|
|||||
|
تواجه
دارس شعر
الجواهري
صعوبات شتى
قد لا يجدها,
بمثل هذا
القدر لدى أي
شاعر آخر...
وترجع هذه
الصعوبات
الى أسباب
عديدة, منها
أن تجربة
الجواهري
تمتد الى ما
يقرب من
القرن, وهي
في تاريخها
الطويل هذا
لم تشهد خطا
مستقيما في
تطورها وما
شهدته لم يكن
غير تعرجات
تخللتها
قصائد هي قمم
تناثرت هنا
وهناك.. قمم
لم يتم
اكتشافها
بفعل دراسة
أو نقد وانما
نتأت هكذا
منذ ولادتها
لتلفت إليها
الأنظار,
مكتفية
بنفسها ولم
تحتج الى ما
يعرف بها أو
يشير إليها. بمثل
هذه القمم
أسس
الجواهري
بين شعراء
قلة في
تاريخنا
الشعري
قيمته
الشعرية,
مستبقا
القراءة
والنقد معا,
لاسيما إذا
أدركنا أن
الجواهري
أنشد معظم
هذه القمم,
أول مرة,
أمام جمهوره
الحاشد الذي
يمثل عينة
لجمهوره
الأوسع الذي
يتلقى شعره
وكأنه
يإيحاء ووحي
إنساني لا
يستمد سلطته
من السماء
وإنما من
الأرض غير أن
له, في الوقت
نفسه, جبروت
وقوة الحاضر
في كل
المناسبات
والاحوال
على امتداد
ما يقرب من
القرن. لم
يكن هذا
الايحاء
صوتا يمثل
الشاعر أو لا
يمثله..
قناعا
يرتديه
الشاعر أو لا
يرتديه,
وإنما هو جزء
من كيان حي
هو كيان
الشاعر
الفرد.. إن لم
يستطع الشعر
التعبير عما
يريده فان
الشاعر
يستطيع
بنبرة صوته
واهتزاز
جسده وحركة
يديه أن يفجر
ما يريده
الشعر أمام
جمهوره
المتهيئ
لأقل
الانفعالات
انبعاثا, أما
إذا تطابق
الشعر وجسد
الشاعر فتلك
الذروة التي
تتأسس أو
تنبثق في
حينها والتي
سميناها قمة
لاتبالي,
بعدئذ
بقراءة ولا
تأمل, لان
اتساع نارها
التي اجتاحت
مستمعيها,
وهم قراؤها
فيما بعد وقد
اتسعوا, لم
تترك لمتأمل
فرصة للوقوف
عند أجزائها. وحتى
لو تمت هذه
القراءة
وهذا
التأويل فان
قوة
الانطباع
الأول وحضور
المناسبة
هما أقوى من
أي قراءة أو
نقد لاحقين,
لا سيما إذا
أخذنا بعين
الاعتبار
حراجة
القراءة
النقدية في
التعامل مع
ظاهرة شعرية
كظاهرة
الجواهري. تقف
هذه الظاهرة
شامخة حتى
تكاد تطغى,
أحيانا, على
ما حولها من
ظواهر أخرى
سياسية او
اجتماعية او
ثقافية,
لأنها أي (الظاهرة
الشعرية) هي
نفسها تلك
الظواهر وقد
استحالت الى
قول فعلي
راسخ ليس له
تقلب الفعل
السياسي
والاجتماعي
المقول - إذا
صح التعبير-
ذي الطابع
الزائل. هذا
القول -
الفعل له من
التأثير ما
يحيله مرة
أخرى إلى
ظاهرة لها
تجسدها
السياسي
والاجتماعي
في الواقع...
