|
|||||
|
يهدف
هذا البحث
إلى الوقوف
على أسباب
رفض أحد
أنواع
الرواية,
الرواية
العاطفية, من
قبل النقاد,
والأسباب
التي تجعلهم
يصفون هذا
النوع
بافتقاده
صفة »الأدبية«,
التي تسم
أنواع
الرواية
التاريخية
والإجتماعية
والسياسية.
سوف يأتي
البحث على
التفريق بين
الجنس
والنوع,
مبينا أن
للرواية
كجنس, خصائص
عامة تشترك
فيها جميع
أنواع
الرواية, وأن
لكل نوع
روائي
خصائصه أيضا,
التي تميزه
عن بقية
الأنواع
الروائية
الأخرى.
ستكون رواية
الطريق
المسدود
لإحسان عبد
القدوس
نموذجا على
الرواية
العاطفية,
ومن خلال
التحليل,
نبين خصائص
هذا النوع. الجنس
والنوع
الروائي في
خضم المنتج
البحثي
الخاص
بالرواية
العربية, نجد
إما صمتا
تاما, أو
هجوما غير
مبرر, على ما
يعرف في حقل
الأنواع
الأدبية
بالأدب
الشعبي,
بمعنى
الرائج popular
الذي يقبل
عليه جمهور
القراء, لا
بمعنى
الموروث
الحكائي
الشعبي من
مثل ألف ليلة
وليلة.
فالرواية,
كجنس أدبي,
ولفظة جنس,
كما يقر ابن
منظور, أعم
من لفظة نوع,
تضم أنواعا
متعددة مثل
الرواية
التاريخية,
والإجتماعية,
والسياسية,
والبوليسية,
والمغامراتية,
والعاطفية,
والخيالية
العلمية..الخ,
وبالرغم من
تعدد
الأنواع
الروائية,
إلا أن معظم
الدراسات
النقدية
تركز على
الأنواع
الروائية
التاريخية
والإجتماعية
والسياسية,
وتتجاهل
الأنواع
الأخرى,
وكأنها لا
حضور لها في
الساحة
الأدبية
العربية, مما
يدعو
للتساؤل عن
أسباب هذا
الموقف
النقدي. من
المسلم به
نقديا أن
الرواية
تختلف عن
الشعر أو
المسرحية أو
غيرهما من
الأجناس
الأدبية, حيث
أن لكل جنس
خصائص عامة
تميزه عن
غيره. فغير
المشترك »بين
الأجناس« هو
الذي يكشف عن
خصوصية
الجنس, لأنه
يوقف عما
ينفرد به, أي,
ما يعطيه
شكله وتميزه« (1).
وبالرغم من
وجود قاسم
مشترك بين
أنواع النوع
الواحد, إلا
أن هذا لا
يعني أن كل
الأعمال
التي تنتمي
إلى جنس واحد
مثل الرواية,
على سبيل
المثال, توظف
هذه العناصر
بأسلوب
مماثل. فوجود
علاقات
مشتركة لا
ينفي وجود
غير المشترك.
بل ان
التعامل مع
هذه العناصر
يخضع
بالدرجة
الأولى
لتقاليد
الجنس:
الرواية, ثم
لتقاليد
النوع:
الرواية
التاريخية
أو الرواية
العاطفية أو
رواية
الخيال
العلمي,
وثالثا
لخصوصية
المؤلف
والتي
تتفاوت من
عمل لآخر,
ومن حقبة
تاريخية
لأخرى, ومن
جمهور قارئ
لآخر. من هنا
فإن لكل نوع
خصائصه التي
تميزه عن
غيره من
الأنواع
الروائية
الأخرى,
والتي تمنحه
استقلاليته,
ولكن ضمن
حدود
التقاليد
الأجناسية
والأنواعية.
وهذا ما أشار
إليه تودورف
حين أكد على
ضرورة
اكتشاف
القاعدة
التي تعمل
عبر العديد
من النصوص
والتي تسمح
بإدراجها
ضمن نوع ما(2).
