عندما يفترس حيوان حيوانا آخر يكون كما الماء في الماء
 جورج باتاي

 ترجمة: محمد علي اليوسفي
شاعر وكاتب من تونس


فقرة (1): محايثة  الحيوان المفترس والحيوان المفتر س

أتناول الطبيعة الحيوانية من زاوية نظر ضيقة, تبدو لي قابلة للنقاش. لكن معناها سوف يتضح مع تقدم البحث. ومن زاوية النظر هذه فالحيوانية هي الفورية أو المباشرة بلا توسط, أو المثولية أو المحايثة Immanence.

إن محايثة الحيوان بالنسبة لمحيطه هي محايثة معطاة في وضع محدد ودقيق ذي أهمية أساسية. ولن أتحدث عن ذلك في كل لحظة, لكنني لن أهمله, وحتى خاتمة شروحي سوف تعود إلى نقطة الانطلاق هذه: يكون هذا الوضع معطى عندما يفترس حيوان ما حيوانا آخر.

وما هو معطى عندما يفترس حيوان ما حيوانا آخر, إنما هو المثيل لذلك الذي يفترس: وبهذا المعنى أتكلم عن المثولية أو المحايثة.

ولا يتعلق الأمر بمثيل معروف باعتباره كذلك. وليس ثمة تعال من الحيوان المفترس الى الحيوان المفترس: هناك اختلاف من دون شك. غير أن هذا الحيوان الذي يفترس الآخر لا يمكن ان يتعارض معه في تأكيد هذا الاختلاف.

إن حيوانات من نوع معين لا يفترس بعضها البعض.. هذا صحيح. لكن ليس من المهم اذا كان الباز يفترس الدجاجة ولا يميزها عن نفسه بوضوح, كما نميز نحن شيئا ما عن أنفسنا. ان التمييز يتطلب وضعا Position للشيء (للموضوع) بما هو كذلك. ولا وجود لاختلاف قابل للفهم اذا لم يتم وضع الشيء/ الموضوع. فالحيوان الذي يفترسه حيوان آخر لم يعط بعد كموضوع. ولا توجد علاقة تبعية بين الحيوان المفتر س والحيوان المفتر س, كتلك العلاقة التي تربط موضوعا- او شيئا, بالانسان الذي يرفض أن يتم التفكير فيه كشيء. ليس ثمة من شيء معطى للحيوان مع مرور الزمن. أما نحن ففي نطاق كوننا بشرا, ندرك أن الشيء يوجد في الزمن. حيث تكون ديمومته قابلة للادراك, والحيوان الذي يفترسه حيوان آخر انما يكون معطى على العكس من ذلك: من دون الديمومة, وهكذا فانه يستهلك ويتلف, ويتلاشى من عالم لا يوضع فيه شيء خارج الزمن الراهن.

لا شيء في الحياة الحيوانية من شأنه أن يندرج ضمن علاقة السيد بالعبد, لا شيء بامكانه اقامة السيادة من جانب والتبعية من الجانب الآخر. وبالنظر الى أن بعض الحيوانات تفترس حيوانات أخرى, فهي ذات قوة غير متكافئة, لكن لا يوجد بينها سوى هذا الاختلاف الكمي. وليس الأسد ملكا على الحيوانات: انه في حركة المياه مجرد موجة أعلى من غيرها, تقلب الأضعف.

وإذا افترس حيوان حيوانا آخر, فان ذلك لا يغير شيئا من الوضع الأساسي: كل حيوان هو في العالم كما الماء في الماء. ثمة في الوضع الحيواني عنصر من الوضع البشري, إذ يمكن النظر إلى الحيوان كذات, موضوعها بقية العالم, لكنه هو - بالذات- لم يعط امكانية ان يرى نفسه كذلك أبدا. ويمكن للعقل البشري أن يدرك بعض عناصر هذا الوضع, لكن ليس بوسع الحيوان استيعابها.

