محاولة الإجابة عن أسئلة الواقع

خيري دومة
ناقد وأكاديمي من مصر


لم يكن عبد المحسن طه بدر (1932-1990) مجرد ناقد أدبي, يقرأ الكتب ويستعرض النظريات الأدبية, ثم يقدم لقرائه خلاصة تحليلاته وآرائه, بل كان قبل هذا  -  وهنا مناط تميزه - صاحب موقف واضح وبسيط, مفرط أحيانا في وضوحه وبساطته. لا يحفل بما يلقى إليه من الغرب أو الشرق, وإنما يهتم غاية الاهتمام بأن يجتهد في فهم واقعه, وأن يكون مفهوما لقرائه العاديين, ومؤثرا فيهم, ومقنعا لهم. قد يختلف الناس حول منجزه النقدي النهائي, وقد يختلفون حول أحكامه القاسية, وحول أدواته النقدية البسيطة شبه التعليمية, حول منهجه النقدي ومدى قدرته على إضاءة النصوص التي يقف عندها, وحول تصنيفاته للرواية العربية, حول كونه ناقدا اجتماعيا أو تاريخيا أو تعبيريا أو قوميا أو واقعيا أو ماركسيا (وكلها أوصافا طلقت عليه)..

قد يختلف الناس حول هذا كله, لكنهم لن يختلفوا غالبا حول كونه نموذجا متفردا للناقد الذي يحرص على تحقيق أعلى درجة من الاتساق بين نقده الأدبي, ومعتقداته النظرية, وحياته المعيشية.

لقد بدا لقرائه وزملائه وتلاميذه وكأنه لا يملك شيئا من معلومات الناقد البراقة; فأمثلته التي يضربها في الكتب وفي قاعات الدرس واحدة, بعيدة تماما عن التجريد, هدفها تعليمي بحت, تعكس حرصا مبالغا فيه على الإفهام. نادرا ما يتردد في كلامه اسم ناقد آخر; فمنبع الكلام واحد وصيغته تعليمية ونهائية وحاسمة. إنه الناقد الذي يستشعر ضخامة مسؤوليته, لا إزاء النقد الأدبي بالمعنى الضيق, بل إزاء مجتمعه وواقعه ووطنه. نوع من المثقف الطليعي الذي يسعى إلى قيادة مجتمعه إلى تغيير مأمول.

وربما كان وراء هذا الحسم والوضوح واليقين الذي تحدث به عبد المحسن طه بدر دائم ا, في دروسه وفي كتاباته(1), عاملان أساسيان:

 أولا : تصور خاص لوظائف الناقد, وفي مقدمتها الوظيفة الاجتماعية والتعليمية, وهي الوظيفة التي تقتضي عنده بالضرورة عدم الانفصال عن قضايا الواقع المباشرة وأسئلته البسيطة. »الاتصال بالواقع«   هي كلمة السر في نقده كله كما سنرى: سواء في مسحه التاريخي لنوعين كبيرين من أنواع الأدب العربي الحديث, هما الشعر والرواية, أو في نظريته النقدية, أو في تطبيقاته على نصوص من الأنواع الأدبية المختلفة. إن للأدب  - والفن - الجيد عند عبد المحسن بدر وظيفته في فهم الواقع وتغييره, كما أن للنقد الجيد وظيفته في فهم الأدب وتقييمه على هذا الأساس الاجتماعي ذاته.

ثاني ا: أساس تاريخي (مستمد من قراءة تفصيلية لتاريخ الأدب والثقافة والمجتمع العربي الحديث). لقد بنى عبد المحسن بدر قناعاته الأساسية على هذا الأساس التاريخي, فحاول أن يتعلم من تجربة من أسماهم »كبار المثقفين«  في تاريخ الثقافة العربية الحديثة, وألا يكرر أخطاءهم; ومن ثم لم يكن من السهل أن يغير قناعاته مع كل صيحة نقدية جديدة; إذ أنها لم تكن مجرد آراء جاهزة استمدها من الآخرين ويسهل أن يغيرها ويستبدل بها أخرى.

