إمارة بني مكرم في عمان

عبدالرحمن السالمي
باحث من سلطنة عمان


اهداء للشيخ محمود بن زاهر الهنائي

القليل من الباحثين ممن أبدى اهتماما  بالدراسة  عن عائلة  بني مكرم في ع مان الحاكمة لها ما بين نهاية القرن الـ4هـ/10م وبداية القرن الـ5هـ/11 م, إلا ما تناوله المستشرقان ستيرن وبيفار خلال تقصيهما عن العملات البويهية في ع مان(1), ثم تبعهما المستشرق الإنجليزي البروفيسور بوسورث في كتابات مقتضبة ومتفرقة عنهما(2). لقد طبعت فترة البويهيين ومحاولاتهم المتعددة للسيطرة على ع مان ابتداء من منتصف القرن الـ4هـ/10م بخصوصية في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية, مما أعطى لهذه الفترة تميزا عما سبقها من فترات للدويلات الأخرى في صراعها للاستيلاء على إقليم عمان. وهذا كان عاملا مؤثرا على الحياة الثقافية في عمان من خلال هذه الفترة للنفوذ الفارسي والتي يمكن أن يشار إليها بشاعرين ارتبطا بالوجود البويهي وهما أبزون العماني ولم يعثر عنه إلا أخبار متشظية أو أبيات شعر  متناثرة لم تجمع في ديوان حتى الآن, لكن باحثين متأخرين أبدوا اهتماما  بجمعه  والبحث عنه,(3) وأما الآخر فهو مهيار الديلمي الذي تألق في فترة البويهيين وأصبغت مدائحه لبني مكرم  في وقتها تميزا  لهذه العائلة في التاريخ الكلاسيكي سواء  العماني أو الإسلامي العام; ولذا أشار ابن خلدون إلى تميز فترة بني مكرم ومدائح مهيار لهم في عمان وكأسرة عربية حاكمة.(4 )

فهذه الورقة ستكثف في البحث عن هذه الإمارة بجمع المادة المعلوماتية المتعلقة بها ودراستها, وهو عادة ما يستغرق وقتا طويلا في البحث عن أخبار مبعثرة في كتب التاريخ وأبيات الشعر ومن ثم مقارنة هذه المادة مع كتب التاريخ العماني. فتقصينا للبحث عن إمارة بني مكرم سيكشف لنا عن جوانب كانت تبدو غامضة بعض الشيء في الحياة السياسية والاجتماعية لع مان وعن مدى هذه العلاقة العمانية مع الأقاليم الفارسية خاصة وعن مرحلة تاريخية كلاسيكية لإقليم الخليج العربي/الفارسي. كذلك إن ما نسعى إليه هو الكشف عن جزئيات كانت تتجاوز من قبل الباحثين, للاصطدام الذي يواجه أحيانا ببعض الحوادث التاريخية.

فاللمحة التاريخية المبدئية عن تلك الفترة تدفعنا أولا إلى وجوب التعرف على الوضع السياسي العماني في ذلك القرن حتى يتسنى لنا فهم طبيعة نشوء هذه الإمارة العمانية وتطورها,  فمن العبث إصدار الآراء المسبقة بدون فهم الإطار التاريخي الكامل. فنتيجة لانهيار الإمامة العمانية الأولى على يد العباسيين في عام 280/ 893 نشأت إمارات وإقطاعيات متعددة في عمان تميزت فترتها بارتباط  هذه الدويلات بالقوى الخارجية; فبنو سامة ظل ارتباطهم بالعباسيين ومن ثم بالقرامطة, وبعد ذلك بنو وجيه بالعباسيين, والقرامطة ومن بعدهم الزنج ثم الديلم والسلاجقة.(5) في خضم هذا الصراع بين هذه القوى ظل البويهيون أكثرهم  تأثيرا على هذا الإقليم وارتباطا به في المجريات السياسية العمانية  بل جوانب من هذا التأثير تظهر من حين لآخر كسمة تاريخية التصقت بهذه الفترة.