ظاهرة تستمد
قوتها ثانية
من الناس, أي
أن سلطة
الشاعر ليست
مستمدة من
اللغة وحدها,
وانما هي
تستمد هذه
القوة من
الواقع أيضا,
بعد أن
استحالت
اللغة الى
كائن حي هو
الشاعر نفسه
وقد تلبس
قراءه,
فأصبح
لسانهم
ينطقون به,
مثلما
تلبسوه من
قبل. ليس
جمهور
الجواهري
مجموعا بل
مفردا
يتقمصه
الشاعر الذي
يكتب قصيدته
دون أن يكون
معنيا بما
يفهمه
القارئ-
المستمع, رغم
حرصه على هذا
الفهم, أو ما
لا يفهمه من
معان
ومفردات
عصية على
الفهم,
يهجسها وقد
لا يعيها
تماما, وإنما
هو معني
بالقول الذي
يفصح عنه بعد
أن أصبح
والجمهور
شيئا واحدا-
مفردا- هو
الجواهري
نفسه بغضبه
ولينه, بضعفه
وقوته, بجمعه
ومفرده: حشدوا
علي
المغريات
مسيلة صغرا
لعاب
الأرذلين
رغائبا بالكأس
يقرعها نديم
مالئا
بالوعد
منها
الحافتين
وقاطبا وبأن
أروح ضحى
وزيرا مثلما
أصبحت
عن أمر بليل
نائبا شعراء
كثيرون
يتملقون
الجمهور, غير
أن الجواهري
ليس واحدا من
هؤلاء...
فمفرداته
ومعانيه,
خاصة به,
غامضة
ومفتوحة,
تمليها
مشيئة القول-
الظاهرة,
القول- الوحي
الذي لا
يلحقه نقد
وإن لحقه فهو
طارئ, زائل,
هامشي, عرضي,
إن لم نقل:
كافر بلغة
الوحي, والذي
يكفره ليس
السماء,
وإنما الأرض-
سلطة الشاعر
بين الناس. أسطورة
الجواهري من
هنا نبعت
أسطورة
الجواهري
والخرافات
التي لم تنته
بعد عن شخصه
وشعره
وثقافته, بل
وتناقضاته
التي أصبحت
ضرورة »شعرية«
مثلما
الضرورات
الشعرية
الأخرى إن لم
نقل ضرورة
تاريخية, لا
تستدعي
المغفرة
وإنما الفهم,
وحتى هذا
الفهم لا
يعني شيئا
وقد أدركه
الشاعر نفسه
قبل ناقديه,
وكتب عنه
أبياتا
وقصائد شتى
منذ مراحله
الشعرية
الأولى: ومدحت
من لا يستحق
وراق لي
تكفيرتي
بهجائه عما
مضى ووجدتني
مستصعبا
إطراء من
أطريته
بالأمس طوعا
ريضا نافقت
إذ كان
النفاق
ضريبة
متحرقا من
صنعتي
متمرضا ولكم
قلقت مسهدا
لمواقف
حكمت علي
بأن أداري
مبغضا
(معرض
العواطف 1935) وبعد
سنوات تسع من
تاريخ كتابة
هذه القصيدة
سيردد
الجواهري
المعاني
ذاتها في
قصيدة لاحقة
هي (إلى
الرصافي),
لكن عبر شخص
الشاعر
الرصافي
لاشخصه: وكنت
صريحا في
حياتك كلها
وكان -
ومازال-
المصارح
