اليمن السعيد أناشيد المياه أناشيد الحجر

عزالدين باش شاوش
مؤرخ واكاديمي تونسي ومستشار الأمين العام لليونسكو حاليا
ترجمة: خالد النجار
شاعر ومترجم من تونس


في  المحيط الهندي, ونحو الجنوب, غير بعيد عن القرن الافريقي, ينفصل اليمن. وهو صقع قد اشتهر منذ أزمنة سحيقة باسم آرابيا فيليكس ARABIA FELIX  أي »بلاد العرب السعيدة«. يقع اليمن على امتداد البحر الأحمر. ويشك ل استمرارا لمساحات شاسعة متحجرة هي نفسها امتداد لصحراء لا تنتهي. وتعود شهرة اليمن في القديم على وجه الخصوص; إلى ماتنتجه من مر, ولبان.  ففي وقت مبكر من القرن الخامس قبل الميلاد ذكرها المؤرخ اليوناني الكبير هيرودوت, قال: »ومن ناحية الجنوب, فإن آخر الأصقاع المسكونة هي بلاد العرب: وهي البلاد الوحيدة في العالم التي ينبت فيها اللبان, والمر, والدارصيني, والكافور, واللاذن«.

وعلى امتداد بلاد العرب الجنوبية هذه تشكل الجبال مضانا. ومن بعيد أو من قريب يبدو الافق متحركا. وعلى صفحته ترتسم كتل كبيرة من الحجارة الد اكنة. ومن بين التلال الحجرية تلتقي فجأة هنا, أو هناك بوهاد أو أودية سحيقة; تعقبها مصاطب أو سهول مجوفة .

هذه المشاهد الفريدة شبيهة  بموسيقى نود  سماعها إلى ما لا نهاية. ويبدو الزمن هنا وكأنه قد توقف, لا أثر لبشر ,ورغم ذلك يصلنا  ضجيج الأزمنة السحيقة عبر الرياح. وتنتشر في هذه الوهاد حجارة منقوشة, عليها كتابات  تشهد أن البشر, ومنذ أحقاب طويلة استطاعوا السيطرة على تدفق المياه; وتوص لوا إلى تنظيم زراعة مستقرة.

بين التخييل وإستعادة الماضي:

الذاكرة الخصبة

منذ القديم, لا يكاد يوجد في الدنيا بلد فاق اليمن في إطلاق الخيال. لقد ظل  سحر اليمن ولزمن طويل مرتبطا جوهريا بأسطورة الطيوب الذائعة الانتشار; وخاصة في اليونان القديمة. وهكذا فمن بين الأشياء التي تخيلها الإغريق »أن طائر الفينيق(1), وهو طائر الشمس, عندما لا يعود قادرا على اقتفاء الشمس في مسارها, ولا على اللحاق بها في سمت السماء, فإنه يتجه لدى اقتراب أجله نحو بلاد العرب, وهناك يبني عشا من أغصان أشجار الأفاويه التي تأكله النار, ومن رماد أغصان اللبان والمر  هذه, يبعث طائر الفينيق حيا من جديد. «

في بلاد العرب هذه يضوع  -  كما جاء في خبر هيرودوت - عطر طيب إلهي, وقد نسجت خرافات مختلفة حول الطرق والأساليب المستعملة للحصول على اللبان, وعلى الأفاويه, وعلى العطور- وهي المواد  التي كانت تدر  على عرب الجنوب ثروات طائلة من خلال النفاذ بها في طرق القوافل.

وهذا ما نقله هيرودوت نفسه:

».... ولجني الدارصيني فإن  العرب تغطي الجسد كله حتى الوجه بجلد ثور, أو جلد أي  حيوان آخر, ولا تبقي سوى على العينين. ثم تنطلق في البحث عن هذه الشجرة. فهي تنبت في بحيرات ضحضاحة غيرعميقة,  تعيش قربها حيوانات طائرة, شبيهة بخفافيشنا, لها صيحات مخيفة.

