|
|||||
|
سلك
الشعر
العربي منذ
أولياته الى
يومنا هذا
تقريبا
دروبا وعرة
المسالك,
ومحفوفة
بالمخاطر
وغياب
الطمأنينة
والاستقرار,
شأنه في ذلك
شأن البيئة
التي أنجبته,
والتي أقل ما
يقال في حقها
إنها محط
الحل
والترحال
وموعد
التناحر
والصدام
القبلي
المتأجج
النعرات
والعداوة. من
هذا المنطلق
وجدنا الشعر
العربي لم
يعرف في
مغامرته
الشاسعة
المساحة
والطويلة
العمر
والمدى, ما
عرفته بقية
أشعار الأمم
الاخرى,
والتي وإن
تضايق في
وجهها
المطاف
أحيانا
فإنها حظيت
في أغلب
مراحل
تدرجها
بحرية
الاندفاع
وحركية
الابتداع
ورحابة المد
والجزر,
ونكهة
المراجعة لا
غيبوية
الاتباع
والمحافظة. لقد
جاء الشعر
العربي الى
هذا العالم
من مخاض
القبيلة,
ونشأ وترعرع
وتربى بين
أحضانها, ومن
مضاربها
استنشق أول
نكهة للحياة,
ومن طنبها
وعمدها
وأوتادها
وأثافيها
استشرف
ديمومة
النظام
وسذاجة
الانسجام,
فحظي الشعر
بين تلك
المضارب
الموحشة في
معظم
حالاتها بما
يحظى به أحد
افرادها
البررة
والمنسجم
قلبا وقالبا
مع كيانها
المرصوف
برباط الدم
والاعراف,
فما كان منه
سوى أن ذاب
داخل هذا
الحرم
القبلي
المقدس يكر
إذا كرت: قوم
إذا سمعوا
الصراخ
رأيتهم
ما بين ملجم
مهره أو سافع ويفر
إذا فرت,
يواسي من
تواسيه
ويناصر
المظلوم
والظالم: حديث
على بطون ضبة
كلها
إن ظالما
فيها وإن
مظلوما ويساجل
العداوة من
تساجله: أسجالك
العداوة ما
بقينا
وإن متنا
نورثها
البنينا ويفخر
بمن أنجبه لا
بما أنجب:
ومن هنا
تتجلى أولى
نقاط
التدمير
للذات الفرد
حيث تصبح
ملغاة داخل
الحرم الكلي
أو داخل
الأخرى وهذا
ما حدا بزهير
بن أبي سلمى
أن يقول: وما
كان من خير
أتوه فإنما
توارثه
آباء آبائهم
قبل وهل
ينبت الخطي
إلا وشيجة
وتغرس إلا
في منابتها
النخل? أو
كما يفصح
الآخر على
الرغم من
اختياره
لمسلك مناهض
لقيم
القبيلة
المتمثلة في
الصعلكة: إلا
أنه ما ينفك
ينضج بما في
وعائه من
الولاء
اللاشعوري
للقبيلة أو
لأحد
أفرادها
قائلا: وإني
لمهد من
ثنائي فقاصد
به لابن عم
الصدق شمس بن
مالك أهز
به في ندوة
الحي عطفه
كما هز عطفي
بالهجان
الأوارك(2) لقد
ملكت طقوس
القبيلة على
الشاعر
كيانه
ومصيره, وذلك
بفرض
عاداتها
وشعائرها,
على الأنسام
التي تغذي
أحاسيسه وقد
يجد كل متتبع
لمسيرة
الشعر هذه
القيم
مرصوفة فيما
أجمعوا على
تسميته
بالعرف
القبلي,
والذي أصبح
يعرف فيما
بعد »بعمود
الشعر« المقدس
والويل كل
الويل لمن
تخامره نفسه
من انتهاك
هذه
المحصنات
فمصيره
الانسلاخ من
جسم القبيلة
ويفرد افراد
البعير
المعبد, لذا
تجدنا ونحن
نستقصي متون
ديوان العرب
