|
|||||
|
يجد
التناقض
الأساسي
الذي ستدور
حوله
تأملاتي
أفصح تعبير
عنه مع نهاية
الكتاب
الثاني من »اعترافات«
أوغسطين. فقد
وضعت سمتان
تميزان
الروح
الإنسانية
بحيث تقابل
إحداهما
الأخرى, آثر
المؤلف أن
يصوغ لهما
بحسه
المعروف
بالطباق
البلاغي
مصطلحين هما:
[intentio]
القصد, السعي,
الابتغاء و[distentio
animi] روح
الانتشار أو
التمدد أو
التبدد.
وسأقارن هذه
المقابلة
لاحقا
بالمقابلة
الأرسطية
بين الحبكة [muthos]
والقلب [peripeteia]. ولابد
لي من
الإدلاء,
بملاحظتين
أوليتين.
الأولى أنني
أبدأ قراءتي
الكتاب
الثاني من »الاعترافات«
من الفصل (17:14),
مع السؤال:
؛ما الزمان,
إذن?
«. ولست
أجهل أن
تحليل
الزمان
يرتكز على
التأمل في
العلاقات
بين الأبدية
والزمن,
مستوحيا
السطر
الأول من »سفر
التكوين«: »في
البدء كان
الله...
«. وبهذا
المعنى فإن
عزل تحليل
الزمان عن
التأمل يعني
ممارسة
العنف على
النص, على
نحو لا يسو
غه تماما
مقصدي في أن
أضع داخل
دائرة
التأمل
نفسها
التناقض
الأوغسطيني
بين intentio
القصد,
الابتغاء و[distentio
الانتشار,
التبدد],
والتناقض
الأرسطي بين
الحبكة muthos
والقلب peripeteia
. مع ذلك, هناك
تسويغ معين
لهذا العنف
نجده في
تفكير
أوغسطين, حين
ينصرف إلى
الاهتمام
بالزمن, فهو
لا يشير إلى
الأبدية إلا
لكي يؤكد
تأكيدا
قطعيا
طبيعة
النقص
الأنطولوجي
في الزمن
الإنساني,
ولكي يصطرع
مباشرة
معا
لالتباس
الذي يشوب
تصور الزمن
في ذاته.
ولتصحيح هذا
الخطأ الذي أ
رتك ب بحق
نص أوغسطين
إلى حد
ما, سأعيد
التأمل في
الأبدية في
مرحلة لاحقة
من التحليل
بغية البحث
فيه عن تكثيف
تجربة الزمن. الثانية,
وبمعزل عن
التأمل في
الأبدية,
وبسبب مكر
المنهج الذي
أقررت
به توا , فإن
التحليل
الأوغسطيني
للزمن يضفي
عليه خاصية
تساؤلية إلى
حد كبير,
بل ملتبسة لم
تقم بها
أية نظرية
قديمة في
الزمان, منذ
أفلاطون إلى
أفلوطين, على
هذه الدرجة
من الدقة.
ولا يقتصر
الأمر على
مواصلة
أوغسطين,
كأرسطو,
الاعتماد
على
الالتباس
الذي أقره
التراث, بل
أن كل
حل لأي التباس
في بحثه,
يأتي بمصاعب
جديدة لن
تتوقف عن
التطلع. وهذا
الأسلوب
الذي يتسبب
بظهور معضلة
فكرية جديدة
مع كل تقدم
فكري, يضع
أوغسطين, على
التناوب, في
معسكر
الشكيين
الذين لا
يعرفون, وفي
معسكر
الأفلاطونيين
والأفلاطونيين
الجدد الذين
يعرفون,
فأوغسطين
يبحث (وسنرى
الفعل »يبحث«
quaerere
يظهر مرارا
في ثنايا
النص). ولعل
من الضروري
الذهاب إلى
القول إن
ما ي سم
ى بالقضية
الأوغسطينية
عن الزمن,
وهي قضية
أفضل عن قصد
تسميتها
بالقضية
النفسية لكي
أمي زها عن
قضية أرسطو,
بل عن قضية
أفلوطين, هي
أكثر
التباسا
مما يقر
به أوغسطين.
وهذا, في
حالتي, هو ما
سأحاول
توضيحه. لابد
من دمج
هاتين
الملاحظتين
الافتتاحيتين
بعضها ببعض.