أما جني الكافور? فهو أيضا أكثر إثارة. في أي  الأصقاع ينبت ? لا أحد يعلم. والشرقيون يؤكدون أنه ينبت في البلاد الخرافية التي ترعرع فيها الإله ديونيزوس. وكل  مانعرفه عن الكافور أنه يحمل اسما فينيقيا. ويقال إن طيورا عملاقة تنقل قشر الكافور إلى قمم الجبال الوعرة, حيث تبني به أعشاشها, وتخلطه بالطين. وللحصول على الكافور فإن  العرب تأخذ قطعا كبيرة بقدر الإمكان من لحوم الثيران, أو الحمير, أو لحوم أي حيوان آخر. وتضعها على مقربة من أعشاش هذه الطيور; ثم تسرع بالاختباء. فتتهالك الطيور على هذه اللحوم, وتأخذها إلى أوكارها الهشة التي لا تتحمل ثقلها فتتصدع, وتتساقط قطعا. حينئذ يهرع إليها العرب لاستخلاص الكافور الذي يسوقونه فيما بعد إلى مختلف البلدان...

أما اللاذن ,وهو صمغ دبق. فهو أيضا يأتي من مواضع أكثر إدهاشا. وله رائحة عطرة جدا, والحال أنه يستخرج من موضع شديد النتونة: فهو يتعلق بلحا المعزى: فيؤخذ من شعرها الكث  الذي يلتصق به كالغراء(2). و يدخل اللاذن في تحضير كثير من العطور... «.

ومع هذه الذكرى السحيقة  لتجارة الطيوب في بلاد العرب. تنضاف النتائج التي تتوصل إليها بانتظام البحوث الجارية, والمطردة; والتي  تكشف عن المهارة الفائقة لمهندسي الري في اليمن القديم. والبحوث الأكثر بروزا  تتعلق بأحد الآثار الفنية الجليلة ألا وهو سد  مأرب ذائع الصيت. ذاك المعلم الفني  المهيب; الذي ظل  قائما حتى أواسط القرن التاسع عشر. وأول وصف له يعود إلى سنة 1843 كان قد قام به أحد المستكشفين الأوروبيين. هذا المعلم لم يأت ذكره إلا  في التراث العربي, المدين بدوره لما جاء من ذكر شهير لهذا السد  في القرآن الكريم. قال الله تعالى في الآيتين 15- 16 من سورة سبأ:

 لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور, فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل .

هذا الذكر أعقبه حكم الله الذي انفذه فيهم; وهو جزاؤهم بما كفروا, اذ جعلهم ربهم عبرة للآخرين, كما جاء في سورة سبأ في الآية 19. قال تعالى:

 فقالوا ربنا باعد ما بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور .

ولقد ثبت تاريخيا أن  السد, ورغم الترميمات المتعاقبة التي أجريت عليه لإعادة بناء مصارف مياهه; كان قد توقف بشكل نهائي أواخر القرن السادس, حوالي 580 ميلادية أي قبيل البعثة المحمدية. ونحن نعرف أيضا أن هذا السد, سد  مأرب, اشتمل على هوسين لسقاية أرضين. هوس يقع إلى الشمال; والآخرى إلى الجنوب. وتروي مياهه مساحة تربو على الخمسة آلاف هكتار من الأراضي: وهذا يتوافق مع ماجاء في القرآن الكريم:  لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال .  

ولكن, وانطلاقا مما أخبر به القرآن الكريم من قصص صارت مآثر; نسجت المخيلة الشعبية على منوالها خرافات كثيرة. وهكذا صارت حدائق ملكة سبأ من الاتساع حتى أن الفارس لا بد له من مسيرة أكثر من شهر ليقطعها من أقصاها إلى أقصاها(3). أما السيل العرم الذي هدم سد  مأرب. فقد كان كارثة: شكلت  بداية انحطاط الحضارة في بلاد العرب الجنوبية; ودفعت السكان في  حركة تنقل, وهجرة. وهي الهجرة الكبرى للقبائل العربية الجنوبية نحو الشمال.

وفي تلك الحقبة; قبل بدء انهيار مملكة سبأ مع مطالع القرن السادس - مملكة سبأ التي كانت تمتدة أراضيها على قسم كبير من اليمن الحالي - فان بلد المزارعين والتجار هذا كان قد بلغ رقيا كبيرا في فنون العمارة بشكل خاص. ولقد ظل  صدى هذه العمارة التي بلغت شأوا عظيما يتردد على امتداد قرون طويلة في الآداب التي كثيرا ما تلجأ إلى التصوير الغرائبي. وهكذا نجد عالم النحو اليوناني السكندري آغاترشيد, وهو أحد أعلام عصره - عاش في حدود 120-110 قبل الميلاد -  يورد في أحد نصوصه.

