رؤية خاصة حول الدوائر العروضية

خلفان بن ناصر الجابري
باحث من سلطنة عمان


تبدو براعة الفكر الإنساني في نتاج من أخذوا على عاتقهم أن تكون رؤيتهم رؤية تسير تجاه الشمول, وتنزع إلى الوعي بكل أطراف موضوعاتهم ونظرياتهم. والخليل بن أحمد الذي يحق للحضارة العربية أن تجعله مفخرة لها, ومصداقا  على نضوجها ووعيها رائد من رواد الفكر الإنساني الذي وعى في نتاجه طاقة الشمول. ومصداق ذلك أن رؤيته لنظام الإيقاع الشعري تجمع بين جانب المثال وجانب الواقع; أي تجمع النظام والاستعمال في صورة تنبئ عن نفاذ بصيرة تؤكد الإحساس بما هو موجود, والتطلع إلى ما يمكن وجوده. وفي سبيل هذا لم يك نظام الخليل في رصد إيقاع الشعر وتفسيره معتمدا  على منظور واحد فحسب, فقد بان حد  العروض عنده منوطا  بفهم يأخذ من الرياضة تجريدها,ومن اللغة واقعها, ومن الموسيقى فنها. (كشك, 1985: 7).

ولقد أثيرت انتقادات حول منهجية الخليل في علم العروض, وكلها في رأيي ناشئة عن عدم إدراك عمل الخليل إدراكا  صحيحا , ومما عيب على الخليل في نظامه وجود بحور مهملة في دوائره التي وضعها لتسهيل استخراج البحور ومعرفة أوزانها.

وهذه الدوائر تفسر لنا جزءا  كبيرا  من عمل الخليل في علم العروض, ولقد قامت محاولات حول هذه الدوائر,سواء المحاولات أو الدراسات التي تناولت الدوائر ليست بالقليلة فبعد جهد الخليل الجامع في تصور الدوائر تلقف علماء العربية القدامى فكرة الدوائر العروضية عنه وأخذوا يدرسونها في القديم دراسة لم تضف شيئا  كثيرا  إلى دراسته- وإن حاول البعض شيئا  من التطور الشكلي- هادفين من وراء ذلك التوضيح للدارسين وتقريب الفهم .(كشك, 1995: 67). وأما الدراسات في العصر الحديث فقد تميزت بمحاولة إضفاء الجديد على عمل الخليل ومحاولة تفسير عمله,وبعضها أراد تغيير ما أتى به الخليل واستبداله بدائرة واحدة أو نظام آخر, ولكن عمل الخليل ودوائره بقيا شامخين شموخ الجبال يدلان على عبقرية صاحبهما.

وتأتي هذه الدراسة المتواضعة لتسلط الضوء على جانب من جوانب عمل الخليل في عروضه ودوائره, وتضيف رؤية جديدة لهذا العمل تتمثل في أن إمكانات اللغة العربية من التفعيلات الثماني ليست ستة عشر وزنا  بل هي أكثر من ذلك بكثير, وتطرح تفسيرا  لكيفية توصل الخليل إلى التفعيلات وأوزان البحور, كما أنها تتحدث عن البحور المهملة وتوضح أنها إمكانة من إمكانات الإيقاع العربي فلا يجب إهمالها وإلغاؤها.

وعلى الرغم من أن العمر الزمني لهذه الدراسة يزيد على سبع سنوات إلا أنني أتمنى أن تنال اهتماما  من النقاد والعروضيين, وأن تكون بداية للتجديد في أوزان الشعر العربي بما يتوافق وأذواقنا والإيقاع العربي.

هل رأى الخليل بن أحمد التجديد في أوزان الشعر?