والخاصية
المشتركة
بين النصوص
أو أعمال
النوع
الواحد قد
تكون
موضوعية أو
كيفية بناء
الحبكة, أو
كيفية تطور
الحدث, أو
خصائص
أسلوبية ما,
أو استخدام
لغوي بطريقة
معينة, أو
ترتيب
الوحدات
النصية, أو
تنميط
الشخصيات, أو
وجود
أيديولوجيا
ثابتة, الخ,
مما يؤدي إلى
خلق »سنة«
أنواعية
يتبعها
الكاتب. وإن
كانت
الأنواع
الروائية
تختلف في
خصائصها
نظرا
لاختلاف
تقاليد
النوع
الروائي
الذي تنتمي
إليه, فما
الذي يؤدي
إلى احتلال
نوع روائي,
كالرواية
التاريخية
مثلا,
المركزية
الروائية,
بينما يبقي
نوع آخر,
كالرواية
العاطفية أو
رواية
الخيال
العلمي على
سبيل المثال,
في الهامش?
وإن كان
للتطورات
التي تمر بها
الأنواع
الأدبية دور
في موضعة
النوع
الأدبي في
المركزية أو
على الهامش
فما الذي
يجعل
الرواية
العاطفية
تحتل الموقع
الهامشي في
تاريخ
الرواية
العربية? بما
أن الورقة
تركز على
الرواية
العاطفية
فلا بد من
الإشارة, إلى
أن الدراسات
القليلة
المتوافرة
حول هذا
الموضوع
تقتصر على
دراسة
الرواية
العاطفية في
بدايات نشوء
الرواية
كنوع أدبي في
الثقافة
العربية,
خاصة
المصرية, ولا
نجد اهتماما
بما أنتجه
الكتاب, من
مثل إحسان
عبد القدوس,
ومحمد عبد
الحليم
عبدالله,
وغيرهما, في
فترات لاحقة(3).
من هنا فلا
بد من مراجعة
الموقف
النقدي من
الروايات
العاطفية في
مطلع القرن
العشرين,
وأثر ذلك في
الموقف
النقدي
المعاصر. الرواية
العاطفية في
مطلع القرن واليوم
وموقف النقد
منها كان
الكاتب
العربي في
نهاية القرن
التاسع عشر
وبداية
القرن
العشرين,
أمام تيارات
فكرية
وأدبية
ونقدية
متعددة,
أحدها يدعو
إلى تمثل
الموروث
القصصي
القديم, من
مثل المقامة,
وآخر يدعو
إلى
الإستفادة
من الفنون
الأدبية
الغربية
كالرواية
وتمثلها في
الأدب
العربي(4).
وممثلو
التيار
الأول,
وبتأثير من
حالة الفوضى
التي أصابت
جميع جوانب
المجتمع
آنذاك,
حاولوا
الحفاظ على
الهوية
الثقافية,
والخصوصية
الأدبية
العربية,
التي أدرك
مناصرو هذا
التيار, أنها
باتت تعاني
من الضعف
والانهيار
والاستسلام
أمام كل ما
هو غربي.
بالإضافة
إلى توحد
الموقف
الأدبي هذا
مع الموقف
السياسي
الرافض لكل
ما هو غربي,
أو مرتبط
بالمحتل, مما
تسبب في
إبطاء حركة
التطور
الأدبي
آنذاك لفترة
وجيزة. أما
التيار
الآخر فقد
دعا إلى
استلهام
الفنون
الغربية
وتمثلها,
خاصة, في ظل
انقطاع
علاقة
القراء
بالموروث »القصصي«
العربي,
وإقبالهم
على الأعمال
المترجمة.