الذي هو »خزانة
حكمتها
ومستنبط
آدابها
ومستودع
علومها«
(3) نجد فيه
أقدم
الأصوات
تصرح بمثل
هذا الولاء
اللامشروط
تجاه
القبيلة: وما
أنا إلا من
غزية إن غوت
غويت
وان ترشد
غزية أرشد أو
أن يشمل
الولاء حد
الطرفين
روحا وجسدا
بالسير في
ركب العصبية
والتخييل
بما يرضي
الجماعة
وقول أوس بن
حجر أحد
أقطاب الشعر
يعتبر خير
دليل على ما
نقول: أقول
بما صبت علي
غمامتي
ودهري
وفي حبــل
العشيــرة
أحطــب فغمامة
الشاعر هنا
لا توهمنا
بالحرية في
استلهام
الخواطر
واستجلائها;
بل هي غمامة
من حصيلة نقع
سنابك فرسان
الحي
والانتماء;
أو هي من
نيران
الضيفان
الموقدة,
إنها غاصة من
القبيلة
وإلى
القبيلة وما
دهر الشاعر
فيه سوى
حصيلة
النتاج
التفاعلي
بين الفرد
والكل وبين
واجبه في
القبيلة
أثناء
مثولها أمام
الأمر
الواقع. قد
لا يخفي
علينا ما
للظروف
الحياتية
البدوية من
مؤثرات
ساهمت في
توصيل رباط
التوادد
والتلاحم
على حساب
النزوع الى
التفرد
والانشغال
بهموم الذات
والتي من
خصائصها
عادة البث
المفعم
بالتباريح
الصادقة,
وبإشكالية
الحياة كما
يتلقاها محك
المعاناة,
أما في حالة
انعدام
الرؤية
الذاتية في
الرؤية
الكلية فان
مدار فلك
التلقي
والارسال
يصبح رهينة
لاستقطاب
الحدث من
زاوية تنعدم
فيها غالبا
رغبة
الاحساس
بتجاوز حد
المغامرة
إلى الداخل
قصد النفاذ
الى بؤرة
النور وهتك
حجب الظلمة
والظل. لكن
هذا الادراك
الجمعي
للتخييل لم
يقف حاجزا
صلبا أمام
نفاذة
صيرورة »الشعرية«
(4) ولم ينف
عنها رغم
الستائر
القبلية
الاكتحال
بوهج الرؤيا
الصميمية
والوثوب الى
مزمور الشعر
الصافي وإذا
ما عثرنا على
مثل الادراك
الذي يعتبر
نشازا فلا
يمكننا أن
نجعل منه
وعدا لأمر
معقول, بل هو
رذاذ من
بقايا حلم في
اللاشعور
الفطري لا
يجد حرجا من
التعبير عن
ذاتيته حين
يجد الفرصة
سانحة
للمثول في
ساحة الواقع:
من هنا كان
في امكاننا
أن نلمس
ذبذبات
ماهية الشعر
الحقيقي حين
يغيب شاعر
كطرفة بن
العبد في
رحلة السكر
الغيبية
قاتلا على
سبيل المثال: رأيت
القوافي
ينلجن
موالجا
تضايق عنها
أن تولجها
الإبر(5) فإنك
لو تدبرت هذا
التصريح
الخطير
لاستجليت
منه أن مهمة
الشعر
الملقاة على
عاتق هؤلاء
أكبر من أن
تستقصى, إنها
دعوة صريحة
للولوج إلى
الأعماق
والحفر على
الصخر
بازميل من
وهج قصد
النفاذ إلى
بؤرة النور
الحقيقية. ومن
الغريب أن
تتجلى
باستمرار
ظاهرة البحث
عن الشعر,
الشعر عند
شاعر كطرفة
بن العبد أحد
الرموز
الشابة
والواعدة
والتي كان في
مقدورها, لو
لم تسيج
بطقوس
القبيلة,
لجادت من
الابداع بما
يفوق
المتبقي من
محصول حصاده.
