آلام ناهدة الرماح

نص: جواد الأسدي
مخرج وكاتب مسرحي عراقي


الشخصيات

نورا

ناهدة

شفيقة

عامر

ماريا الفاجر

عبدالله (شخصية لاتظهر)

الفصل الأول

بيت قديم بثرياته, ومراياه وجدرانه, وشخصيات ينتابها جوع قديم لدروب البلاد التي اقتلعوا منها.

ناهدة الرماح بسنواتها السادسة والستين, تنظر إلى ماضيها المسرحي بفرح والى حاضرها بسخط.

شفيقة ابنتها الشابة, فشلت في أن تكون مغنية مشهورة بسبب تردي ظروفها ونفسيتها, أما ابنتها الصغيرة نورا, تنتصب كملاك في بيت بارد الأبواب. بينما ناهدة التي فقدت بصرها تتفرج على التلفزيون بشكل دائم فإن شفيقة تنظف البيت وتصدر أصواتا  عنيفة.

ناهدة : (صوت التلفزيون عال)

أحس كما لو كنت في سجن نسائي متروك, شباك يطل على حديقة ميتة, ثريات تسحقها العتمة! طاولة بليدة بلا قلب, ومرايا تتكسر يوميا  في المساحيق التي أحاول أن أطلي بها وجهي, عبثا أحاول استرداد ومضة في العين أو في الروح! وربما أكثر الأشياء فداحة ومرارة هو ان ابنتي الوحيدة تهجرني, تخرج في الصباح ولا تعود إلا في الليل, والأصدقاء الذين أدمنوا الفرح في بيتي حين كنا في البلاد, نسوني, هكذا, كأنهم نزعوا عن أبدانهم ضمائرهم واتفقوا جميعا  على اغتيالي, حتى أنت, تحولت الى سجانتي تخرجين وتقفلين الأبواب دوني, فأبقى طوال النهار أتخبط هنا وهناك, أكلم نفسي, واحثها على البكاء أو الصراخ, ثم لأتحول الى كائن يتزوج التلفون! أو التلفزيون! ما الذي أصاب الناس, لماذا لم يكلمني أحد في أيام الأعياد!

شفيقة: أمي: كفي عن الندب!

ناهدة: حتى أنت, تركتني في العيد, وذهبت إلى الشارع ومرحت في الحدائق, ارتديت ثيابك الجديدة, وبسبب فقداني لبصري تتصرفين معي كما لو كنت ثقيلة عليك! لولا نورا لما بقيت في هذا البيت لحظة واحدة!

شفيقة: أوقفي اهاناتك, أرجوك!

ناهدة: لن تستطيعي أن تفهمي معنى أن يقع الانسان ضحية العتمة! إنني في عمق العتمة!

شفيقة: ماذا أستطيع أن أفعل لك!

ناهدة: افهمي ألمي, وادركي معنى أن تكون امرأة مثلي وحيدة بعدما كانت في زحمة الحشود والمعجبين, أعرف بأن كل ذلك المجد انتهى, ونحن الآن بعيدون عن أهلنا وبلادنا, والمسرح الذي كان يضيء ارواحنا قد انطفأت قناديله وأدرك بأنني الآن امرأة لا تعيش إلا على يوميات سحقتها الغربة والمرارة! إنني وحيدة, اكثر من أي وقت مضى! أنزل الى الشوارع, حاملة العصا ذراعي الجديدة, فتتوه قدمي بين التعثر والاصطدام بالناس وبالجدران وبالاشارات الضوئية, عبثا  أحاول اكتشاف أمكنة تعوضني عن امكنتي أو عن بيوت تضيء روحي أو عن اصدقاء جدد!

انني أتعثر بلساني وقدمي وملابسي وذكرياتي دون أن أتجرأ على أن أضع حدا  لهذه الحياة الملطخة! لست صيدا سهلا لانتحار وشيك, ولا أنشد في سكوتي سوى الحديث مع نفسي, هذه هي سلوتي الجديدة!

تعالي ساعديني, أريد أن اذهب الى الحمام!

شفيقة: حالا, سأنتهي من مسح الطاولة وآتي اليك!

ناهدة: تحركي, اسنديني, أنا بحاجة ماسة للحمام!

شفيقة: يا إلهي الا تصبرين لحظة واحدة!

ناهدة: انظري تتصرفين معي كما لو كنت اسيرتك, خادمتك! اللعنة على رحمي الذي حملك!