ومن المؤكد أن هذا التصور الخاص الثابت لوظيفة الناقد من ناحية, وهذا الوعي التاريخي الحاد بتجربة كبار المثقفين وأخطائهم  طوال تاريخنا الحديث من ناحية أخرى, قد أفسدا على عبد المحسن بدر تقييمه النهائي لبعض التيارات الفنية في تاريخ أدبنا الحديث, وجعلا موقفه متصلبا وجارحا في بعض المواقف وإزاء بعض النصوص, لكنهما منحاه أيضا قدرة أعلى على الحسم واستيعاب الظواهر الجديدة في إطار رؤية واضحة وثابتة إلى حد بعيد, وهي قدرة قد لا تتوافر للناقد الذي لا يملك مثل هذه الرؤية. وإذا لم نبدأ من هذه النقطة, فإننا لن نفهم كثيرا من منجزات نقد عبد المحسن بدر,   وكثيرا من مشكلاته أيضا.

في الصفحات الأخيرة من كتابه ؛البحث عن المنهج في النقد العربي الحديث« يستفيد سيد البحراوي بقوة من النتائج التي انتهى إليها أستاذه, حين يرد    أزمة  المنهج في هذا النقد إلى سبب جوهري واحد, هو عدم قدرة النقاد العرب - في مختلف مراحل النقد العربي الحديث, ولأسباب مختلفة - على قراءة أسئلة الواقع العربي ومحاولة استيعابها والإجابة عنها, والاستغراق بدلا من ذلك في الإجابة عن أسئلة واقع آخر(هو الواقع الأوروبي في غالب الأحيان), وتكريس ذهنية تابعة لا جدوى منها ولا أمل فيها.

ويشير البحراوي إشارات عابرة إلى: ؛نقاد قلائل رفضوا الانصياع للتبعية وظلوا متمردين, وهؤلاء نسيهم التاريخ, الذي ما زال (رغم ديموقراطية العصر الحديث) تاريخ السلطة«, كما يشير إلى: ؛عدد من النقاد كفوا عن متابعة أي جديد في ساحة النقد الأوروبي, وبقوا محافظين على مناهجهم التقليدية, التي وإن حوت تناقضاتها القديمة, فإنها تظل أكثر فعالية, وخاصة في النقد التطبيقي, وقدرة على القيام بالوظيفة الاجتماعية للنقد, أي تحقيق الصلة بين المتلقي والنص؛(2). ومع أن البحراوي لا يتوقف عند نموذج مما قدمه هؤلاء النقاد, ومع أنه لا يشير في هذا السياق إلى اسم  عبد المحسن بدر أو غيره, فإن أي متابع لمشهد النقد العربي في السبعينيات والثمانينيات, لا يملك إلا أن يتذكر هنا اسم عبد المحسن بدر, الذي اشتهر بين زملائه وتلاميذه بحدته في مقاومة بريق الصيحات الغربية الجديدة ورطانها النقدي الغامض, وبحرصه على ثبات المنهج وبساطته شبه التعليمية.   

وتحاول هذه الورقة أن تتخذ من عبد المحسن طه بدر نموذجا لهؤلاء النقاد العرب المحدثين القلائل, الذين حاولوا الانطلاق من أسئلة الواقع; لترى ما الذي استطاع هؤلاء النقاد تحقيقه, وما الذي فشلوا في تحقيقه, ولماذا,  وما الذي بقي من عملهم لتفيد منه حركة النقد العربي في وقتنا الراهن.

وقد يكون من الضروري إلقاء الضوء أولا  على المقصود بـ»أسئلة الواقع«.  لقد بات من المعروف أن العالم  العربي  - مجتمعه, وثقافته, وأدبه, ونقده..إلخ - قد تنازعه طوال تاريخه الحديث, ولايزال يتنازعه تياران أساسيان: أحدهما يجتهد للعثور على حلول لمشكلات الحاضر في ما قدمته الحضارة العربية الإسلامية القديمة التي كانت متفوقة, والآخر يسعى لاقتناص الحلول واستيرادها من الحضارة الغربية الحديثة التي لا تزال متفوقة. وفي أتون الصراع بين هذين التيارين القويين لم يفرغ أحد لفهم الواقع الموضوعي للمجتمع العربي الحديث.