فما أن انهي حكم بني وجيه على عمان (6),  حتى بدر للبويهيين في أذهانهم الاستيلاء عليها فأرسل معز الدولة البويهي  حملاته الأولى عام 355/966م , منحدرا نحو الأبلة في السنة نفسها حيث جهز هنالك المراكب إلى عمان مائة قطعة, وبعث فيها الجيوش تحت إمرة أبي الفتوح محمد بن العباس, وراسل عضد الدولة بفارس ليمدهم بالعساكر من عنده فوافاهم المدد بسيراف وساروا إلى عمان فملكوها يوم 9 ذو الحجة 355/ 5 سبتمبر 966م  وخطب لمعز الدولة وصارت من أعماله.(7)

ثم عادت الكرة ثانية فحين بلغ أبو الفرج العباس  موت معز الدولة  كان هو بعمان , فخشي أن ينفرد عنه صاحبه أبو الفضل بن العباس بن الحسين بالدولة, فسار إلى بغداد ومن ثم بعث إلى عضد الدولة فناء خسرو أبو شجاع ليتسلمها, فوليها عمر بن نبهان الطائي بدعوة عضد الدولة. ثم إن الزنج قتلوا عمر بن نبهان وملكوا البلد, وبعث عضد الدولة إليها جيشا من كرمان مع أبي حرب بن طغان فاستولى على صحار والبريمي  في سنة 362/974.(8) ثم ثار العمانيون من بعد في نزوى فبعث عضد الدولة المطهر بن عبدالله فنزل لحربهم وهزم قائد الثوار من العمانيين ورد بن زياد أما إمامهم حفص بن راشد فقد هرب إلى اليمن ودانت البلد لعضد الدولة.(9)

فطوال الحملات البويهية المتتالية المذكورة آنفا, في بداية أمرها لم تستطع إلا بالانفراد بالساحل العماني أما في الداخل فقد ظل مضطربا بين الأئمة العمانيين ومن بعدهم بني وجيه ثم تغلب القرامطة الذين ظل ترددهم إما من ولاة أو بالأصح جابيي الزكاة من سنة 317 / 929 إلى  أن ضعف أمرهم سنة 375/985, وإن كان ابن الأثير يشير الى ثورة للعمانيين على القرامطة سنة 354/965 »فأوقعوا بالقرامطة فقتلوا كثيرا منهم, وعاد الباقون« (01).  ويعلل ابن خلدون نهايتهم بان  واليها منهم ترهب وزهد ووهن فقامت عليهم ثورة ع مانية اندلعت من مدينة نزوى وقتلوا من كان بها من القرامطة فاستقلت داخلية  عمان, لكن لم يذكر لمن آلت إليه شؤون البلاد.

بروز الإمارة:

إن أهم ما يمكن الاعتماد عليه في المصادر التاريخية  للبحث عن نشوء هذه الإمارة هما ابن الأثير و ابن خلدون حيث يؤكد كلاهما أن بني مكرم كانوا من وجوه أهل عمان,(11) وهذا هو الراجح كما يعتقده كذلك البروفيسور بوسورث على أن أصولها تمتد من القبائل العمانية المحلية, أما كتب الأنساب فلا تسعفنا إلى تتبع انساب بني مكرم ولا إلى التعرف على الجذور التي تنتسب إليها من أي القبائل كانت سواء من التفرع النزاري أو القحطاني. فبنو مكرم فيما يبدو كانوا من ذوي اليسار حيث ارتبطوا بتجارة بين عمان والعراق, فنشوء هذه الإمارة بدا بنفوذ شبه إقطاعي يمتد على ساحل عمان الشمالي حيث اخذت عائلتهم في التوسع الاقتصادي والسياسي.

لكن السؤال الذي يبرز لنا متى تم الاتصال الفعلي بين كلا الطرفين البويهيين وبني مكرم حيث إن ع مان كانت تحت سلطة البويهيين. فالنقطة التي يذكرها لنا ابن خلدون هي أن الاتصال بين بني مكرم والبويهيين تم ببغداد ولم يكن بعمان حيث استخدموا لبني بويه.(12) وهذا يترتب عليه الاحتمال الأكبر إن هنالك كان تعارف مسبق بين الحامية البويهية وبني مكرم. وابن خلدون يزيد في الإيضاح بأن البويهيين أعانوهم بالمراكب من فارس فملكوا مدينة صحار التي كانت قصبة عمان وطردوا العمانيين الثائرين إلى الداخل نحو جبال الحجر, وأقاموا الخطبة لبني العباس.(12)