نادرا وقد
كنت عن وحي
الضرورة
ناطقا
وقد كنت عن
محض الطبيعة
صادرا وقد
كنت في تلك
الأماديح
شاتما
محيطا
بأرباب
القرائح
كافرا وإلا
فأنت المانع
الصغر عن
يد
أبت أن تحلى
في الجنان
اساورا وأنك
أنقى من نفوس
خبيثة
تراود
بالصمت
المريب
المناكرا تعيب
على الشعر
التحايا
رقيقة
وتلثم من »بغل
هجين«
حوافرا
(إلى
الرصافي 1944) قد
يكون
الجواهري
أدرى الناس
بتناقضاته
منذ قصائده
المبكرة,
وإذا ما
قارنا
تناقضات
الشاعر
بتناقضات ما
يحوطه من
مؤسسات
وأحزاب
وأفراد لبدت
تلك صغيرة
ليست بذات
شأن في مجتمع
شهد من
التناقضات
ما يعجز أي
فكر أو سلطة
عن توحيدها
ولم يوحدها,
ربما, إلا
الشعر, لا
بتفرده
وتعاليه
عنها, وإنما
لاحتوائه
إياها
والنطق بها,
ومن ثم
الانتساب
إليها
والتفرد
عنها, وهذا
ما لم يحققه
أي شعر آخر. ولعل
هذا ما يفسر
قول
الجواهري في
ذكرياته: (والشعب
العراقي شعب
عجيب, حتى
الذي لا يقرأ
ولا يكتب,
يزحف كي يسمع
الشعر
المثير,
سياسة كان,
غزلا كان,
مدحا كان,
شتما كان«
(1). وإذا
ما تتبعنا
أسطورة
الشاعر التي
تسهم فيها
مخيلة
الناطقين
بشعره ممن
تلبسهم في
حياته وبعد
موته, فاننا
قد ننحرف
بتناولها
هذا الى مسار
آخر ليس
شاغلنا(2), لأن
ما يعنينا في
هذه المقالة
هو الحديث عن
إشكالية
تناول شعر
الجواهري
والصعوبة
التي
يواجهها
المتأمل في
شعره للوصول
إلى
الاستنتاج
الدقيق. ثقافة
الشاعر إن
ثقافة
الشاعر
ومعرفته
بالحياة
والكتب
واللغات لا
نستدل
عليهما إلا
من شعره
لاسيما أن
مفهوم
الثقافة في
غاية
الاتساع ولا
يفضي بنا إلا
إلى الوهم
ثانية, لذا
فان من
الأفضل لنا
وللقارئ
النأي عن أي
حديث عام عن
ثقافة
الشاعر, بل
استشفافها
من قول
الشاعر نفسه,
أي شعره,
ليتبين لنا
مدى معرفته
بموضوعه,
وقدرة هذا
القول على
إضفاء
الأحاسيس
الخاصة
القادرة,
لعمقها, أن
تلهم من
الأفكار ما
يجعلها
ثقافة بحد
ذاتها, علينا
هنا أن ننظر
إلى الشعر,
لا من خلال
ما يحيط به
من أوهام
يسهم فيها كل
من الشاعر
ومريديه أو
مؤسساته أو
جمهوره, عن
عمد أو دون
عمد, وإنما
من خلال نصه
الذي قد يصبح
بدوره فاعلا
في الثقافة
حتى وإن كان
نصا إشكاليا.