وقد وصف عبد
المحسن بدر
هذه
المفارقة
بقوله: »الطابع
الثقافي
لهذا العصر
يتمثل في
انقطاع
الصلة بين
ثقافة العصر
وبين التراث
الأصلي
للثقافة
العربية
الكلاسية في
شتى
مجالاتها
الفكرية
والأدبية من
ناحية,
وانقطاع
الصلة بينها
وبين جماهير
الشعب من
ناحية أخرى«
(5). وهذا يعني
أن الأنواع
الأدبية,
التي عرفتها
الثقافة
العربية
آنذاك, كانت
غير قادرة
على جذب
القراء
والتواصل
معهم, بينما
تمكنت
الأعمال
المترجمة من
تحقيق ذلك
التواصل.
وهذه
القطيعة بين
الأنواع
الأدبية
العربية
والقارئ
العربي, أدت
إلى إقبال
الكاتب
والقارئ على
الأدب غير
العربي, خاصة
الفرنسي
والإنجليزي(6),
مما أدى إلى
نشاط حركة
الترجمة
الأدبية,
خاصة في مجال
الرواية,
والذي أدى
إلى, ليس فقط
نشوء
المجلات
والصحف, بل
واهتمامها
بالأدب
المترجم
استجابة
لحاجات
القراء. كانت
المجلات
والصحف التي
صدرت في
أواخر القرن
التاسع عشر
وبداية
القرن
العشرين,
تعرض على
صفحاتها
روايات
مترجمة,
وكانت
أساليب
المترجمين
مختلفة:
بعضهم يميل
إلى سرد
الأحداث
الغريبة
والمشوقة
ضمن عمل قصصي
يتم نشره
كسلسلة على
صفحات
المجلة, مما
كان يجذب
القراء,
وبالتالي
يضمن حجم
مبيعات أكبر
للصحيفة أو
المجلة, أي
كان الهدف
ماديا. وكان
هم البعض
الآخر تلخيص
العمل
الروائي
الغربي أو
عرضه, مع
كثير من
التحريف
والتصرف
بمجريات
الأحداث
وأسماء
الشخصيات..الخ
وهو هدف
تعليمي أو
تثقيفي. ويمكننا
تقسيم
الأعمال
التي اهتم
المترجمون
بترجمتها
إلى الأنواع
التالية:
العاطفية,
التي تركز
على قصة
عاطفية من
مثل رواية
بول وفرجيني;
قصص
المغامرات
وخاصة
البوليسية,
مثل شرلوك
هولمز;
والقصص التي
تصور
المشاكل
الاجتماعية
من مثل رواية
البؤساء.
وبالرغم من
اختلاف
أجناس هذه
الروايات,
إلا ان قصة
الحب
المرتبطة
بعنصر
المغامرة
تشكل عنصرا
مشتركا فيما
بينها. ويتفق
الباحثون أن
هذه
الترجمات قد
تعرضت إلى
تشويه
وتحريف
كبيرين,
بالإضافة
إلى عدم
تقدير
المترجمين
للجوانب
الفنية بشكل
خاص(7). وإن كان
المترجمون
قد أهملوا
الجانب
الفني في
ترجماتهم
آنذاك, فإن
الأثر الذي
تركته هذه
الممارسات
مازال حاضرا
في الذاكرة
النقدية. فكل
ما له علاقة
بالروايات
العاطفية
والبوليسية
والمغامراتية
يعد غير فني
وغير أدبي,
نظرا لما
ارتبط بهذه
الأنواع من
نظرة سلبية
في الحقبات
التاريخية
السابقة. هنا,
لا بد من
الإشارة إلى
وجود تشابه
كبير بين
موقف النقد
العربي من
الرواية
المترجمة,
التي أقبل
عليها
القراء
آنذاك, وبين
موقف النقد
العربي
المعاصر من
أنواع
الرواية
العاطفية,
والمغامراتية,
ورواية
الخيال
العلمي. ولعل
أسباب رفض
الروايات
المترجمة في
مطلع القرن
العشرين, لا
يختلف كثيرا
عن أسباب رفض
هذه الأنواع
المهمشة
اليوم, خاصة
العاطفية.
ومما يلفت
الإنتباه
ايضا, وجود
تشابه كبير
بين موقف
القراء من
الروايات
المترجمة في
مطلع القرن
العشرين
والروايات
العاطفية.