من المؤكد أن التيارين كليهما كانا يسعيان لفهم هذا الواقع وتغييره والنهوض به, لكن ما حدث - من وجهة نظر عبد المحسن بدر - أنه قد تمت التضحية بهذا الواقع أو الاستعلاء عليه, مرة  لصالح الحضارة العربية الإسلامية (في التيار الأول) ومرة لصالح الحضارة الغربية(في التيار الثاني). وهكذا اجتهد المثقفون في الإجابة عن أسئلة مزيفة; لأنها ليست أسئلة واقعهم الحاضر, بقدر ما هي أسئلة واقع غريب عنهم زمانا ومكانا. ومن الغريب أن هؤلاء المثقفين كانوا يلحون على فرض الأسئلة والأجوبة على واقعهم الذي لم يفهمهم ولم يتواصل معهم, مما زاد من اتساع الشقة بينهم وبين هذا الواقع,  فاصطدموا به واستعلوا عليه وغرقوا في تشاؤمهم ومشكلاتهم الذاتية(3). 

كان من الطبيعي والحالة هذه أن يتركز عمل عبد المحسن طه بدر على التاريخ الأدبي, في سياق من التاريخ الاجتماعي العام, في محاولة لفهم العوامل الحاكمة لحركة التاريخ العربي الحديث, ومن ثم العوامل المؤثرة في التاريخ الأدبي.

والحق أنك لا يمكن أن تفصل عمل عبد المحسن بدر الناقد عن عمل عبد المحسن بدر المؤرخ, كما لا يمكنك أن تفصل نقده للأدب عن نقده للنقد ; وذلك لسبب أساسي: أن كبار الأدباء الذين درسهم كانوا هم أنفسهم كبار النقاد والمثقفين, خاصة في جيل طه حسين والعقاد والمازني..إلخ, وهو الجيل الذي انخرط في علاقة مركبة مع الثقافة الأوروبية, كما أنه الجيل الذي حاول أن يبلور أشكالا للأدب ومناهج للنقد في ثقافتنا العربية الحديثة.

في تأريخه للأدب العربي الحديث شعرا (في رسالة الماجستير) ورواية (في رسالة الدكتوراه), وبعد أن فرغ من  صياغة تصوره للوظيفة الأساسية للأديب والناقد والمثقف: رؤية الواقع وتقييمه والحكم عليه وتوجيهه, ولما لاحظ أن أدبنا ونقدنا وثقافتنا لم تفلح في الاتصال الحقيقي بواقعها, كان عمله كله منصبا على البحث عن إجابة لهذا السؤال: ما الذي أعاق أدباءنا ونقادنا عن رؤية واقعهم بشكل موضوعي ? وكان البحث التاريخي هو طريقه للإجابة عن هذا السؤال.

ولا شك أن عبد المحسن بدر في هذه المرحلة التأسيسية من عمله, كان يبني على مبادئ المنهج التاريخي كما تعلمها من أساتذته: طه حسين, ومحمد مندور, وشوقي ضيف وعبد العزيز الأهواني.. ولم يكن مستغربا ولا مستهجنا أن يبدأ رسالتيه في تاريخ الشعر والرواية, بمهاد تاريخي مطو  ل, وأن يبدأ كل فصل من فصول الرسالة بعد ذلك بمقدمات من قبيل (العوامل المؤثرة - عوامل ظهور الرواية - الظروف التي أحاطت بممثليها - الظروف التي أحاطت بممثليها وأثرها على نفسياتهم وتفكيرهم وأدبهم..إلخ). وكلها عناوين تشي بنزوع تاريخي وبيوجرافي سائد.