فقرة (2): تبعية الحيوان واستقلاليته

صحيح أن الحيوان, شأنه شأن النبتة, لا يملك استقلالية إزاء بقية العالم, إن ذرة آزوت, أو ذهب, أو جزئية ماء توجد دون أن تحتاج لما يحيط بها, وتبقى في حالة محايثة كاملة: ليست هناك أي ضرورة أبدا, وبشكل أعم, لا أهمية لأي شيء مطلقا في علاقة المحايثة بين ذرة وذرة أخرى, أو بينها وبين غيرها من الذرات. إن محايثة جسم حي في العالم هي محايثة مختلفة تماما: يبحث الجسم حوله (خارجه) عن عناصر من شأنها أن تلازمه وتكون مماثلة له ليقيم معها (بل ليرسخ نسبيا) علاقات محايثة. ولذلك فانه لم يعد كما الماء في الماء تماما. أو ان شئنا, فهو ليس كذلك إلا شريطة أن يقتات. والا سوف يعاني ويموت: إذ أن السريان (الاطراد) أو الانتقال (المحايثة) من الخارج الى الداخل ومن الداخل الى الخارج, وتلك هي الحياة العضوية, لا يدوم إلا مع توافر شروط معينة.

ومن جهة ثانية, يكون كل جسم منفصلا عن سيرورات أخرى تشبهه. فكل جسم هو منفصل عن الأجسام الأخرى: وبهذا المعنى فإن الحياة العضوية, في الوقت الذي تشدد العلاقة بالعالم تسحب وتعزل النبتة أو الحيوان من العالم, إذ يمكن اعتبار النبتة والحيوان عالمين مستقلين نظريا إذا تركت علاقة التغذية الأساسية في الخارج.

فقرة (3) الأكذوبة الشعرية المتعلقة بالحيوانية

لا شيء في الواقع يعتبر أشد انغلاقا علينا من هذه الحياة الحيوانية التي جئنا منها. ولا شيء اغرب عن طريقتنا في التفكير من الأرض وهي في حضن الكون الصموت من دون أن يكون لها ذلك المعنى الذي يضفيه الانسان على الحيوان, وكذلك من دون لا- معنى الأشياء في اللحظة التي نريد تخيلها, فإذا هي مفتقرة إلى وعي يفكر فيها. وفي الحقيقة لا يمكننا أن نتصور الأشياء من دون الوعي إلا بشكل اعتباطي, نظرا الى كون ؛نحن« و؛نتصور« يتضمنان الوعي, أي وعينا المرتبط بحضورهما ارتباطا وثيقا. ويمكننا الادعاء, من دون شك, أن هذا الارتباط هو مجرد ارتباط هش, نظرا لكوننا سوف ننقطع عن ان نكون هنا ذات يوم, بشكل نهائي, غير أن تجلي أي شيء من الأشياء لن يكون قابلا للتصور أبدا إلا في وعي يحل محل وعيي اذا ما تلاشى هذا الأخير. وهنا تكمن حقيقة مرة, لكن الحياة الحيوانية, وهي في منتصف طريق وعي »نا«, تقدم لنا لغزا أكثر ازعاجا. فعندما نتصور الكون من دون الإنسان, الكون الذي من شأن نظرة الحيوان فيه أن تكون النظرة الوحيدة التي تنفتح على الأشياء, والحال أن الحيوان ليس شيئا وليس بشرا, لا يسعنا عندئذ سوى ايجاد رؤية, فيه لا نرى شيئا, لان موضوع هذه الرؤية هو انزلاق ينتقل من الأشياء التي لا معنى لها اذا كانت وحيدة, الى العالم الممتلئ بالمعنى المترتب على الإنسان والذي يضفي على كل شيء معناه هو. ولهذا السبب لا يمكننا وصف شيء ما بدقة. وبتعبير آخر, يمكن القول ان الطريقة الصحيحة للتحدث عنه لن تكون حقا سوى طريقة شعرية, نظرا لكون الشعر لا يصف شيئا إلا وينزلق الى ما هو خفي. وباعتبارنا نستطيع التحدث عن الماضي عبر التخيل كما نتحدث عن الحاضر, فإننا لا نتحدث في النهاية عن حيوانات ما قبل التاريخ, وكذلك عن النباتات والصخور والمياه إلا بمثابة أشياء, لكن وصف مشهد مرتبط ذي صلة بهذه الشروط ليس سوى حماقة, إلا إذا كان الأمر يتعلق بقفزة شعرية. لم يكن ثمة وجود لمشهد في عالم لم تكن العيون التي تنفتح فيه لتفهم ما تراه, وحيث لم تكن العيون ترى حقا مقارنة بوضعنا. وإذا ما انطلقت الآن ببلاهة, وفي فوضى ذهنية, متأملا هذا الغياب للرؤية لأقول: ؛لم تكن توجد رؤية ولا أي شيء آخر- لا شيء سوى نشوة خاوية يحدها الرعب والألم والموت ونضفي عليها نوعا من الكثافة...) فليس في قولي هذا سوى سوء استخدام لقدرة شعرية, مستبدلا فراغ الجهل بوميض غامض. وأنا لا اعرف ذلك: لا يمكن للذهن ان يستغني عن وميض الكلمات الذي يكسبه هالة مدهشة: في ذلك غناه ومجده, وهي علامة سيادة souverainete أيضا. لكن هذا الشعر ليس سوى طريق يسلكه الانسان منتقلا من عالم ذي معنى ممتلئ, الى التفكيك النهائي لكل معنى, وهو تفكيك سرعان ما يبدو محتوما. ولا يوجد إلا اختلاف واحد بين لا معقولية الأشياء التي يكون الحيوان حاضرا فيها. فالأولى تقدم لنا أولا الاختزال الظاهري للعلوم الصحيحة, في حين تدفعنا الثانية باتجاه إغراء آخر لزج, هو هاجس الشعر, ذلك أن الحيوان الذي لا يعتبر مجرد شيء فحسب, ليس مغلقا وعصيا على الفهم بالنسبة إلينا. يفتح الحيوان أمامي عمقا يجذبني وهو عمق مألوف لدي. إنني أعرف هذا العمق بمعنى من المعاني: انه عمقي أنا. وهو أيضا أبعد ما اختلس مني, ويستحق اسم العمق الذي يعني بدقة: ما يفلت مني. لكن الشعر أيضا.... ولأنني أستطيع أيضا أن أرى في الحيوان شيئا (إذا أكلته- بطريقتي التي ليست طريقة حيوان آخر- أو سخرته أو عاملته كموضوع علم من العلوم) فان لا معقوليته ليست أقل قصرا (أو إن شئنا, أقل قربا) من لا معقولية الحجارة أو الهواء, لكنه ليس دائما, بل انه لا يكون أبدا وبشكل نهائي, قابلا للانتقاص ضمن هذا النوع من الواقع الأدنى الذي ننسبه للأشياء لست أدري ما الشيء اللطيف, الخفي, والمؤلم الذي يمدد في تلك الظلمات الحيوانية حميمية الوميض المتبقي فينا. وكل ما يسعني الاحتفاظ به في النهاية يكمن في أن ذلك المشهد يلقي بي في الليل ويبهرني, فيدنيني من اللحظة التي- ولن أشك في ذلك مطلقا- يبعدني فيها وضوح الوعي المتميز, في النهاية, عن تلك الحقيقة الخفية التي, من ذاتي إلى العالم, تتراءى لي كي تتوارى.