وبعبارة
أخرى هي أننا
لا نتناول
الشاعر
بوصفه
منفعلا
متلقيا
لثقافة ما
فحسب, وانما
بوصفه فاعلا
ذا أثر ثقافي,
لا من خلال
ما يدعيه أو
ما ينسبه الى
نفسه, بل من
خلال شعره
وحده, بما
فيه من
دلالات
لغوية
وسياسية
واجتماعية
لصيقة
بموضوعه. لو
أخذنا قصيدة
للجواهري
كقصيدة (أبوالعلاء
المعري) أو
أي قصيدة
أخرى لتبين
لنا, ربما, ما
يدلنا على
ثقافة
الجواهري
أفضل مما
تدلنا عليه
أوهام
مريديه
ولأدركنا
أكثر صعوبة
تناول شعره
بما احتواه
من نقائض,
مما يجعل
قارئ شعر
الجواهري أو
دارسه في
غاية الحذر
من التعميم
الذي لا يجدي
فهمه أو فهم
أي شاعر كان. البدء
بما هو مندرس يبدأ
الجواهري
قصيدته (أبوالعلاء
المعري) بهذه
الأبيات: قف
بالمعرة
وامسح خدها
التربا
واستوح من
طوق الدنيا
بما وهبا واستوح
من طبب
الدنيا
بحكمته
ومن
على جرحها من
روحه سكبا وسائل
الحفرة
المرموق
جانبها
هل تبتغي
مطمعا او
ترتجي طلبا وهي
أبيات ذات
طابع
احتفائي
يتوجه فيها
الجواهري
إلى أبي
العلاء
المعري
القائل: أقررت
بالجهل
وادعى فهمي
قوم فامري
وأمرهم عجب أحقا
طوق المعري
الدنيا بما
وهب كما تدعي
القصيدة أم
كانت دنياه
جاحدة في
حياته وبعد
موته? وهل
طبب الدنيا
بحكمته وسكب
على جرحها من
روحه أم كانت
دنياه بغيضة
إليه أشد
البغض? يروي
الدكتور طه
حسين في
كتابه (تجديد
ذكرى أبي
العلاء) أن:
؛تعصب
الفقهاء
عليه, وسوء
رأي
الدينيين
فيه, وتلك
الحيل التي
اتخذها
ليخفي على
الناس آراءه,
هي التي حالت
بين العقول
وبين فلسفته,
فجعلته
مجهولا
للتاريخ,
والمؤرخين,
على السواء,
مجهول من
التاريخ,
والمؤرخين,
وإن كثر
الكتاب عنه
قديما
وحديثا: من
العرب
والفرنج, فان
الذين كتبوا
عنه من العرب,
لم يحفلوا
إلا بذكائه
وذاكرته,
ولغته,
وإلحاده,
يروون فيها
الأعاجيب,
ويتندرون في
وصفها
بالأفاكيه,
من غير أن
يحفلوا
بمادة هذا
الذكاء,
ومصدر هذا
الالحاد.
وكذلك الذين
أرخوه من
الفرنج, لم
يستطيعوا أن
يفهموا
فلسفته,
لغموض
ألفاظه
وأساليبه من
جهة, ولغموض
الكتب
والأسفار
التي ألفت في
الفلسفة
الاسلامية
عامة من جهة
أخرى. على
أنهم قد
سبقوا
المسلمين
الى شيء من
البحث عن
فلسفة الرجل,
وإن لم يصلوا
منها إلى ما
يشفي الغليل«.(3) ولم
يكن
الباحثون
الآخرون
بعيدين عن
هذا
الاستنتاج,
أذكر منهم,
على سبيل
المثال, محمد
مصطفى
بالحاج في
كتابه (شاعرية
أبي العلاء
في نظر
القدامى). ولو
أقررنا مع
القصيدة أن
أبا العلاء
طبب الدنيا
بحكمته وسكب
حقا على
جرحها من
روحه- وهذا
ما نفتقده في
شعره المليء
بذم الدنيا-
فإن من الصعب
علينا
الاستجابة
لهذا البيت: وسائل
الحفرة
المرموق
جانبها
هل تبتغي
مطمعا أو
ترتجي طلبا لإن
مخاطبة حفرة
أبي العلاء
المعري ب-؛المرموق
جانبها« لا
يعمق إحساسا
ولا يضيف