ويرتبط هذا النزوع التاريخي عنده بفكرة  تسري في عمله كله, هي فكرة »التطور«.. يقول في مقدمة تطور الرواية العربية: ؛ولما كنت من عنوان رسالتي معترفا بأن الفن والأدب ظاهرة متطورة تؤثر وتتأثر بالمحيط الذي تعيش فيه, وهو بهذا ليس ظاهرة جامدة وثابتة ولكنه ظاهرة دائمة النمو والحركة والتشكل والتغير تستجيب في حركتها لظروف بيئتها, لذلك كان من الضروري أن أكو ن لنفسي إحساسا واضحا عن العوامل التي أثرت في تطور حركتنا الأدبية والفكرية؛(4). لقد كان الغرض إذن من هذه المقدمات التاريخية الكثيرة والطويلة, أن يبني الناقد الشاب لنفسه أولا, تصورا واضحا عن اتجاه التطور العام ودلالته وقوانينه في الواقع العربي الحديث, أو في البيئة العربية الحديثة, باعتبار أن تطور الواقع أو البيئة هو أساس التطور الثقافي والفني الذي يدرسه الناقد.

وبقدر ما أصبحنا ننظر الآن إلى مثل هذه المقدمات, التي تحتل مساحة كبيرة من كتابي عبد المحسن عن الشعر والرواية, بصفتها ترهلا وعبئا لا طائل تحته, فإنها كانت بالنسبة له الأساس الذي بذل فيه جهدا كبيرا, ثم بنى عليه واستخلص منه مبادئ ثابتة, ظلت معه حتى النهاية كما سنرى.

ثلاثة مصطلحات في نقد عبد المحسن بدر لها سحر خاص, تتردد كثيرا في كتبه, ويتم بناء عليها تقييم الأدباء وأعمالهم, ويصعب فهم تطورات منهجه النقدي دون إدراك العلاقات المتشابكة والمتغيرة فيما بين هذه المصطلحات الثلاثة, وهي حسب ترتيب ظهورها في نقده: التطور, الواقع, الرؤية.

التطور(4) هي الكلمة الأقدم التي ورثها عن أساتذته, يتردد صداها في عناوين كتبه ومقالاته, بدءا من رسالة الماجستير بعنوان: »التطور والتجديد في الشعر المصري الحديث« 1957, إلى رسالة الدكتوراه بعنوان: »تطور الرواية العربية الحديثة في مصر« 1963, إلى محاضراته لطلبة جامعة بيروت العربية بعنوان »تطور النقد العربي الحديث« 1968 إلى مقالته الشهيرة »حركات التجديد والتطور في الأدب العربي الحديث« 1978. هذا فضلا عن  أنها كانت الأساس الذي بنى عليه خطة العمل في كل دراساته الأخرى.

لقد بدت الكلمة في بحثه عن »تطور الشعر« مجرد جزء من الميراث المثالي لأساتذته (وخاصة شوقي ضيف), الذي لا يذكر عبد المحسن كتابه« التطور والتجديد في الشعر الأموي« ضمن قائمة المراجع, وإن أشار إليه عرضا في متن الكتاب(5). وجاء تطور الأدب هنا مقترنا بما كان يسمى تطور »الحياة« (6), لكن الكلمة ما لبثت أن اقترنت فيما بعد بكلمة »البيئة«, ثم كلمة »الواقع«, فاكتست بظلال ماركسية وقومية, وأصبح تطور الأدب مقترنا بما يسمى تطور »الواقع«.

