مشروع منهج متكامل لدراسة الأدب العربي الفلسطيني الحديث

حسام الخطيب ناقد واكاديمي من فلسطين


تمهيد :

لا يضيرني أن اعترف أن هم  تحديد مصطلح الأدب الفلسطيني المعاصر ورسم منهج نوعي لدراسته ليس وليد الساعة, بل هو هم قديم ولد في ذهني مع بداية تماس ي مع الإنتاج الأدبي الفلسطيني والإنتاج العربي المتعلق بفلسطين وقضيتها.  وهذا الإنتاج العربي كبير وممتد ومتنوع ويتقاطع في مضامينه وتجاربه وأشكاله الفنية تقاطعا  قويا  مع الإنتاج الفلسطيني.

ومثله ذلك النتاج الأدبي الفلسطيني والأدبي المتعلق بالقضية الفلسطينية وهو غزير  متوالد متطور يوميا  مع تلاحق الأحداث المصيرية الدرامية التي يتعرض لها الشعب العربي الفلسطيني, ومع هذا النتاج هناك دراسات وتصانيف ورسائل جامعية ومناقشات وحوارات صاخبة, ومعها ندوات ومؤتمرات .  وقد طغى هذا الإنتاج المتعلق بالقضية الفلسطينية على الجوانب المختلفة للإنتاج الإبداعي والثقافي الذي ينتجه الفلسطينيون في الوطن المحتل والشتات.

ومع هذا التراكم الإبداعي والمعرفي الهائل, يحس المتابع ببعد ناقص حول تحديد طبيعة هذا الإنتاج وحدوده وتصنيفاته الداخلية, وعلاقته بالمحيط الأدبي العربي من حوله.

وقد أتيحت لي في السابق مناسبات محدودة لطرح هذا الموضوع على المنتديات الفكرية, وكنت حريصا  على ألا أفو ت أية فرصة من هذا النوع لقناعتي بأن المنهج المعتمد يحتاج إلى إنضاج وتعميق واستدراكات من خلال الحوار المفتوح وامتحان ردود فعل المتلقين تجاهه من دارسين ومثقفين وذوي اهتمام فكري أو قومي.

ومع الأسف, كانت هذه المناسبات متقطعة ولم يتوالد منها أي تراكم يساعد على تشكيل ملامح منهج مناسب.  وفيما يلي عرض موجز لأهم مناسبتين في هذا الشأن.

1- 1- ندوة التعريف بالأدب الفلسطيني

          المعاصر, اليونيسكو , باريس 1984

كانت المناسبة الأولى ثمينة وفي الصميم, وهي ؛ندوة التعريف بالأدب الفلسطيني المعاصر«, التي عقدت خلال يومي 18-19/7/1984 في مقر اليونيسكو (باريس) بدعوة من الجمعية العالمية للحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني ورعايته                  International Association for the Safeguard and 

 Enhancement of the Palestinian Cultural Heritage

وبتعاون مع منظمة اليونيسكو, والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ALECSO , ومشاركة الدوائر المعنية بالثقافة والأدب في منظمة التحرير الفلسطينية.  على أمل أن تتمخض هذه البداءة عن برنامج مشترك ينظم بالتعاون بين اليونيسكو وألكسو ومنظمة التحرير.

وقد مثل ألكسو في هذه الندوة مديرها العام الدكتور محي الدين صابر, وترأس الجلسات.  وحضر جلسة الافتتاح الأستاذ ماكاغيانسار, المدير العام المساعد في القطاع الثقافي لليونيسكو نيابة عن المدير العام السيد محمد مختار أمبو, والسيد أحمد الدراجي الممثل الدائم للمنظمة العربية في اليونسكو, وبعض كبار موظفي اليونيسكو.  وأسهم في الندوة باحثون عرب وفلسطينيون من مناطق مختلفة من العالم.  وهم : محمود درويش, وجبرا إبراهيم جبرا, وإدوارد سعيد, وإبراهيم أبو لغد, وسحر خليفة, ومحمد بن يس وحسام الخطيب.  كما شارك فيها كل من عبد الله حوراني عن دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية, وعمر مصالحة ممثل المنظمة في اليونيسكو, والسكرتير العام للجمعية العالمية للحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني ورعايته. (1)

وبعد مناقشات دامت يومين كاملين انتهت الندوة إلى إقرار البرنامج التالي, الذي روعي فيه الاقتصار على الخطوط العريضة والبعد عن التفاصيل بوصفه وثيقة شبه تأسيسية:

أ ) في مجال الدراسات :

1. تاريخ الأدب الفلسطيني المعاصر.