 قال: »لقد شيد السبئيون أساطين  كثيرة مذهبة ومن فضة, وسقوفا وأبوابا مزخرفة بأقداح  محلاة بالحجارة الكريمة, وكذلك أيضا فجوات الأعمدة التي لها منظر بديع«.

و في مأرب ذاتها  »مدينة سبأ« ظلت  حية ذكرى عظمة قصر سلحين القديم. وفيما بعد, ولما أصبحت مدينة صنعاء هي قاعدة الملك; بنوا فيها قصرا ملكيا منيفا آخر هو قصر غمدان, ولا يلبث هذا القصر أن تطبق شهرته الآفاق, ويتغنى به الشعراء كأحد عجائب الد نيا; وقصيدة العلامة والشاعر اليمني أبو محمد الحسن بن أحمد الهمداني من أعلام القرن العاشر أفضل شهادة على ذلك.

 يقول الشاعر في كتابه الذائع الموسوم بـ »الإكليل«.

من بعد  غمدان المنيف وأهله

                   وهو الشفاء لقلب من يتفكر

يسمو إلى  كبد  السماء  مصعدا

                  عشرين سقفا سمكها لا يقصر

ومن السحاب  معصب  بعمامة

                    ومن الرخام  منطق ومؤزر

متلابكا  بالقطر  منه   صخره

                 والجزع بين صروحه والمرمر

و بكل  ركن رأس نسر  طائر

                        أو رأس ليث من نحاس يزأر

            متضمنا في  صدره قطارة

                         لحساب أجزاء النهار تقطر

بيد أن  اليمن سيظل في الذاكرة الانسانية أولا وأخيرا هو بلد الملكة بلقيس,ملكة سبأ.

و ملكة سبأ كما نعلم  تحولت هي أيضا في الأدبيات الشرقية والغربية إلى شخصية خرافية. صارت ملكا للخرافة التي أضفت عليها سحرا, وغرابة, ونازعت ملكيتها التاريخ. وقد جرى في  النصوص المقدسة أن الملكة حقيقة واقعة, وأن تاريخها جزء من التاريخ العام.

لنقرأ المتن التوراتي: سفر الملوك الاول, الاصحاح العاشر.. الأخبار الإصحاح التاسع: »وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان لمجد الرب فأتت لتمتحنه بمسائل. فأتت إلى أورشليم بموكب عظيم جدا بجمال حاملة أطيابا وذهبا كثيرا جدا وحجارة كريمة وأتت إلى سليمان وكلمته بكل ماكان بقلبها فأخبرها سليمان بكل كلامها. لم يكن أمر مخفي  على الملك لم يخبرها به فلما رأت كمال حكمة سليمان والبيت الذي بناه وطعام مائدته ومجلس عبيده وموقف خدامه وملابسهم وسقاته ومحرقاته التي كان يصعدها في بيت الرب  لم يبق فيها روح بعد. فقالت للملك صحيحا كان الخبر الذي سمعته في أرضي عن امورك وعن حكمتك ولم أصدق الأخبار حتى جئت وأبصرت عينايا فهوذا النصف لم أخبر به, زدت حكمة وصلاحا على الخبر الذي سمعته.... »انتهى: سفر الملوك«

وإثر ذلك, وبعد أن شهدت  لسليمان بالحكمة, يأتي موكب تبادل الهدايا بينهما قبل رحيل ملكة سبأ.

و قد جاء أيضا ذكرالملكة بلقيس, ملكة سبأ في الأناجيل باسم »ملكة الجنوب«. كما بدت كشاهدة منبئة باليوم الآخر. وقد جعلت  السنن المسيحية وخاصة في الغرب القروسطي من زيارة الملكة لسليمان بشارة بقدوم الملوك المجوس; ورمزا لظهور الكنيسة المبشرة بين الوثنيين. كما أوردت هذه النصوص المسيحية أن الملكة برئت من عاهة بعد لمسها للخشب الذي سيقد منه فيما بعد صليب السيد المسيح.