فقرة (4) يوجد الحيوان في العالم كما يوجد الماء في الماء

سوف اتعرض لهذا الامر الخفي فيما بعد أما الآن فيتوجب علي فصل ما يبدو, على صعيد التجربة, واضحا ومتميزا عن فتنة الشعر وبريقه.

لقد توصلت إلى القول بأن عالم الحيوان هو عالم المحايثة والفورية: ذلك أن هذا العالم المنغلق ازاءنا هو كذلك, لأننا لا نستطيع أن نميز فيه قدرة على التعالي. إن مثل هذه الحقيقة هي حقيقة سلبية ولا يسعنا توضيحها مطلقا. لكن بامكاننا على الأقل أن نتصور وجودا جنينيا لهذه القدرة عند الحيوان, دون التمكن من تمييزها بوضوح كاف. وحتى إذا تمت دراسة تلك الاستعدادات الجنينية, فلن تنجر عنها احتمالات من شأنها أن تلغي رؤية الحيوانية الماثلة أو المحايثة التي تظل محتمة بالنسبة إلينا. ولا يظهر تعالي الأشياء بالنسبة للوعي ( أو تعالي الوعي بالنسبة للأشياء) إلا في حدود ما هو إنساني. ذلك أن التعالي لا يعد شيئا إن كان جنينيا, وان لم يتشكل بطريقة صلبة, أي بثبات ضمن عدة شروط معطاة. وليس بامكاننا في الواقع أن نعتمد على كتل غير ثابتة وعلينا أن نقتصر على رؤية الحيوانية, من الخارج, في ضوء غياب التعالي. إن الحيوان أمام عيوننا هو, وبشكل محتوم, موجود في العالم كما الماء في الماء.