2. الأجناس الأدبية وتطورها.

3. توثيق الأدب الفلسطيني المعاصر.

* أعلام هذا الأدب.

* الدراسات المتصلة به.

4. الأطروحات النظرية حول الأدب الفلسطيني المعاصر.

ب) المنتخبات والأعمال القابلة للترجمة :

* منتخبات الشعر الفلسطيني المعاصر.

* منتخبات القصة القصيرة.

* أعمال كاملة شعرية, قصصية, مسرحية, أو روائية يتم اقتراحها على هيئات النشر.

ج ) إنشاء معهد الأدب الفلسطيني المعاصر: ويشمل:

* مكتبة فلسطينية شاملة.

* مكتبة الأدب الفلسطيني, يشرف عليها قديرون لاختيار الأعمال الإبداعية وترجمتها إلى اللغات الأدبية بالاتفاق مع دور نشر من الدرجة الأولى.

* قسم التوثيق, ويهتم بما تم ت الإشارة إليه في النقطة أ.

* هيئة الاتصال, وت عنى بالتنسيق بين الباحثين والمهتمين بالأدب الفلسطيني المعاصر, عربيا  ودوليا .

* التفر غ, ويقيد منه الذين يقدمون على إنجاز أعمال إبداعية, وكذلك الباحثون الذين يرى المعهد وجوب تكليفهم إجراء دراسات حول الأدب الفلسطيني المعاصر طوال المدة التي يستغرقها أي عمل من هذه الأعمال, أو من يرى إمكانية مساعدتهم في هذا المجال.  (وتضمنت الأوراق المقدمة للندوة ومناقشاتها تفصيلات كثيرة حول هذه الموضوعات). (2)

1- 2- ندوة »أيام فلسطين الثقافية والفنية«, القاهرة 1990

وكانت المناسبة الثانية مكملة للأولى بمعنى من المعاني, ومتصلة تقريبا  بالإنتاج الأدبي والفني المتعلق بفلسطين وقضيتها بوجه عام.  وقدمت فيها مطالعات وأوراق عمل مهمة وإضاءات على الموضوع.  وكان من أبرز المشاركين فيها جبرا إبراهيم جبرا وسلمى الخضراء الجيوسي بالإضافة إلى أدباء بارزين من الأرض المحتلة, وكوكبة من أدباء مصر المتابعين للشأن الفلسطيني. وعلى الرغم من أهمية المطالعات والمداولات التي دارت في الندوة, فقد كان واضحا  أن الجامع المشترك لم يتعد  الأفق العام للموضوع, ولم يظهر اهتمام بتحديد الخطوط الناظمة لمعالجة المسألة المنهجية. 

وقد قدم كاتب هذه السطور مطالعة بعنوان: »فلسطين في السؤال الثقافي العربي« (3), حاولت أن تبي ن غزارة الأسئلة المتعلقة بفلسطين في الثقافة العربية الراهنة, وتذبذبها الدائم حسب تماوج الأحداث وحيرتها إزاء أية رؤية مستقبلية.  وانتهت المطالعة بالسؤال الذي طرحته الانتفاضة الأولى (1987-1988), وربما كان مفيدا  اقتباس المقطع المتعلق بهذا السؤال, لأنه يصح في مجال الانتفاضة الثانية القائمة حاليا  والتي يلاحظ أنها لم ت ثر من الأسئلة والإبداعات في الثقافة العربية إلا جزءا  بسيطا  مما أثارته الانتفاضة الأولى, فهل يعني هذا أنه حتى الأسئلة لم تع د  ذات جدوى?  وماذا تبقى لنا غير الأسئلة?

هذا هو المقطع الذي ربما لا يحتاج إلى تعليق إذ ينطبق على الانتفاضة الثانية :

؛كانت الثقافة العربية بين مصدق ومكذب, كما هو شأنها في كل مفاجأة, وماذا يمكن أن تفعل ثقافة في ظل هكذا واقع داخل في منافسة مستديمة مع الخيال.  ومع الحجر المنطلق من اليد والمقلاع راحت الثقافة تمطر الأسئلة. أسئلة سريعة وغير محبوكة بعناية ولكنها أسئلة وكان أصعب سؤال هو سؤال الذات: ما العمل?