فالنوعان
يتمتعان
بإقبال
جماهيري
كبير, لا
يعادله
إقبال على أي
نوع روائي
آخر. والحديث
هنا يخص
القراء عامة
لا النخبة.
في هذا
السياق, تعد
روايات
إحسان عبد
القدوس من
أكثر
الروايات
انتشارا بين
القراء, وفي
الوقت نفسه,
تكاد لا تحظى
بالدراسة
والنقد, مما
يدعو
للتساؤل. هذه
الشعبية
التي حظيت
بها
الروايات
المترجمة,
وروايات عبد
القدوس
والتي فسرها
النقاد
بمناسبة هذه
الأعمال
لمستوى
القراء
الثقافي »المتدني«,
يجعلنا
نتساءل عن
مدى مصداقية
مثل هذه
المقولات,
خاصة وأن
الظاهرة
تتكرر لا في
مجال
الرواية
فحسب وإنما
في مجال
الشعر أيضا,
حيث نجد أن
أكثر
الشعراء
شعبية بين
القراء, نزار
قباني, أتهم
أيضا بتوجهه
لشريحة ذات
مستوى ثقافي »متواضع«.
فما الذي
يحققه النقد
حين يعد كل
ما هو شعبي,
أي يحظى
بإقبال
جمهور
القراء, »أقل
قيمة«?
وهل من خصائص
مشتركة بين
هذه الأنواع »المهمشة«
يمكن أن يفسر
موقف النقد? لابد
من الإشارة
إلى أن
الكتاب, ممن
أقبلوا على
كتابة
الرواية في
مطلع
العشرينيات,
ونتيجة
إقبال
القراء على
القصص
العاطفية
والقصص ذات
الطابع
المثير
المترجمة,
ضمنوا
أعمالهم قصة
غرامية
مشوقة, كانت
عاملا
أساسيا في
اجتذاب
القراء.
واستمرار
ظهور
العلاقات
العاطفية
والمغامرات
المثيرة في
الأعمال
الروائية,
المترجمة
ومن ثم
العربية, أدى
إلى معارضة
هذا النوع
حرصا على »أخلاق
الأمة«,
خاصة قيم
الجيل
المراهق. من
هنا ارتبطت
قراءة
الروايات
العاطفية
بمفهوم »مضيعة
الوقت«,
وأصبحت
القضايا
المرتبطة
بالمشاعر
الإنسانية
والقضايا
العاطفية
مرفوضة من
المؤسسة
النقدية.
وهنا نشير
أيضا إلى أن
أسباب رفض
شعر نزار
قباني كانت
أيضا
؛أخلاقية,
قيمية«. ورفض
الروايات أو
الأعمال
التي تعالج
هذه القضايا
على جانب
كبير من
الأهمية,
لأنها تؤكد
ارتباط
الأدب
بالواقع
والمحيط
الثقافي
والبيئة
المنتجة له.
فالأدب الذي
يعالج قضايا
العاطفة غير
مقبول
إجتماعيا
وقيميا في
الثقافة
العربية ذات
الطابع
الإسلامي.
وهذا الرفض,
أو عدم
القبول,
ينطبق على أي
خطاب أدبي,
حديثا كان أو
قديما, نثرا
أو نظما,
روائيا أو
شعريا. ومن
المؤكد أن
الخلاف بين
الخطاب
الأدبي
المرتبط
بمفاهيم
العاطفة
وقضايا الحب
يعيش حالة
صراع مع
الخطاب
الإجتماعي
المكون
للثقافة
الجماعية
العربية.
ولأن الخطاب
الجماعي
مساند من قبل
المؤسسات
المجتمعية
المختلفية,
بما فيها
المؤسسة
النقدية
والنظام
التعليمي
بشكل خاص,
فإنه أكثر
تمكنا من
الصمود
واحتلال
المركزية,
بينما يدفع
بالخطاب
المعارض,
والذي لا
يحظى إلا
بمساندة
القلة, عادة
غير الرسمية,
يدفع إلى
الهامش,
ويبقى في
حالة صراع
مستمر مع
الخطاب
المقابل
باحثا عن
أساليب
مختلفة
للدخول إلى
المركزية.
