ثيسجر.. ذات صباح من صباحات الصحراء

عمار السنجري
كاتب من الإمارات العربية المتحدة


يصف ثيسجر صباح يوم من صباحات الصحراء... ؛كانت طيور القب ر تغرد حول مخيمنا, والفراشات تنتقل من نبتة لأخرى, والسحالي تتجول في المكان, والخنافس الصغيرة تمشي بصعوبة على الرمل. وفي ذلك الصباح شاهدنا أرنبا , وآثار غزال. وكان الرمل من حولنا يحمل آثار اليرابيع وغيرها من القوارض التي كانت تتجول خلال الليل«.

ما يميز أسلوب ثيسجر في كتابه, إننا نعيش معه أحيانا  في فضاء أدبي محض, حتى ننسى أحيانا  موضوع الرحلة, أو أين وصلت. فهو يقدم بورتريهات للقطات يمكن وصفها بأنها بورتريهات صحراوية. صور نابضة بالحياة ومؤطرة بالشاعرية إلى حد بعيد ومسكونة بتلك النوستالجيا التي لازمته بعد مغادرته الصحراء, وكانت تظهر كلما ود ع رفاق رحلته.

؛نصبنا الخيام في مجرى ماء ضحل على هضبة كلسية, وكنا قد قطعنا الرمال. كان للوادي عندما استيقظت فجر مغمور بضباب كثيف دوار, وبدت فوقه الخطوط الخارجية للكثبان الممتدة شرقا  كالجبال الساحرة في مواجهة الشمس الصاعدة. وكانت السماء متوهجة بلطف وبأطياف من حجارة عين الهر الثمينة, والكون بسكينته يبدو مثل الوعاء القابل للتحطم في أية لحظة. وأخيرا  وقفت على هذه الهضبة البعيدة عن الرمال, وتطلعت إلى الوراء بنظرة حسرة وأسف إلى الطريق التي كنا قد قطعناها«.

بل أن الرحلة نفسها بالنسبة له (كما يقول) لم تكن مهمة بقدر صرف وقت للتأمل في الطريق من فوق ظهر الراحلة والاستعداد لاستقبال مفاجآت الطريق...

»ليس المهم هو الهدف, وإنما الطريق. وكلما كان الطريق أكثر مشقة كانت الرحلة أكثر استحقاقا« ومن مفاجآت الطريق يستمد متعته في الاستكشاف...(1) »وشعرت في كل مرة أنني مكروه جدا . فكنت أقف هناك صامتا  متعاليا  على الآخرين, فيما هم يتبادلون الأخبار, والدقائق الطويلة تمر بتثاقل. ومع ذلك وحتى عندما أتخوف أن يكتشفوا هويتي, كنت أدرك أنه بالنسبة لي لم تكن جاذبية هذه الرحلة تكمن في مشاهدة البلاد فحسب, وإنما في مشاهدتها تحت هذه الظروف«.

يصف الشاعر الفرنسي رينيه شار الإنسان الشاعر بأنه هو ذلك المرء الذي يمتلك الشهية لقلق يؤدي الانتهاء من استهلاكه إلى الغبطة. وبهذا المعنى امتلك ثيسجر شهية القلق المتأصلة لدى الرحالة باقتدار, وعب ر عنها أيضا  بكل اقتدار.كان يصطاد اللحظة بكل زخمها, ويسجلها قبل أن تفلت, قبل أن تخبو جذوة الاستمتاع بها.(2) أخبرني مرافقه (بن كبينة) في أحد لقاءاتي معه أنه (أي ثيسجر) كان دائما  تراه يكتب, يحمل أوراقه ودفاتره أينما حل وارتحل. دائما  كنا نراه يكتب ويدو ن. خز ن تلك اللحظات التي عاشها, وت ع ت ق ما دونه (صدرت الطبعة الإنجليزية لكتاب الرمال العربية عام 1959 وكان قد انتهى من رحلاته في منطقة الربع الخالي عام 1950) عرض ما دو نه, ما اصطاده من لحظات على مدى خمس أو ست سنوات من تنقله في أرجاء المنطقة, من حضرموت جنوبا  إلى مسقط شرقا  و ليوا وأبوظبي والشارقة ودبي شمالا , ملايين اللحظات, سجلها بأسلوبه, بعد خمسين عاما  أصبحت تلك المدونات ( تاريخا  للمنطقة ) أو على الأقل, أصبح كتابه مرجعا  مهما  من مراجع تاريخ المنطقة.