بعض الشعر عاد مع حليمة إلى العادة القديمة, فتغنى ومج د وأشاد ومدح, ورفع الحجر وكاد ينسى اليد التي صنعت الحجر, والقصة كذلك حاولت أن تنافس خيال الواقع فما أتت بما يلفت النظر.

وكانت لوحات وكانت أناشيد, ولكن من كل تلك المتابعات اللاهثة ربما لم تصب بعض الهدف إلا تلك القصائد الملحمية التي أدركت بعد كل التجربة والمرارة أن السؤال الملحمي المركب هو سؤال العصر وهو سؤال القضية.

وكان هناك سؤال غير ثقافي وغير فني وغير أدبي.  وهو سؤال الأسئلة.  كانت تسأله الثقافة كل لحظة وظل يقتلها ألا تجد لها أية بادرة من جواب:

إلى متى? عمر الشرارة بلغ ثلاث سنوات, والحقل كله بالانتظار, فمتى يشتعل?

وما لم تستطع الثقافة العربية إيجاد الطريقة الفعالة لإشعال الحقل كله من الشرارة المتلظية فإن كل أسئلتها تبقى مخصي ة, وت بقيها دائما  لاهثة وراء تطورات الواقع (الخيالية), بدلا  من أن تمسك بزمامه لتصوغه في أحسن تقويم«. (4)

وهناك ندوات أخرى عقدها اتحاد الكتاب العرب وجهات ثقافية عربية متعددة, إلى جانب دراسات جامعية وأعداد خاصة في المجلات, ولكن نادرا  ما جرى التطرق إلى أهمية المسألة المنهجية.

ثانيا  - تساؤلات حول المصطلحات ودلالاتها

يتساءل المرء منذ البدء: ما المقصود بالأدب العربي الفلسطيني الحديث? ذلك أنه قبل الخوض في مسائل المنهجية والتخطيط يحسن بالمرء أن يعرف حدود البحث الذي يتصد ى له.  وبالطبع يبدو هذا الأمر من بديهيات البحث العلمي, ولكنه من زاوية معينة يبدو مشوبا  ببعض التداخل والتشابك: فالبدء بتحديد الموضوع ورسم تخومه حق طبيعي وش روع منطقي إلا أن هذا الحق لا يبدو مطلقا  بل هو مقيد بقيود داخلية ولا يمكن إسقاطه إسقاطا  من الأعلى, أي من خارج الظاهرة المدروسة واستنادا  إلى إرادة سامية.  إن التحديد يقتضي قيام تفاعل بين العنوان ومادة العرض, أي انبثاق العنوان من الأداء وليس العكس.  وما أكثر أولئك الذي يرسمون منذ البدء وبحزم حدود موضوع معين ثم يأتي أداؤهم غير مطابق جزئيا  أو كليا  لما رسموه من حدود, وذلك منزلق بحثي لا تخفى خطورته.

والمشكلة الأشد تعقيدا  أننا, بمجرد ما نحاول الإقدام على تحديد كلمات العنوان مثلا , ندخل فورا  في مسائل المنهج, ويتحكم تصو  رنا - الواعي أو الكامن - للمنهج بكل ما نبغي تحديده.

وبالطبع يستطيع المرء أن يمضي إلى ما لا نهاية بهذه التساؤلات المتداخلة التي تجنح في المعتاد جنوحا  متفاوتا  باتجاه البهلوانية.  ولكيلا ندرأ الشبهة قبل فوات الأوان, نسارع إلى الدخول في الموضوع من خلال الكلمات الأربع الرئيسية التي يدور حولها العنوان »الأدب العربي الفلسطيني الحديث«.

2- 1- الأدب : تساؤلات حول الدلالة

والأدب كما قال الأقدمون شعر ونثر, ونريح أنفسنا من المناقشة الملتوية كأزقة مدينة قديمة, ونسارع فنزيد ركيزة, يؤمل ألا توحي بأنها ثالثة الأثافي, وهي الآداب الشعبية.  والشعر نعرفه, لا مشكلة.  ولا يحق لنا منهجيا  أن نميز فيه بين شعر وآخر وبين موزون مقفى وكل بيان زعم لنفسه صفة الشعر لابد من قبوله حتى لا ندخل في المتاهات والمشاحنات.  ولكن في النثر تأتي المشكلة.  فما هذا الأدب النثري الذي نريد دراسته.