ولعل
القضايا
المرتبطة
بالحب
والعلاقات
العاطفية,
والمشاعر,
التي
تضمنتها
الروايات
المترجمة,
والروايات
العربية في
بداية القرن,
لا تختلف عن
القضايا
التي
عالجتها
معظم روايات
إحسان عبد
القدوس, وبعض
أعمال عبد
الحليم
عبدالله,
وشعر نزار
قباني, والتي
اتفق النقاد
على عدم
ارتفاعها
إلى مستوى
الأدب »الرفيع«.
هنا, نشير
إلى أن هذه
القضايا مما
لا يتفق مع
العادات
والتقاليد
العربية »المحافظة«,
التي سعى
التيار
المحافظ إلى
الدفاع عنها
وحمايتها,
خاصة مع
استجابة
القراء
الشديدة
لهذه
الأعمال. وإن
كان الموقف
الإجتماعي
مما يمكن
تفسيره
وفهمه, إلا
أن الموقف
النقدي,
والذي يفترض
أن يتعامل مع
النصوص حسب
إتقانها
الفني
لخصائص
نوعها
الأدبي, مما
لا يمكن فهمه,
مما يؤكد
العلاقة
الوثيقة بين
الموقف
الإجتماعي
الرافض لهذه
الموضوعات
وبين موقف
المؤسسة
النقدية. لقد
أدى انتشار
الروايات
المترجمة,
خاصة
العاطفية
منها, أو ذات
السمة
العاطفية,
والتركيز
على كل ما هو
مثير وجذاب,
والإهتمام
بالأحداث
المشوقة دون
الإهتمام
بالجوانب
الفنية, إلى
خلق موقف
إجتماعي
وأدبي ونقدي
(والنقدي
مرتبط
بالإجتماعي)
رافض لهذا
النوع
الروائي,
وبالتالي
رفض كل ما
تشابه معها,
ووصف هذه
الأعمال
بافتقادها
خاصية »الأدبية«.
وهذا
الإرتباط
الوثيق بين
النقدي
والإجتماعي
الأخلاقي
أدى إلى
التركيز على
المكونات »المضمونية«
الأخلاقية(8),
لا الفنية,
لتحديد ما هو
جدير, وما هو
غير جدير
بالدراسة
والتدريس في
المؤسسات
الأدبية
والتعليمية
العربية, مما
ساعد في »مركزة«
بعض الأنواع
الروائية
وإقصاء
البعض الآخر.
إن
الإعراض عن
دراسة هذه
الأعمال في
بعض الحالات,
ومهاجمتها
في حالات
كثيرة,
ووصفها
بانعدام »الأدبية«,
لدليل على
اتفاق خفي
بين
المؤسستين
الإجتماعية
والنقدية.
فالمؤسسة
النقدية,
تعمل, وبشكل
غير مباشر,
هذا بالطبع
على اعتبار
المؤسسة
النقدية
واحدة من
المؤسسات
المجتمعية,
على تعزيز
المفاهيم
التقليدية
التي تحافظ
على
الإستقرار
الإجتماعي
من خلال
تقسيم الأدب
إلى أدب »رفيع«
وآخر »وضيع«,
فتعلي من
قيمة بعض
الأعمال,
وتحط من قيمة
البعض الآخر,
حسب تأثير كل
منهما على
القيم
والأعراف
المتوارثة
إجتماعيا أو
حسب تهديدها
للمفاهيم
التي تساعد
في الحفاظ
على
الإستقرار
الإجتماعي
والمؤسساتي
وبالتالي
السلطوي. فما
خالفها رفض
وما وافقها
قبل. ومن هنا
فإن
الروايات
التاريخية,
على سبيل
المثال,
والتي لا
تشكل خطرا
على القيم
المتوارثة
والمتأصلة
في المجتمع,
تحظى
بالدراسة
والإهتمام,
بينما تهمش
الروايات
العاطفية,
التي تعرض
للحب
والمغامرة,
والتي قد
تقود إلى
خروج على
القيم
والعادات
لما تحدثه من
أثر في نفس
القارئ. من
هنا كانت
دعوة النقاد
والكتاب في
مطلع القرن,
إلى تأليف
أدب يعبر عن
التحديات
التي تواجه
المجتمعات
العربية بما
في ذلك
أزماتها
وهمومها
وقضاياها
الكبرى, مما
يساعد في
تثقيف
العامة
وإرشادهم,
بدلا من
تسليتهم
وإضاعة
وقتهم.