فالمتتبع
لشعره يحس
بحشرجة تنغص
على الشاعر
الرغبة في
الانطلاق
لكنه يطفئها
بوعود تتمثل
في شق طرقات
بعيدة على
الأقنوم
القبلي, من
هناك تجده
يرضى
بالمراوحة
فتارة يجعلك
تشعر
بانسجامه مع
واقعه
المحتوم
وأحيانا
تجده كمن
يعتذر أمام
قضاء لا مراد
له; ومرة
أخرى تحس
بطاقته
تتفجر فيعبر
عن مخزونه
تجاه
القبيلة
وتجاه نفسه
قائلا: ولست
بحلال
التلاع
مخافة
ولكن متى
يسترفد
القوم أرفد فتجد
النكوص
والولاء, لأن
إيمانه
بفاعلية
القول
الشعري قوي
وها هو يعبر
عن ذلك في
إحدى
التفاتاته
الرائعة في
مجال البديع: بحسام
سيفك أو
لسانك
والكلم
الأصيل
كأرغب الكلم فكأنه
في عجز البيت
ظن أن معترضا
يقول له: كيف
يكون مجرى
اللسان
والسيف
واحدا? لذا
تراه التفت
ليقول: »والكلم
الأصيل
كأرغب الكلم«
(6) وتجده يؤكد
على صميمية
الشعرية مرة
أخرى بقوله: وإن
أحسن بيت أنت
قائله
بيت يقال إذ
أنشدته صدقا لكن
كما سبق وأن
ذكرت كل ذلك
من تحصيل
حطام الرغبة
وشرعة
الأضغاث
المدفونة
تحت رماد
الارادة
المدمرة على
صخرة أشعة
القبيلة
المتشابكة
التضاد
والتفاعل,
ومثل هذا
الادراك
السالف
الذكر فإننا
لا نعثر عليه
سوى عند
أولئك
المسكونين
بحمل همين:
هم الولاء,
وهم
الانعتاق
محنة
الانصياع
ورغبة
التمرد, وما
صراخ الأعشى
حليف العقار
ببعيد عن
رغبة طرفة
فلا مجال
للغرابة هنا
فكلاهما يعب
من معين واحد
مشحون بقبضة
الثنائية
المحتومة. إنه
يدرك ما هو
الشعر حين
يطرب كما
يقال: والشعر
يستنزل
الكريم
كما استنزل
رعد السحابة
السبلا فبالرغم
من الدعوة
الظاهرة
لماهية
الشعر التي
بإمكانها
تفجير الماء
ولو من
الحجارة,
فإنها دعوة
كذلك لابراز
مدى مفعول
هذه الشعلة
السحرية
التي لا تعجز
عن هز الفروع
من الأصول
وزعزعة ما لا
يقوى الدهر
على
استئصاله
واستنطاقه. وقريب
من هذا الوهج
الغريب قول
حسان وهو
يوازي بين
مفعول
صارمين: إلا
انه يغلب
الشعر على
السيف حين
يستخلص
قائلا: لساني
وسيفي
صارمان
كلاهما
ويبلغ ما لا
يبلغ السيف
مذودي(7) إنها
دعوة كما ترى
تريد مخاطبة
الناس كما لو
كانوا ورقا
لا شوك فيهم,
وتحث على
مقاطعتهم
إذا
استحالوا
الى شوك لا
ورق فيه لذا
تشعر بوهج
التمرد
عاليا
وصريحا في
موقف الشاعر
سويد بن حذاق
الذي لا يخدع
ببهرجة من
يرى في
الملوك
شموسا
ودونهم
الكواكب: إنه
بموقفه
الشجاع
الشاعري
كأنه يجعل
حدا لدمار
النفس- الشعر-
أمام نسج
الطقوس
العنكبوتية
المبهجرة
لهالة من
النفاية, في
حقيقة الأمر,
دون مرتبة
مملكة
الشعراء
التي يسودها
العدل
والمحبة, فها
هو يرد
الاغراء
مخاطبا
جلادا لا
يعرف قيمة
الكلمة-
المعاناة-
عمرو بن هند
قائلا: أبى
القلب أن
يأتي السدير
وأهله
وإن قيل عيش
في السدير
غزير بها
البق والحمى
وأسد خفية
وعمرو بن
هند يعتدي
ويجور وتلك
خلاصة المطب
ونتيجة
الوقوع في
لعبة الطقوس,
إنه حلم
الأحرار من
شعراء
الكلمة
والإحساس,
لكن شبح
التيه
والخروج
بغير رجعة في
صحراء
منعدمة الظل
