الغذامي: تهافت النقد  
وقراءة التنميط والقسر

حسن المصطفى  
كاتب من لبنان


بالرغم من الجهد الواضح الذي بذل من قبل الدكتور الغذامي للتخلص من هيمنة النسق وفضح مكنوناته, إلا أنه وضمن فضحه أسس لنسق جديد, وكرر أخطاء الأنساق السابقة التي ينتقدها, وكأنه محكوم بملازمتها وعدم الفكاك منها. لأن النسق حسب إدعاء الغذامي بنية »لاشعورية« ضمن »المضمر« وتمثل »جوهر الخطاب«, ويمارسها الكاتب والمبدع دون وعي منه لأنها حاكمة عليه ومتشربة في ذهنه ولا شعوره. فالغذامي أسس لنسق جديد أدى إلى »النقدنة«, و »النقدانوية« - إن صح التعبير- أي: وضع النقد في سياق قهري يتماشى وأطروحته الذاتية وبنيته التفكيرية التي يصبو إليها, من خلال إخضاع النصوص لتصورات مسبقة وأفكار راح يبحث عما يؤيدها في كتب التراث والشعر والسرد العربي, وتعامل معها بحرفية جامدة جدا أدت لنصوصية قاتلة وجامدة, »وهو استناد نصي لا جدلي يتصيده الغذامي كمقولات أو مسلمات لا تحتاج إلى نبش ولا إلى تدليل« (1). كاستناده لعبد القاهر الجرجاني في نقده لحداثة أبي تمام(2) .

ويمكن إيجاز الثغرات التي وقع فيها النقد الثقافي للغذامي في التالي:

الاختزال المفرط للحراك الاجتماعي. ونقصد به إرجاع أسباب تقهقر الذات العربية إلى كونها ذاتا »متشعرنة« خاضعة للشعر, واعتباره أن الشعر هو من صنع النسق الرجعي الفحولي, بوصفه العامل الرئيسي والهام. يقول الغذامي: » في الشعر العربي جمال وأي جمال, ولكنه ينطوي أيضا على عيوب نسقية خطيرة جدا, نزعم أنها كانت السبب وراء عيوب الشخصية العربية ذاتها, فشخصية الشحاذ والكذاب والمنافق والطماع, وشخصية الفرد المتفرد فحل الفحول ذي »الأنا« المتضخمة النافية للآخر, هي من السمات المترسخة في الخطاب الشعري,ومنه تسربت للخطابات الأخرى, ومن ثم صارت نموذجا سلوكيا ثقافيا يعاد  إنتاجه بما أنه نسق منغرس في الوجدان الثقافي, مما ربى صورة الطاغية الأوحد (فحل الفحول«) (3). والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمتلك الشعر كل هذه المقدرة على صياغة ذات بل ذوات متنوعة لمجتمعات عربية بأكملها? وهل له هذه القدرة العجيبة على التأثير في النفس العربية بحيث يغدو نصا مقدسا يفوق النصوص الإلهية المقدسة بل الجيوش المجهزة تأثيرا وقوة?.

كما أنه من الضروري أن نعي مسألة هامة للغاية وهي من أين أتى الشعر? هل هو وليد فراغ وصدفة? أم هو نتاج لفكر اجتماعي وصدى لسلوك حياتي يومي, وأفكار متنوعة تتناولها الناس وتحياها ضمن معيشتها?.

إن دراسة تأثير الشعر في الذات العربية, من الضروري أن ي قرأ ضمن صيرورة وتطور فكر المجتمع الذي ينمو فيه, وضمن العوامل البيئية المختلفة المؤثرة عليه, والتي شكلت ولونت الشعر وليس العكس. ولو افترضنا وهذا أمر حاصل وموضوعي أن الشعر كان سمة أساسية في الحياة العربية خاصة في العصر الجاهلي فذلك عائد لكون ذلك المجتمع » مليط« بحسب تعبير خليل عبد الكريم الذي يرى أن » المجتمع البدائي مليط من الأنشطة الرياضية والفنية والأدبية التي تشغل أوقات فراغ أعضائه « (4) فيشغل أعضاؤه فراغهم في أمرين رئيسيين: التماس الجنسي مع المرأة - حسب رأي خليل عبد الكريم - والقول أو الحكي المتمثل في السرد والشعر. إذن فالشعر نتيجة طبيعية لبنية ثقافية ضعيفة أتى تبعا لها ولم تأت  تبعا له.