وللحيوان تصرفات تختلف باختلاف الأوضاع والمواقف التي يجد نفسه فيها. وتعد هذه التصرفات نقاط انطلاق لتمييزات ممكنة, لكن التمييز من شأنه أن يتطلب تعالي الموضوع الذي صار متميزا. إن تنوع السلوك الحيواني لا يقيم تمايزا واعيا بين مختلف الأوضاع. وحتى الحيوانات التي لا تفترس ما يماثلها من النوع نفسه, لا تملك مع ذلك قدرة على تمييزه باعتباره كذلك (أي من نوعها), بحيث إن وضعا جديدا لا ينطلق فيه السلوك المعتاد, يمكن أن يكون كافيا لازالة عائق ما, من دون أن يصاحبه وعي بازالته. ولا يمكننا القول عن ذئب يفترس ذئبا آخر, انه خالف القانون القائل بأن الذئاب عادة لا تفترس الذئاب. فهو لا يخالف هذا القانون, لكنه, بكل بساطة, وجد في ظروف لم يعد يسري فيها ذلك القانون. وبرغم ذلك فان ثمة بالنسبة للذئب استمرارية للعالم واستمرارية له. تحدث أمامه تجليات جاذبة أو مقلقة; وأخرى لا علاقة لها بأفراد من النوع نفسه أو بأنواع من من الغذاء أو بأي شيء آخر جاذب او نابذ عندئذ لا يكون للأمر معنى أو يكون له لا يشبه علامة دالة على شيء من آخر. ولا يأتي شيء ليقطع تلك الاستمرارية التي لا يعلن فيها الخوف نفسه عن أي شيء من شأنه أن يكون متميزا قبل حدوث الموت. وحتى صراع المنافسة ما هو الا تشنج واختلاج تندفع معه الاستجابات الحتمية للمنبهات, خارجة من الأعماق الخفية. وإذا كان الحيوان الذي يصرع منافسه, لا يفهم موت الآخر كما يفهمه إنسان يسلك سلوكا معبرا عن النصر, فذلك يعني أن منافسه لم يقطع تلك الاستمرارية التي لن تعود بسبب موته. إن تلك الاستمرارية لم تكن موضوعة موضع شك, لكن تماثل الرغبتين لدى الكائنين جعلتهما يتواجهان في معركة مميتة. أما تلك اللامبالاة التي تعبر عنها نظرة الحيوان بعد المعركة فهي علامة على وجود يتساوى جوهريا مع العالم ويتحرك فيه كما يتحرك الماء في الماء.

فقرات من الفصل الثاني:

الإنسانية وتهيئة العالم

فقرة (8) الحيوان المأكول, الجثة والشيء

إن تعريف الحيوان كشيء هو تعريف أصبح على الصعيد الإنساني معطى أساسيا. لقد فقد الحيوان جدارة مماثلة الانسان, والإنسان الذي يتبين الحيوانية في نفسه, لا ينظر ليها إلا كطرح tare ولاشك ان هناك قسما من البهتان في النظر إلى الحيوان على أنه شيء.

فالحيوان يوجد لذاته. وينبغي أن يموت أو يدجن كي يصبح شيئا. والحيوان المأكول لا يمكن طرحه كموضوع إلا شريطة أن يؤكل ميتا. وهو ليس شيئا تماما إلا في شكل لحم مشوي أو مطبوخ. ومع ذلك فان اعداد اللحوم ليس له معنى البحث المتعلق بفن الأكل اساسا: انه يتعلق قبل كل شيء بكون الإنسان لا يأكل شيئا قبل أن يجعل منه موضوعا. والإنسان في الأوضاع العادية هو حيوان لا يشارك في ما يأكل. لكن قتل الحيوان وتحويله حسب الرغبة لا يعني فقط تحويله إلى شيء, والحال أنه لم يكن كذلك في البداية, بل يعني أيضا تحديد الحيوان الحي, مسبقا, باعتباره شيئا. وما أقتله وأقطعه وأطبخه انما اعتبره, ضمنا, شيئا. أما تقطيع الإنسان وطبخه وأكله فهو بالعكس فعل شنيع. ومع ذلك فإن دراسة التشريح لم تعد مقبولة إلا منذ عهد قريب. وبرغم المظاهر, لا يزال الماديون المتصلبون متعلقين بالدين بطريقة تجعلهم يعتبرون عملية جعل الإنسان شيئا- مشويا أو حساء... جريمة شنيعة. زد على ذلك أن الموقف الانساني إزاء الجسد ذو تعقيد مذهل. ومن بؤس الإنسان, باعتباره روحا, أن يملك جسد حيوان ويكون بالتالي مثله مثل الشيء. إن مجد الجسد الانساني يكمن في كونه قواما للروح. والروح على صلة متينة جدا بالجسد- الشيء, بحيث لا يني هذا الأخير مسكونا, ولا يكون شيئا أبدا إلا في أقصى مدى, إلى حد انه إذا ما حوله الموت إلى شيء, تصير الروح أكثر حضورا من أيما وقت: فالجسد الذي خان الروح يزداد ظهورا أكثر من ظهوره عندما كان يخدمها. والجثة, بمعنى من المعاني, هي أكمل تأكيد للروح, ذلك أن العجز النهائي وغياب الميت هما اللذان يكشفان جوهر الروح, مثلما تكون صرخة الذي يقتل أقصى تأكيد للحياة. وبالعكس, تكشف جثة الانسان عن تحويل جسم الحيوان تحويلا مكتملا إلى حالة شيء, وبالتالي تحويل الحيوان الحي. فهو مبدئيا عنصر تابع حصرا, ولا قيمة له في حد ذاته. ونافع أيضا مثل النسيج والحديد أو الخشب المصنع.