فالتقصي في المصادر التاريخية لا يظهر لبني مكرم أية تظلع أو ارتباط مع البويهيين إلا بعد الحملة البويهية الثانية عام 372/983 مع عضد الدولة أبو الفوارس شيرزيل بن فنا خسرو (ت 385/995 ) ومن ثم مع السلطان البويهي أبو كاليجار شمس الدولة مرزبان بن فنا خسرو 380/990 ومن بعد بهاء الدولة أبو نصر فيروز 388/998 حيث ازداد النفوذ البويهي إلى شبه التغلب التام على عمان; خصوصا ان العمانيين في الداخل لم يتمكنوا من تنصيب إمام أو إقامة ثورة مما افرض السيادة البويهية عليهم. ففي خلال فترة هؤلاء المرازبنة  مع أبو محمد الأول بدأت العلاقة البويهية-المكرمية بالوضوح والتبلور لأن تكون علاقة إمارة ذات السيادة التامة لكن صلاحياتها في  العلاقات الخارجية تتم عن طريق الدولة البويهية (المسيطرة على إقليمي فارس وخوزستان))). فابن خلدون يضيف لنا إن تغلب المكرميين على عمان إنما كان نتيجة لضعف بني بويه ببغداد ولذا توارث بنو مكرم عليها بدون تعيين فيما بعد.(14)  فاتخاذ بني مكرم صحار لان تكون عاصمة لهم كان عاملا مساعدا لتوسع هذه العلاقة مع فترة الازدهار الاقتصادي والتجاري لعمان في تلك الفترة, حيث ظلت صحار محورا في طرق التجارة البحرية القديمة ولتكون ؛دهليز الصين وخزانة الشرق«.

العلاقة المكرمية- البويهية

 المصادر التاريخية تكاد تجمع  على أن المؤسس لهذه الإمارة المكرمية هو أبو محمد الأول الحسين بن مكرم, ولا تشير إلى شخص قبله من عائلته, تمتع بشخصية فذة ونظرا لنفوذه التجاري والاقتصادي تمكن من التقرب من الفرع البويهي الحاكم لبغداد حيث بدأت علاقته بأبي الفوارس شرف الدولة شيرزيل بن فنا خسرو 372-380/389-990 ومن ثم تطورت علاقته ببهاء الدولة حيث عرف بأنه مدبر دولته.(15) وإن كان مهيار في مدحهم يشير إلى مكرم انه هو صاحب الشأن في نهوض هذه العائلة:

غرس المعالي »مكرم« في تربها

         فجنت حلاوة كل عيش بارد

حجرا على الأقدار فيما نفذت

             أحكامها من صادر أو وارد(16)

فلا ندري أين مكان مكرم من هذه العائلة ما إذا  كان هو والد أبو محمد الحسين أو جده. كل ما أمكننا الحصول عليه حتى الآن هو عن بدايات البروز السياسي لمؤسس هذه الإمارة أبو محمد الأول الحسين بن مكرم, وحسبما يبدو إنها كانت من التجارة البحرية في الخليج الممتدة من البصرة نحو الأبلة ثم إلى سيراف ومنها إلى صحار حيث الواجهة البحرية للسفن التجارية العابرة للمحيط الهندي. ويمكن استنتاج توسع ابن مكرم التجاري في العراق من أخبار تمرد  أبي العباس بن واصل عام 394 /1004 فكان بداية أمره أنه كان ينوب عن زربوك الحاجب, وارتفع معه ثم استوحش منه ففارقه وسار إلى شيراز واتصل بخدمة فولاد, ثم قبض عليه فولاد فعاد إلى الأهواز, ثم صعد إلى بغداد ثم خرج منها وخدم أبا محمد بن مكرم. فانتقل من بعد إلى خدمة مهذب الدولة بالبطيحة وتقدم عنه ولما استولى السكرستان على البصرة بعثه مهذب الدولة في العساكر فقتله وغلبه. وبعدها خلع أبو العباس بن واصل طاعة مهذب الدولة فأرسل جيوشا لمحاربته,  ومضى إلى شيراز فانقلب على أبي محمد بن مكرم واستولى على أمواله وسفنه في سيراف, وظل في تمرده إلى أن قتل سنة 397/1007 .(17)