شفيقة: الا تكفي عن شتائمك!

ناهدة: أين أنت? (تصرخ)

شفيقة: حاضر, حاضر.

ناهدة: حاضر, حاضر

ولا تتحركين من مكانك!

شفيقة: إن استمرت لعناتك وسخطك علي بهذا الشكل, سآخذك الى ابنك الكبير, هناك ستفهمين معنى الرأفة!

ناهدة: لا, سأبقى هنا جاثمة على قلبك! وسأذهب الى الحمام وحدي!

تساعد نفسها, تمشي بصعوبة, متوجهة نحو الحمام!

شفيقة: رائع, جربي أن تساعدي نفسك! افرضي بأنني قد تزوجت, أو رحلت أو مت, ماذا كنت ستفعلين بدوني!

ناهدة: أنت ابنة رائعة! (بتهكم).

شفيقة: يجب أن تتعلمي الدرس كاملا من النساء الصبورات اللواتي فقدن أولادهن في الحروب!

ناهدة: نسيت كل شيء وحربي الاكثر ضراوة هي هنا, على هذه الجبهة, في هذا البيت حيث أخسر بهجتي! اللعنة علي  لأنني لم أعرف كيف اصطاد رجلا لأيامي الصعبة!

شفيقة: ليس هناك رجل واحد يستحق منا أن نرثيه أو نتذكره!

لم يكن الرجال يوما سوى مشاريع مؤجلة لخنازير برية!

همهم الوحيد هو ابتلاع المرأة بسريرها في لقمة واحدة!

ناهدة: ارجوك, إن وجدت خنزيرا  واحدا  اقبضي عليه واسحبيه من أذنيه الى سريري!

شفيقة: (تضحك)

ناهدة: لماذا تضحكين, أتعتقدين بأنني لست بحاجة للرجل!

شفيقة: على اية حال, نسيت أن اذكرك بموعدك مع المخرجة السينمائية, ماريا الفاجر.

ناهدة: اتصلي بها, والغي الموعد!

شفيقة: لماذا?

ناهدة: لأن لا جدوى من أي شيء!

فقدت الأمل بكل شيء:

شفيقة: يا امي , هذه المخرجة المعروفة تريد التعرف عليك بهدف اعطائك دورا كتبته خصيصا لظروف تشبه ظروفك, يجب أن تساعدي نفسك وإلا فإن الاحباط سيقتلنا!

هيا, غيري ملابسك وخففي من سخطك وشتائمك!               تقبلها, تعانقها!... هل أخذت دواءك?

ناهدة: لا, اريد أن اموت!

شفيقة: اهدئي , يا حبيبتي

يا روحي!

ناهدة: لست حبيبتك

ولا روحك

                        تبكي.....

شفيقة: لماذا تبكين!

ناهدة: هكذا, أبكي على حظي!

شفيقة: يجب أن تستعدي جيدا  لخطف فرصة تمثيل الدور السينمائي المرتقب! منذ عشرين سنة لم تفعلي شيئا يذكر على صعيد التمثيل! ألست في عطش حقيقي لأداء دور مميز يعيد لناهدة مجدها, هاه!

افتحي قلبك ومشاعرك لهذه المخرجة! وكلميها عن كل شيء! هكذا بلا خوف ولا تردد, وبشراستك المعهودة صبي لعناتك على كل من تسبب في نفيك واجبارك على العيش خارج بلدك!

اصرخي, اظهري سخطك وكلميها بصراحة عن تلك اللحظة المهولة التي فقدت فيها بصرك وأنت على خشبة المسرح!

ثم بسبب رحيلك واختفاء ابنك عبدالله والمبررات التي جعلتنا نعيش حياة غير آمنة, ومهددة!

ناهدة: اعطني سيجارة!

شفيقة: أركيلة أم سيجارة!

ناهدة: أرجوك, بلا مزاح!

                                تشعل لها السيجارة

ناهدة: وما نفع كل هذا الصراخ ما دمت قد خسرت البلاد فعليا!

عندما تخسرين جنتك فجحيم هي عليك أينما حللت.

صمت طويل, شفيقة تطفئ, التلفزيون, هدوء كبير يحل في البيت.

متى ستأتي نورا?

شفيقة: بعد نصف ساعة!

ناهدة: هل انخفضت حرارتها!

شفيقة: ترتفع وتنخفض!