بات يهدد مثل
هذا النزوع
إلى
الانعتاق
والرفض, أو
بالغربة
الداخلية,
فراحت من
هناك تقلم
أظافر الغضب,
وتقص
الأجنحة,
ويروض
التمرد
وتحسر نظرة
الشوق الى
المغامرة,
فكان من نتاج
هذا الأمر
الواقع تفجر
رغبة السفر
داخل ضباب
الحلم
فتحولت نظرة
الشعراء شطر
مضارب الحي
تستنطق
مواطن
الذكرى
وكأني بهم
ينشرون آخر
ما في توهجهم
من تعاويذ
طقوسي على ما
كان
بالإمكان أن
يعلو صرحا أو
معبدا يراق
على جنباته
الحب
والحرية; وما
وقوف
الشعراء على
أطلال الحي
الدارسة; إلا
من شجون
الكلام
المبحوح
والموثوق
بحبال
النعرة
القبلية, وقد
يكون مثل هذا
الوقوف
الاجباري
داخليا
والاختياري
خارجيا من
قبل الشاعر
عملة ذات
وجهين أحد
وجوهها
التعبير عن
الولاء
اللامشروط
لشعائر
القبيلة
مجسما في
التعلق بمن
سكن الديار
لا بما تبقى
في عرصاتها
أو هو
الانعتاق,
ولو الضمني,
للشعرية حتى
تخلق من
الذكرى فيضا
لوهج مكبوت
يتحسس
السامع في
تباريحه ما
يعبر عن
الذات الفرد
أو الذات
الكل, لأنه
كما يقول أحد
الشعراء: ولم
أفهم
معانيهــا
ولكن
شــجت كبدي
فلم أجهـــل
شجاها وفي
هذه الحال قد
يفوز
المنهزم
بغنيمة
الاياب أو
ينجو برأس
طمرة ولجام
على حد قول
حسان بن ثابت
حين يحتدم
الصراع بين
الولاء
المشروط
واللامشروط,
وقد لا نجانب
الصواب إذا
استنتجنا أن
تمسك بعض
الشعراء أو
جلهم
بالمطلع
الطللي ما هو
إلا تعبير عن
الولاء
اللامشروط
لقيم
القبيلة وما
خلو قصائد
الصعاليك من
هذه
التعويذة أو
الترنيمة
الجنائزية
إلا فيه ما
فيه من الرفض
الصارخ لكل
قيم القبيلة
وتصبح في هذه
الحال
المقدمة
الطللية
جزءا لا
يتجزأ من
العرف
الشعري الذي
سيعرف بعمود
الشعر كما
يحدده النقد
فيما بعد,
فالولاء إذا
يشمل كل شيء
حتى استنشاق
الأحاسيس من
الديار
المقفرات,
وهذا ما جعل
الشعر
العربي
يتفرد بهذه
الظاهرة
ويظل مسكونا
بها موكولا
بتقليدها
وكأن التطبع
فيها غلب
الطبع وأصبح
القارئ يجد
فيها لوطة
بالقلب
وتعلقا
بالنفس لهذا
نجد ناقدا
كابن قتيبة
أو كالحاتمي
تلفت
انتباهه
ظاهرة
الأطلال ولا
يجد لها
مخرجا سوى
التعليق
عليها بقوله:
»..
بالمنظوم
سبقت العرب
الى وصف
الطلول
والآثار
والبكاء على
معالم
الديار
وتأبين ما
تعفى من
مراسمها
بالرياح
والأمطار,
ووصف ما محته
الأيام من
محاسن صورها
وطوته
بالبلى من
أردية
مغانيها
وأحالته من
أعيان
معانيها وما
أخلقته
العهاد من
جديد
معاهدها
وأبقته
الأنواء من
أواريها
وأوتادها,
ولعبت به
الحوادث من
ملاعبها
وأبدعه من
وصف بال من
آياتها
بالبهجة
والنظرة
والتضوع
بنسيم
الأحبة
وإستضحاك
رسومها بعد
خلوها من
ساكنها«
(8) فهذا ما
تبقى كحد
أقصى من
الروح
الشعرية
المتمردة
التي رضيت
عموما
بسيطرة
الطرف
المضاد. قبالة
هذا الزخم
التفاعلي
تهلهل خباء
الشعر
الواسع
الأطراف
وبقي عموده
الأيد الذي
أحيط بقداسة
العباد بل
زاد حد
تقديسه الى
درجة وقوفه
كحد فاصل بين
الاتباع
والولاء, أو
التمرد