ومع أن صيغة التطور- وخاصة في كتابيه عن تطور الشعر وتطور الرواية, وفي مقالته عن حركات التجديد والتطور في الأدب العربي الحديث- كانت تسير على وجه العموم, وكما رسمها فى مقدمة »تطور الشعر«, من »مظاهر التطور في الحياة المصرية الحديثة في مختلف مجالاتها من سياسية واجتماعية وفكرية وأدبية«, إلى »أثر ذلك كله على موقف الشاعر من الحياة«, إلى »تأثير هذا الموقف على مضمون الشعر« ثم إلى »تطور صياغته التي اعتبرنا تطورها متصلا بتطور المضمون ونابعا منه« (7)  أي من الواقع المادي, إلى الوعي, إلى الفن مضمونا وشكلا  - مع ذلك, فإن موقف الأديب أو رؤيته فيما بعد - وخاصة في كتب حول الأديب والواقع, والروائي والأرض, ونجيب محفوظ - بدت وكأنها تحتل المكان الأول الذي تبدأ منه حركة التطور; فالواقع يبدو وكأن لا وجود له إلا عبر »إحساس« الأديب به, أو »موقفه« منه, أو »رؤيته« له.

و قد اقترن التطور عند عبد المحسن بالتقدم أو بالتجديد في معظم الأحوال, وبدا قيمة موجبة في حد ذاته, فهو يتصاعد عادة من الأدنى إلى الأعلى, سواء كان ذلك على مستوى نوع أدبي معين (كالرواية التي تتطور, في كتاب »\تطور الرواية« من الرواية التعليمية بدرجتيها, إلى رواية التسلية والترفيه, إلى الرواية التحليلية, إلى رواية الترجمة الذاتية, مع ملاحظة وجود درجات من التطور داخل كل نوع من هذه الأنواع الفرعية) أو كان ذلك في معالجة موضوع معين (كموضوع الأرض أو القرية في كتاب »الروائي والأرض«) أو كان ذلك على مستوى إنتاج أديب معين (كنجيب محفوظ الذي يمر إنتاجه, في كتاب »نجيب محفوظ: الرؤية والأداة«, بأطوار متصاعدة من العلاقة مع الواقع.

ربما كانت فكرة التطور مجرد حيلة تصنيفية سهلة ومقبولة استخدمها عبد المحسن كما استخدمها أساتذته من مؤرخي الأدب, دون أن يكون وراءها هذا العمق الأيديولوجي سواء المرتبط بالماركسية, أو المرتبط بالوعي القومي أو الناصري كما لاحظ جابر عصفور مرة في قراءته لكتاب تطور الشعر(8), لكن الشيء المؤكد أن التطور كان عند عبد المحسن قيمة موجبة, فمجرد كون الكاتب متطورا يمنحه امتيازا خاص ا. حتى في التعليق على مجموعة قصصية واحدة لكاتب شاب(فاروق منيب مثلا) يقسم الناقد الشاب(عبد المحسن بدر) قصص الكاتب إلى مراحل فنية متتالية متطورة, تعبر عن مراحل نفسية متتالية متطورة مر بها الكاتب. وليس أدل على القيمة الموجبة التي ينطوي عليها التطور, من هذه العبارة التي يختم بها الناقد تعليقه على مجموعة فاروق منيب »الديك الأحمر«, يقول: »وأخيرا فإن أملنا في فاروق كبير, وذلك أولا لأنه كاتب يعبر عن جيلنا, وثانيا لأنه يحاول هذا التعبير مخلص ا, فهو لا يلجأ إلى الشعارات ولا إلى اللهجة الخطابية ولا إلى الإثارة, وثالثا لأنه كاتب متطور يتجه إلى الأفضل بطريقة مستمرة متصلة, وهذا المعنى الأخير يؤكد ثقتنا فيه ويجعلنا ننظر في أمل ولهفة إلى إنتاجه المقبل« (9).