فقرة (9) العامل والأداة

يتم ادراك عالم الأشياء, بصورة عامة, كسقوط, وهو يؤدي إلى استلاب من خلقه, والمبدأ الأساسي: إن الاستتباع لا يعني تحويل العنصر التابع فحسب, بل يعني تحويل الفاعل نفسه أيضا. إن الأداة تغير الطبيعة والإنسان في آن: فهي تخضع الطبيعة للإنسان الذي يصنع الأداة ويستخدمها, لكنها تربط الإنسان بالطبيعة المسخرة. تصبح الطبيعة ملك الإنسان لكنها تكف عن كونها ماثلة فيه. وهي ملكه بشرط ان تكون مغلقة دونه. وإذا أخضع العالم لسلطته فان ذلك لا يتم الا في نطاق كونه ينسى بأنه هو نفسه العالم: انه ينفي العالم فينفي نفسه. إن كل ما هو خاضع لسلطتي يعلن بأنني حكمت على كل ما يشبهني بألا يوجد لغايته الخاصة بل من أجل غاية غريبة عنه, وهكذا فان غاية محراث غريبة عن الواقع الذي صنعه, وكذلك غاية حبة قمح, أو عجل. ولو أنني أكلت القمح, أو العجل, بطريقة حيوانية لتحولا بدورهما عن غايتهما الخاصة, وأتلفا فجأة باعتبارهما قمحا وعجلا, ولن يتمكن القمح والعجل, في أي وقت, من أن يكونا الشيئين اللذين كانا في البداية. إن حبة القمح توجد كوحدة انتاج زراعي, والعجل هو رأس ماشية, والذي يزرع القمح مزارع, ومن يربي العجل هو مربي حيوانات. والحال أن غاية المزارع في اللحظة التي يزرع فيها ليست غايته الخاصة, وغاية المربي في اللحظة التي يربي فيها الحيوانات ليست غايته الخاصة. إن المحاصيل الزراعية والماشية أشياء, والمزارع أو المربي, في لحظة عملهما, هما أيضا شيئان. وكل ذلك غريب عن امتداد المجال الماثل حيث لا توجد انفصالات ولا حدود. وفي النطاق الذي يكون الإنسان فيه هو الامتداد الماثل, وهو الكائن, ويكون من العالم, يصير غريبا عن ذاته, ليس المزارع إنسانا: إنه محراث من يأكل الخبز, وفي أقصى مدى, يكون فعل الآكل نفسه هو عمل الحقول أصلا, إذ يتزود له بالطاقة.

فقرات من الفصل الثالث

التضحية والعيد ومبادئ العالم المقدس

فقرة (1) الضرورة التي تستجيب لها التضحية ومبدؤها

يقام الاحتفال ببواكير غلال الأرض,  أو التضحية برأس من الماشية, لاخراج النبتة أو الحيوان من عالم الأشياء, وكذلك المزارع ومربي الحيوان.