أما الرواية القرآنية للقاء سليمان بالملكة بلقيس فقد أبرزت حكمة وريث داود عليه السلام, وتسليمه لله الغفور الرحيم. كما أظهرت الملكة وهي في كل أبهتها: يحيط بها رؤساء مملكتها القوية, والمترفة. هؤلاء الر جال الذين تعود إليهم بالمشورة. وهم بدورهم يحترمون حكمها.كما بدت في لقائها بسليمان لبيبة حكيمة. وفي الأخير تسلم أمرها مع سليمان لله رب  العالمين.

و لنقرأ الآيات من 22 الى 44 من سورة النمل.

قال تعالى:  فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين, إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم, وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون, ألا  يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون, الله لا إله إلا  هو رب  العرش العظيم, قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين, اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم  تول  عنهم فانظر ماذا يرجعون, قالت يا أيها الملؤا إني ألقي إلي  كتاب كريم, إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم, ألا  تعلوا علي  وأتوني مسلمين, قالت يا أيها الملؤا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون, قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين, قالت إن  الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون, وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون, فلما جاء سليمان قال أتمد ونن   بمال فما آتان الله خير مما ءاتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون, ارجع إليهم فلنأتين هم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها  أذلة   وهم صاغرون, قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين, قال عفريت من الجن  أنا ءاتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه قوي  أمين, قال الذي عنده علم من الكتاب أناءاتيك به قبل أن يرتد  إليك طرفك فلما رءاه مستقرا عنده قال هذا من فضل رب ي ليبلوني ءأشكر أم أكفر ومن شكر فإن ما يشكر لنفسه ومن كفر فإن  ربي غني  كريم, قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون, فلما جاءت قيل أهكذا عرشك   قالت  كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين, وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين, قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب  إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب  العالمين .

وملكة سبأ هذه التي ورد ذكرها في التراث العربي الإسلامي باسم بلقيس. ستكون موضوعا خصبا في المخيال الشعبي لدى العرب. شأنها شأن بياتريسي حبيبة الشاعر الإيطالي دانتي الليجييري, ثم من بعدها أوريليا ملهمة الشاعر الفرنسي جيرار دي نرفال. بل أكثر من ذلك ستكون الملكة بلقيس عند ابن عربي رمزا إلهيا, وملهمة صوفية, وقطبا روحيا, وحكميا.

 ولكن, ومع كل  ما سبق; فإنه لايوجد مكان في العالم على الاطلاق عرفت فيه قصة سليمان وبلقيس شأوا كبيرا  كالشأو الذي عرفته هذه القصة في الحبشة. لقد لعبت قصة سليمان وبلقيس دورا متميزا, وجوهريا في أساس القاعدة الشرعية التي يقوم عليها الحكم الملكي  في الحبشة. ذاك الملك الذي دام قرونا طويلة تناهز الثلاثة آلاف سنة.. إذ يبدأ تاريخ هذا الملك الطويل بولادة الطفل مينيليك مؤسس المملكة الحبشية; والذي كان ثمرة حب  سليمان لبلقيس. بلقيس التي تسمى في التراث الأثيوبي ماكيدة أوملكة الجنوب.

أخيرا فإن  الذاكرة الانسانية تشمل أيضا مجال الفن. لذا فقد احتفظت هي أيضا بصور ملكة سبأ وسليمان;  فنحن نجدها مرسومة في جداريات الفنان الايطالي بييرو دلا فرنشسكا التي وضعها لأجل سان فرانسسكو داريزو..... كما رسمها فنان عصر النهضة الشهير رفائيل من القرن السادس عشر في ديكورات مقاصير الفاتيكان.. وهناك مشهد لهذه القصة رسمه الفنان الإيطالي فيرونيز من القرن السادس عشر أيضا في البندقية, في اللوحة الكبيرة التي أوصى بإنجازها الملك شارل دي سافوا. ونجد في البندقية نفسها أربع لوحات: واحدة للرسام تانتوري أواسط القرن السادس عشر.. ولوحة تمثل إبحار الملكة بلقيس. رسمها لورين وهو فنان من القرن السابع عشر.