يزيد رينيه شار في وصف الكائن الشاعر, فيقول, بأنه, هو القادر على المبالغة, ينمو بشكل صحيح في العذاب. والشاعر, هو حافظ وجوه الكائن الحي اللامتناهية. ألا ينطبق هذا الوصف على ثيسجر (ونتحدث هنا عن أسلوبه في الكتابة لا عن نواياه أو مدى صحة المعلومات  التي أوردها أو...الخ).

لنتأمل مثلا  هذا النص ؛بعد حلول الظلام عدنا نحو المخيم نهزج ونغني ونحن نشعر بالتعب الشديد والبرد القارس, لكننا كنا راضين بحصيلة اليوم الأول. وجلسنا حول نار المخيم نتحدث عن صيد يوم آخر. وبينما كنت مستلقيا  في ما بعد تحت النجوم اللامعة استمع إلى رغاء النياق المتواصل كنت أشعر بسعادة غامرة....«..

ومما لا شك فيه انه استعان بكتب رحالة سبقوه, وهو لا يخفي إعجابه بتوماس الذي سبقه إلى منطقة الربع الخالي بستة عشر عاما , وينظر إليه والى  فلبي بعين التقدير  والاحترام. وقد أشار إلى ذلك في كتابه...

؛راقبت بن كبينة وهو يمشي بمحاذاة النتوء الرملي, الذي كان يمتد إلى القمة التي كنت أجلس عليها, حاملا  البندقية العسكرية التي أعرته إياها في هذه الرحلة, وما لبث أن انضم إلي وجلس وبدأ يتحدث, ثم فك مزلاج البندقية, فالعرب يحبون تفكيك البنادق, وقال إنه سيشتري بندقية بالنقود التي استعار ها عندما أتى معي إلى حضرموت. ثم سألني عما إذا التقيت (توماس), وهو البريطاني الوحيد الآخر الذي كان مع قبيلته, فقلت له إنني التقيته. وعندما توقف, واستسلم للنوم  - أي بن كبينة - أخذت أفكر بالرحلة التي قام بها (توماس) لقد كان اجتياز هذه الصحراء بمثابة آخر وأعظم جائزة في إطار استكشافه للجزيرة العربية, وكان (داوتي) وغيره من الرحالة المشهورين الذين تجولوا في جزيرة العرب, يحلمون بهذا الإنجاز, غير أن تحقيق الحلم كان يستحقه (توماس) و(فلبي) اللذان سيظل اسماهما متلازمين لدى الحديث عن اجتياز الربع الخالي«(3) 

بل واجتاز ثيسجر الصحراء مع أفراد من نفس القبيلة التي استعان بها توماس من قبل لعبور الصحراء..(4) ؛كل ما كان بإمكاني عمله هو أن أضع الترتيبات على أساس أن مقشن هي نهاية المطاف, على أمل أن أتمكن بعد وصولي إلى هناك أن أقنع بعض البدو بعبور الصحراء معي. وقد حاول توماس اجتياز الربع الخالي للمرة الأولى مع بيت كثير واضطر للعودة بعد أن اجتاز مسافة قصيرة, ثم حاول ثانية مع آل راشد وكنت أعلم أنني إذا قررت عبور الرمال فلابد أن أضمن وجود آل راشد معي«.

وقد سنحت له الفرصة بالفعل بعد هذه السنوات أن يستعين بأحد الادلاء الذين استعان بهم توماس نفسه وهو الشيخ صالح بن كلوت من آل راشد, حيث التقاه خلال استعداداته للعبور الثاني حين كان في رحلة العودة إلى صلالة من عبوره الأول....

»كما رافقه أيضا  رجال من بيت كثير« وأرسلنا خبرا  إلى (صلالة) وفي اليوم التالي خرج الوالي لمقابلتنا ومعه حشد من أهل البلدة والبدو, والكثير من الرواشد. وكان بعضهم أصدقاء قدامى, وآخرون لم أق ابلهم ومن بينهم (بن كلوت) الذي رافق ( برترام توماس)«.(5)

ويصف ثيسجر (بن كلوت) بقوله...