التعميم: ويظهر ذلك جليا من الاتهام الموجه للشعر بمسؤوليته عن »اختراع الفحل« و»صناعة الطاغية«, واتهامه للمتنبي بأنه »شحاذ« ولأبي تمام » بوصفه شاعرا رجعيا« ونزار قباني بوصفه » الفحل الذي لا يرى أحدا«, ولأدونيس بوصفه صاحب خطاب »سحلاني لا عقلاني« ومؤسس »لحداثة رجعية«. إن هذا السيل من التعميمات يفقد الخطاب موضوعيته وعلميته, بالرغم من أهميته. فالباحث العلمي الدقيق يضع الأمور ضمن نصابها ويزن الأمور بميزان دقيق, ويعطي لكل  حقه دون زيادة أو نقصان. نحن قد نتفق  مع الغذامي لو أنه  قال بأن هنالك جزءا  من شعر نزار قباني ذا منزع فحولي, أو أن هناك قيما  رجعية في شعر المتنبي. أما أن يرمي الشعر كله في سلة واحدة ودون تفريق بين مستوياته وتنويعاته فهذا أمر غير علمي وبعيد عن الموضعية. فأين نضع شعر المتنبي الذي يتناول فيه القيم الإنسانية وقيم الحكمة? وأين الغذامي من شعر نزار قباني الذي هجا فيه الأنساق العربية المتخلفة سياسيا واجتماعيا وطالب فيه بالعدل والحرية? هل هو نسق فحولي أيضا? أم كيف يمكننا تصنيفه?.

ويتجلى التعميم في أمر آخر هام وأخطر وهو اتهام  الشعر العربي بأنه ي خفي »نسقا رجعيا« داخل بنيته الثقافية, وكأن الشعر العربي طوال القرون المنصرمة وحتى يومنا هذا كان على وتيرة واحدة أو ضمن سياق  ونسق  محدد لا يخرج عنه!. إنني أتساءل وبكل بساطة: هل شعر الصعاليك هو بالمستوى ذاته مع شعر المداحين? وأين من الممكن أن نصنف شعر: العبيد, والقرامطة, والمتصوفة, وشعر شعراء مثل دعبل الخزاعي والكميت بن زيد الأسدي, والشعر الأيديولوجي المتمثل في شعر المعارضة الشيعية للدولة الأموية وللنسق المهيمن طوال فترات الصراع الفكري بين الشيعة وخصومهم, وشعر العروبة والتيارات القومية واليسارية والمقاومة الشعبية! فهل نضع جميع هذا التنوع الشعري والفكري ضمن سلة واحدة ونصدر عليه حكما واحدا دون تفريق بين مستوياته وأنواعه المختلفة. يقول الناقد محمد العباس في هذا الصدد: »لقد تغافل الغذامي تقصدا وانتقاء عن موجات نسقية كانت تتشكل بصورة مضادة في نفس الحقبة التي رسم معالمها, إذ لم يبين مثلا كيف نجا أبو نواس من تلك النسقية, ربما لي ق ب ح الخطاب الشعري ويحمله كل أوزار وانحرافات الذات العربية وكأن الشاعر العربي يبدأ قصيدته من منطلق قيمي جمعي مهيمن وينتهي بها, رغم وجود شعر المحبين والعذريين والمتصوفين والمقهورين والمهمشين الذين يصعب على الغذامي أن يحشرهم ضمن قراءته النسقية التنميطية« (5).  وكأن الغذامي وقع دون وعي منه في شهوة فضح النسق, لتعميه  هذه الشهوة عن حقائق جلية لا يمكن لناقد  جليل مثله ألا يتوقف عندها.