قبل الحديث عن رأي الخليل في تجديد الأوزان لابد أن نتحدث عن جواز التجديد في الأوزان الشعرية لاسيما أن التجديد مطلب من مطالب الحياة, ولابد لنا أن نساير التطور الحضاري ولكن وفق مبادئنا وعاداتنا وتقاليدنا, والتجديد في أوزان الشعر أو في قوافيه نوع من هذا التجديد الحضاري, والمتتبع للعصور التاريخية للشعر العربي يرى أن هناك تجديدا  في أوزان هذا الشعر. وقد شمل هذا التجديد ما يلي:

1- نظم أبيات على أوزان لم تكن معروفة عند الشعراء كما فعل رزين العروضي (أواخر القرن الثاني الهجري) عندما مدح الحسن بن سهل بقصيدة منها:

قربوا جمالهم    للرحيل        غدوة  أحبتك  الأقربوك

خلفوك ثم مضوا مدلجين        منفردا بهمك ما ودعوك

وقد خرجت هذه القصيدة من وزن مهمل وهو عكس وزن المنسرح وأجزاؤه: مفعولات مستفعلن فاعلن(عطية, 1990:       19-20), ويروى أيضا  أن ابن السميدع وهو تلميذ الخليل كان ينظم على أوزان لم يعرفها العرب.

2- إدخال وزن بحر معين مع وزن بحر آخر في القصيدة نفسها.

3- النظم على الأوزان المجزوءة على نحو ما كان عليه الشعراء العباسيون الذين أكثروا من النظم على وزن المجتث واكتشفوا وزني المضارع والمقتضب.

4- نظم المولدين على البحور المهملة في الدوائر العروضية, وسيأتي الحديث عنها لاحقا .

5- ظهور فنون في الشعر العربي تسمى الفنون السبعة وهي: (مناع, 1989: 281-284):

أ- المواليا: وهو نظم لا يتقيد بالإعراب, بل يسك ن أواخر الكلمات, كما لا يتقيد في أبياته بقافية واحدة ولا بروي  واحد,بل ينو ع فيهما ومثال ذلك:

يا دار  أين الملوك أين الفرس     أين الذين رعوها بالقنا والترس

قالت تراهم رمم  تحت الأراضي الدرس     سكوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرس

ب- كان وكان: هو عبارة عن مقطوعات صغيرة قصيرة في الأدب الشعبي البغدادي الأصل. وتحلل كل مقطوعة من بعض قواعد الإعراب, كما تحلل من قيود القافية, ولكل شطر فيها روي  معين, وكانوا يكثرون من عبارة »كان وكان« وينطقونها »كن وكان« مثل:

قم  يا مقصر  تضرع      قبل أن يقولوا كان  وكان

للبر  تجري الجواري     في البحر  كالأعلام 

ج- القوما: وهو نظم إيقاظ الناس للسحور في رمضان(قوما لنسحر قوما), والبعض يطلق عليه فن  المولدين, ولا يراعى التقيد بقواعد اللغة العربية, ومثاله:

لا زال سعدك حديد       دائم وجدك سعيد

ولا  برحت  مهنا       بكل صوم وعيد

في الدهر أنت الفريد      وفي صفاتك وحيد 

 والخلق سعر منق ح            وأنت بيت القصيد 

د- الدوبيت: هو شعر مستعار من الفارسية, ويتكون اسمه من كلمة (دو) بمعنى اثنين و(بيت) عربية, وكل بيتين في القصيدة متفقان في الوزن والقافية, ويكو نان وحدة مستقلة, ومثاله:

روحي لك يا زائر الليل فدا

        يا مونس وحدتي إذا الليل هدا

إن كان فراقنا مع الصبح بدا

        لا أسفر بعد ذاك صبح أبدا

ثم يأتي بيتان آخران متفقان في الوزن والقافية ويكونان وحدة مستقلة.

هــ السلسلة: هو نظم ألفاظه غالبا  معربة, وإذا نطق عاميا  أمكن أن يتمشى مع وزن من الأوزان القديمة, ولكن قافيته منو عة تنوع قافية الدوبيت, ومثاله:

السحر بعينيك ما تحرك أو جال

        إلا رماني من الغرام بأوجال

يا قامة غصن نشا بروضة إحسان

        أي ان هفت نسمة الدلال به مال

و- الزجل: هو شعر عامي لا يتقيد بقواعد اللغة, خاصة الإعراب وصيغ المفردات, وقد نظم على أوزان البحور القديمة وأوزان أخرى مشتقة منها ومثاله:

السياسة تخرب الدنيا العمار

                ما تـلاقيش منها غير بس   الدمار

يعني ذي  شبهتها بلعب القمار

                شوف  ولاحظ حالة الساسة الكبار

                لجل  ما تصدق  بدون ما أحلف يميني

ز- الموشح: سمي كذلك تشبيها  له بالوشاح أو القلادة التي تنظم حباتها من اللؤلؤ والمرجان, وهو مكون من أقفال وأبيات(أو أسماط وأغصان أو أقفال وخرجات). ويرجح أن الموشح نشأ في الأندلس أو المشرق في أواخر القرن الثالث للهجرة, ومثاله:

من أطلع البدر في كمال     غصن اعتدال

        بمهجتي شادن غرير

        يجور حكما  ولا يجير

        وما سوى أدمعي نصير

تفعل عيناه بالرجال          فعل العوال

        لله يوما  به نعمنا

        راق أصيلا  فراق حسنا

        عاتبته مازحا  فغنى

إياك يغرنك صرف مال          يا من بدا لي

6- حركة التجديد في العصر الحديث التي ظهر فيها كثير من الأمور المحدثة منها الشعر الحر وشعر القافية وما يسمى بقصيدة النثر...الخ.

ولقد انقسم النقاد وعلماء العروض حول التجديد في الشعر إلى ثلاثة أقسام:

1- قسم يرى بأنه لا يجوز الخروج عن أوزان الشعر العربي ومن هؤلاء ابن عبد ربه الذي يقول في أرجوزته:

فكل شيء لم تقل عليه          فإننا لم نلتفت إليه

ولا نقول مثل ما قد قالوا   لأنه من قولنا محال

وأنه لو جاز في الأبيات    خلافها لجاز في اللغات

ومنهم أيضا  محمود مصطفى الذي يرى »أن كل ما خرج على أوزان الشعر ليس بشعر وإنما هو من عمل المولدين الذين رأوا أن حصر الأوزان يضيق عليهم مجال القول,وهم يريدون أن يجري كلامهم على الأنغام الموسيقية التي نقلتها إليهم الحضارة,وهذه لا حد لها, وإنما جنحوا إلى تلك الأوزان لأن أذواقهم تربت على إلفها واعتادت التأثر بها, وإن كان هناك بعض الشعراء في العصر العباسي قد تبرم بأوزان الشعر في من يحاول ما لا يستطيع هو عيب من لا يستكمل الوسائل ثم يريد الطفور إلى الغايات« (عطية, 1990: 9-01).

2- قسم يدعو إلى التجديد بشكل كبير حتى أن منهم من دعا إلى ترك الأوزان القديمة.

3- قسم توسط بين الرأيين السابقين ومنهم الزمخشري في كتابه القسطاس المستقيم, وقد تحدث عن بناء الوزن المخترع الخارج عن بحور شعر العرب فذكر أنه ؛يقدح عند بعضهم, وبعضهم أبى ذلك, واحتج الزمخشري للمذهب الأول بأن حد الشعر:

»لفظ موزون مقفى يدل على معنى«.

فهذه أربعة أشياء: اللفظ والمعنى والوزن والقافية, فاللفظ وحده هو الذي يقع فيه الاختلاف بين العرب والعجم,فإن العربي يأتي به عربيا  والعجمي يأتي به عجميا .

فأما الثلاثة الأخر: فالأمر فيها على التساوي بين الأمم قاطبة. ألا ترى أنا لو عملنا قصيدة على قافية لم يقف بها أحد من شعراء العرب, ساغ ذلك مساغا  لا مقال فيه. وكذلك لو اخترنا معاني لم يسبقونا إليها, لم يكن بنا بأس, بل يعد ذلك من جملة المزايا, وذاك لأن الأمم عن آخرها متساوقة إلى المعاني والقوافي والافتنان بها لا اختصاص لها بأمة دون أمة. فكذلك الوزن يتساوى الناس في معرفته, والإحاطة به, فإن الشيئين إذا توازنا وليس لأحدهما رجحان على الآخر فقد عادل هذا ذاك ككفتي الميزان« (الزمخشري, 1969: 56-58).