»كان (بن كلوت) رجلا  لافتا  للنظر, قصير القامة, مملوء البنية, قويا, ثقيل الجسم, وبسبب تقدمه بالسن, يتحرك بصعوبة, وينهض على قدميه بعد جهد جهيد, وبعد كثير من الأدعية إلى العلي القدير. كان كثير التأني في كلامه وتحركاته وإيماءاته, عريض الوجه, غليظ القسمات, بارز الأنف, ثابت العينين, واسع الفم وكث اللحية, التي يكسوها الشيب, وأصلع الرأس تماما . كان نادرا  ما يتحدث, ولكني لاحظت أنه عندما يتحدث لا يجادله أحد. وكان معه ابنه (محمد) وهو أخ سالم بن كبينة من أمه. وهو شاب ممتلئ البنية كوالده, طيب المعشر«.(6)

ولم تقتصر صحبته لآل راشد فقط, بل استعان بالبدو من بيت كثير أيضا , ومن الصاعر والمناهيل, والعوامر والمهرة والجنبة وآل وهيبة بل وحتى من الدروع وهي القبيلة التي سببت له الكثير من الأرق حين أصرت على منعه من المرور بأراضيها.

يذكر روبرت كابلان Robert D. Kaplan  في كتابه THE  ARABISTS : 

)أن نابليون بونابرت هو أول من أفضت أعماله إلى التعجيل بالمصالح البريطانية في الشرق الأوسط عندما هدد بشن هجوم على الهند انطلاقا  من مصر التي احتلتها قواته في الفترة من  1798- 1808. وبعد مائة سنة من ذلك التاريخ, وعندما جاء قيصر ألمانيا ليهدد الهند, كانت قبضة بريطانيا على الجزيرة العربية هي التي دفعت ويلهلم الثاني (غليوم) إلى الذهاب لتركيا والى التخطيط لإنشاء سكة حديد ألمانية عبر آسيا الصغرى إلى بغداد. هذه الميزة الاستراتيجية فضلا  عن الحاجة إلى النفط التي طرأت على حياة هؤلاء القوم مجددا , هي التي أعطت لبريطانيا قوة دفع في الجزيرة العربية لكي توسع نفوذها شمالا  حتى يصل إلى سوريا الكبرى ثم بلاد ما بين النهرين (العراق). هكذا جاءت الإمبريالية بالإنجليز إلى الشرق الأوسط حيث هيأوا أرضية أسطورية من الثقافة والحضارة الوطنية التي كفلت لهم استراحة (وأي استراحة!- والتعليق هنا من عندنا) يأخذونها من حياتهم التي استبدت بها الآلة في مجتمع أوروبي كان يخضع وقتها لعاصفة من التصنيع السريع. يلاحظ الكاتب الإنجليزي ديفيد برسي جونز - والحديث لا زال لكابلان - إن الخيال البريطاني كان أسير نزعته الفريدة والمتأصلة التي تقول بضرورة ص ون وإعزاز كل ما هو مختلف وكل ما هو فاتن الجمال, بعبارات أخرى فإن العقل البريطاني يأسره جمال مخيمات البدو بقدر ما يأسره جمال حديقة يانعة في وطنه. وكما أن الحديقة بحاجة إلى عناية وتشذيب بانتظام, فإن صور الخيام و أهل العباءات المسدلة الذين يدبون على كثبان الرمال تحتاج إلى تفاصيل صقل وتصوير في إبداع الكتابة الوصفية«. كان لابد من هذا الاستطراد فربما هذه هي الخلفية الرثائية التي انطلق منها كل من توماس وبعده ثيسجر في التأسي على ما سيحل بالصحراء, فيما لو دخلتها الآلة.