ان عدم استقرار حرارتها يقلقني جدا .

ناهدة: لا تخافي!

شفيقة: ستأخذين دواءك?

ناهدة: بعد الطعام!

شفيقة: رائع, أمي سامحيني على عصبيتي!

ناهدة: لا اعرف لماذا كل هذه القسوة!

شفيقة: لا تظلميني!

                        تعانقها....

(بحب) تعالي, سآخذك الى الحمام بنفسي!

                                التلفون يرن..

ناهدة: التلفون يرن

شفيقة: لحظة من فضلك.

ألو.. ألو.. أهلا

أرجوك, اتصل بعد نصف ساعة, هاه, لا, أريد أن

آخذ أمي الى الحمام.

                        تغلق التلفون.

ناهدة: (شفيقة تسند أمها)

        أعرف بأني سأموت قبل أن ارى ابني عبدالله

شفيقة: هذا فأل سوء يا أمي! كفي عن هذه التصورات!

ناهدة: ماذا يفعلون به الآن!

كيف سيتحمل اهاناتهم وتعذيبهم ووحشيتهم, كيف! وهو الذي يشبه الناسك في سلوكه والشاعر في نظم كلماته ومخاطبته للناس!

شفيقة: تفائلي بالخير وادعي الله أن يرجعه سالما.

                يخرجا

                تدخل أمها إلى المرحاض وتعود

                يرن التلفون مرة أخرى.

ألو.. ألو.. اعذرني لأني مشغولة وأمي مريضة! حتى لو كان الأمر مهما! لا أستطيع الكلام الآن, أرجوك!

                                تغلق التلفون!

ناهدة: عامر كان على التلفون

                                من داخل الحمام!

أليس كذلك?!

شفيقة: لا

ناهدة: نعم نعم, لماذا تكذبين!

                        (صمت طويل)

شفيقة: تأخرت نورا.

ناهدة: كلمي معلمتها!

                                تدير قرص التلفون

شفيقة: ألو.. ألو.. مدرسة الأنوار! كيف أحوالك! عزيزتي أنا أم أنوار! نعم, تحركت السيارة منذ عشر دقائق! طيب أشكرك جدا.

                                تغلق التلفون!

                        تخرج ناهدة لوحدها

                        بمساعدة العكازة!

ناهدة: سينفطر قلبي  لأن صورة عبدالله لا تغيب عن عيني!

شفيقة: لا حول ولا قوة إلا بالله!

ناهدة: كان يمشي في الشارع مثل طير الجنة ثم فجأة طوقوه من كل مكان, وانهالوا عليه باللكمات والضرب, دماؤه سالت من رأسه, لا لشيء, فقط لنه لا يريد أن يتحول الى تمثال في حديقتهم ولا جندي لحروبهم ولا خادم لثكناتهم ولا شاهد  على اعداماتهم!

إسو د هذا الثدي من كثرة الفراق.

شفيقة: ماما, أرجوك, اسكتي.

                                يدق جرس الباب!

                                شفيقة تفتح الباب لنورا, التي تقبل أمها وتفلت باتجاه جدتها حيث يتعانقان بقوة.

نورا: هذه الوردة لجدتي الرائعة.

                                تقبلها مرة أخرى.

شفيقة: أين وردة ماما إذن!

نورا: غدا! ماما أنا جائعة.

شفيقة: سأسكب الأكل حالا.

نورا: جدتي ستطعمني بيدها!

تقبل جدتها مرة أخرى

وتنام على حضنها.

ناهدة: الحمدلله, حرارتها منخفضة!

نورا: أنت أروع جدة في الحياة

هل أقرأ لك نشيد اليوم.

ناهدة: إقرئي يا حبيبتي!

 

نورا تقرأ نشيدا مفككا وتغني غناء غير مترابط. بينما شفيقة تحضر الطعام على الطاولة, يرن جرس الباب, فتركض نورا وتفتح الباب تستلم رسالة من ساعي البريد.

نورا: شكرا عمو بريد.

                وصلتنا رسالة!

ناهدة: اعطيني الرسالة حبيبتي!

                        تقوم وتتحرك قليلا.

نورا, أين الرسالة!

                        شفيقة تركض نحو نورا.

نورا: رسالة من خالي عبدالله!

شفيقة: لا, الرسالة ليست من عبدالله

ناهدة: نعم من عبدالله هاتيها!

شفيقة: أمي, لماذا توترين أعصابي!