الرجم بالغيب: ويظهر ذلك من خلال الاتكاء على مقولات ظنية لا علمية, تفتقر للدليل العلمي أو السند المعرفي. فهو مثلا يعتبر  أن ظ هور ديوان نزار قباني »طفولة نهد« كان الرد النسقي الفحولي على ظهور نازك الملائكة, وهذا حكم ظني يفتقر لأي دليل. فالقصائد في ديوان »طفولة نهد« كتبت من قبل  وجمعت وطبعت وشاءت الصدف أن تتزامن مع ظهور نازك الملائكة وحركة الشعر الحر. كما أن اعتبار أدونيس فحلا شعريا, استنادا لتحول علي أحمد سعيد إلى أدونيس وهو » تحول له دلالته النسقية, حيث هو تحول من الفطري والشعبي إلى الطقوسي« (6), حسب تعبير الغذامي, هو أمر ظني أيضا لا دليل عليه, بل الدليل قائم على خلافه. والقصة المشهورة لتبديل الاسم من علي إلى أدونيس خير شاهد على ذلك, فتبديل الاسم لم يكن لهدف فحولي, بقدر ما كان من أجل أن ت نشر نصوص علي أحمد سعيد التي كان يرسلها باسمه الأصلي ولا تنشر, وبالتالي تنتفي أي دلالة فحولية ذكورية طقوسية للاسم. نعم قد تكون الدلالة أتت فيما بعد, بعد أن تكونت الذات الأدونيسية وتأسس لها خطابها وهيبتها وحضورها, وهذا أمر آخر.

 الاتكاء على الديني مقابل الشعري: يورد الغذامي في كتابة الحديث الشريف التالي المنسوب للرسول (ص) والذي يقول فيه: » لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه  خير من أن يمتلئ شعرا« (7). ويعقب على هذا الحديث بقوله: »وهذا أول موقف مضاد للشعر, إذ إن ثقافة العصر الجاهلي ما كانت لتقف ضد الشعر, مما يجعل السؤال المضاد للشعر سؤالا إسلاميا من حيث المبدأ« (8).

إن هذا الموقف المتكئ دينيا قبال الشعر, لا يستند لفهم حقيقي للموقف الديني أو ما أسماه »السؤال الإسلامي«, حيث إننا لا نفهم أن الإسلام كدين يفترض نفسه كمنهج للحياة, ستكون لديه مواقف م سبقة أو قطعية ثبوتية تجاه فن من الفنون الراقية سواء كان الشعر أم غيره. والذي ي فهم من الحديث - على فرض صحته, وبغض النظر عن سنده - أن الموقف السلبي إنما هو موجه ضد الاستخدام السيئ للشعر, بقرينة أحاديث أخرى عديدة تمدح الشعر وتمجده, بل وتعارض ظاهر هذا الحديث. كما أنه يجب أن لا نقرأ الحديث بعيدا عن سياقه وظروفه, وفي أي ظرف أطلقه النبي (ص), لأن معرفة الظرف ستوضح لنا ملابسات الحديث. والسؤال الذي نوجهه للغذامي هو: لماذا لم يقرأ أو يورد الأحاديث المؤيدة للشعر? بالرغم من ضرورة إيرادها, لأنه من غير العلمي أن نقرأ الموقف النبوي قراءة مجتزأة انتقائية. فقد ورد عن الرسول (ص) قوله: » إن من الشعر حكمه« (9) وفي الحديث عن الرسول (ص) أنه قال لحسان بن ثابت: » اهجهم أو قال هاجمهم وجبريل معك« (10).

كما أن الغذامي في إتكائه على الديني استند للآيات القرآنية الكريمة الواردة في سورة الشعراء, وهي قوله تعالى:  والشعراء يتبعهم الغاوون, ألم تر أنهم في كل واد يهيمون, وأنهم يقولون ما لا يفعلون, إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (11). وهنا نؤكد مرة ثانية على ضرورة قراءة هذا النص القرآني ضمن سياقه وعدم تحميله ما لا يطيق, خاصة وأن هذا النص ينطوي على الذم والمدح, والقاعدة والاستثناء. كما أنها لا تمثل موقفا مطلقا وسلبيا تجاه الشعراء, ولها سياق نزلت ضمن ظروفه. فقد جاء في تفسيرها عن ابن عباس أنه قال: » يريد شعراء المشركين وذكر مقاتل أسماءهم فقال منهم عبد الله بن الزعبرى السهمي وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وهبيرة بن أبي وهب المخزومي...تكلموا بالكذب والباطل وقالوا نحن نقول مثل ما قال محمد, وقالوا الشعر واجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم وي رو ون  عنهم حين يهجون النبي وأصحابه, فذلك قوله يتبعهم الغاوون. « (12). وقيل » أراد بالشعراء الذين غلبت  عليهم الأشعار حتى اشتغلوا بها عن القرآن والسنة وقيل هم الشعراء إذا غضبوا سبوا وإذا قالوا كذبوا« (13). وعليه يتضح لنا أن المقصود طبقة معينة من الشعراء تمارس الباطل من خلال شعرها. وموقف الإسلام هنا موقف من الباطل, وليس موقفا من الشعر. يقول السيد محمد حسين فضل الله: » إن الموقف ليس موقفا ضد الشعر والشعراء...بل موقف ضد الذهنية الغالبة لدى الشعراء في الظاهرة العامة لسلوكهم, مما يجعلهم يستغلون اهتمام الناس بالشعر كأسلوب يهز المشاعر, ويثير العواطف في سبيل الوصول إلى مطامعهم وشهواتهم ... وهكذا يشاركون في غلبة الزيف على الحياة في الأشخاص والأوضاع والمواقع. أما إذا كانت القصيدة انتصارا للحق ودفاعا عن المظلوم, وإثارة لحركة الإيمان فإن الموقف يتبدل والحكم يختلف. مما يعني أن المسألة في الشعر هي مسألة المضمون والموقف« (41).