فهما لأبي
العلاء
المعري, ولا
لشعره, أو
فلسفته
وإنما هي
مجرد نظم لا
يقربنا من
عالم أبي
العلاء,
وإنما
يبعدنا عنه
بعد لفظة
؛المرموق«
عن الشعر في
هذا البيت,
فطالما ردد
أبوالعلاء
في شعره رفضه
مجاورة
الناس حتى في
القبر
وعزوفه عن أي
شرف أو مرتبة
أو تكريم: إذا
أنا واراني
التراب
فخلني
وما أنا فيه
قد كفيت
مؤونتي *** أأرغب
في الصيت بين
الأنام
وكم خمل
النابه
الصيت وحسب
الفتى أنه
مائت
وهل يعرف
الشرف الميت *** إن
التوابيت
أجداث مكررة
فجنب الناس
سجنا في
التوابيت *** وهل
يحفل الجسم
في رمسه
إذا جاءه
حاضر فأنتبث *** إذا
حان يومي
فلأوسد
بموضع
من الأرض لم
يحفر به أحد
قبرا تمنيت
أني بين روض
ومنهل
من الوحش لا
مصرا حللت
ولا كفرا *** ولست
أبالي إذا ما
بليت
من وطيء
القبر أو من
حفر *** يا
جدثي حسبك من
رتبة
أنك من
أجداثهم
معزلا هذه
وغيرها من
الأبيات
التي
سنذكرها في
القصيدة تدل
على فهم
انطباعي
جائز في
الشعر وفي
الفن عموما,
ولكنه لا يدل
على معرفة
بموضوعه إن
لم يكن نقيضا
له, وليس في
ذلك تقليل من
شأن
الجواهري
وقد أضحت
قصيدته هذه
نفسها ثقافة
بحد ذاتها,
أو معلما ذا
أثر فعال في
واقع
الثقافة
نفسه, مثلما
أضحت صوتا
للشاعر, وليس
أبوالعلاء
إلا ذريعة
لموضوع أكبر
وذات أخرى,
هي ذات
الشاعر
الجواهري
وقد احتوت
المجموع
فأصبحا ذاتا
واحدة. وليس
ذلك غريبا عن
المنحى
الشعري لدى
الجواهري
فهذا ديدنه
في أغلب شعره,
والذي يؤيد
كلامنا هذا
هو وعي
الجواهري
نفسه بهذا
المنحى الذي
يعبر عنه
قوله في
ذكرياته: ؛إن
القارئ الآن,
أو بعد الآن,
قد يستغرب,
عندما يكشف
التاريخ
أوراقه كلها,
عن الأشخاص
والأحداث
والمواقف,
قائلا: ما
علاقة
الجواهري
بفلان أو
فلان بحيث
يستوجب أن
يقول فيه ما
لا يجب أن
يقال من
المغالاة في
التكريم?.
ولا ينطبق
هذا على
قصيدتي في (أبوالتمن)
لوحدها, بل
على أكثر من
قصيدته
كقصيدتي في (الوتري)
وفي (كرامي)
وغيرهما.
ولربما كان
أبوالتمن في
أكثر من موقف
من مواقفه,
مستحقا لشيء
من ذلك
التكريم
طبعا, لإثارة
الناس
ولمجرد
مشاركتهم
آلامهم
وعذاباتهم
ولمجرد
بغيتي في أن
ينتفض
المحكومون
على
الحاكمين, أي
أني لا يخطر
على بالي سوى
أن تكون
القصيدة
سبيلا
ومدخلا الى
الجماهير لا
أكثر لأقول
الكلمة
الجريئة,
الحق, ولأعبر
عن نفسي وعن
خوالجها.(4) وما
هذا المنحى
ببعيد عن
قصيدة (أبوالعلاء
المعري) التي
يعتبرها
الجواهري
تاج قصائده
لا يستثني
منها بيتا
واحدا- على
خلاف قصائده
الأخرى- من
شعره في
ملاحق كتبه. يقول
عنها في (ذكرياتي):
في صباح
اليوم
التالي,
الأحد, كانت
القصيدة قد
تبوأت تاج
قصائدي
وملكت شغاف
قلبي وضفاف
مشاعري,
وأصبحت
المولود
الذي
انتظرته
بفارغ الشوق
والصبر
واللهفة ومن
حسن حظي ان