يمكن ببساطة أن نقول إنه القصة والرواية والأدب والفن الشعبي.  ولكن المشكلة هي أن النثر أوسع من ذلك بكثير.  فهناك مثلا  النثر الفني وهناك النثر العلمي وهناك نثر العلوم الإنسانية, ولكل منها وجهته ومنحاه.  وهناك أيضا  المسرح - وما أدراك ما المسرح? هل يدخل في عنوان (الأدب) هنا ? والمسرح نثر وشعر بالطبع, ولكنه أيضا  في جانب منه نص كلامي , وفي جانب آخر تقنية وإخراج, وفي جانب ثالث تنفيذ وتمثيل.  فماذا نحن فاعلون?

وحتى لو تجاوزنا قضية المسرح بالتركيز على النص اللغوي, وقلنا إن القصة والرواية مقبولتان على نحو ما قبل الشعر, أي بمجرد ادعاء الانتماء ودون التدقيق في الهوية المضمونية أو الشكلية, فإنه يبقى أمامنا تحد ي المقالة مثلا .  هل نكتفي بالمقالة الأدبية (التي يصعب إيجاد معيار لتمييزها) ? أم نتناول ذلك البحر الزاخر من مقالات شعب معان  مشرد  غير مستقر ليس أمامه, للتنفيس عما هو فيه, سوى تلك النفثة الحار ة التي يسمونها المقالة? (وسوى تلك الزفرة الحر ى التي يسمونها القصيدة وهما بالمناسبة فرسا رهان في أدب الفلسطينيين المعاصر).

وهناك أيضا  أدب الرسائل والمذكرات والخواطر وغير ذلك ماذا نقول هنا?  هل نضع معيارا  فنيا  فحسب?  وإذا نحن تبن ينا معايير (الدكاترة) زكي مبارك مثلا , فماذا سنفعل بالأدبيات السياسية التي تشكل منحى  نثريا  مستقلا  تماما  وذا شخصية متميزة في إطار الثقافة الفلسطينية المعاصرة! هل نستبعد كل هذا المنحى?  هل ندخله في صلب المنهاج?  هل نمر  به مرور الكرام فنجز   بعض جوانبه ليضحى أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام, ويضحي الكرم لؤما ?

وماذا عن الأدب الشعبي? وهل يجوز إغفال تراث أدبي شعبي حي مواكب للأحداث بحرارة مبهرة, ومعبر عن صميم موقف المقاتل في المعركة, وشجون الأم المعانية من الفقد والاضطهاد في البيت?

وماذا عن أدب العلوم الإنسانية : التاريخ والفكر والفلسفة والاجتماع?

وماذا عن أدب العلوم?  ماذا عن لغة الكيمياء والفيزياء وماذا عن لغة الأعمال والتجارة وإدارة الأعمال ? 

وهكذا, ما إن يبدأ الإنسان بطرح الأسئلة حتى يكتشف أن المسألة ليست سهلة كما تبدو على السطح, وإذا لم ي ق م الإنسان جدلا  (دياليكتيك) بين مدلولات عنوانه وطبيعة مادة مضمونه فإنه لابد  واقع في حيص بيص, وما نظنه الا واقعا  فيها, حتى لو أقام ذلك الجدل.  فالمسألة, والحق يقال, لا حل  لها, وهي مفتوحة للاجتهاد ولنوعية الإمكانات المتاحة.  وحتى لا يظن احد أن ما نحن فيه هو محاولة لاصطناع مشكلة من لا شيء لنسارع إلى الاستشهاد برأي شيخ المنظرين الأدبيين في عصرنا (رينيه ولك), إذ يقول في مطلع الفصل الثاني ؛طبيعة الأدب« من كتابه المعروف نظرية الأدب:

»من الواضح أن أول مشكلة تجابهنا هي مادة البحث الأدبي.  ما الذي ي عد  أدبا  وما الذي لا ي عد  ?  وما طبيعة الأدب ?  لمثل هذه الأسئلة التي تبدو بسيطة قلما نعثر على جواب واضح«.(5)

فإذا  المشكلة ليست مصطنعة ولا (مفتعلة), ولكن يبقى صحيحا  أن مجال البحث في الأدب الفلسطيني ليس مجال حلها, بل هو أبعد مجال بحثي عن إمكانات حلها لأنها أعقد مجالات البحث, ولأسباب أخرى في بطن الشاعر.  وحسبنا هنا أن نؤكد ضرورة الاتفاق منذ البدء على تحديد المقصود بكلمة أدب, وهذا ما سنحاوله في القسم الثالث بعد استكمال التساؤل حول المصطلحات الأخرى.