ومنهم أيضا  السكاكي في مفتاح العلوم(1) وشوقي ضيف(2) ومن أنصار القسم الأخير أيضا  إبراهيم أنيس الذي رأى أنه ؛من الممكن للمحدثين من شعرائنا أن يجددوا ولكن بقدر وأناة ورفق حتى لا يفاجئوا قراءهم وسامعيهم بما لم يألفوا, أو بما لا يمت للقديم بأي صلة, وإنما يكون ذلك بالاقتصار في نظمهم على ما شاع من أوزان وإهمال غيرها إهمالا  تاما . فإذا ابتكروا وزنا  حاولوا جهدهم أن ينظموا منه كثيرا , وأن يتعاونوا في كثرة النظم منه بحيث يصبح شائعا  مألوفا , وتقرب نسبة شيوعه من تلك الأوزان التي ألفها الناس وتعودوها. وليس من المعقول طبعا  أن يكون لكل شاعر أوزانه الخاصة, بل لا بد من الاتحاد في معظم الأوزان والتقارب في نسبة شيوعها في أشعار الشعراء, حتى تألفها الآذان وتستريح إليها نفوس السامعين ولا نستطيع أن نتصور تلك العقول الجبارة التي أخرجت روائع الأخيلة والمعاني السامية عاجزة أو قاصرة عن التجديد والابتكار في موسيقى الشعر أيضا « (أنيس, 1981:20).

والحق أن الرأي الأخير هو الرأي الذي يراه الباحث والرأي الذي ذهب إليه الخليل بن أحمد كما رأى ذلك السكاكي وشوقي ضيف و أبو ديب في كتابه »في البنية الإيقاعية للشعر العربي«  حيث قال: ؛لقد أشار الخليل إلى الطاقات الممكنة في نطاق نظامه إلى الاتجاهات التي يمكن للإيقاع الشعري أن يتخذها في الوقت نفسه الذي أشار فيه إلى التحقق الفعلي لبعض من الطاقات. تشهد بهذا إشارته إلى البحور التي سماها »المهملات« ولابد وأنه أراد القول إن كل ما لا ينحصر ضمن التحققات التي أنجزت حتى عصره يجب ألا يعتبر خروجا  على أسس الإيقاع العربي,وعرفتنا بعمل الخليل نحويا  تشعر بأنه آمن بالحرية, لأنه آمن بالقياس بتحقق الطاقات الممكنة, ومن الأرجح أنه آمن بشرعية تحقيق الطاقات الكامنة فيما يتعلق بإيقاع الشعر كذلك« (أبو ديب, 1981: 93-95).

غير أن أبو ديب استخدم رأي الخليل في التجديد لإثبات محاولات التجديد الحديثة كالشعر الحر وإعطائها الشرعية لاستخدامها, وهو ما يتنافى مع فكر ورأي الخليل في التجديد.

نظرية الدوائر العروضية

يرى علماء العروض أن الخليل بن أحمد وضع الدوائر العروضية لتسهيل استخراج البحور الشعرية ومعرفة أوزانها. و؛فكرة الدوائر مبنية على نظرية التباديل والتوافيق في الرياضة بمعنى أن ترتيب أجزاء الشيء الواحد يعطيه صورة معينة, ثم بإعادة هذا الترتيب تعطيه صورة أخرى, وإذا أعدنا الترتيب مرة ثالثة تولدت عندنا صورة ثالثة وهكذا دواليك,ومثال ذلك أننا لو فرضنا أن شيئا  يتكون من أجزاء هي  أ,ب,ج,د فإنه يمكننا أن نحصل على أربع وعشرين صورة مختلفة لهذه الأجزاء وذلك بإعادة ترتيبها أو بالتبادل في الأوضاع بين أجزائها على النحو التالي:

أ ب ج د       ب أ ج د       ج أ ب د      د أ ب ج

أ ب د ج       ب أ د ج       ج أ د ب      د أ ج ب

أ ج د ب       ب ج أ د       ج ب أ د      د ب أ ج

أ ج ب د       ب د أ ج       ج ب د أ      د ج أ ب

أ د ب ج       ب د ج أ       ج د ب أ      د ج ب أ

وهذا ناتج من ضرب عدد الأجزاء * العدد الذي يليه * العدد الذي يليه وهكذا أي 4*3*2*1=42 استغل الخليل بن أحمد بثاقب فكره هذه النظرية في التبديل بين أجزاء التفعيلة حتى ينتج صورا  أخرى لها فرأى مثلا  أن مفاعلتن- وهي وحدة الوافر- تتكون من وتد مجموع (مفا) وفاصلة صغرى (علتن) فلو عكس, أي بدل الوضع لنتج علتن مفا وهي تساوي متفاعلن وهي وحدة الكامل«(ياقوت,1989: 43-44).