والانزواء
وتحول إلى
عقبة كؤود في
وجه محاولات
العودة الى
تلك
التوترات
المهزومة, أو
محاولة أي
صيغة جديدة
للوثوب
بالشعر نحو
الأعلى او
الأسفل ومنذ
تحول هذه
المحاولات
الى شكل حركة
تطمح إلى
التجديد
وتبرز في شكل
هزة جمالية
محتشمة تهدد
ركن الاتباع
الركين كشفت
الحرب عن
وجهها
الحقيقي
وأميط
اللثام
العدائي
تجاه الجديد
حتى ولو كان
جيدا فحوصرت
أقلية
المتمردين
على عمود
الشعر وأصبح
يشار اليهم
بشارات لا
تمت لحقيقة
الفن بصلة,
لكن دواعي
الحرب كما
تقتضي أو
تحتم تبيح
استخدام كل
الأسلحة من
كلا الطرفين
ومن هناك
اتضح ميدان
المعركة,
واشتعلت
النار
القبيلة من
جديد, وما
دام الحق كما
يراه
السلفيون
الى جانبهم
فإنهم
أصبحوا لا
يرون فصلا
للمعركة إلا
بإبادة
الطرف
المتمرد
واستئصاله
من جذوره
وبهذا حملت
معركة
القديم
والجديد في
شعرنا
العربي منذ
أوليتها إلى
يومنا هذا
هاجس حب
التدمير
للطرف
المضاد أو
المتمرد عن
القيم
العرفية ولم
تقبل أبدا
محاولة
لايجاد صيغة
للتفاوض
والتقارب أو
وسيلة
للتعايش
والتزامن في
جو سلمي مفعم
بتبادل
التجارب
والمعاناة. فإذا
كان هذا ما
يمكن أن تنعت
به مسيرة
الشعر في
جدليتها
فإننا يمكن
إضفاء
قالبها على
جميع أشكال
التعبير
الأخرى أو
على جميع
معترك
الحياة
العربية
بمختلف
أنماطها
السياسية
والاجتماعية
والثقافية.
ولما كانت
ولا تزال
الغلبة من
نصيب
الاتباعية
السلفوية
فان جميع
محاولات
التجديد في
مختلف
الميادين
على طول وعرض
المساحة
العربية ظلت,
وما تزال,
ترى كحركات
تمردية أو
صعلكة
هامشية
مآلها
التدمير أو
الذوبان أو
الخنوع أو
الغربة وراء
قضبان
القيود
والسدود. ولا
يسعنا هنا
إلا أن نبرز
إلى أي مدى
بلغت مثل هذه
اللعبة
الخطيرة
ومدى فاعلية
سيطرتها
بقوة الحديد
والعناد حتى
مكنت لنفسها
من القلوب
وراحت تهيل
اسقاطاتها
العرفية على
كل ما تحيط
به حتى مكنت
لنفسها من
توسيع
القاعدة
واحتواء جل
المبدعين في
فلكها إلى ان
بلغ بها الحد
أن تجعل من
أكثريتهم
بيادق وكلت
لهم مهمة
الدفاع عن
قداسة عرفية
مشروعة بحكم
الولاء
اللامشروط
فتحول الشعر
إلى بضاعة
مزجاة مما
جعل أحد
الشعراء يرد
على أحد
عملاء النقد
حين سأله
قائلا: »لماذا
لا تطيل
الشعر? فرد
عليه لست
أبيعه
مذارعة«
(9) فنسي
هؤلاء أو
تناسوا أن
الشعر على
قدر البقاع
وأن المكثار
فيه كحاطب
الليل
تستهويه
غابته
المظلمة, فلا
يعود منها
سوى بهاجس
الفزع. لكن
جهود
المبدعين
الحقيقيين
لم تجد نفسها
داخل هذه
الغابة
الموكل الى
حطابها أن
يحطب في حبل
العشيرة أو
الملك حتى
ولو كان
جائرا, وتحت
وطأة هذه
النظرة
السلفوية
راحت تبدد
طاقات المد
الابداعي
الأصيل تارة
في لجة
الأمداح
المجانية
ومرة في
متاهات
المعارك
الهاشمية
التي هي من
صنيع مخرجي
مسرحية
القديم
والجديد; وما
تأوه شاعر
كجرير على ما
فات منه من
شعر صاف الا
شهادة ضمنية
على ما
استشعره من
ضغط فوقي رمى
به في أتون
معارك جوفاء
