفة
عندنا من
الوعي.. ومن
اللازم
ظهورها على
ما هي عليه
في كل صفة
لكي تكون على
ما هي عليه.
« (12). هذا
بالنسبة
للحواس. اما
بالنسبة
للعقل فيوظف
هيوم
المحاجة
نفسها في دحض
»نظرية
الوجود
المزدوج«.
وخلاصة
القول انه
اذا ما كان
العقل, او
الذهن, مصدر
الإعتقاد
الشائع
بالوجود
المتصل لغير
المدرك
لكانت هذه
النظرية
صالحة. فقد
يسع العقل ان
يكون مصدرا
لهذا
الإعتقاد
اذا ما
افلحنا في
الاستدلال
من المدرك
الى غير
المدرك, اي
اذا ما تمكنا
من إقامة
علاقة سببية
ما بين
الادراكات
والاجسام,
وهذا ما يصعب
البرهان
عليه كما
رأينا عند
تطرقنا
لنظرية
الوجود
المزدوج. -المخيلة: ولكن
اذا لم يكن
اي من العقل
او الحواس
مسؤولا
عن
الاعتقاد
بالوجود
الخارجي
المتصل لغير
المدرك, فكيف
تكون
المخيلة اذن? على
الرغم ان
سائر
الانطباعات
داخلية
وفانية,
وانها جميعا
, الى ذلك على
قدم
المساواة,
الا ان
بعضها, على
ما يضيف هيوم
مستدركا ,
يظهر كما لو
انه ذو وجود
مستقل ومتصل.
فبعض
الانطباعات
ذات خواص
إستثنائية
تجعلها تبدو
إنطباعات
خارجية. وهذا
الظهور مرده
الى المخيلة. وخلافا
لسابقيه,
ديكارت ولوك,
فإن هيوم
يرفض
الفرضية
القائلة ان »الانطباعات
الخارجية«
تحصل بشكل
قسري عندنا-
فهو قد
سلم بأنها
إنطباعات
تفرض نفسها
على المدرك,
لتوجب عليه
ان يسلم
بإستقلالية
وجود هذه
الانطباعات,
وهذا ينسف
نظريته. يجادل
هيوم انه لو
كان هذا
الزعم صحيحا
لكانت
إنطباعات
مثل اللذة
والألم, وهي
الانطباعات
التي تفعل
فعلها بقوة,
قسرية ايضا
أسوة
بإنطباعات
الشكل
واللون
والإمتداد
والصوت
وغيرها من
الانطباعات
التي ي فترض
انها تدوم,
حتى بعدما
نكف عن
ادراكنا لها.
وهذا الكلام
الى العبث
اقرب, اذ كيف
يمكن
للإحساس
بالألم ان
يدوم حينما
لا نحس به بعد? ولكن
اذا لم تكن
صفة القسرية
هي الصفة
التي تجيز
إعتبار بعض
الإنطباعات
خارجية, فأية
صفة تجعلها
كذلك? يتكلم
هيوم عن
صفتين:
الثبات
والإنسجام.
الاولى هي
تماثل بعض
الإنطباعات
على رغم ما
يرد بين
ظهورها من
إنقطاع.
فمثلا , عندي
الآن ادراك
للكتاب
الماثل
امامي,
ولكنني اذا
ما املت وجهي
عنه للحظات
قليلة, ثم
عدت انظر
اليه ثانية,
فإن ادراكي
الجديد
للكتاب
سيبدو لي
الانطباع
نفسه الذي
خالجني من
قبل. لكن بعض الاجسام المفترضة قد تمر بتحولات كبيرة | |||||