إن مبدأ التضحية هو الإتلاف, وبرغم أن هذا المبدأ يذهب أحيانا الى حد الاتلاف الكامل (كما في »التضحيات« الكبرى- الهولوكوست-), فان الاتلاف الذي ترمي إليه التضحية ليس الإبادة. إنما الشيء- والشيء وحده- هو ما ترمي التضحية إلى إتلافه في الذبيحة. تقضي التضحية على صلات التبعية الواقعية لموضوع ما, وتنتزع الضحية من عالم المنفعة لتعيدها الى عالم النزوات الغامض. وعندما يدخل الحيوان المقدم كذبيحة إلى الدائرة التي سيضحي به الكاهن فيها, فانه ينتقل بذلك من عالم الأشياء- المغلقة دون الإنسان الذي يعتبرها بمثابة لا شيء ويعرفها من الخارج- إلى عالم ماثل فيه وحميمي ومعروف كما المرأة في استهلاك الجسد. وهذا يفترض انه لم يعد منفصلا عن حميميته كما هي حاله في تبعيته للعمل. إن الانفصال المسبق بين الكاهن (مقدم الذبيحة) وعالم الأشياء هو انفصال ضروري من أجل العودة إلى الحميمية والمحايثة بين الإنسان والعالم, وبين الذات والموضوع. يحتاج مقدم الذبيحة الى التضحية كي ينفصل عن عالم الأشياء ولا يمكن للضحية أن تنفصل عن عالم الأشياء بدورها إذا لم يسبقها المضحي إلى ذلك. يقول المضحي: ؛أنا أنتمي حميميا إلى العالم السامي للآلهة والأساطير, إلى عالم السخاء العنيف وبلا حساب, كما تنتمي امرأتي الى رغباتي, انني انتشلك ايتها الضحية من العالم الذي كنت فيه مجرد شيء, مع معنى خارج عن طبيعتك الحميمة. أدعوك الى حميمية العالم الآخر, ومحايثة كل ما هو كائن.

فقرة (2) لا واقعية العالم.. ..

إنه مونولوج - مناجاة- طبعا, ولا يمكن للضحية أن تسمع أو تجيب. لان التضحية أساسا تعرض عن الصلات الواقعية, ولو أنها أخذتها بعين الاعتبار إذن لخالفت طبيعتها التي تعد تحديدا, نقيضا لعالم الأشياء المؤسس للواقع المتميز. ولا يمكن للتضحية أن تؤدي إلى اتلاف الحيوان بما هو شيء من دون نفي واقعه الموضوعي. وهذا هو ما يطبع عالم التضحية بطابع مجانية ساذجة. غير أنه ليس بالإمكان تحطيم القيم التي تؤسس الواقع وتقبل حدوده في آن. وتتضمن العودة إلى الحميمية المحايثة وعيا مبهما: ذلك أن الوعي مرتبط بوضع الأشياء كأشياء مدركة مباشرة, خارج أي إدراج غامض, بعيدا عن الصور اللاواقعية دائما لفكر مؤسس على المشاركة.

فقرة (3) الترابط الاعتيادي بين الموت والتضحية

يذهب اللاوعي الساذج للتضحية إلى ما هو أبعد بحيث يبدو القتل فيه بمثابة طريقة لمسح الاهانة التي ألحقت بالحيوان بعد تحويله إلى شيء بطريقة بائسة. وليس القتل في الحقيقة ضروريا بأتم معنى الكلمة. لكن أكبر نفي للنسق الواقعي هو الأنسب لظهور النظام أو النسق الأسطوري. ومن جهة أخرى يقدم القتل القرباني حلا بطريقة مقلوبة للتعارض الشاق بين الموت والحياة. فالموت ليس شيئا في المحايثة, ولكن بما أنه لا شيء, فما من كائن أبدا ينفصل عنه حقا, ونظرا لكون الموت يفتقر إلى معنى, ولا فرق بينه والحياة, ولا وجود لخوف أو دفاع ضده, وانه لذلك يكتسح على شيء دون أن يثير أية مقاومة. وتفقد الديمومة قيمتها أو أنها لا توجد إلا لكي تبعث الاحساس بلذة مرضية ناجمة عن الحصر أو القلق النفسي angoisse وبالعكس فان الوضع الموضوعي لعالم الأشياء, وهو وضع متعال بمعنى من المعاني بالنسبة للذات, إنما يتأسس على الديمومة: ولا شيء في الواقع يملك وضعا منفصلا أو معنى إلا إذا طرح وقتا تاليا يتشكل خلاله كشيء. ولا يتحدد الشيء كقوة فاعلة إلا إذا انطوى على الديمومة. وإذا أتلف, كما هو شأن الغذاء أو الوقود, فإن الاكل والشيء المصنوع يحافظان على قيمة ذلك الغداء والوقود ضمن الديمومة مثل الغاية الدائمة للفحم أو للخبز. والزمن القائم يشكل ذلك العالم الواقعي بطريقة جيدة إلى درجة أن الموت لا يجد فيه مكانا له. لكن ولهذا السبب بالذات, يكون الموت فيه, هو كل شيء. والواقع انه من ضعف (تناقض) عالم الأشياء أن يترك للموت مظهرا لا واقعيا, برغم أن انتماء الإنسان لذلك العالم يرتبط بوضع الجسد كشيء في نطاق كونه فانيا.