فإقحام
تحليل
للزمان في
داخل تأمل في
الأبدية
يضفي على
البحث
الأوغسطيني
نبرة خاصة من
؛نشيج« مفعم
بالأمل, وهذا
شيء يختفي عن
تحليل يعزل
ما هو خلاصة
الزمان إذا
شئنا الدقة.
لكننا بعزل
تحليل الزمن
عن استتاره
في الأبدية
نستطيع
إظهار
ملامحه
الملتبسة.
وبالطبع,
يختلف هذا
النمط
الملتبس عن
الالتباس
لدى الشكيين
في أنه لا
ينكر وجود
نوع معين من
اليقين
الثابت. لكنه
يختلف أيضا
عن
الالتباس
لدى
الأفلاطونيين
الجدد في أن
جوهره
القطعي لا
يمكن
الإلمام به
في ذاته فقط
بمعزل عن
ضروب
الالتباس
التي يولدها. هذه
الخاصية
الملتبسة
للتأمل
الخالص في
الزمن ذات
أهمية كبرى
لكل ما سيلي
في البحث
الحاضر.
ويتمثل هذا
في ناحيتين: الأولى,
لا بد من
الإقرار
بعدم وجود
ظاهراتية (فينومينولوجيا)
خالصة للزمن
لدى أوغسطين.
ورب ما لن
توجد.
وبالتالي
فإن النظرية
الأوغسطينية
في الزمن هي
جزء لا يتجزأ
من العملية
الجدالية
التي يجندل
بها هذا
المفكر رؤوس
هيدرا
النزعة
الشكية التي
تتولد ذاتيا
باستمرار
رأسا تلو
الآخر.
وبالنتيجة,
لا وجود لوصف
من دون نقاش.
ولهذا السبب
فإن من
الصعب جدا
- إن لم يكن
من المستحيل
- أن نعزل
جوهرا
ظاهراتيا
فيه عن كتلة
المحاججة.
ورب ما لم
يكن »الحل
النفسي«
الذي ن س ب
إلى أوغسطين
؛علم النفس«
ممكن عزله عن
بلاغة
المحاججة,
ولا »ح
لا«
يمكن إزالته
مرة واحدة
وإلى الأبد
عن ميدان
الالتباس. فضلا
عن ذلك,
يتخذ
الأسلوب
الالتباسي
دلالة خاصة
في
الستراتيجيا
الشاملة
للعمل
الحالي.
وستكون قضية
هذا الكتاب
الدائمة أن
يكشف أن
التأمل في
الزمن
مراودة غير
حاسمة لا
تستجيب لها
سوى
الفعالية
السردية.
وليست هذه
الفعالية ما
يحل الالتباس
عن طريق
استبداله
بسواه. وإذا
هي حل ت
الالتباس,
فبالمعنى
الشعري لا
بالمعنى
النظري
للكلمة.
وإنني أزعم
أن بناء
الحبكة
يستجيب
للالتباس
التأملي
بإيجاد شعري
لشيء ما قابل
, بالتأكيد,
على إيضاح
الالتباس (وسيكون
هذا هو
المعنى
الأولي
للتطهير catharsis
عند أرسطو),
وليس على حل
ه نظريا
. وبمعنى ما
فإن أوغسطين
نفسه ينتقل
نحو حل
من هذا
النوع.
فانصهار
الاستدلال
بالترتيلة
في القسم
الأول من
الكتاب
الثاني - وهو
ما سأعلقه
بين قوسين في
البداية -
يفضي بنا
أصلا إلى
فهم أن
التصوير
الشعري وحده,
ليس للحل
وحسب, بل
للسؤال نفسه
أيضا , سيخل ص
الالتباس من
اللامعنى
الذي يطوقه. التباس
وجود الزمان
ولا وجوده ليست
فكرة روح
الانتشار
والتبدد distentio
animi,
باقترانها
بفكرة القصد
والسعي intentio
سوى البقية
المتنخلة
بألم وبطء
من الالتباس
الأساسي
الذي ينازعه
أوغسطين,
أعني فكرة
قياس الزمن.
لكن هذا
الالتباس
نفسه مسطور
في دائرة
التباس أكثر
جذرية, أي
التباس وجود
الزمان
ولاوجوده.
لأن ما
يمكن قياسه
هو, بطريقة
ما, ما يوجد.