هذه بعض  العيوب والثغرات في خطاب الغذامي النقداني, وقع أسير نسقها الذي حاول جاهدا الهرب منه, وإذا به يخلق نسقا  نقدانويا  فحوليا  يرتكز على البلاغة المطلقة, التي من الممكن العثور عليها بوضوح في كتابه »النقد الثقافي« القائم على الاسترسال والتكرار وتأكيد المقولات مرة بعد أخرى, مستعيدا أسلوب الفحل في توكيد مقولاته, بحيث يمكننا أن نختصر الكتاب ونقتطع منه جزءا  لا بأس به من الصفحات دون أن يخل ذلك بالكتاب ومضمونه. كما أن الفحولة تتمظهر في رؤيته المتعالية ضد الشعر, وضد الجمالي بشكل عام, وأنه لا يرى فيه سوى »الشحم« المضر, وكأنه شر مطلق لا خير فيه البتة.

إن المنهج النقداني المؤسس  لمقولات جديدة, لا يقوم على الانتقائية, أو التعميم, والتركيز على السلبيات دون الإيجابيات. بل أساس النقد الب ناء الذي يرمي لبناء مقولات جديدة, أن يعزز الإيجابيات, في الوقت الذي يحاول فيه اكتشاف العيوب من أجل تصحيح مسارها ومعالجتها, لا إدانتها والتنديد بها فقط, في صيرورة تهدف لبناء جديد وطرح مقولات مناقضة تحل محل المقولات القديمة التي يراها خاطئة أو ناقصة.

أسس عامة من أجل قراءة موضوعية للخطاب الأدونيسي:

بعد أن تعرضنا في الجزء الأول من الورقة لبعض سلبيات النقد الثقافي لدى الغذامي نحاول في هذا القسم أن نؤسس لقواعد عامة تكون بمثابة مقدمة للموضوع الرئيسي للورقة ألا وهو »الحداثة في الخطاب الأدونيسي«.

إن المتابع للنتاج الشعري والفكري لأدونيس عبر تاريخه الطويل, يلاحظ أن مسيرة هذا الشاعر/المفكر أثارت وما زالت تثير الكثير من المشاعر والانفعالات المعارضة والمؤيدة على حد  سواء. وأصر هنا على وصف جل ما صدر بكلمة »انفعالات« - وإن كانت هناك بعض الكتابات الجادة والرصينة والتي لا يمكن تجاهلها - لأن الغالب العام قد تفاعل مع أدونيس بمشاعره وأحاسيسه وشخصانيته, لا بعقله وفكره النقدي والموضوعي, بعيدا  عن اسم الشاعر /المفكر وما يلقيه من ظلال. وكما يقول د.عبد الله الغذامي ذاته: » يبدو أن النص الأدونيسي أقوى من أن يسمح بإعمال مصطلح موت المؤلف. ولذا صار حجابا يقمع الخطاب فيلغي زمانيته ويحوله إلى خطاب وقتي محجوب, وهذا لا يؤهل  أيا منهما - الموافق والمخالف- لإعطاء حكم نقدي عن أدونيس أو لقراءة الخطاب الأدونيسي قراءة إبداعية« (14).لذا فمن الضروري على أي قارئ للخطاب الأدونيسي أن يلتفت لعدة نقاط هامة ينبغي عليه أن يعيها قبل أن ي عمل رأيه ويصدر حكمه, وهي كالتالي:

إن الخطاب الأدونيسي خطاب مركب, معقد, متشابك, يرتبط ببعضه عضويا, بحيث يشكل بنية متكاملة لا يمكن تفكيكها لكانتونات صغيرة تدرس منفردة دون ربطها بسياقها العام وبنيتها المتواشجة. أي أن الخطاب يمثل وحدة موضوعية وعضوية مترابطة الأجزاء, لا يمكن التعامل معها على أساس أنها أجزاء متفرقة. فالخطاب الأدونيسي في شقيه الشعري والفكري خطاب مشروعي, يمثل مشروعا متكاملا لا ينفصل فيه الشعر عن النثر وعن الفكر. فهو خطاب شعري - فكري, يحمل في طياته وبنيته الشاعرية المنفعلة, والفكر المثير لعلامات الاستفهام, الباحثة عن إجابة في فضاء الشعر, بحيث لا ينفصل فيه الشعري عن الفكري, يقول الناقد جودت فخر الدين: » فمما يميز أدونيس بين الشعراء العرب ذلك التلازم الدائم في قصائده بين الشعر والفكر, حتى إن أشعاره ليست إجمالا في منأى عن إعمال الفكر بحثا عن آفاق جديدة للثقافة والمعرفة« (15). وأدونيس نفسه واع  لهذا التلازم ليس في خطابه وحسب, بل في مجمل الخطاب الشعري منذ العصر الجاهلي حيث يرى أن: » الشعر الجاهلي لم يكن مستودع (الألحان) العربية وحسب, وإنما كان أيضا, مستودع (الحقائق) و(المعارف). ويعني أن الشاعر الجاهلي لم يكن ينشد وحسب, وإنما كان يفكر أيضا, وأن القصيدة الجاهلية لم تكن مصدر طرب وحسب, وإنما كانت أيضا مصدر معرفة« (61).

ولا ينفصل ذلك كله عن شخصانية أدونيس وذاته, أي عن ذاته كفرد وكإنسان وذاته كمنتم سابق لحزب سياسي في فترة زمنية ما, وذاتيته المذهبية, وبعبارة مختصرة, لا يمكن قراءة الخطاب بمعزل عن صاحبه ومؤسسه. لأن التحولات الفكرية والأيديولوجية التي مر بها أدونيس, وحالاته النفسية المرتبطة بصوفية تفكيره وذهنيته, أثرت بشكل مباشر على خطابه.

إن الخطاب الأدونيسي بقدر ما هو خطاب حداثي تقدمي, ينفر مما هو سلفي وماضوي, هو أيضا خطاب موغل في الأصل والقدم,لذا يأتي ملتهبا  بـ»شهوة الأصل«, فالحداثة التي ينادي بها أدونيس حداثة تمتد جذورها إلى أعماق التراث العربي. يقول أدونيس:؛ إن جذور الحداثة الشعرية بخاصة والحداثة الكتابية بعامة كامنة في النص القرآني« (17). كما أن الحداثة التي يعنيها أدونيس والتي تلهبه شهوة  للأصل هي: » الاختلاف في الإتلاف. الاختلاف من أجل القدرة على التكيف وفقا للتقدم, والائتلاف من أجل التأصل والمقاومة والخصوصية« (18).

والأصل عند أدونيس يتمثل في: القرآن الكريم, والحديث الشريف, والشعر الجاهلي. وما عدا ذلك فهو شروح وحواش  على الأصل.

إن الذي يعارضه أدونيس وينفر منه هو القراءات التشويهية التي جاءت محاولة الإقتداء بالأصل وتمجيده, وإذا بها تشوه هذا الأصل في صياغة سلفوية بائسة, لا تقدم إبداعا وتجاوزا, بل على العكس تشوه ما هو جميل وتمسخه.