ويضيف كابلان: ؛ثم جاءت مسؤوليات الاستعمار لتعزز هذا اللون من النشاط. فلكي تستطيع السيادة على مقاليد أهل البلاد عليك أن تفهم حياتهم وتتكلم لغتهم. هذه العملية أدت إلى فهم وتقدير لكلا الجانبين, الحياة واللغة, ولأن الدول العظمى الأخرى مثل فرنسا وألمانيا وروسيا كانت تنافس بريطانيا على مقاليد النفوذ في تلك المنطقة المشبعة بالأساطير. احتاج الأمر إلى كثير من الدهاء, وهذا يعني القدرة على أن تندس بين صفوف أهل البلاد دون أن يلحظك أحد (وكان هذا دأب لورنس وتوماس وثيسجر و قبلهم بيرتون) وأن تتصرف كأنك واحد منهم, وذلك كي تعرف ما الذي يدور هنا أو هناك. وكم كانت تلك المحاولة قريبة من نفوس شرائح بعينها من الطبقات العليا من الإنجليز الذين كانت تراودهم نزعة الغرابة والتفرد (وهذا الأمر ينطبق على من سبق ذكرهم لورنس وبيرتون وتوماس وثيسجر), ولهذا فإن قصة (كيم) التي كتبها راديارد كبلنغ حول التجسس وحول التزيي بزي المواطنين المحليين في الحدود الشمالية الغربية من الهند البريطانية ينظر إليها بوصفها أعظم عمل فني من إنجازات الاستعمار«.(7)

وتتلخص رواية (كيم) بوجود شخصية (لورغام صاحب) وهي شخصية تستأثر بقوة الخيال وتجسد بنفس الوقت غرابة الأطوار التي شجعها الاستعمار, فهذا البقال الداهية, أو التخفي بهيئة بقال, والذي يمكن أن يراه الناس كأنه هندي أو كأنه ينتمي إلى جنسيات مشرقية أخرى, والذي تعلم منه الصبي الايرلندي الأبيض (كيم) دروس حرفية الجاسوسية بين الكتب القديمة والابسطة الشرقية و أقنعة عبادة الشيطان وتماثيل بوذا المذهبة وعجلات الصلوات في التبت وغير ذلك من آلات الإيقاع. ويقال أن (لورغام) وغيره من الشخصيات في رواية (كيم) تقوم كلها بدرجات شتى على أساس رجل واحد يقف تجسيدا  ورمزا  حيا  على الغزو البريطاني فيما وراء البحار في فترة القرن التاسع عشر ويذكر كابلان بأن ذلك الرجل المعني كان السير ريتشارد فرنسيس بيرتون. ونعتقد أن توماس وثيسجر وفلبي ينطبق عليهم ما انطبق على بيرتون.

ي ضاف إلى ذلك, ففي الشرق الأوسط أكثر من أي مكان في الإمبراطورية البريطانية, عمل الخيال البريطاني وعملت الاستخبارات أيضا , في إطار متشابك قوامه الافتتان بالآثار واللغة والثقافة القبلية بشكل لم يسبق له مثيل. وهذه الظاهرة كانت تصدر عن أسباب عدة. فمن بين كل أصقاع الإمبراطورية التي كانت تحكمها بريطانيا العظمى في أنحاء العالم, كان الشرق الأوسط من الناحية الجغرافية الأقرب إليها ومن ثم الأيسر في بلوغه. وفضلا  عن ذلك كما يوضح د.إدوارد سعيد في كتابه (الاستشراق) فإن ديار الإسلام تتاخم بل وأحيانا  تعلو أراضي التوراة. ولم يخف  بعض الرحالة دوافعهم الدينية في محاولة استكشافهم للجزيرة العربية (كداوتي على سبيل المثال من بعده جاء المبشرون الأمريكيون) كذلك فإن العربية والعبرية لغتان ساميتان وكلتاهما تتناولان (مادة في غاية الأهمية للمسيحية) وهذا هو الذي جعل الإسلام (عامل استفزاز  - حسب سعيد) خطير وساحر بالنسبة للبريطانيين (ثم للمبشرين الأمريكيين على السواء) كان استيلاء الإسلام على الأرض المقدسة هو الذي أفضى إلى نشوب الحروب الصليبية - حسب كابلان - فضلا  عن ذلك كان الإسلام من الفطرة لدرجة أن يسهل فهمه بغير تعقيد (على خلاف أديان الهند أو أفريقيا) ولكنه كان من الاختلاف بحد ذاته لدرجة تستعصي على من يفهمه من الخارج. ويخلص كابلان إلى أن المسألة كانت مثل حسناء فريدة أخاذة تتضوع أعطافها بأريج العطور وعبيرها يكاد يلفح أنفاس البريطانيين وكان هذا معناه أنه لابد من السيطرة عليها. ونذك ر مرة أخرى أن تلك الحسناء الفريدة هي منطقة الشرق الأوسط.(8)