وقد استخدم الخليل هذه النظرية في حصر الكلمات العربية في معجمه ؛العين« وهذه الطريقة تعرف بنظام التقليبات وهي أن يقلب الكلمة على الوجوه الممكنة لها;فالكلمة الثنائية لها وجهان والثلاثية لها ستة أوجه,والرباعية لها أربعة وعشرون وجها  والخماسية لها مائة وعشرون وجها .

إن ؛نظرية الدوائر العروضية« التي يضعها الباحث في ثنيات هذا البحث تتلخص في أن الخليل بن أحمد استخدم المنهج نفسه الذي اتبعه في حصر الكلمات العربية ليحصر تفعيلات الشعر وبالتالي تحديد أوزانه.

لقد أراد الخليل أن يستوعب جميع الكلمات العربية وأن يحصر إمكانات العربية من الكلمات على نحو لم يسبقه إليه أحد ويضمن له عدم تطرق النقص إليه أو إهمال أي كلمة, ذلك لأن بعض  من سبقوه من علماء اللغة العربية كانوا يذهبون إلى البادية ليأخذوا الكلمات عن العرب الأقحاح ثم يسجلوها, وهذا العمل مجهد بالإضافة إلى إهمال كلمات أو معان كثيرة واحتمال الخطأ فيه وارد.

ونتيجة لذلك ولما كان يتمتع به الخليل من ذكاء شديد لجأ إلى استخدام نظرية التباديل والتوافيق الرياضية في طريقة إحصاء الكلمات العربية بعد أن حدد أبنية الكلام العربي من الثنائي إلى الخماسي, فقلب الكلمات على الأوجه الممكنة منها, وحددها بعض العلماء بأنها تصل إلى اثني عشر مليون كلمة.

ولم يكتف الخليل بذلك بل حدد المستعمل منها والمهمل فكان عمله هذا مؤسسا  على المنهج العلمي الحديث المتطور الذي يسعى دائما  إلى الوصول للإتقان.

منهج الخليل في العروض:

حدد العلمي منهج الخليل في علم العروض فيما يلي: (1983: 159-164):

1- استقراؤه مختلف الظواهر الإيقاعية للشعر العربي وإحاطته بأبعادها المختلفة.

2- استشهاده بالشعر الجاهلي والإسلامي والأموي أي اعتماد عصور الاستشهاد مثل علماء اللغة والنحو.

3- اكتشاف طبيعة إيقاع الشعر العربي نتيجة استقرائه ثم وصف هذا الإيقاع المكتشف الذي قاده إلى مرحلة بناء نظامه, وقد اتبع في هذه المرحلة مجموعة من الخطوات هي:

أ- وضع الوحدات الصوتية الوظيفية وهي السببان الخفيف والثقيل والوتدان المجموع والمفروق والفاصلتان الصغرى والكبرى.

ب- وضع الوحدات الإيقاعية وهي التفعيلات الثماني واتبع في طريقة تكوينها الطريقة التي استعملها في حصر مواد معجمه »العين« وهي التقليب.

ج- وضع الأنساق الإيقاعية أو البحور الستة عشر وتكوينها من الأجزاء السابقة, وجعل لها نماذج في الدوائر.

د- جمع البحور الخمسة عشر في الدوائر الخمس, واعتبر محمد العلمي أن وظيفتها هي الربط بين البحور بالاعتماد على مكوناتها من الوحدات الإيقاعية التي تتكون بدورها من الحدات الصوتية الوظيفية.

وقد أقام الخليل بناء العلاقة في هذه الدوائر بين البحور على مبدأ التقليب الذي استعمله في حصر مواد اللغة في معجمه, واستعمله كذلك في إقامة العلاقة بين الوحدات الإيقاعية.

ه-- جعل التحولات بنوعيها- الزحاف والعلة- أساس تحديد العلاقة بين النظري والتطبيقي من الوحدات والأنساق, ولم يعتبر مفهوم الزيادة والنقص فيها أخلاقيا , بل إجرائيا , لأنه بدأ من نماذج بعينها, وقد كانت الزيادة ستصبح نقصا  والنقص زيادة لو أن البدء تم من نماذج أخرى.