لقد سبق لابن مكرم بفترة من الزمن الخدمة في البلاط البويهي وذلك باتصاله مع بهاء الدولة في بدايات الثمانين من السنة الثلاثمائة للهجرة/ التسعمائة للميلاد. فعلى اثر الحروب الدائرة بين البويهيين في تصدع العلاقة بين صمصام الدولة وبهاء الدولة, ففي عام 385/ 995جهز صمصام الدولة عسكره من الديلم وردهم إلى الأهواز مع العلاء بن الحسين واتفق مع الحدث وفاة ابن طغان _ نائب بهاء الدولة_ على الأهواز مما اقلق بهاء الدولة خصوصا بعد عزم الجند من الأتراك العود إلى بغداد, اضطر إلى إرسال أبا كاليجار المرزبان بن فيروز شاه إلي الأهواز نائبا عنه وانفذ أبا محمد بن مكرم إلى الفتكين وكان ابن مكرم برامهرمز قد عاد من بين يدي عسكر صمصام الدولة لكنه رجع إلى الأهواز. فكتب بهاء الدولة إلى أبي محمد بن مكرم بالنظر في الأعمال حتى يأتيهم فسار نحو خوزستان. لكن الحروب سرعان ما سبقت الحدث, فوقعت الحروب بين العلاء بن الحسين وابن مكرم فانزاح ابن مكرم من الفتكين ورجع بهاء الدولة إلى البصرة. فلما عرف ابن مكرم خبر بهاء الدولة عاد ابن مكرم إلى معسكر مكرم وتبعهم العلاء والديلم فأجلوهم عنها فنزلوا أخيرا في  براملان بين مدينتي معسكر مكرم وتستر وتكررت الوقائع بين الطرفين.(18)

في عام 387/997 توفي أبو القاسم العلا بن الحسين نائب صمصام الدولة بخوزستان بعسكر مكرم, وعليه انفذ صمصام الدولة وزيره أبا علي بن أستاذ هرمز وسار إلى جنديسابور وطرد أصحاب بهاء الدولة عنها ثم استمر إلى خوزستان.(19) فاستعد أبو محمد بن مكرم لحربه وجرت بينهما وقائع انزاح معها ابن مكرم إلى واسط. لكن بعد عودة أبو علي بن إسماعيل إلى طاعة بهاء الدولة أمره بالمسير إلى أبي محمد بن مكرم ومساعدتهم فجرت بينهم وقائع كثيرة.(20), لكن الأمور بدأت في الانعكاس لصالح بهاء الدولة في سنة 389/ 999 وذلك بعد دخول جنود الديلم الذين كانوا مع أبي علي بن أستاذ هرمز في طاعة بهاء الدولة نتيجة لقتل ابني بختيار البويهي على يد صمصام الدولة, واستولى بهاء الدولة على فارس وخوزستان.(21)

بالرغم من الإنجاز الذي حققه أبو علي بن العباس لبهاء الدولة إلا أن ذلك لم يشفع له بعد أن طلب الاستعفاء  من الخدمة, وبذل أبو محمد بن مكرم الصلح وسد الفجوة التي حصلت بينهما لكنه لم يوفق, فغضب بهاء الدولة وقبض على أبي علي بن إسماعيل واستولى على أمواله.  وكانت نتيجة للإنجازات التي حققها ابن مكرم حسبما يؤكد ابن الأثير أن بهاء الدولة عين في عام 390/1000 أبا محمد بن مكرم نائبا له في عمان.(22)  لكنه في سنة 392/ 1001 عزل بهاء الدولة  أبو محمد بن مكرم وعين بدلا عنه الفرخان بن شيران, لكن أبا محمد أعيد في منصبه وجعل القضاء بين يدي القاضي أبي بكر.(23)   

كان لانشقاق البيت البويهي على نفسه في أقاليم متعددة بين العراق وفارس وكرمان والجبل مؤثرا على العلاقات البويهية-البويهية والبويهية-مع ولاة الأقاليم حيث جعلت الأمر مضطربا مؤديا لحروب متواصلة بين أطراف متعددة ومناطق شاسعة. فشرف الدولة قد استولى على فارس والعراق وخطب له بعمان وولى عليها أبا علي أستاذ هرمز الذي سرعان ما انتقض عليه وصار مع صمصام الدولة مرزبان بن فنا خسرو (ت 388/998) سلطان كرمان, حيث خطب له بعمان.  فبعث شرف الدولة عسكرا فهزموا أبا علي بن أستاذ هرمز (ت 401/1011 ) وأسروه ببعض القلاع وطالبوه بالأموال وعادت عمان إلى شرف الدولة.(24)

عند هذا الحدث استوقفتني إشارة ابن خلدون ولا أدري ما إذا كانت خطأ مطبعيا أم لا حيث يشار إلى شرف الدولة بمشرف الدولة وهو قد تولى الحكم 412-416/1021-1025 (في الفرع البويهي العراقي) بينما صمصام الدولة كان قد توفي 388/998.