كان لابد من سرد تلك الاستطرادات الضرورية للوقوف على خلفية الدوافع الحقيقية التي دفعت بأفواج أولئك الرحالة للوصول إلى الجزيرة العربية, وتحت حجج وأهداف مموهة شتى. ولنقف على منطلقات وخلفية تلك اللهجة الرثائية التي استخدمها ثيسجر وقبله توماس, لهجة التأسي على ما سيحل بالصحراء فيما بعد لو دخلتها الآلة وما ستحدثه من تغيير في إنسان هذه الصحراء. وهو في الحقيقة رثاء شخصي لأن (صحراء الرحالة أنفسهم) هي التي ستتغير وليس صحراء البدو ساكنيها الأصليين.

وقد عبر ثيسجر عن هذا الرثاء بمقته الصريح للآلة ....

؛كان هناك سبب أقوى حفزني للقيام بهذه الرحلة, وهو أن أكون بعيدا  مدة أطول عن الآلات التي تسيطر على عالمنا. فالخبرة التي اكتسبتها ستدوم اكثر من الأيام القليلة التي قضيتها في الرحلة. لقد كنت أكره الآلات طيلة حياتي. وأذكر كيف كنت في المدرسة أمتعض بمرارة من قراءة خبر مفاده أن أحدهم قطع الأطلسي بالطائرة, أو سافر عبر الصحراء الكبرى بالسيارة. فحتى في ذلك الوقت كنت أدرك أن السرعة وسهولة الانتقال الميكانيكي ستسلبان العالم كل علاقات التنوع«.(9) كما عب ر عن مقته الشديد لشركات النفط وهو يعبر في الحقيقة عن مقته للتغيير الذي سينال من صحرائه هو, لذلك كانت تتصاعد عنده نبرة نوستالجيا واضحة...

؛كان الشيخ زايد مشغولا  هذه الأيام بمساعدة بيرد Dick Bird في مباحثاته المتواصلة مع شيوخ القبائل من المناطق المجاورة. وكان بيرد يأتي بسيارته إلى المويجعي, كما أن الشيخ زايد يملك أيضا  سيارة. وكانتا الوحيدتين قبل وصول السيارات إلى دبي على الساحل. كان بيرد ودودا  إلا انه أرتاب فيما إذا كنت أعمل لحساب شركة نفط منافسة. وكنت أبتعد عنه عندما كان رجال القبائل الزائرون يتواجدون في المكان. على كل حال, كنت معارضا  لجميع شركات النفط بسبب خشيتي من التغييرات وانحلال المجتمع الذي لابد وإن تسببه هذه الشركات«.(10)

بل وكان يفضل استخدام الجمل بدل السيارة في تنقلاته...

؛عرض علي  الشيخ زايد أن أنتقل إلى الساحل بسيارته, لكنني قلت له إنني سأنتقل على ناقة«.(11)

ولنعيد هنا رسم الصورة لهذه الصحراء باستعادة رأي توماس ومقارنته برأي ثيسجر ...قال توماس بأن: »إدخال الآلة إلى تلك المنطقة التي تتميز بالهدوء والسكينة كان يبدو أمرا  غير مستساغ لأنه قد يشوه جمال الصحراء«. وإعراب ثيسجر عن (خوفه!) من التغييرات وانحلال المجتمع الذي لابد وإن تسببه الآلة التي ستدخلها شركات النفط, هذه الحسرة من تغي ر المنطقة هي في الحقيقة حرص شخصي مستمد من تلك المقولة الاستعمارية العتيدة التي ترى في نفسها الراعية, وإن العناية الإلهية قد أرسلتها لإيقاظ الحضارات الأخرى من سباتها, ولتضطلع بمهمة توجيه الشعوب القاصرة العاجزة, فإذا دخلت الآلة الممثلة هنا للتطور, للتكنولوجيا, للانفتاح, للوعي بالذات, فستنتقي بلا شك تلك الحاجة إلى وجود تلك الجيوش الم خ ل ص ة وسينتهي دور (عيونها) من رح الة ومستشارين ودبلوماسيين ووكلاء سياسيين مرتبطين بشكل أو بآخر بالإدارة الاستعمارية الراعية لهم والموجهة والمستفيدة من خدماتهم. إذن دخول (الآلة) وما ترمز إليه هو إنهاء حالة (الوصاية) تلك وإنهاء لهيمنة رموزها ورجالها الأسطوريين, أو الذين خلق الاعلام من كل واحد منهم أسطورة بذاته! وخطورة الغزو الإعلامي لا تقل عن خطورة الغزو العسكري بأي حال من الأحوال إن لم تتفوق عليه في الأهمية.