وقد نستهجن
هذه الحقيقة
إذا شئنا,
لكن
فينومينولوجيا
أو ظاهراتية
الزمن تنبثق
من سؤال
أنطولوجي: »ما
الزمن, إذن?
« )(quid
est enim tempus? ما أن
ي طر ح هذا
السؤال, حتى
تتدافع
المصاعب
القديمة
بخصوص وجود
الزمان
ولاوجوده.
ولكن يحسن
بنا منذ
البداية أن
نعرف أن
أسلوب
أوغسطين
التساؤلي
يفرض نفسه.
فمن جهة يميل
البرهان
الشك ي نحو
اللاوجود,
ومن جهة أخرى
تدفعنا ثقة
حذرة
بالاستعمال
اليومي للغة
إلى القول,
على نحو
ما لا
نستطيع أن
نعرف كيف
نفسره بعد,
إن الزمان
يوجد.
والبرهان
الشكي معروف:
ليس للزمان
وجود, ما دام
المستقبل
ليس بعد,
والماضي لم
يعد موجودا ,
والحاضر لا
يمكث. لكننا
مع ذلك نتحدث
عن الزمان
بوصفه ذا
وجود. ونحن
نقول إن
الأشياء
التي ستقع »ستكون«,
وإن الأشياء
الماضية »كانت«,
والأشياء
الحاضرة
؛تمر بنا«.
والمرور ليس
عدما .
والملاحظ أن
الاستعمال
اللغوي هو
الذي يضفي
المقاومة
مؤقتا
على قضية
لاوجود
الزمان. فنحن
نتحدث عن
الزمان,
ونتحدث عنه
حديثا
ذا معنى,
وهذا ما يدعم
دعوانا
بوجود
الزمان ويرج
ح ها. »نحن
بالتأكيد
نفهم ما
تعنيه
الكلمة, سواء
حين
نستعملها
نحن, أو حين
نسمع
الآخرين
يستعملونها«
(51:41). لكننا إذا
صح أننا
نتحدث عن
الزمان
بطريقة ذات
معنى,
وبألفاظ
إيجابية (سيكون,
كان, كائن),
فإن انعدام
حيلتنا عن
تفسير كيفية
حدوث هذا
الأمر ينشأ
عن هذا
اليقين
بالضبط. لا
شك في
أن الحديث عن
الزمان
يقاوم
البرهان
الشك ي, غير
أن الفجوة
بين »ماذا«
و»كيف«
تضع اللغة
نفسها موضع
السؤال
والاستفهام.
نحن نحفظ عن
ظهر قلب صيحة
أوغسطين
التي أطلقها,
وهو على
أعتاب تأمله:
»ما
الزمن, إذن?,
إنني لأعرف
معرفة جيدة
ما هو, بشرط
ألا يسألني
أحد عنه, لكن
لو سألني أحد
ما هو,
وحاولت أن
أفسره,
لارتبكت« (17:14).
بهذه
الطريقة تضع
المفارقة
الأنطولوجية
اللغة في
تناقض ليس
فقط مع
البرهان
الشكي, بل مع
ذاتها. إذ
كيف يمكن
التوفيق بين
الخاصية
الإيجابية
للأفعال »يحدث«
و»يقع«
و»يكون«
وبين سلبية
ظروف الزمان:
»لم
يعد«
و»ليس
بعد\« و»ليس
دائما«?
هكذا يتم
تضييق
السؤال. كيف
يستطيع
الزمن أن
يوجد, إذا
كان الماضي
لم يعد
موجودا ,
وإذا كان
المستقبل لم
يوجد بعد,
وإذا كان
الحاضر غير
موجود دائما
? تتداخل
بهذه
المفارقة
الأولية
مفارقة
مركزية
ستنبثق عنها
موضوعة
الانتشار
والتمدد
والتبدد .distention
كيف يمكن لنا
أن نقيس ما
لا يوجد? إن
مفارقة
القياس هي
نتيجة
مباشرة
لمفارقة
وجود الزمان
ولاوجوده.
هنا تكون
اللغة دليلا
أكيدا
على نحو
نسبي مرة
أخرى. فنحن
نتكلم عن
زمان طويل
وزمان قصير,
ونلاحظ
بطريقة ما
طوله ونأخذ
قياسه (انظر 19:15,
حيث تخاطب
الروح نفسها:
»لأننا
موهوبون
بالقدرة على
الإحساس
بالفواصل
الزمنية
وقياسها.
فماذا سيكون
الجواب?