ناهدة: لمن هذه الرسالة!

شفيقة: لي من عامر!

نورا: لا, أنا قرأت المظروف!

واسم المرسل عبدالله

شفيقة: (بعصبية- تضرب نورا)

إن تدخلت مرة أخرى فسأقص لسانك!

ناهدة: إن لم تعطيني الرسالة سأخرج من البيت فورا.

لماذا تلعبين بأعصابي!

شفيقة: حتى لو كانت الرسالة من عبدالله فلن أقرأها لك إلا بعد الانتهاء من الطعام!

ناهدة: أكلت وشبعت!

شفيقة: والله العظيم إن لم تكملي صحنك, سأمزق الرسالة وما فيها!

ناهدة: لا, سأكمل صحني! نورا, تعالي, إجلسي إلى جانبي.

        نورا تجلس إلى جانبها ويأكلان بنفاذ صبر.

صمت طويل, أصوات الملاعق والسكاكين موسيقى مناسبة.

نورا: اعطيني الرسالة, أنا سأقرأها!

لسنا بحاجة إليك! (ما زالت تبكي)

شفيقة: إن لم تسكتي سأضربك على وجهك!

نورا: لا لا لا, لن تضربيني مرة أخرى!

                                تبكي بحرقة!

شفيقة: إن لم تسكتي سآخذك الى الغرفة!

نورا: (تصرخ أكثر)

ناهدة: لماذا تؤنبينها, إنها مريضة وحرارتها عالية!

شفيقة: مريضة وقليلة الأدب!

نورا: لو كان ابي موجودا لما ضربتني!

شفيقة: ماذا قلت?!

نورا: أريد أن أعيش مع أبي!

شفيقة: غبية, لم أر بنتا بمثل غبائك!

نورا: لست غبية, كلهم يقولون لي في المدرسة, لماذا طلق أبوك أمك! البعض الآخر يقول لي, هي أنت يا ابنة المطلقة!

شفيقة: طيب, اسكتي! (تكسر اداءها)

أش.... أش

وإلا سأكسر رأسك!

                تهرب الى حضن جدتها وتصمت تدريجيا.

يعم صمت ملغوم سرعان ما سينفجر.

نورا: جميع البنات يركضن نحو آبائهن الذين يحملوهن, ويقبلوهن بينما أنا أظل وحيدة دون حضن يلمني! هذا الشيء صار يؤذيني!

أكثر من مرة أذهب الى مرحاض المدرسة وأبكي بصوت غير مسموع لكيلا يسمعني أحد! لا اريد ان أكون بنتا منبوذة! لا أريد.

شفيقة: طيب, طيب (تحضنها وتقبلها) اغسلي يديك وغيري ملابسك واستعدي لكتابة وظيفتك!

نورا: لا.

ناهدة: اتركيها, تعالي حبيبتي, تعالي.

                تقبلها بحنو كبير!

                صمت طويل, الجدة تفتح التلفزيون,

                نسمع أخبارا سيئة..

المذيع: الجرافات هدمت سبعة منازل, المستوطنون ذبحوا بنتا فلسطينية ورموها في منتصف الشارع...

المستشفيات....

        شفيقة تطفئ التلفزيون

فجأة انفجار ضوئي عنيف يهز البيت, نورا تصرخ الجدة تحضن نورا.

(صمت طويل)...

يعود الضوء مرة أخرى فنرى الثلاثة الى جانب بعضهم. (صمت طويل).

شفيقة تفتح الرسالة.

شفيقة: أمي, ألا تريدين أن أقرأ الرسالة

ناهدة: نعم.

شفيقة: الحبيبة أمي.

حنين كبير الى وجهك الطيب.

وبوسات حارة إلى شفيقة وملاكي الرائع نورا.

أما بعد,,,

فأنا أكتب هنا تحت وطأة عتمة حقيقية وبرد يقص العظام وروائح تسد الشهية!

مكدسون هنا في حفرة ضخمة تشبه المقابر الجماعية.

كل الجنود في هذا المعسكر المقيت مستنفرون وراء رشاشاتهم التي تنتظر صباحات الاعدام!

الجنود يزدحمون بشهوة لا مثيل لها لكي يتفرجوا على الفتيان المحكوم عليهم بالاعدام وهم ينزفون دماءهم على قمصانهم وعظامهم!

لا أعرف مصيري حتى الآن!