إنه في الحقيقة مظهر سطحي. وليس الموت تحديدا هو الذي لا يملك مكانا في عالم الأشياء, واللاواقعي في العالم الواقعي. ذلك أن الموت يفضح تضليل الواقع, ليس لان غياب الديمومة يذكر ببهتانه فحسب, بل لانه التأكيد الاكبر على الصرخة المفتونة بالحياة. يلغي النظام الواقعي نفي الواقع الذي هو الموت أقل مما يلغي تأكيد الحياة الحميمة المحايثة, التي يشكل فيها العنف, بلا حدود, خطرا على ثبات الأشياء, وهو خطر لا يظهر بوضوح إلا في الموت. يتوجب على النظام الواقعي أن يلغي- يحيد- هذه الحياة الحميمة ويستبدله بالشيء الذي هو الفرد في مجتمع العمل. لكنه لا يستطيع أن يحول دون كشف اختفاء الحياة في الموت; ذلك البريق اللامرئي للحياة الذي ليس شيئا. إن قوة الحياة تعني ان العالم الحقيقي لا يستطيع أن يملك عن الحياة سوى صورة محايدة, وان الحميمية لا تفصح عن هلاكها المتألق إلا لحظة زوالها. ولم يكن أحد ليتعرف إلى وجودها عندما كانت موجودة, لأنها كانت مهملة لصالح الأشياء الواقعية: لقد كان الموت شيئا واقعيا شأنه شأن أشياء أخرى. لكنه يظهر فجأة أن المجتمع الواقعي كان يكذب. عندئذ لا يكون فقدان الشيء, العضو النافع, هو الذي يؤخذ بالحسبان, وما فقده المجتمع الواقعي ليس عضوا منه, بل حقيقته. هذه الحياة الحميمة التي لم تعد لها سلطة كي تبلغني مليا والتي كنت افتكرها وأتبينها كشيء, لا يكمن أن تعود كليا إلى حساسيتي إلا بالغياب. فالموت يكشف الحياة في امتلائها ويقضي على النظام الواقعي. ولا يهم كثيرا أن يكون هذا النظام الواقعي هو الذي تطلبه ديمومة ما لم يعد له وجود, وفي اللحظة التي يتخلف فيها عنصر ما عما يتطلبه, لا ينتج عن ذلك وجود كيان مهدد بالزوال, ويكابد: هذا الكيان, النظام الواقعي, يتلاشى دفعة واحدة. ولا يعود له اعتبار, أما ما يأتي به الموت عبر الدموع فهو إتلاف غير مجد للنظام الحميم.

إنه رأي ساذج ذاك الذي يقيم صلة وثيقة بين الموت والحزن, ذلك أن دموع الأحياء التي تستجيب أيضا للفرح, هي أبعد من أن تكون ذات معنى مضاد للفرح. وهي بعيدا عن أن تكون مؤلمة, تعبر عن وعي حاد بالحياة المشتركة بإدراكها ضمن حميميتها. صحيح أن هذا الوعي الحاد لا يبلغ ذلك المستوى من الحدة إلا عندما يعقب الغياب الحضور فجأة, كما في الموت, أو مجرد الانفصال. وفي هذه الحال يكون العزاء (بالمعنى القوي للكلمة كما ترد عند المتصوفة) مرتبطا بمرارة كونه لا يدوم, ولكن تلاشي الديمومة تحديدا, ومعها عدة تصرفات محايدة مرتبطة بها, هو الذي يكشف عمقا للأشياء, بريقه يعمي (وبتعبير آخر, من الواضح أن الحاجة الى الديمومة هي التي تختلس منا الحياة, وا&#