«). وأكثر
من ذلك إننا
لا نستطيع أن
نصف بالطول
أو القصر إلا
الماضي أو
المستقبل.
واستباقا
لـ»حل«
الالتباس,
فإننا نقول
حقا عن
المستقبل
إنه يقصر,
وعن الماضي
إنه يطول.
غير أن
اللغة
محدودة
بالشهادة
على حقيقة
القياس. لكن »الكيف«
يروغ منه مرة
أخرى: ؛كيف
يمكن لأي شيء
لا يوجد أن
يكون إما
طويلا أو قصيرا
(sed
quo pacto?)?« (18:15). يبدو
في البداية
أن أوغسطين
يدير ظهره
ليقين أن
الماضي
والمستقبل
هما ما
نقيسهما.
لكنه بوضع
الماضي
والمستقبل,
في ما بعد, في
داخل الحاضر,
عن طريق
استحضارهما
في الذاكرة
والتوقع,
سيتمكن من
تخليص هذا
اليقين
الأولي من
نكبته
الظاهرة
بتحويل فكرة
المستقبل
الطويل
والماضي
الطويل إلى
توقع وذكرى.
لكن هذا
اليقين
باللغة,
وبالتجربة,
وبالفعل, لا
يمكن
استرداده
إلا بعد
تصنيعه
وتحويله
تحويلا
عميقا .
وبهذا
الخصوص فإن
من سمات
البحث
الأوغسطيني
أن يتم توقع
الجواب
النهائي
مرات عدة
وبطرق شت ى
بحيث إنه ي
عر ض في
البداية على
النقد, قبل
أن يتبلور
معناه
الحقيقي. وحقا
أن أوغسطين
يبدو أو ل
الأمر رافضا
اليقين
القائم على
برهان واه
جدا : »رب
اه, يا نور
وجودي, ألا
تجعلنا
حقيقتك نظهر
حمقى في هذه
الحالة أيضا
?
« (18:15). لذلك
فهو يلتفت
أولا إلى
الحاضر. أفلم
يكن الماضي
طويلا حين كان ما
يزال حاضرا ?
بهذا السؤال,
أيضا , يتم
توقع شيء من
الجواب
النهائي ما
دامت
الذاكرة
والتوقع
سيظهران
بوصفهما
جهتين
للحاضر. لكن
الحاضر, في
هذه المرحلة
من المحاججة,
يظل في
مقابلة مع
الماضي
والمستقبل.
ولم تبزغ بعد
فكرة وجود
حاضر ثلاثي
الأبعاد.
وهذا هو
السبب في
وجوب طي
حل قائم على
الحاضر وحده.
فإخفاق هذا
الحل ينتج
عن تصفية
فكرة الحاضر,
الذي لم يعد
يت سم بكونه
ما لا يمكث
فقط, بل أيضا
بكونه ما
ليس له
امتداد. ترتبط
هذه التصفية,
التي تبلغ
بالمفارقة
أقصاها,
ببرهان شكي
مشهور: هل
يمكن لمائة
سنة أن تكون
حاضرة دفعة
واحدة (19:15). (يتوجه
البرهان, كما
نرى, إلى
نسبة الطول
للحاضر فقط).
السنة
الحالية فقط
حاضرة, وفي
السنة الشهر,
وفي الشهر
اليوم, وفي
اليوم
الساعة: »وحتى
الساعة
الواحدة
تتكو ن من
دقائق تنقضي
باستمرار.
والدقائق
التي انصرمت
ماض , وأي
جزء يتبقى
من الساعة هو
مستقبل«
(20:15). لذلك
كان لا بد أن يخلص
إلى ما خلص
إليه
الشكيون: »في
الحقيقة, إن
الزمن
الوحيد الذي
يمكن أن يسم
ى حاضرا
هو »الآن«
instant,
لو تمكنا من
إدراكه في
ذاته, وهو ما
لا ينقسم إلى
أجزاء أصغر
وأدق ... وحين
يكون حاضرا
لا تكون له
ديمومة
spatium)).
وفي مرحلة
لاحقة من
النقاش
سيضيق تعريف
الحاضر أكثر
بحيث ينحصر
في فكرة الآن
الشبيه
بالنقطة. في
البداية
ينعطف
أوغسطين
انعطافة
مثيرة إلى
النتيجة
القاسية
للمكيدة
الاحتجاجية: »كما
رأينا سابقا
بوضوح بالغ,
فليس
بالإمكان أن
تكون للحاضر
ديمومة«. ما
الذي يبقى
صامدا
أمام
انقضاض
النزعة
الشكية إذن?