أبعدته عن
جادة الشعر
الخالص فهو
يقول متأسفا:
»لولا
ما شغلني من
هذه الكلاب-
يقصد كلاب
الشعر
الأخطل
والفرزدق
والبعيث وما
كان بينهم من
تكادم- لشببت
تشبيبا تحن
العجوز منه
إلى شبابها«
(01) ولعله بهذا
التصريح
يكشف لنا عن
جزء صغير من
دائرة
اللعبة
الخبيثة
التي كانت
سببا في
إثارة فتنة
شعرية تمثلت
في النقائض
وسخر لها
عملاء الشعر
ممن لا يربط
بينهم لا دين
ولا قيم ولا
مبادئ سوى
شهوة
التهريج
والقبول
بدور الصنيع
حتى ترضى
عليه وارثة
عرش القبيلة
ويفرش لها
طبق الولاء
بورود من
السباب
والشتم
مخلفا وراءه
الرغبات
الصادقة في
أتون من
الفتنة
الهاشمية
حتى يجد نفسه
إما تابعا أو
خانعا أو
غائبا عن
دائرة النور;
فمن تصريح
جرير المشوب
بالحسرة
والمرارة
ندرك مدى
إحساسه
بالذنب وهو
يتخلى عن
مهمة نبيلة
خلق من أجلها
ويتحول إلى
أحد بيادق
المسرحية
الجيدة
الحبك. وإذا
نحن تتبعنا
مسيرة النقد
المواكبة
لمثل هذا
الشعر فإننا
لا نألو جهدا
من العثور
عما يدعم
اعتراف جرير
الذي أجمع
النقد في حقه
على تفوقه
على خصومه«
وقالوا: ؛كان له في
الشعر ضروب
لا يعرفها
الفرزدق- لا
تنفتح
شاعريته لها-
وماتت امرأة
الفرزدق
نوار فناح
عليها بشعر
جرير. لولا
الحياء
لهاجني
استعبار
ولزرت قبرك
والحبيب
يزار(11) وذلك
لم لشعر جرير
من لوطة
بالقلب
اعترف له بها
خصومه حسب
رواية
الاصمعي
التي تقول
؛إن الفرزدق
والأخطل
اجتمعا فقال
الأخطل
للفرزدق: أنا
والله وأنت;
أشعر من جرير;
غير انه رزق
من سيرورة
شعره ما لم
نرزقه; لقد
قلت بيتا لا
أحسب أحدا
قال أهجى منه
وهو: قوم
إذا استنبح
الأضياف
كلبهم
قالوا
لأمهم بولي
على النار فحسب
رأي النقاد
فإنه جمع فيه
أفانين
الهجاء ما لم
تجتمع في
غيره; من
نسبه الى
البخل
بإطفاء
النار لئلا
يهتدي بها
الأضياف ثم
بالبخل
بإيقادها
للسارين;
لئلا يهتدوا
بها ثم بالظن
بحطبها, ثم
أخبر عن
قلتها
ونزرتها
ووصفها بأن
بولة تطفئها,
ثم خص بول
العجوز وهو
أقل من بول
الشابة
ووصفهم
بابتذال
أمهاتهم في
أثناء ذلك
عنهم بالبخل
بالماء. فلم
يبق فن من
فنون الهجاء
السخيف إلا
وقد اشتمل
عليه هذا
البيت... إلا
أن الأخطل
أدرك سرا آخر
بحدسه
الشاعري
فيعترف به
قائلا: وقال
جرير والتغلبي
إذا تنحنح
للقرى
حك استه
وتمثل
الأمثالا فلم
تبق سقاءة,
ولا أمة إلا
روته. قال
الأصمعي:
فحكما له
بسيرورة
الشعر(12). فبهذا
الحكم يضعنا
الأصمعي
أمام خاصية
من خصوصيات
الشعر على
درجة عالية
من الأهمية,
ومن العجيب
الغريب أنه
وأمثاله
ظلوا
يقاومون مثل
هذه
السيرورة
التي تتمثل
في روح الفن
الصميمية
والتواقة
للتعبير عما
يعجن
بالداخل لا
عما يفرغ
فيها وينتظر
منها تمثله,
وفي معرض
حديث الأخطل
ما يدل على
مدى نفاذ شعر
جرير في
الأوساط
المدمرة
التي في
حقيقة الشعر
نجده خلق من
أجلها لا من
أجل
عبدالملك بن
مروان الذي
كان يرى خراج
خرسان مثلا
لا يفي
بمتطلبات
مطبخه... أو أن
ينصب نفسه
حكما للشعر.