وبالطبع
استجاب
الكتاب لذلك,
فحاول كل
منهم
التوفيق بين
مطالب
النقاد وبين
إبداعهم
الروائي كل
على طريقته
الخاصة.
ويبدو أن
الكاتب,
آنذاك, كان
في صراع ليس
مع التيار
المحافظ
أخلاقيا
وقيميا فقط,
وإنما مع عدد
من
المنظومات
الأخرى. فهو
في صراع مع
المنظومة
الأدبية, ففي
مقابل
الرواية,
النوع
الأدبي
الجديد الذي
لا يستند إلى
تاريخ - أدبي
او نقدي- نجد
الشعر
التقليدي
المستند إلى
تاريخ عريق,
ونجد أيضا
المقامة ذات
التاريخ
الطويل, مما
أدى إلى
معاملة
الرواية »كوليد
غير شرعي«
في الأدب
العربي. هذا
الصراع بين
الأدب
المركزي:
المقامة
والشعر,
والأدب
الهامشي:
الرواية,
ازداد حدة
بسبب
الموضوعات
التي
عالجتها
الروايات من
مثل الحب
والغرام
والتحرر.
وهنا تبرز
سلطة منظومة
أخرى, السلطة
النقدية
الإجتماعية,
التي تحاسب
الأدب وفق ما
هو مقبول وما
هو محظور
إجتماعيا.
ونضيف إلى
هاتين
السلطة
التعليمية,
التي تحدد
وظيفة الأدب
بالتعليم
والتثقيف
وإفادة
العامة. ولا
ننسى
المنظومة
اللغوية, حيث
تميل
الروايات
المترجمة,
والروايات
العاطفية
إلى استخدام
لغة بسيطة,
تقترب من
اللغة
المحكية في
أغلبها, مما
لا يتوافق مع
التوجه
المحافظ »لغويا«
الذي يتعامل
مع مفهوم
البلاغة
والفصاحة
تعاملا
نظريا, خارج
سياق العمل
الروائي
وتقاليده.
وكما سيتضح
لاحقا, فإن
هذه
المعارضات
ذات
الإتجاهات
المختلفة,
والأسباب
المتعددة,
أدت إلى رفض
الأنواع
الروائية
العاطفية
والبوليسية
وغيرها,
بالإعتماد
على معايير
لا روائية,
لا فنية, ولا
نقدية. وقد
ترك الصراع
الذي شهدته
المجتمعات
العربية في
القرن
العشرين بين
ما هو
؛موروثي« و»تقليدي«
و »تاريخي«
عربي, وبين
ما هو »حديث«
وبالتالي لا
تقليدي, ولا
تاريخي, ولا
عربي, أثرا
واضحا على
أنواع
الرواية.
فالمحاولات
الروائية
الأولى
حاولت الجمع
بين هذين
القطبين,
القديم
والجديد,
وهذا واضح في
حديث عيسى بن
هشام
للمويلحي,
وروايات
جرجي زيدان
التاريخية,
ورواية حسن
العواقب
لزينب فواز.
فبينما تأثر
المويلحي
بالموروث,
المقامة,
وبشكل كبير,
تمكن جرجي
زيدان من
ترجيح كفة
الجديد,
الرواية,
ووازنت زينب
فواز بين هذا
وذاك.