إنها, كما هي
العادة
دائما ,
التجربة
التي تصوغها
اللغة
ويضيئها
الوعي: »رباه,
نحن برغم ذلك
ندرك مدد
الزمان.
نقارن بعضها
ببعض, ونقول
إن بعضها
أطول وبعضها
أقصر. بل
إننا نحسب
كم تطول مدة
على أخرى وكم
تقصر عنها«
(21:16). إن
الاحتجاج
الذي تنقله
المفردات: (ندرك)
sentimus,
و(نقارن) comparamus,
و(نحس ب) metimur
هو احتجاج
فعالياتنا
الحسية
والعقلية
والعملية
فيما يتعلق
بقياس الزمن.
لكن عناد
ما ينبغي أن
ي صط ل ح عليه
بالتجربة
لاحقا
لا يمضي بنا
إلى أبعد من
هموم السؤال
؛كيف«.
فاليقين
الزائف ما
زال يختلط
بالبرهان
الأصيل. قد
نعتقد أننا
نخطو خطوة
حاسمة
باستبدال
فكرة الحاضر
بالانقضاء
والعبور
والانتقال,
متابعين خطى
الحكم
السابق: »إذا
قسناها
بوعينا
للزمن, فيجب
أن نفعل ذلك,
وهي تنقضي
وتنصرم )praetere
untia(«.
ويبدو أن
هذه الصيغة
التأملية
تطابق
يقيننا
العملي.
ولكنها أيضا
ستكون عرضة
للنقد قبل
العودة إلى
مواصلة
السؤال,
تماما
كما حصل مع
التمدد
والتبدد distentio,
بفضل جدل
الحاضر
ثلاثي
الأبعاد.
وما دمنا لم
نكو ن فكرة
عن العلاقة
التمددية distended
بين التوقع
والذاكرة
والانتباه,
فنحن لا نفهم
ما نقوله
فعلا حين
نكرر للمرة
الثانية: »النتيجة
هي أننا
نستطيع أن
ندرك الزمن
ونقيسه في
أثناء
انقضائه«.
وهذه الصيغة
استباق للحل
ومأزق مؤقت
في الوقت
نفسه. لذلك
لم يكن من
المصادفة أن
يتوقف
أوغسطين في
الوقت الذي
يبدو فيه
أكثر يقينا : »أبتاه,
إن هذه
لنظريات
حائرة, وليست
تأكيدات
صريحة« (22:71).
والأكثر من
ذلك أنه لا
يستمر
بمتابعة
هذا البحث,
بدافع من
فكرة
الانقضاء
هذه, بل
بالعودة إلى
نتيجة
البرهان
الشك ي: »ليس
بالإمكان أن
تكون للحاضر
ديمومة duration«.
فمن أجل
تمهيد
الطريق
لفكرة أن
ما نقيسه هو
في الحقيقة
المستقبل,
الذي ي فهم
لاحقا
بوصفه
توقعا ,
والماضي
الذي ي فهم
بوصفه تذكرا
, لا بد
من البرهنة
أولا على
وجود الماضي
والمستقبل
اللذين أ نكر
وجودهما
بسرعة بالغة,
ولكن يجب
البرهنة
عليهما
بطريقة لم
نتوصل إلى
صياغتها حتى
الآن. باسم
ماذا يمكن أن
ي منح الماضي
والمستقبل
الحق
في أن يوجدا
بطريقة أو
أخرى? مرة
أخرى باسم ما
نقوله أو
نفعله
بخصوصهما.
فماذا نقول
ونفعل بهذا
الخصوص? إننا
نقص الأشياء
التي نعتقد
أنها حقيقية,
ونتوقع
الأحداث
التي تقع كما
تنبأنا بها.
لذلك ما زالت
اللغة,
بالإضافة
إلى التجربة
والفعل
اللذين
تصوغهما
اللغة, هي ما
يصمد بوجه
هجوم
الشكيين.