فيقمع كما
فعل في
العديد من
المرات مع
جرير
والفرزدق
والأخطل وذي
الرمة
وغيرهم من »المتكادمين«
أو كأن يأمر
ابنه هشام بن
عبدالملك
بجلد الشاعر
المجيد
عبدالله بن
عمر العبلي
لأن مواقفه
السياسية
معارضة
لأهواء بني
أمية(13) أو ما
ذنب شاعر مسن
كأرطأة بن
سهية المري
وقد أتت عليه
عشرون ومائة
سنة حين سأله
عبدالملك بن
مروان قائلا: ؛ما
بقي من شعرك
يا ابن سهية?
فقال والله
ما أشرب ولا
أطرب ولا
أغضب ولا
يجيء الشعر
إلا على مثل
هذه الحال
وان على ذلك
للذي أقول: رأيت
المرء تأكله
الليالي
كأكل الأرض
ساقطة
الحديد وما
تبغي المنية
حين تأتي
على نفس ابن
آدم من مزيد وأعلم
أنها ستكر
حتى
توفي نذرها »بأبي
الوليد« وكان
الشاعر
أرطأة يكنى
أبا الوليد
فارتاع
عبدالملك
وكان أيضا
يكنى بأبي
الوليد
واشتد عليه
وتغير وجهه
وظن أنه
يعنيه(14) ولم
يصله بشيء
لأنه يريد أن
يسلب منه حتى
كنيته وهذا
منتهى
الأنانية
والجبن عند
هؤلاء الذين
نصبوا
أنفسهم
أوصياء على
عمود الشعر
والتحكم في
القيم ولقمة
عيش الشعراء. وكما
هو طبيعي فان
لكل حرم خدمه;
ولكل جبار
زبانيته
وزبانية
السلفوية
تمثلت في
رجالات
نصبوا
أنفسهم
حراسا على
ميراث الشعر
استوحوا
جيده مما
يلقى هوى في
نفوس أولياء
نعمتهم
فيصبح في رأي
الأصمعي
مثلا كل من
الكميت
الشاعر
الشيعي وابن
قيس الرقيات
لا يحتج
بشعرهما
لأنهما غير
فصيحين
ويصبح ما
يقوم به
الطرماح
شاعر وفارس
الخوارج
الذي كما
يشير إليه
أبوعمرو بن
العلاء أن
رآه بسواد
الكوفة وهو
يكتب ألفاظ
النبيط
ويتعلمها
ليدخلها في
شعره (....) وفي
رواية أخرى
سأله ما تصنع
بهذه
الألفاظ?
فأجابه:
أعربها
وأدخلها في
شعري«
(15) فاعتبر
ذلك منافيا
لعمود الشعر,
ونسي أن
التطعيم من
سنة حياة
اللغة. وما
رد الطرماح
والكميت على
من سألهما
متعجبا من
صحبتيهما
وأحدهما
خارجي
النزعة
والآخر شيعي
الهوى فردا
عليه: جمع
بيننا بغض
بني أمية
فاستراح
الذي انبهر! ولو
أراد الدارس
الانسياق
وراء ابراز
شهادات
الولاء
المشروط
واللامشروط
لما وسعه
المجال; لكن
كيف تخفي على
الدارس سوء
نية المترصد
لكل ما هو
جديد لا يدين
بالولاء
للدولة ولا
للعرف
القبلي? وقد
كان ابن
الأعرابي
حليف
الأصمعي خير
من يمثل
سلالة
النقاد
الملتزمين
بعمود الشعر
فلما أنشده
رجل شعرا
لأبي نواس
أحسن فيه,
سكت. فقال له
الرجل: أما
هذا من أحسن
الشعر? قال:
؛بلى ولكن
القديم أحب
إلي(16) وهكذا
بنزوة قبلية
يرفض اضافات
معتبرة
لميراث
الشعر غير
مكترث بجهود
أعصر من
التجريب
والمعاناة. وقد استطاع هؤلاء النقاد من أعداء الجديد أن يمكنوا لانفسهم في أرضية النقد والشعر ويضمنوا لمستقبلهم حتمية الاستمرار والمحافظة متمثلة في انجاب خير خلف لخير سلف تجسم في كل من الصولي والآمدي وابن طباطبا والعسكري والحاتمي ومن على شاكلتهم, وقد ساعد عملاء النقد الملت | |||||