فالمويلحي
يوظف
المقامة,
ويهدف إلى
تصوير عيوب
المجتمع
المصري
آنذاك,
وكالهمذاني,
يهدف إلى
تعليم
القراء بشكل
أساسي. أما
جرجي زيدان
فقد جمع
عناصر
التسلية
والتاريخ
والتعليم في
رواياته
محاولا
إدخال نوع
روائي جديد,
الرواية
التاريخية,
إلى الأدب
العربي. أما
زينب فواز
فقد تأثرت
بشكل كبير
بما تمت
ترجمته عن
الآداب
الغربية من
جهة,
والموروث
الحكائي
العربي من
جهة أخرى,
فكان عملها
ما يمكن
تسميته
بالنوع
الهجين, أي
الذي يحتوي
خصائص
النوعين معا,
وتعرضت
نتيجة ذلك
إلى نقد سلبي
شديد من قبل
النقاد (9).
وهنا نشير
إلى ضرورة
التعامل مع
هذه الأعمال
التي تنتمي
إلى مرحلة
التأصيل
للرواية في
الأدب
العربي وفق
معطياتها
التاريخية
أولا, ووفق
تقاليد
الأنواع
الأدبية
ثانيا, آخذين
بعين
الإعتبار
إنتاجها في
مرحلة يمكن
تسميتها »بالإنتقالية«.
هذا
التعارض
المستمر بين
القديم
والجديد,
الثابت
والمتحول,
التاريخي
واللاتاريخي,
الأخلاقي
والفني,
الواقعي
والأدبي, من
الإشكاليات
التي تجعل
الروايات
الشعبية
تحتل موقعا
هامشيا في
المنظومة
الأدبية
والنقدية
العربية
الحديثة.
إضافة إلى
ما تقدم,
نشير إلى أن
الأبحاث
التي تناولت
الرواية
العاطفية في
الأدب
العربي, لم
تكن تقصد
دراسة هذا
الجنس لذاته
وإنما تعرضت
لدراسته
باعتباره
مرحلة
البداية
لدخول
الرواية إلى
الأدب
العربي. لذلك,
اقتصرت
الدراسات
الخاصة
بالرواية
العاطفية
على المراحل
الأول التي
أنتجت
أعمالا »مهجنة«,
وعلى
الروايات
المترجمة
بشكل خاص,
وأهملت
المحاولات
التالية
نتيجة
الاهتمام
بالأنواع
الروائية
التي تمت »مركزتها«,
مما نتج عنه
غياب
الدراسة,
والتحليل,
والنقد,
وبالتالي
غياب
المناهج
النقدية
القادرة على
التعامل مع
هذا النوع
الروائي ضمن
سياقه الخاص.
وحين
يتم إهمال
دراسة نوع ما,
فإن النتيجة
هي أستخدام
المعايير
النقدية
المتوافرة,
للحكم على كل
الأنواع
الأدبية, بغض
النظر عن
موافقتها, أو
لا موافقتها,
لما يدرس من
أنواع أدبية.
وإلى أن يعاد
النظر في تلك
المعايير,
فإن
النظريات
النقدية
تبقى قاصرة
عن تقديم
قراءة
منهجية
وعلمية لهذه
الأنواع »غير
التقليدية« (10). إذن,
يمكننا حصر
الأسباب
التي أدت إلى
عدم
الاهتمام
بالأدب
الشعبي عامة,
والرواية
العاطفية
خاصة, إلى
الثقافة.
والمقصود
بالثقافة
هنا ما أشار
إليه Bygibsy
في التعريف
التالي: »الثقافة
تتكون من
معنى عام
وآخر خاص.
أما العام
فيتضمن توجه
وقيم
المجتمع كما
هو معبر عنها
من خلال
الاستخدام
اللغوي
والخرافة
والمناقب
وأسلوب
الحياة,
بالإضافة
إلى
المؤسسات »السياسية
والدينية
والتعليمية.