فالتوقع
تنبؤ, والقص
تمييز
بالعقل .cernere
يتكلم كتاب »عن
الثالوث«
(15, 21:12) بهذا
المعنى عن »شهادة«
ذات شقين (مايجرنغ,
ص67) للتاريخ
والتوقع. ومن
هنا, وبرغم
البرهان
الشكي, يخلص
أوغسطين إلى
أن »الماضي
والمستقبل
كليهما
يوجدان sunt
ergo)).22:17( وليس
هذا التصريح
مجر د تكرار
للتوكيد
الذي سبق أن
رفضه في
الصفحات
الأولى, ألا
وهو أن
المستقبل
والماضي
يوجدان. إذ
يظهر
اللفظان
الخاصان
بالماضي
والمستقبل
من الآن
فصاعدا
بوصفهما
صفتين:
المستقبلي futura
والماضي .praeterita
ويتيح هذا
التحو ل
الضئيل إلى
حد ما,
المجال
لنكران
المفارقة
الأولية حول
الوجود
واللاوجود,
وبالنتيجة,
حول
المفارقة
المركزية
الخاصة
بالقياس
أيضا . وفي
حقيقة الأمر,
فنحن مهيأون
لأن ن ص ف
بالوجود,
ليس الماضي
والمستقبل
وحسب, بل
الخصائص
الزمانية
التي يمكن أن
توجد في
الحاضر, من
دون الأشياء
التي نتحدث
عنها, حين
نرويها أو
نتوقها,
وكأنها ما
زالت موجودة,
أو هي موجودة
أصلا . لذلك
لا نستطيع أن
نكون في غاية
اليقظة مع
تحو لات
التعبير لدى
أوغسطين. حين
يكون على وشك
الإجابة عن
المفارقة
الأ
نطولوجية,
بصمت مرة
أخرى: ؛رب اه,
يا رجائي,
اسمح لي أن
أوغل في
البحث (amplius
quaerere))).81:32) ( وهو
لا يقول هذا
على سبيل
التأثير
البلاغي, أو
ورع
الابتهال
وحسب. فبعد
هذه الوقفة,
تأتي خطوة
متهورة
ستفضي إلى
التأكيد
الذي ذكرته
سابقا , وهو
أطروحة
الحاضر
ثلاثي
الأبعاد.
غير أن
هذه الخطوة,
كما هي
العادة في
مثل هذه
الحالات,
تأخذ شكل
سؤال: »إذا
وجد
المستقبل
والماضي,
فأنا أريد أن
أعرف أين
يوجدان«.
لقد بدأنا
بالسؤال »كيف?
«, وها
نحن نواصل
السؤال عن »أين?
«. وليس
هذا السؤال
بالسؤال
الساذج. فهو
يكمن في
البحث عن
موضع
للأشياء
المستقبلية
والماضية من
حيث هي مروية
أو متوقعة.
وستنضوي
البرهنة
التالية في
حدود هذا
السؤال,
وستخلص إلى
موضع
الخصائص
الزمانية
التي ينطوي
عليها القص
والتوقع »في
داخل«
النفس. وهذه
الانتقالة,
عن طريق
السؤال »أين?
«, أمر
جوهري, إذا
أردنا أن
نفهم فهما
صائبا
الإجابة
الأولى: »وبالتالي
فأينما كانت
الأشياء
المستقبلية
والماضية,
ومهما كانت,
فإنها لا
توجد إلا في
كونها حاضرة«.
يبدو أننا
ندير ظهورنا
للتأكيد
السابق في أن
ما نقيسه هو
الماضي
والمستقبل
فقط, بل يبدو
أننا ننكر ما
أقررنا به,
وهو أن ليس
للحاضر
ديمومة. لكن الحاضر
المشار إليه
هنا, حاضر
مختلف تماما
, حاضر صار
صفة جمعية (الأشياء
الحاضرة praesentia),
إلى جوار
الأشياء
الماضية praeterita,
والأشياء
المستقبلية futura,
وهو حاضر
يمكن له أن
يقبل
بالتعدد
الداخلي.
ويبدو أننا
قد نسينا
أيضا تأكيد
أننا »نقيس
الزمان, في
أثناء
انقضائه«
(21:16). لكننا
سنعود إلى
هذه النقطة
فيما بعد,
حين نعود إلى
سؤال القياس. إذن
ففي إطار
السؤال »أين?
«, نتبنى
مرة أخرى
فكرت ي
القص
والتوقع,
بغية مزيد
من التوضيح
لهما. ونحن
نقول إن
السرد يعني
الذاكرة, وإن
التنبؤ
يعني التوقع. والآن,
ما الذي
يعنيه
التذكر? إنه
يعني أن تملك
صورة عن
الماضي. كيف
يمكن ذلك?