ومع كل ما تقدم فإن هذا لا يمنع من أن ننظر الى كتاباتهم تلك بعين فاحصة وفكر قادر على التحليل والتعامل مع وجهات نظر متعددة, كما لا ينفي نقد ما قدموه لنا ولتاريخنا من وثائق مدونة وإن حملت بين ثناياها وجهات نظرهم فليس بالضرورة أن تعب ر كتاباتهم عم ا نطمح نحن أن ن عبر عنه.

أن هيئة نقد الحضارة المادية في خطابهما (توماس وبعده ثيسجر) والتعبير عن انزعاجهما أو عدم رضاهما ورفضهما للنظام الكئيب والرتيب الذي كانت ديانة التقدم الجديدة (الثورة الصناعية بمحاسنها ومساوئها) تعمل على تدشينه, وتحمسهما لاستمرارية (الأصالة البدائية) لمجتمع الصحراء, لم يكن هناك ما يدعمه, أو يدعم أصالته, سواء في ملاحظات ثيسجر أو تحليلات ومعاينات توماس لذلك المجتمع وما قام به الأخير من ؛استقصاء اثنوغرافي« للمناطق التي مر  بها. فهناك العديد من المغالطات التاريخية التي رددها توماس مثلا  تمثل أبرز ملامح ذلك الإسقاط التمركزي - العرقي في قدرته المعهودة على إطلاق تعميمات, مجرد تعميمات, حيث تمحى الخصوصيات الثقافية للشعوب والفوارق القائمة بينها, تمحى وتختزل تحت كتلة من التحديدات التخطيطية والأفكار الإجمالية (المسبقة) والتي تكتسب بتكرارها والإلحاح عليها قوة مذهب وعصمة نهائية.

وسأقدم هنا مثالا  على تلك التعميمات التي أطلقها ليأتي بعده ثيسجر ويرددها بنفس الحرفية وإن بطريقة أخرى دون أن يشير إلى م طل قها الأول...

يقول توماس: بأن (12) ؛قبيلة الصيعر على الرغم من أنهم يحلفون اليمين بالله ويزعمون أنهم يؤمنون بالله ويرددون دائما  كلمة (الله يعلم)  يزعمون أن أسلافهم أنقذوا الرسول عليه الصلاة والسلام من أيدي الكفار الذي كانوا سيذبحونه. وعلى هذا الاساس, فإنهم يزعمون بأن الرسول أعفاهم وأعفى أولادهم من الصلاة, من الطبيعي أن هذه الأقوال لا نصيب لها من الصحة«.

ورغم نفيه لصحة هذه المزاعم إلا أنه لم يتأكد من المصدر, بل ولم يكلف نفسه عناء البحث والاستقصاء للوقوف على أسباب إطلاق مثل هذه الإشاعة. فبمجرد أن سمع شيئا  او معلومة مغرضة  قد تؤثر في سمعة قبيلة ما, فيأخذها هكذا على عواهنها, ويدونها كما هي, ليأتي بعده  رحالة آخر (هنا في هذه الحالة ثيسجر الذي رد د نفس المقولة وأيضا  دون تمحيص ودون اكتراث) لتنضم هذه المقولة التي أمست »نصا  مقدسا « إلى جملة الأفكار الشائعة عن حياة السكان الأصليين لهذه الصحراء, لتضاف إلى الصورة الغربية المعهودة. يورد ثيسجر كما قلنا نفس الإشاعة ويدسها بجملة عابرة قد لا تستوقف أحدا  ....