« أما
المعنى
الخاص ... فإنه
تدريب
وتطوير
وتهذيب
العقل
والذوق
والتصرفات« (11).
هذا يعني أن
المجتمع
يخلق مجموعة
قيم لا يسمح
لأبناء
المجتمع
بتجاوزها
سلوكيا أو
أدبيا, ويصبح
الذوق العام,
بما في ذلك
الذوق
الأدبي
والنقدي,
موجها عن
طريق
المؤسسات
المختلفة
بما يتناسب
والذوق
الجماعي
العام. فموقف
النقاد من
الأدب
الشعبي, ليس
موقفا نقديا
علميا, وإنما
هو تعبير عن
الموقف
الجماعي,
ويمكن فهمه
ضمن تركيبة
المجتمع
العربي
الأدبية
والإجتماعية.
بالإضافة
إلى ذلك,
تستهدف
الرواية
العاطفية
القراء
الناشئين
عامة,
والنساء
بشكل خاص,
وهاتان
شريحتان
مهمشتان في
المجتمع
العربي, الذي
ينظر إليهما
نظرة دونية
أولا,
ويعاملهما
على أساس
انهما بحاجة
إلى الرعاية
والحماية
الإجتماعية
ثانيا, نظرا
لنقص في
قدرتهما على
تحديد ما هو
نافع وما هو
ضار! وإذا ما
ربطنا بين
موضوعات
الرواية
العاطفية,
التي غالبا
ما تتعرض
لموضوعات
الحرية
العاطفية,
وعلاقة
المرأة
بالرجل,
والحب وغيره,
وبين الأثر
الذي قد
تتركه في
نفوس
الشريحة
التي
تستهدفها
هذه
الروايات,
والتي تعمل
المؤسسات
الإجتماعية
على برمجتها
لتكون من
المحافظين
على قيم
المجتمع
التقليدية,
تمكنا من
تحديد بعض
أسباب رفض
الرواية
العاطفية. ويبدو
أن المنظومة
النقدية لم
تدرك أن
أسباب الرفض
هذه, هي
ذاتها, من
مميزات
الرواية
العاطفية,
ومن خصائص
نوعها, والتي
لا بد للكاتب
من المحافظة
عليها.
فالقارئ
يعتاد على
وجود تقاليد
معينة, كوجود
علاقة حب بين
فتاة جميلة
وشاب وسيم,
مما يعرفه
الكاتب
ويحافظ عليه
أثناء
الكتابة,
ومما يتوجب
على الناقد
أيضا أن
يدركه
ويقبله
اثناء
تحليله
للعمل ونقده.
فكيف يرفض
النقد إذن
هذا النوع
الروائي
لأنه حافظ
على تقاليده? أما عن دور المؤسسات التعليمية والأكاديمية في إقصاء, أو مساندة, نوع روائي دون آخر, والذي يلعب دورا كبيرا في حركية الأنواع الأدبية أو سكونيتها, فلعله من المفيد أن نسأل, ما هي الروايات التي تدرس في مثل هذه المؤسسات? وما هو نصيب الروايات العاطفية من الدراسات الأكاديمية? الإجابة واضحة وتلقائية. فالروايات التي تدرس هي تلك التي تنال حظها من النقد والدراسة, وهي الروايات التي تم مركزتها, والتي يمكن أن نقول أيضا أنها اصبحت المثال أو النموذج. فأي الجامعات أو الأقسام المتخصصة, تدرس ضمن مناهجها, أو تقبل أن يكون موضوع رسالة ماجستير أو دكتوراة, الرواية العاطفية? إن المؤسسات الأكاديمية بمختلف نشاطاتها البحثية والتدريسية تعمل على حماية الأدب الكلاسيكي وحماية الأدب المقنن أو الممركز, وتحارب الأنواع الجديدة لأنها تشكل خطرا على الهوية الثقافية المتوارثة أو المركزية الأدبية. لهذا كان | |||||