استطعت أن
أنهي
القصيدة قبل
الافتتاح
بيوم واحد,
ولم يكن لدي
متسع لكي
أغامر بما
يزيد عليها
أو ينقص عنها,
كما هو شأني
في كثير من
قصائد غيرها«.(5) كما
يقول عنها في
مكان آخر: »وعلى
خلاف ما درجت
عليه من
الاثبات
ببعض
الأبيات
الشعرية في
كل مورد يختص
بهذه
المناسبة أو
تلك فانني لا
أستثني
قصيدة (قف
بالمعرة)
وذلك بسبب من
صعوبة تجزئة
البيت
والآخر منها,
وللقارئ أن
يراجعها
بأكملها في
المستدرك من
هذه
الذكريات«.(6) هل
كان
الجواهري
مدركا لغياب
موضوعه
عندما تخلى
عن قصيدة
سابقة دالية
نظمها عن أبي
العلاء كما
يورد ذلك في
ذكرياته: »ومع
هذا كله فقد
كان عبثا أن
تنجح
محاولاتي في
الساعة
نفسها
واليوم نفسه
الذي تلقيت
فيه هذا
النبأ
المفاجئ,
فسهرت ليلتي
الأولى حتى
الصباح
وألحقتها
بأخرى وفي
الليلة
الثالثة
كانت حصيلتي
من هذه
النهارات
والليالي
الثلاث,
قصيدة (دالية)
لا تقل عن
السبعين
بيتا«.(7) يقول
الجواهري
انه صرخ:
؛وجدته«
عندما كتب
مطلع
القصيدة: قف
بالمعرة
وامسح خدها
التربا
واستوح من
طوق الدنيا
بما وهبا »كدت
أوقظ النيام
وأنا أعيده
بما يشبه
الصراخ, هذا
هو »أبوالعلاء
المعري« »وجدته«
(8), غير أن ما
وجده
الجواهري, في
الحقيقة, ليس
أبا العلاء
المعري
وإنما
الجواهري..
الجواهري
الذي كان
يتلمس أشياء
المعري (قبره,
وجهه, عيناه...)
لا روحه أو
أفكاره
ليلتقي, من
خلالها, ذاته
القلقة
الصاخبة
التي هي نقيض
ذات المعري
المتأملة
الهادئة
المواربة
التي لم
تفارق
مكانها أبدا
إلا مرة
واحدة عندما
رحل الى
بغداد وعاد
منها خائبا: يا
برج مفخرة
الأجداث لا
تهني
إن لم تكوني
لأبراج
السما قطبا فكل
نجم تمنى في
قرارته
لو أنه
بشعاع منك قد
جذبا إن
عدم
استجابتي
للأبيات
التي ذكرتها
لا ترجع
لكونها ليست
من جيد الشعر
وإنما لأنها
لا تنتمي
لأبي العلاء
الزاهد حتى
عن القبر,
مثلما توضح
ذلك أبياته
التي
استشهدنا
بها من قبل,
وقد تكون
أبيات
الجواهري
هذه أقرب الى
موروث
الشاعر
الثقافي
الذي
يطالعنا في
العديد من
القصائد
بأشكال شتى
تؤدي
المضمون
ذاته حتى وإن
اتخذ صورا
مغايرة. إن
علاقة صورة
القبر
بالكواكب
وما يتشعب
منها من صور
وأخيلة أخرى
هي مما
يطالعنا
كثيرا في
قصائد
التراث كما
في قول أبي
الفتح الحسن
بن عبدالله
بن أبي حصينة
في رثاء
المعري: ما
كنت أعلم وهو
يودع في
الثرى أن الثرى
فيه الكواكب
تودع أو
كما في قول
ديك الجن
الحمصي: ويا
قبره جد كل
قبر بجوده
ففيك سماء
ثرة وسحائب فإنك
لو تدري بما
فيك من علا
علوت وبانت
في ذراك
الكواكب إن
البدء
بالوقوف عند
القبر بحد
ذاته هو
امتداد
للوقوف على
الأطلال. لقد
بدأ
الجواهري
بما هو دارس
لدى المعري
وليس بما هو
حي ليواصل
رحلته مثلما
كان الشاعر
الجاهلي
يبدأ رحلته
بما هو طللي.