2- 2- الفلسطيني والعربي الفلسطيني : إشكالية متداخلة

وهاهنا تبرز مشكلة.

ما المقصود بالفلسطيني في مجال الأدب?, يقول ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية في مادته الخامسة:

»الفلسطينيون هم المواطنون العرب الذي كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى عام 7491 سواء من أخرج منها أو بقي فيها, وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو فلسطيني«.

وبالطبع يسهل تطبيق هذا المعيار آليا , واعتبار إنتاج كل فلسطيني (بالجنسية) داخلا  في نطاق الدراسة المنشودة, ومع أن الميل الطبيعي للإنسان لا يمكن أن يكون ضد هذا الاتجاه فإنه لابد من الاعتراف بوجود عقبات متفاوتة الأهمية تعترض تطبيق هذا المبدأ.  ومن أبرز هذه العقبات:

الجانب الأول: جنسي أو قانوني.  فهناك قسم كبير من الفلسطينيين مثلا  يعيش في أقطار عربية أو أجنبية, وقد يحمل جنسيتها وقد لا يحمل, ويدخل إنتاجه عضويا  في مجمل إنتاج البلد الذي يعيش فيه, فكيف يحدد إنتاجه (وربما كان الوضع الأردني يمثل أعقد الحالات), ويليه الوضع في كل من سورية والعراق.

الثاني: فني أدبي.  ذلك إن الإنتاج الأدبي الفلسطيني (فيما عدا ما يتصل بأدب النكبة) غير متجانس تقريبا , وهو ينمو في بيئات متنوعة التجارب, وبعضه يظل وفيا  للثيمة الأصلية للأدب العربي الفلسطيني, وبعضه يندمج اندماجا  كليا  في الظاهرة الأدبية المحلية للأقطار المضيفة ولاسيما حين تكون هذه الأقطار ذات مناخ د م جي , أي لا تضع تمييزا  يفصل الفلسطيني عن البيئة المحلية.  ومثال ذلك سورية التي يصعب أن يميز فيها الإنسان بين من هو فلسطيني في الساحة الأدبية ومن هو غير فلسطيني من خلال المعايير الأدبية.

ولا ننسى أيضا  أن إنتاج معظم فلسطينيي الشتات يدخل بشكل يكثر أو يقل في الظاهرة الأدبية المحلية للأقطار المضيفة, ولاسيما حين تكون عربية.

وتزداد المشكلات الناجمة عن هاتين الناحيتين صعوبة حين يتعلق الأمر بالجيل الناشئ من أبناء الشتات الذي لم يعرف فلسطين ولم يتصل بتجربة البيئة الفلسطينية.

الثالث: ومما يزيد في إشكالية التحديد أن هذه العلاقة بين الأديب الفلسطيني والبيئة الق ط رية التي يتفاعل مع ثقافتها ومناخها تأثيرا  وتأثرا  هي علاقة مضطربة بحكم الوضع الفلسطيني المضطرب والشتات المتوالد.  ذلك أن ظروف الشتات من سياسية واجتماعية يضطر الأدباء (ربما قبل غيرهم من أبناء جلدتهم) إلى التنقل من قطر عربي لآخر, فالأدباء الفلسطينيون أشبه بالبدو الرحل, ولاسيما المرتبطون منهم بالحركات السياسية والثورية, وحالتهم أشد   حدة من حالات ترح  ل إخوانهم من الأدباء العرب, الذين هم أيضا  في حالة ترح ل.  وهكذا يكون إنتاجهم المحلي في الأقطار المضيفة مبتورا  وموزعا .  وفي حالة أقطار عربية مثل لبنان والأردن والكويت وغيرها كانت هناك ارتحالات حادة وغير اختيارية وطالت الأدباء قبل غيرهم.  وحتى في حالة بلد أكثر استقرارا  من هذه الناحية, مثل سورية, نجد أمثلة كثيرة لهذا الارتحال.  فمثلا  غسان كنفاني لم يلبث بعد نشاطه الأدبي في سورية أن غادرها إلى الكويت, حيث بدأ نجمه يلمع هناك ومن خلال التفاعل مع البيئة الأدبية المحلية, ثم انتقل إلى لبنان حيث تفجرت طاقاته الفنية ونضجت في أعماله القصصية معالجة الموضوع الفلسطيني المستوحى من تجربة الهجرة والشتات.  ويوسف الخطيب أنهى دراسته الثانوية في فلسطين ثم انتقل إلى سورية, ثم أقام زمنا  في هولندا وفي لبنان وغيره, ثم عاد فاستقر في سورية; ونواف أبو الهيجا بدأ نشاطه في العراق, ثم أقام بضع سنوات في سورية, ثم غادرها إلى الكويت, ثم إلى العراق الخ.. وهناك أمثلة لا تحصى.  وقد يكون رشاد أبو شاور أبرز مثال للكاتب البدوي المرح ل حينا  والمترحل حينا  آخر, حتى أنه لا يجد في كثير من الأحيان الوقت الكافي للبكاء على الأطلال.