 وما من شك أن تحول مبدأ التطور إلى هاجس ملح يوجه كل  تصنيفات الناقد على هذا النحو, قد أحدث نوعا من الارتباك الذي ترك أثرا سلبيا على عمله ; إذ كثيرا ما واجه أعمالا لا تستقيم مع تصنيفاته التطورية, فلجأ إلى حلول استثنائية, وخاصة حين يتعارض التطور الفني مع التطور التاريخي. حدث هذا في تطور الشعر وفي تطور الرواية, يقول في مقدمة تطور الرواية:  ؛واستقر رأيي في النهاية على اختيار منهج يجمع بين المنهج التاريخي والمنهج النقدي ; لأني مادمت أؤمن بالتطور فلا يمكنني أن أغفل تأثير الزمن في تطور الرواية, ولما كان هذا التطور لا يظهر إلا منعكسا على موضوع الرواية والأسلوب الذي اتبعه مؤلفها في كتابتها كان لابد للباحث من قياس هذا التطور على ضوء المقاييس النقدية, ولذلك حاولت في تقسيم البحث وفي طريقة معالجته الجمع بين هذين العنصرين, ووجدت أن الجمع بينهما لا يتعارض مع واقع تطور الرواية العربية في مصر إلا في حالات نادرة حاولت تبريرها؛(10). ولابد للقارئ أن يلتفت في هذا النص إلى مجموعة من الأشياء; فالتطور مبدأ منهجي ينطلق منه الناقد ومسلمة »إيمانية« و»لا يمكن إغفالها«, وكل ما يمكن أن يفعله إذا حدثت تعارضات أن »يحاول تبريرها«. كما أن هذه من المرات النادرة التي يستخدم فيها عبد المحسن مصطلح »الانعكاس« في سياق شبه ماركسي.

ومن المهم أن نلاحظ أيضا أن مبدأ التطور في كتاب تطور الشعر, لم يكن قد وصل إلى مرتبة المسلمة الإيمانية التي وصل إليها في تطور الرواية وما بعدها, ولم يكن من ثم قد اكتسى ظلالا ماركسية; وهذا يعني أن تغيرات كبيرة وواضحة - وإن لم تكن حاسمة - قد وقعت في قناعات عبد المحسن وفهمه للمصطلحات, بين كتابه عن تطور الشعر 1957, وكتابه عن تطور الرواية 1963, وهي تغيرات اقترنت باستخدامه المصطلح  الثاني: الواقع والواقعية.

حتى أنهى عبد المحسن بدر رسالة الماجستير لم يكن لمصطلح الواقع والواقعية أي حضور في نقده, وحين نبحث عن المصطلح في كتاب »تطور الشعر« لن نعثر عليه سوى مرة واحدة, في إشارة هامشية مرتبطة باستخدام هيكل للعامية في رواية »زينب«, يقول: »وكما بدأ الأدب يتخلص من الاعتماد على الأدب العربي القديم ليعبر عن واقعه, كذلك تخلصت الأساليب من الاعتماد على الصياغة العربية القديمة لتكون أكثر سهولة وطواعية وملاءمة للتعبير عن الواقع, بل لشدة ارتباطها بالواقع. وتظهر هذه المحاولة في استخدام هيكل للغة العامية كأداة للحوار في قصة »زينب« (11). وكانت الكلمة المستخدمة دائما بدلا من كلمة الواقع - في كتاب تطور الشعر -  هي كلمة »الحياة« كما لاحظنا من قبل.

وبدءا من عام 1956 ظهرت كلمة الواقع في مقالة »الأدب والتجربة«, ثم احتلت الكلمة في عام 1958 مكانها في عنوان مقالته »نحو أدب واقعي مخلص«, وهو عنوان يحمل قدرا واضحا من التبني لحلم الواقعية الصاعدة, وهو ما يؤكد مرة أخرى أن تغيرا كبيرا قد وقع, في فهم عبد المحسن لمصطلحاته وتداعياتها خلال فترة الإعداد لدراسته عن تطور الرواية, ومن المرجح أنه تغير يرتبط بصعود المد القومي الذي ارتبط به حلم عبد المحسن, وإن لم يتوقف أبدا عن نقده وتقويمه.