ولم تكن رحلة
الشاعر إلا
في الاتجاه
المعاكس
لمسيرة أبي
العلاء في
الحياة. لقد
نأى
الجواهري
عما اقترب
منه
أبوالعلاء. لم
يكن القبر
شاغل أبي
العلاء قط
وهو لم يرد
إلا في أبيات
لا تحتفي
بقبر ولا
بحفرة,
فلماذا
ابتدأ
الجواهري
بالقبر إن لم
يكن تقليدا
طلليا
للقصيدة
ومدخلا
لموضوعه
الرئيسي
الذي هو ذاته
والناس? قد
نتذكر هنا
التعليق
الساخر
للدكتور طه
حسين على قول
أبي العلاء
المعري: وكأن
الهلال يهوى
الثريا
فهما
للوداع
معتنقان »فأما
البيت فإنما
يشير الى
اجتماع
الهلال
والثريا في
برج الحمل
كما يقول
الشراح.
ولعمر أبي
العلاء لو
اعتنق هذان
العاشقان
لدهمت الفلك
داهمة,
ولأصابه خطب
عظيم«.(9) ولعل
هذه الطرفة
تنطبق على
بيتي
الجواهري
الآنفي
الذكر. وقد
يبدو طريفا
أيضا أن
نتذكر هنا
بيت أبي
العلاء
المنكر على
النجوم أن
تمتلك حسا أو
عقلا: قالت
رجال عقول
الشهب وافرة لو صح ذلك
قلنا: مسها
خرف غير
أننا لا نذهب
هذا المذهب
في فهم الشعر,
وما بيتا
الجواهري
إلا استعارة
شاعت في
الشعر
العربي
ومدخل
لموضوع
يصطرع في
داخله ثلاثة
أقطاب هم
الشاعر
وجمهوره
والمعري. لم
يكتف
أبوالعلاء
بالعزوف عن
الشرف
والرتبة
والتكريم
وعزلة القبر
بل تمنى ما
هو أكثر من
ذلك: عدم
تكريم جسده
إذا ما حل به
ريب المنون
وطرح جسده
على الأرض
ليتنازعه
الوحش
والطير: لا
تكرموا جسدي
إذا ما حل بي
ريب
المنون, فلا
فضيلة للجسد *** إن
صح تعذيب رمس
من يحل به فجنباني
ملحودا
ومضروحا الوحش
والطير أولى
أن تنازعني فغادراني
بظهر الأرض
مطروحا يتردد
ما هو مندرس
في أبيات
الجواهري
الأخرى
ليستعيض عما
هو جوهري في
موضوعه, بما
هو عرضي ولا
أدري ما هو
شعور
الدكتور طه
حسين عندما
سمع هذه
الأبيات
ينشدها
الجواهري
أمامه ويشير
إليه كما
يذكر ذلك
الجواهري في
ذكرياته:(10) رأس
من العصب
السامي على
قفص
من العظام
إلى مهزولة
عصبا أهوى
على كوة في
وجهه قدر
فسد في
الظلمة
الثقبين
فاحتجبا وقال
للعاطفات
العاصفات به
الآن
فالتمسي من
حكمه هربا الآن
يشرب ما عتقت
لاطفحا
يخشى على
خاطر منه ولا
حببا الآن
قولي إذا
استوحشت
خافقة
هذا »البصير«
يرينا آية
عجبا هذا
البصير
يرينا بين
مندرس
رث
المعالم, هذا
المرتع
الخصبا لا أجد وصفا أشق من هذا الوصف في بيته الأخير الذي يراد به الوجه المتأثر بانطماس العينين والذي لم يورده الجواهري إلا لإيراد مفارقة بسيطة هي خصب عقل أبي العلاء واندراس وجهه الرث المعالم, على حد تعبير | |||||