أنا في حالة من الانتظار البائس!

لا النوم نوم ولا الطعام طعام المعدة فارغة والهواء يابس!

 

                انفجار ضوئي عنيف جدا....

الفصل الثاني

يهبط الستار على مسافة أربعة امتار من مقدمة المسرح, على الجدار او الستار نفسه توجد رسومات عامر الذي اعتاد أن يضرب بريشته المجنونة قلب اللوحة الكبيرة (الستار).

تدخل شفيقة بكامل اناقتها وحضورها اللافت, بينما ما يزال عامر يقوم ببعض الضربات على اللوحة.

شفيقة: مرحبة!

عامر: مساء الخير!

شفيقة: (صمت)

عامر: ما بك!

شفيقة: (صمت)

عامر: لماذا تأخرت!

شفيقة: مشاغل البيت وترهات الحياة!

عامر: لماذا أنت غاضبة!

شفيقة: لا شيء (تختزل أجوبتها)

عامر: اذا كنت حيادية نحوي الى هذه الدرجة.. فلماذا أتيتني.

شفيقة: هكذا, أريد أن أسلي نفسي!

عامر: تسلين نفسك?

شفيقة: لماذا تحاصرني بأسئلتك!

عامر: منذ قليل كنت أستمع الى أغنيتك التي غنيتها ذات يوم في هذا البيت!

شفيقة: أنت تذكرني بماض بائد!

عامر: كم كان صوتك قويا ودافئا!

للأسف, خربت موهبتك متقصدة!

شفيقة: كف عن تنظيراتك السقيمة!

عامر: كان يمكنك أن تكوني مغنية مشهورة!

شفيقة: لم أكن مغنية يوما ولا أريد أن أكون!

عامر: كعادتك تدوسين على الأشياء الجميلة!

شفيقة: ماذا تقول (بعصبية).

عامر: قصدي دائما تتركين نفسك طريدة للألم والحسرة!

كأنك تحبين دور الضحية!

شفيقة: طبعا, أحب دور الضحية أمام جلاد يشبهك!

عامر: ليتني كنت كذلك!

شفيقة: لا تدعي العفة!

عامر: ومن هو العفيف حقا في هذا العالم!

شفيقة: أنا!

عامر: (يضحك)

شفيقة: متى انتهيت من رسم هذه اللوحة!

عامر: قبل ساعة من الآن!

شفيقة: أكرهك, لكن لوحاتك تعجبني!

وضربات الريشة عندك مثل جسد الطائر الذي لا سطح له!

هكذا يظل يتخبط في السماء حتى يرتطم بنجمة ضخمة فيسقط وتسقط النجمة!

عامر: عندما أفرغ من رسم اللوحة, أحس كما لو كان الدم كله انسكب مرة واحدة من فمي!

شفيقة: (ترتجف)

عامر: ما بك! ترتجفين!

شفيقة: البرد ضرب عظامي!

عامر: اعطني تلك البطانية

                يعطيها البطانية فتضعها على كتفها!

عامر: أأخذك الى الدكتور!

شفيقة: هل تخاف علي !

عامر: كيف لا أخاف عليك!

من غيرك تملأ هذا المرسم بالصخب والصراخ!

شفيقة: (أسنانها تصطك) تصرفت بجنون فمشيت تحت زخات المطر دون جاكيت! يبدو أن الرطوبة مست عظامي! عانقني! تعال عانقني!

عامر: (يعانقها فعلا)

شفيقة: قبلني! قبلني أيها البغل!

عامر: اسمعي سأعطيك كأسا من الكونياك إنه كفيل بطرد البرد من عظامك!

شفيقة: وحدها قبلتك تستطيع أن تطرد البرد من عظامي!

عامر: تتذرعين بالبرد لكي تقبليني, هاه

                                يضحك!

شفيقة: وضيع, أنت رجل وضيع!

عامر: ماذا يضايقك! قولي ما عندك بسرعة!

شفيقة: اشعر بأن ثديي منتفخان أو كأنهما باقتان من الثلج!

لماذا يتسلل إلي  شعور خفي بكوني مقبلة على شيء غير مسبوق!

عامر: أتريدين أن تقولي لي شيئا خاصا!

شفيقة: (ترتشف قليلا من الكونياك).

عامر: ارشفيه مرة واحدة, هكذا

                يشربه جرعة واحدة ويصدر أصواتا!

شفيقة: (تفعل م