لقد أصبحت كلمة الواقع - بالإضافة إلى كلمة التطور - قاسما مشتركا في كل ما يكتبه; ذلك أن »الاقتراب« من الواقع و»الإحساس« به و»رؤيته« تمثل الغاية التي يسعى إليها التطور الطبيعي ; فالنوع الأدبي - خاصة الرواية - يتطور ويتقدم وتتخلق تقاليده الفنية كلما اقترب من الواقع (تطور الرواية), ورؤى الكتاب تتقدم وتتصاعد في تطورها كلما اقتربت من الواقع, فتبدأ من الرؤية الرومانسية البعيدة عن الواقع, وتنتقل إلى الرؤية الفكرية المثالية المفروضة على الواقع, ثم تتقدم خطوة أخرى نحو الواقعية, إلى أن تصل إلى الرؤية الواقعية في نهاية المطاف (الروائي والأرض); وأعمال الكاتب الواحد تتطور وتكتسب قيمتها الفنية كلما اقتربت من الواقع واتصلت به (نجيب محفوظ: الرؤية والأداة).

وهكذا يتطور الفن صاعدا حتى يصل إلى الواقعية, أما إذا تخطى الواقعية بأي معنى, فإن هذا سيصبح في نظر عبد المحسن أقرب إلى الارتداد ; ولعل هذا يفسر لماذا توقف عبد المحسن في دراساته للرواية عند حدود الواقعية ; فقد ظل طوال السنوات العشر الأخيرة من حياته يقرأ الرواية المعاصرة, رواية ما بعد الواقعية, ويتابعها ويسعى لكتابة دراسة عنها, ولكنه ظل مترددا جدا إزاء هذه الخطوة, إلى أن قدم محاضرة تذكارية في ذكرى عبد العزيز الأهواني عام 1987 بعنوان »الرواية العربية المعاصرة« (وهي المحاضرة التي لم يتخذ عبد المحسن قرارا بتحويلها إلى بحث منشور, لكن نصها نشر كما هو, ونقلا  عن النص الصوتي المسجل, بما يتضمنه من ارتجال, وذلك بعد وفاته بثلاث سنوات, ضمن كتاب »دراسات في تطور الأدب العربي الحديث«). ومع أن هذه المحاضرة توقفت عند حدود الرصد والتصنيف, ورسم الخطوط العامة لما حدث من تحولات في الرواية المصرية بعد 1967 - فإن الموقف النهائي لعبد المحسن من هذه التحولات كان سلبيا; لأن هذه الروايات تنكبت طريق الواقعية, وعادت إلى تضخيم الذات على حساب الموضوع. الأثر الإيجابي الوحيد الذي يسجله عبد المحسن لهذه التحولات يتعلق بنوعية الاقتراب الجديد من الواقع, يقول: ؛الأثر الإيجابي هو أن الناس نظروا إلى الواقع بتفحص أكثر, النزعة التشككية جعلت الوعي بالغ الشدة ويجب إعادة النظر في كل مسلمة, ويجب ألا يؤخذ أي أمر على أنه مفروغ منه..« (12)

ولعل هذا يفسر أيضا لماذا لم يكمل عبد المحسن مشروعه عن نجيب محفوظ. لقد ظهر كتاب »نجيب محفوظ: الرؤية والأداة« عام 1978 (13), وكان واضحا من غلاف الكتاب في طبعته الأولى, أنه يمثل جزءا من مشروع لدراسة كل روايات نجيب محفوظ, غير أن القراء فوجئوا بأن الطبعات التالية للكتاب جعلت الكتاب مكتملا في ذاته وتخلت عن إكمال المشروع(14). لقد انتهى رصد التطور في الجزء الأول من الكتاب عند روايات محفوظ الواقعية النقدية, وكان الجزء الثاني استكمالا ضروريا لمشروع عبد المحسن, لأنه سيؤيد الفصل الاستهلالي العميق الذي رصد فيه الجذور العامة الثابتة في رؤية نجيب محفوظ, وهي الجذور المستمدة في معظمها من رواياته الميتافيزيقية في الستينيات, لكن عبد المحسن لم يكتب هذا الجزء وأغلق الكتاب عند جزئه الأول, فهل كان ذلك لأن روايات محفوظ الميتافيزيقية غير الواقعية في الستينيات لا تستحق الجهد المبذول في دراستها ? أم لأنها كانت ستضع الناقد من جديد أمام مأزق التطور الصاعد ?

في كتاب تطور الرواية حلت