وقد جعل الزحاف وهو يحدد العلاقة بين الوحدات المختلفة وسيلة لتمييز إيقاع بحر عن آخر, لا وسيلة لخلط إيقاع هذه بذاك, وإدماجه فيه.

أما النوع الثاني من التحولات وهو العلة, فقد قصر دوره على تحديد العلاقة بين النماذج النظرية والتطبيقية لوحدات بعينها هي التي تقع فيما سماه بالأعاريض والضروب«.

 وقد تبادر إلى الذهن عدة أسئلة حول هذا المنهج هي:

- كيف استقرأ الخليل الشعر العربي?! هل قطع جميع الشعر العربي أم أنه استخدم أسلوبا  آخر? وكيف اهتدى إلى التفعيلات?!.

وإذا كان قد قطع الشعر العربي كله واهتدى إلى التفعيلات نتيجة هذا التقطيع فإن هناك احتمال وجود تفعيلات أخرى لم يرها, إذ يصعب تقطيع الشعر العربي كله بسبب كثرته, كما أن هذه الطريقة تنافي المنهج العلمي الذي عرف عن الخليل استخدامه له.

وهناك سؤال آخر عن البحور المهملة ودلالة وجودها في الدوائر العروضية, أهي نتاج طبيعي للفك من الدوائر وبالتالي تعتبر خطأ وقع فيه الخليل عندما وضعها ووضع الدوائر العروضية, أم أنه يمكن أن يكون لها دور في الشعر?

لقد حاولت هذه الدراسة الإجابة عن هذه الأسئلة, وبالتالي الكشف عن حلقة مفقودة من منهج الخليل في علم العروض في رأي الباحث.

لقد نظر الخليل إلى اللغة فوجدها تتكون من تسعة وعشرين حرفا , وحدد أبنيتها من الثنائي إلى الخماسي,ثم قلب الحروف العربية في أبنية اللغة فنتج لديه إمكانات اللغة العربية من المفردات, ثم وضح المستعمل من هذه المفردات وأشار إلى ما لم يستعمل بالمهمل, ولا تعني لفظة المهمل أنه ممنوع, بل لم يستعمله أحد في ذلك الوقت ولكنه قد يكون مستعملا  في يوم من الأيام.

هكذا حصر الخليل بن أحمد إمكانات اللغة ومفرداتها, والشيء نفسه أقوله في حصر أوزان الشعر العربي, فالقول بأن الخليل استقرأ الشعر العربي بادئ ذي بدء ثم عرف الأوزان والتفعيلات غير صحيح في رأيي, وأرى أنه حدد إمكانات الشعر العربي في البداية ثم بحث عن نماذج لهذه الإمكانات في الشعر العربي فوجد ستة عشر وزنا  مستعملا , وتفصيل ذلك ما يلي:

نظر الخليل إلى الكلام العربي فوجده يتكون من متحرك وساكن, ولأن الكلمات العربية قد تكون ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية أو سداسية أو سباعية, فقد استخدم الخليل نظام التقليب للساكن والمتحرك في الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي والسداسي والسباعي, وسمى هذه الكلمات بالتفعيلات وعينها موافقة للميزان الصرفي بعد أن ألغى كثيرا  من التفعيلات الناتجة من التقليب لأن اللغة ترفضها وهذه التفعيلات هي التي تحتوي على ثلاثة سواكن أو أكثر أو التي تبدأ بساكن,أو التي يوجد بها ساكنان في وسطها وليس في آخرها, أو التي تحتوي على خمسة متحركات متتالية فأكثر, وهذا يشبه إلغاء مفردات اللغة التي تتكون من الحروف نفسها كقولنا(ببب) أو(ممم) لأن اللغة ترفضها, وأيضا  المفردات التي تتقارب في مخارجها ولا يستطيع الإنسان نطقها مثل(عغهخ).

وقد قام الباحث بعملية التقليب بين المتحركات والسواكن لمعرفة التفعيلات الممكنة في الشعر العربي مع مراعاة القواعد السابقة في عملية إثباتها أو رفضها, وإليك بيانا بها سواء كانت صحيحة أو مزاحفة.

1- الثنائية : (/5 , //)

2-  الثلاثية : (//5 , /5/ , /55 , ///)

3-  الرباعية: (/5/5)  (//55)

              (/5//) (//5/)

                     (///5)

              (////)