لكن التطورات في هذا الاشتباك بين الطرفين تبدو لاحقا لتبرز من شخصية أبو محمد بن مكرم رجل دولة محنك. فلفض هذا التنازع بين الطرفي البويهي للتدخل في الشؤون العمانية, تراسل سلطان الدولة أبو شجاع بن فيروز بهاء الدولة (403-415/1012-1024), ومشرف الدولة أبو علي الحسن بن بهاء الدولة (412-416/1021-1025) في الصلح وسعى بينهما أبو محمد بن مكرم صاحب سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة ومؤيد الملك الرجحي وزير مشرف الدولة, وانتهى الاتفاق على أن يكون مشرف الدولة على العراق بينما فارس وكرمان لسلطان الدولة, وتم ذلك في سنة (413/1022) وعليه  تحول بني مكرم إلى العلاقة مع (الفرع البويهي الحاكم لفارس_خوزستان).(25)

لكن بوفاة سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة عام 415/1024;  السلطان البويهي لفارس بشيراز حيث كان أبو محمد الأول بن مكرم صاحب دولته. فرغب أبو محمد أن يخلفه  ابنه أبو كاليجار وهو يومئذ أمير على الأهواز فاستقدمه للملك بعد أبيه, ولكن هوى الأتراك من الجند مع عمه أبو الفوارس صاحب كرمان فاستقدموه, فخشي أبو محمد بن مكرم جانبه ففر  إلى البصرة.(26) وكان ابنه أبو المكارم بن أبا محمد بن الحسين قد نصحه بالذهاب إلى سيراف لتسيير أعماله التجارية أو إلى ابنه أبى القاسم في عمان وألا يتدخل في العراك الدائر في البيت البويهي.(27)

فسار العادل أبو منصور بن مافنة إلى كرمان لاستقدام أبي الفوارس وكان صديقا لابن مكرم فحسن أمره عند أبي الفوارس, لكن  الأجناد من الأتراك أحالوا بحق البيعة على ابن مكرم, فكانت مؤدية إلى الانشقاق بين الطرفين مرة ثانية فماطلهم أبو محمد بن مكرم وهم ضجروا من ذلك فقبض عليه أبو الفوارس وقتله.(28) للتوقف بعض الشيء, فتاريخ وفاة أبو محمد الأول  يدعونا إلى مراجعة آراء البروفيسور بوسورث في أن أبا محمد توفي عام 411/1021 بينما الأصح يبدو غير ذلك إنما وفاته كانت بعد أبي شجاع سلطان الدولة أي بعد 415/1024. فإعادة الاستقراء لتاريخ وفيات بني مكرم يدعونا إلى التأمل ثانية في التواريخ المذكورة عنهم عند بوسورث, وهذا ما سنبينه لاحقا في عرضنا للأحداث ويمكن مقارنته تلقائيا.(29)    

فبعد وفاة أبي محمد الأول برز من بعده ابنه أبي القاسم ناصر الدين علي بن الحسين ولحق بأبي كاليجار بالأهواز فتجهز إلى فارس وكان قام بتربيته ابن مزاحم صندل الخادم, وسار العساكر إلى فارس ولقيهم أبو منصور الحسن بن علي النسوي وزير أبي الفوارس فهزموه وغنموا معسكره. وهرب أبو الفوارس إلى كرمان وملك أبو كاليجار شيراز واستولى على بلاد فارس.(30)

فبدأت الدولة المكرمية في ازدهار خلال هذه الفترة بل هي الفترة المزدهرة لبني مكرم. فعرف أبو القاسم بلقب مؤيد الدولة وناصر الدين, وارتبطت صداقته مع كلا الشاعرين الفارسيين مهيار الديلمي وأبو علي بن مهبرد المعروف بأبزون العماني. فأبو القاسم تمتع بحنكة سياسية حيث كان ينيبه والده في شؤون عمان من قبل فعرف ملكا  في البلاد قبل أن يخلف والده في الإمارة , وكانت إحدى مدائح مهيار له في 409هـ/1018 بقوله:

وإن وراء بحر عمان ملكا 

                رطيب الظل فضفاض الرحاب

رقـي عيشـه عـطر   ثراه

                بـطـراق الفـضائل  غير   نابي

متى تنزل به تنزل بواد

                من  المعروف  مرعي  الجناب

وإن كان الفتى لأبيه فرعا 

                فإن  الغيث   فـرع   للسحـاب(31)

فوصفه  مهيار ملكا  على عمان قبل أن يخلف أباه في الإمارة. كما بينا سابقا انه أبو المكارم نصح أباه بالذهاب إلى عمان بعد وفاة بهاء الدولة عند ابنه أبي القاسم. إن هذه الفترة شهدت اتصالا ثقافيا متبادلا بين فارس وعمان فقد اتصل شعراء فارس ببني مكرم نحو أبزون مهبرد الكافي العماني (ت 430/1093 ) فمن مديحه لأبي القاسم: 

ليهنــك أن ملكـك فـي ازديــاد

               وإن علاك وارية الزناد

وانك من إذا وصف الموالي

                 مناقبه أقر بها المعادي

حديث قراك متع كل سمع

                وذكر نداك عطر كل نادي

وينقاد الملوك لك اعتقادا

                وما انقادوا لغيرك باعتقاد

ملكت رقابهم بأسا وجودا

               فهم ملك السيوف أو الأيادي

إذا استعرضت جيش الرأي ليلا

                        جعلت عطاءه طول الس-هاد

إذا ادرعوا الدجى  والهول

                باد سروا نجومهم غرر الجياد

فبالسمر اللدان إذا  تماروا

                النته م وبالبيض الحداد(32)          

ويدون جاجي خليفة عن أبي الحاجب المعاصر للشاعر بقوله على إن اكثر شعر أبزون في مديح أميره ؛ناصر الدين« وهي لقب  لأبي القاسم, ومن مدائحه أيضا لكن لا ندري كانت هي لأبي القاسم أو غيره:

على سيبك المأمول يعتكف الحمد

                وعن سيفك المسلول ينكشف الجد(33)

و كذلك قوله:

إلى ملك يجلو بثاقب رأيه صدا

                الخطب والصادي برؤيته يروى

فكم من أخي فقر نفى باسمه الطوى

                وكم مهمهه قفر إلى  بابه   يطوى(34)   

وكذلك قوله:

كثبات حكمك كاد يذب-ل

                    ويشم  رائحة  الزوال شمام

وإذا كتائبه انبرت أو كتبه

                    فلقت هناك الهام والأوهام(35)

لكن العلاقة بين أبي القاسم ومهيار تميزت إلى صداقة بين طرفين فمن مدحه له:

إذا صانك المقدار من كل حادث

                      فوجهي عن ذل السؤال مصون(36)

و لتبيين هذه المودة في مدائحه كذلك:

إلا لله قلبك  من حمول

                    على عجلات وصل واجتناب

وحبك من وفي العهد باق

                      على بعيد بحبل أو اقترب

وكان المجد أعود حين يهوي

                       عليك من المهفهفة الكعاب

و من عادة مدح مهيار لأبي القاسم يبتدئ بتحية بذكر أسماء المدن والقرى:

سلا دار البخيلة بالج ناب

                متى عريت ر باك  من القباب

و كيف تشعب الأضعان صبحا

                بدائد وهدك والشعاب

بطالعة الهلال على ض مير 

                و غارب كمنقض الشهاب

حملن رشائقا ومبدنات

                      رماح الخط تنبت في الروابي

هوى لك في جبال »أبـان« ثاو

                 وأنت على جبال »عمان« صابي(37)

فالجناب اسم واد , والوهد جمع وهد وهو ما انخفض  من الأرض, وض مير  اسم بلدة, وأبان قرية في طريق شيراز إلى كرمان.(38)  وكذلك في قول أخر:

وجوه على »وادي الغضا« ما عدمتها

                فكل عزيز بالجمال يهون

تشبثت بالأقمار عنها علالة

                و بانات »سلع« والفروق تبين

و عوذني عراف »نجد« بذكرها

                       فأعلمني أن الغرام جنون(39)    

 وكذلك من طرائف مدح مهيار لأبي القاسم يشكره على ملاطفته له ودنانير أرسلها له, ويقب  ح بوساطة الغلام الذي أنف