ملامح من تاريخ عريق

مقاربات لحقبة ما قبل التاريخ

مما هوثابت أنه لم يكتشف في اليمن أي أثر لإنسان ماقبل التاريخ. ولكن  البحوث المطردة لحقبة ما قبل التاريخ, و التي هي بوجه عام حديثة جدا - جعلتنا نتأكد من أهمية العصر الحجري القديم; في هذا البلد الشديد القرب من إفريقيا الشرقية. إفريقيا الشرقية التي اشتهرت بأنها مهد الإنسانية الأول. وكذلك فإن آثار الأسلحة وبخاصة السهام التي عثر عليها في اليمن; أكدت لدى المؤرخين  وجود عصر حجري حديث يتميز بتدجين الحيوانات, وببستنة المزروعات. وينفرد هذا العصر في اليمن بتواجد حجارة الأبسيديان, أو الأصداف البحرية.

منذ العصر الحجري الأول الذي يقع أساسا في الألفية السابعة قبل الميلاد, يبدأ تاريخ المعطيات الكبرى للتعرف على أماكن عبور وإقامة السكان القدامى لهذا الصقع, كما تصور ذلك النقوش واللوحات التي على الجوانب الداخلية للملاجئ تحت الصخر, حيث نجد في هذه النقوش صور مجموع الحيوانات من الجاموس القديم, والثيران الوحشية. وهي حيوانات من أصل افريقي. وفي آخر العصر الحجري الحديث صار الايبكس أي الوعل هو الحيوان السائد في هذه الرسوم. كما نجد مشاهد ذات خصائص ميثولوجية يتبين فيها الوجه البشري. وتتكاثر في العصر البرونزي; أي حوالي الألف الثالث قبل الميلاد; وقسما من الألفية الثانية الصور التي تمثل المحاربين, أو قطعان الثيران المدجنة. كما نجد أن  الزراعة المميزة لهذه الحقبة تتمركز في الهضاب خصوصا قرب صرواح في منطقة وادي حيراب شمالي الجوف; وفي الهضاب المتاخمة لمدينة صنعاء. مما يدل على وجود مجموعات بشرية مستقرة تعيش على الزراعة, وعلى تربية الماشية, كما تشهد بذلك أشكال الآنية الفخارية التي عثر عليها هناك; من صحاف, وجرار, وقدور, وكذلك آثار الحبوب التي لوحظت هناك من قمح, وشعير, وشوفان, ودقيق. كما تشهد بذلك أيضا التحاليل التي أجراها علماء الآثار أخيرا على بقايا عظام الحيوانات من ماعز, وأبقار. كما أن وجود الوحدات السكنية التي كشفت عنها أعمال الحفر مكنت من  ملاحظة أن ليس هناك بيوت لجماعات عائلية منفصلة, بل هناك أيضا مساكن  متصلة مما يسمح بقيام أنشطة جماعية.

فجر التاريخ

جرى القول إن تحديد التأريخ  في جنوب جزيرة العرب يبدأ مع ظهور النقوش الأثرية. ولكن وفي ضوء عمليات السبر لطبقات الأرض, وفي ضوء الحفريات,والكشوف التي قامت بها البعثة الأثرية الأميركية سنة 1985 في منطقة حجر التمرة - وهو موقع وادي يوبا الأثري جنوبي مأرب. وكذلك أعمال تنقيب البعثة الايطالية في  يعلة, بمنطقة خولان الشرقية في الجنوب الغربي لمدينة مأرب; سنوات 1985-1987 قلت في ضوء كل  أعمال التنقيب هذه دحض العلماء الفرضية القديمة التي كانت سائدة في الأوساط العلمية, والتي كانت تحدد بداية التاريخ حوالي سنة 500 قبل الميلاد. ويجمع العلماء على أن  البداية تقع في القرن الثامن قبل الميلاد على أقل  تقدير. وتشهد الرقم المكتشفة على دخول قبائل وافدة ذات لسان سامي وسط السكان الأصليين. قبائل لها كتابتها الخاصة, ولها ثقافتها المتميزة; وهذه القبائل هي التي شكلت أساس الحضارة القديمة لممالك جنوب جزيرة العرب. ولكن  الاكتشافات الاركيولوجية الحديثة اكدت أخيرا الصبغة المتقدمة للحضارة المادية للسكان الأصليين من قبل أن تطرأ عليهم التحولات المتعاقبة التي أحدثها هذا التوسع السامي.