وبالطبع هذه الظاهرة ذات حدين أي يمكن أن تكون سببا  في تشتت التجربة ويمكن أن تكون دافعا  لمزيد من الالتفاف حول جوهر التجربة الذاتية الفلسطينية.  وتختلف الحالة من أديب لآخر.  وفي الحالتين يشكل هذا التشتت صعوبة في متابعة أعمال هؤلاء الأدباء وتطور تجاربهم الفنية.(6)

2- 3- الأدب العربي الفلسطيني أم الأدب الفلسطيني ?

تروج بالتدريج التسميات الق طرية للأدب العربي في الأقطار العربية المختلفة كالأدب المصري, والأدب السعودي والأدب البحريني والأدب الكويتي.  ولدى التفحص يتضح أن هذه التسميات من الناحية المنهجية الخالصة هي مجرد اختصارات لكلمة الأدب العربي لأن هذا الأدب في مختلف الأقطار العربية مكتوب باللغة العربية في معظمه, وهو سليل تاريخي للأدب العربي المتوارث منذ القدم.  ولاشك أن هذه التسميات (المختصرة) في بعض الأقطار العربية يصعب أن تعتبر مختصرة لأنها متعمدة لتعبر عن تمسك  بالواقع الق طري لأسباب فوق أدبية لا شأن للمناقشة الحالية بها.  وبوجه عام لابد من الاعتراف بوجود سمات مميزة للأدب العربي حسب المناطق والأقطار, تمثل البيئة المحلية وتغتني بنكهتها, وهذه السمات تعلن عنها وترمز لها التسمية الق طرية المعني ة.  وهذا يعني أن إضافة كلمة عربي من الناحية المنهجية ينبغي ألا توحي بأي محاولة لطمس قسمات التجارب الوطنية الخاصة.  إن هذا الكلام غير مقصود لذاته, ولكنه مجرد إطار لوضع مشكلة تسمية الأدب العربي الفلسطيني في إطارها المنهجي الصحيح.

وفيما يتعلق بالأدب العربي الفلسطيني, الذي هو موضع النقاش الحالي, تبدو المشكلة أشد  تعقيدا  ليس من ناحية التسمية فقط بل من ناحية طبيعة هذا الأدب وظروفه السياسية والثقافية ووحدة هويته, وذلك من النواحي التالية (إضافة إلى ما تقدم):

أ- لا يمكن إنكار وجود تيارين أدبيين فلسطينيين متمايزين في جوانب تكثر أو تقل ضمن إطار التجربة الكبرى المشتركة, وهما أدب الأرض المحتلة وأدب الشتات سواء في الأقطار العربية أو في أصقاع الأرض المختلفة. ويلاحظ أنه حتى أوائل التسعينيات كانت هناك شبه هوة بين التيارين بسبب صعوبة التواصل.  إلا أنه بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية (1993) على جزء من فلسطين المحتلة تضاءلت حواجز كثيرة وساعد الاتصال البشري على مزيد من التفاعل الثقافي, ومع ذلك تبقى لكل تيار نكهته ضمن الإطار العام. (7)

ب- يتفاوت تأثر الإنتاج الأدبي لأبناء فلسطين في الأقطار العربية تفاوتا  شديدا  حسب درجة الاندماج في البيئة الثقافية المحلية للأقطار المضيفة وحتى حسب درجة حرية التعبير المتاحة في هذا القطر العربي أو ذاك.  وتتفاقم مشكلة الإنتاج الأدبي الفلسطيني في الشتات لأنه غالبا  ما يكون أدب مهاجر, فرديا  أو جماعيا .

ج- وبالمقابل هناك بعض ملامح التفاوت بين الإنتاج الأدبي للفلسطينيين داخل الخط الأخضر (عرب 1948) وبين إنتاج أقرانهم في فلسطين خارج الخط الأخضر, وكلها أراض  محتلة, ولكن ظروف البيئة الإنتاجية متفاوتة.

ويظهر إنتاج