فبعد أن يذكر بأن أخبار وصوله إلى منطقتهم (ريضة الصيعر) ويصف ترحابهم بمق دم ه و ودهم البالغ وشهامتهم ورجولتهم ليضيف هذه الجملة إلى تلك الفقرة:(13)

»وقد اكتسبوا عن جدارة شهرة بضعف الإيمان, لأنهم لا يصومون ولا يصلون ويقولون بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أعفى أسلافهم من الفريضتين« وبنفس الفقرة, يمتدح شجاعتهم, وينفي عنهم صفة الغدر التي ت نسب إليهم من باب الافتراء والكراهية.

إن موضوع الاتهامات المتبادلة قديما  بين القبائل, موضوع حساس, دقيق وكانت تراق فيه دماء, لأنه يمس سمعة القبيلة وشرفها وهما أثمن شيء في حياة أي فرد من أفرادها. ولم تكن أي قبيلة من القبائل لترضى بأن تنسب إليها أي نقيصة من النقائص وهذا أمر طبيعي, لأناس عاشوا على معاني الشرف والبطولة والشجاعة  والنخوة وتغنوا بها في أشعارهم. ولكن عين الرحالة الغربي, لا تعرف أو بالأحرى لا تقدر أهمية ذلك, رغم ادعائها للموضوعية و المنهجية في كتاباتها, وكما رأينا لا توماس ولا ثيسجر ذكرا مصدر تلك الإشاعة والتي هي بالتأكيد مجرد إشاعة مغرضة لكنهما لم يتوانيا عن ذكرها ليتناقلها بعدهما ربما رحالة آخرون وبنفس الخطأ الأول ليستمر تكراره كما هو دون تصحيح من منصف. ولكن, ورغم كل ما تقدم, فإن هذا لا يمنع من ان ننظر إلى كتاباتهم تلك بعين فاحصة, متمهلة, وفكر قادر على التحليل والتعامل مع وجهات نظر مختلفة ومتعددة. كما لا ينفي ما تقدم ما قدموه لتاريخنا وتاريخ المنطقة من وثائق مدونة تقدم لنا صورة حية لفترة من الفترات مرت ولن تعود, وإن حملت كتاباتهم بين ثناياها وجهات نظرهم سواء الشخصية منها أو الرسمية, وسواء كانوا معبرين عن آرائهم أو آراء من كانوا وراءهم وأرسلوهم إلى المنطقة تحت شتى الذرائع والمسميات, فليس بالضرورة أن تعبر كتاباتهم تلك والتي قد لا ترضينا في بعض جوانبها, عما نطمح نحن أن تعب ر عنه, والا نتوقع منهم النزاهة والتجرد الكاملين ولا الإنصاف الذي نرجوه ونتوقعه من ضيوف استقبلناهم بكل الود والترحاب والأريحية.

على أن إيراد بعض الرحالة (بالأحرى أغلبهم) لبعض المعلومات المضللة دون التثبت منها, أو ذكر مصدرها خلق بلا شك جوا  من عدم الثقة بما يورده بعضهم. (حالة توماس وثيسجر وقبلهما داوتي وعلي بك العباسي و...القائمة تطول) وما ذكرناه مجرد مثال واحد بسيط على ما يمكن أن نعده من ؛سقطاتهم«.

ويلخص الروائي المغربي محمد شكري في كتابه »بول بولز وعزلة طنجة« (14) وهو الروائي الأمريكي الذي عاش معظم سنوات حياته في مدينة طنجة بالمغرب وكتب مستوحيا  من أجوائها عدة قصص و روايات, يلخص شكري عقلية هؤلاء الرحالة ممثلين ببولز فيقول:

»إن أكثرية ما يكتب عن طنجة اليوم, هي كتب - بطاقات بريدية (كارت بوستال) - قد يمكث في طنجة كاتب ما أسابيع ويكتب عنها كتيبا , متبجحا  بما  يعرفه عن خفاياها, وجغرافيتها السرية, وأمجادها الغابرة, والمشاهير الذين عاشوا فيها أو مروا بها. إنهم كثيرون الذين يكتبون عن المغرب بطاقات بريدية فيهرجون الكتابة ويسطحونه