وفي ضوء ما وصلت اليه البحوث الراهنة, فقد تم  استخلاص ثلاث حقائق تاريخية مهمة بالنسبة لجنوب جزيرة العرب:                                                                                                                    

 الحقيقة الأولى تهم  الشريط الممتد  على ساحل البحر الأحمر في اتجاه مضيق باب المندب: في المنطقة القائمة  بين موقع سيهي الساحلي غير بعيد عن الحدود السعودية الحالية; وبين واحة أبين شرقي  عدن; حيث نمت حضارة محلية ما قبل سامية سميت حضارة صبر. وقد عمت هذه الحضارة المنطقة الساحلية التي تسمى تهامة. وذلك في الحقبة الممتدة من القرن الثالث عشر قبل الميلاد إلى منتصف القرن التاسع قبل الميلاد. وقد مارست مجتمعات هذه الحضارة الفلاحة السقوية, وتربية الماشية, والصيد البحري, والإتجار مع البلاد البعيدة. وكانت متاجراتها - فيما يبدو – أكثر اتجاها إلى الساحل الافريقي للبحر الأحمر: أي أكثر اتجاها إلى الحبشة وإرتيريا, منها إلى مناطق اليمن الداخلية.

الحقيقة الثانية تتعلق بالمناطق الداخلية لليمن, بشرقي الصحراء, أي بمنطقة حضرموت. فمنذ أعمال التنقيب التي قامت بها البعثة الأثرية الفرنسية في شبوة بين سنتي 1976 و1981. ثبت لدينا أن نا هنا إزاء حقبة تاريخية مبكرة Protohistoire غير سبئية; تمتد  على وجه التقريب من القرن الثامن إلى القرن الثالث قبل الميلاد. والشاهد على ذلك قطع السيراميك الذي اكتشف هناك في طبقات الأرض الأعمق. وهي التي أكدت لنا  أن  حضارة هذا الإقليم الشرقي ذات أصول فلسطينية.

و الحقيقة الأخيرة التي وقع استخلاصها من هذه البحوث الر اهنة, وهي ليست قليلة الشأن; فتتمثل في وجود حضارة سبئية مبكرة تنتشر في التخوم الصحراوية الغربية: في ناحية الهضاب العليا لشمال اليمن. ومن بين الكشوف الأكثر أهمية في هذه المنطقة وجود آثار وأدلة  لكتابات تعود لمراحل قديمة: هي في أغلبها أسماء أشخاص منقوشة بخط عربي  جنوبي  على الجوانب الداخلية لآنية قد يعود أقدمها إلى القرن العاشر قبل الميلاد; بل حتى إلى ماقبله -  هكذا هناك اتجاه لتحديد تاريخ شقوف عليها بعض الكتابات إلى ما بين القرنين 12 و11 قبل الميلاد, شقوف كانت قد اكتشفتها البعثة الأثرية الايطالية في منطقة يعلة, على بعد ثلاثين كيلومترا الى الجنوب الغربي من مدينة مأرب.

العهود المجيدة لحضارة الكتابة

(من القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن السابع بعد الميلاد)

لقد لعبت الكتابة دورا أوليا في حضارة اليمن في العهود القديمة. والنصوص الأكثر اكتمالا, والتي صمدت على امتداد القرون الغابرة, ولم يطلها البلى; هي الكتابات التي في المواقع الأثرية, وعن طريقها تم  التعرف على اللغات القديمة في اليمن.

ورغم الغياب التام  لحروف العلة,مضافا إليها غياب الحركات. ورغم الصعوبات التي نواجهها في نطقها (لهذا السبب هناك اجماع على الرسم الاوروبي  للغات العربية الجنوبية متواضع عليه). أقول رغم كل هذا نتبين وجود أربع لغات رئيسية في بلاد العرب الجنوبية, وبالتالي وجود أربع مجموعات خطية.

أول هذه اللغات هي  اللغة السبئية. وهي اللغة  السائدة والأكثر انتشارا بسبب غزوات ملوك سبأ.  وهي كثيرة التواتر في النقوش الأثر¡