لأن هذه
الصورة هي
الانطباع
الذي تركته
الأحداث,
الانطباع
الذي يظل
عالقا
في الذهن. لا
بد أن
القارئ لاحظ
بعد الوقفات
المحسوبة
السابقة أن
كل شيء
بدأ يتسارع
فجأة. وليس
تفسير
التنبؤ
بالأمر
المستغلق.
فبفضل
التوقع
الحاضر تكون
الأشياء
المستقبلية
موجودة
لدينا
بوصفها
أشياء ستأتي.
ولدينا
إدراك سابق (praesensio)
لما ي مك ن نا
من أن نتنبأ
بها
ونستبقها .(praenuntio)
وهكذا
فالتوقع هو
نظير
الذاكرة. إذ يكمن في
صورة توجد
سلفا , بمعنى
أنها تسبق
الحدث الذي
لم يوجد بعد (nondun)
لكن هذه
الصورة ليست
انطباعا
تركته
الأشياء
الماضية, بل
هي »علاقة«
أو »إمارة«
على أشياء
مستقبلية,
يتم على
هذا النحو
استباق ها,
أو التنبؤ
بها, أو
تصورها, أو
توقعها, أو
تخيلها سلفا (لاحظ ثراء
معجم الحياة
اليومية عن
التوقع). وهذا
الحل رائع,
ولكن ما
أجهده, وما
أفدح ثمنه,
وما أشد
هشاشته! حل
رائع, لأننا
بائتماننا
الذاكرة على
الأشياء
الماضية,
وائتماننا
التوقع على
الأشياء
الآتية,
فإننا يمكن
أن نكون قد
حصرنا
الذاكرة
والتوقع في
حاضر ممتد
وجدلي, لا
ينحصر هو
نفسه في
الطرفين
اللذين
رفضناهما
سابقا , فلا
هما من
الماضي, ولا
من المستقبل,
ولا من
الحاضر
الشبيه
بالنقطة, ولا
حتى من
انقضاء
الحاضر. ونحن
نعرف الصيغة
الشهيرة
التي نعاين
بسهولة
ارتباطها
بالالتباس
الذي ي فت رض
أن تأتي
لتحله: »رب
ما صح
القول إن
هناك ثلاثة
أزمنة: حاضر
الأشياء
الماضية,
وحاضر
الأشياء
الحاضرة,
وحاضر
الأشياء
المستقبلية.
وتوجد مثل
هذه الأزمنة
المختلفة في
العقل, لا في
أي مكان
آخر يمكن لي
أن أراه«
(26:20). وحين
يقول
أوغسطين ذلك,
فإنه يعي أنه
ينأى, نوعا
ما, عن
اللغة
العادية,
التي دعم بها
موقفه, إن
كان ذلك
باحتراس, في
مقاومة
برهان
الشكيين: »ليس
من الصائب
تماما
القول ان
هناك ثلاثة
أزمنة:
الحاضر
والماضي
والمستقبل«.
لكنه يضيف
كأنها في
حاشية
هامشية: »إن
استعمالنا
للكلمات غير
دقيق على
العموم,
ونادرا
ما يكون
صائبا , وإن
كان المعنى
الذي نقصده
مفهوما «.
ولكن ليس
هناك ما
يمنعنا من
الاستمرار
في التحدث,
كما نتحدث
الآن, عن
الحاضر
والماضي
والمستقبل: »لن
أعترض أو
أحاجج, ولن
ألوم من
يتحدث عن هذه
الألفاظ,
بشرط أن يفهم
ما يقوله«.
وهكذا تعاد
صياغة اللغة
اليومية,
ولكن على نحو
أكثر
انضباطا . ولكي يمك ننا أوغسطين من فهم معنى هذا التصحيح, يعتمد على موازنة ثلاثية, يبدو أن ها بي نة بذاتها: »حاضر الأشياء الماضية هو الذاكرة, وحاضر الأشياء الحاضرة هو الإدراك المباشر (ستتحو ل هذه الكلمة فيما بعد إلى الانتباه attentio التي تتطابق مطابقة فضلى مع الانتشار والتبدد distentio), وحاضر الأشياء المستقبلية هو التوقع« (26:20). كيف نعر | |||||