 هناك ميزة أساسية في الخطاب الأدونيسي وهي الحراك الدائم وعدم الثبات والتبدل المستمر, الذي يكشف عن قلق السؤال وقلق المعرفة, كما يكشف عن حيوية الخطاب وديناميكيته, وعدم جموده وقدرته على التجدد والمواكبة, وعدم استغراقه في ذاتيته بل مواكبته المستمرة للآني والمستقبلي في ذات الوقت الذي يضرب فيه بجذوره في الأصل. قد يعتبر البعض أن التحول هذا سمة ضعف أو حيرة. لكن الصحيح أنها سمة حيوية دائمة, بمعنى قدرة الخطاب على المواكبة وقدرته على تجديد بنيته. كما أن ذلك لا يعني تشتت الخطاب أو تبعثر ملامحه أو عدم ثباته, بل يعني بالضبط تجدد ماء النهر, أو لنقل بمعنى فلسفي أدق, إن حركة الخطاب »حركة جوهرية«, بحسب تعبير صدر المتألهين الشيرازي, أي الحراك الدائم بالارتكاز على النواة أو الأصل الثابت. وكأن أدونيس يتمثل الآية الكريمة »كل يوم هو في شأن«. ويمكننا ملامسة هذا الحراك في التعريفات المتعددة لمفهوم أو مصطلح الحداثة عند أدونيس, والتي نراها تتبدل من حين لآخر, وبدرجة قد تصل للتضاد والتضارب, عندما نقرأ كل مفهوم بمعزل عن سياقه وظرفه. فتارة يعرف أدونيس الحداثة بأنها: »الاختلاف في الإتلاف«, وتارة أخرى بأنها: » هدم قيم جمالية ومعرفية قديمة وإحلال قيم معرفية وجمالية جديدة مكانها«. وتارة يربط أدونيس الحداثة بتحققها الخارجي فيقول: » الحداثة فعالية إبداعية, وليست كساء . إنها حداثة الإنسان لا حداثة الشيء« (19). وهذا نزر من كثير في رؤية أدونيس للحداثة التي قد يراها البعض مضطربة, في حين أنها رؤية متكاملة متجددة يربط بينها خيط رفيع يصل بين أجزائها.

هذا التحول المستمر في الخطاب الأدونيسي هو ما عبر عنه أدونيس ذاته بـ»الاكتشاف والمحو«. فالشاعر يكتشف ويمحو, ليزيد من مساحات الحرية والتفكير. يقول أدونيس: » عش ألقا  وابتكر قصيدة وامض  زد سعة الأرض« (20). فالشاعر منوطة به مهمة كبرى تتمثل في زيادة مساحة التفكير والحرية وطرح الأسئلة المتجددة التي لا تركن لجواب مغلق.

إضافة لعنصر التحول المستمر, فإن هذا الخطاب يتصف بصفة هامة وهي القلق الدائم والسؤال المتجدد. هذا القلق يجعل الخطاب محلقا في اللايقين وفي اللامحدود واللاسقف, بل تراه نافرا  من اليقينيات الجامدة والمصمتة, ومسافرا نحو فضاء يكون مفتوحا على مصراعيه لا قيود فيه ولا حواجز.

هذا التبدل والتحول الذي أشرنا إليه سلفا, ناتج من كون الخطاب الأدونيسي خطابا  قائما  على الفكر الصوفي والفكر العلوي (الباطني) وكلاهما - الصوفية والباطنية- عكازتا أدونيس اللتان يتعكز عليهما. ومن المستحيل وغير الممكن أن يفهم الخطاب الأدونيسي دون وعي عمقه الصوفي والباطني. » فالتصوف برأي أدونيس يؤسس للحداثة العربية, لأنه تأويل لعلاقة الحياة والفكر بالوحي الديني, كما أنه مغامرة في المجهول ولا مرجعية له إلا المناجاة والوجد والذاتية. والتجربة الصوفية في إطار اللغة العربية ليست مجرد تجربة في النظر, وإنما هي أيضا, وربما قبل ذلك, تجربة في الكتابة وتجاوز (القوانين) كي تقيم تراث (الأسرار«) (22). »فالتجربة الصوفية تمثل فكرا وكتابة وانقلابا معرفيا في تاريخ الفكر العربي الإسلامي, سواء نظر إليها بوصفها (تدينا) أو بوصفها (هرطقة«) (23).

التصوف والباطنية كلتاهما قائمتان على المجاز وعلى النفور من الظاهر إلى الباطن. والحاجة إلى المجاز هنا حاجة حقيقية وليست شكلية وفنية فقط, أو ذوقية تأتي تبعا لحال المتصوف. وإنما حاجة نابعة من رؤية وعمق معرفي. يقول أدونيس إن: » المجاز في اللغة العربية أكثر مما يكون مجرد أسلوب تعبيري. إنه في بنيتها ذاتها. وهو يشير إلى حاجة النفس لتجاوز الحقيقة, أي لتجاوز المعطى المباشر. وهو إذن وليد حساسية تضيق بالواقعي, وتتطلع إلى ما ورائه -وليد حساسية ميتافيزيقية. فالمجاز تجاوز: وكما أن اللغة تجوز  نفسها إلى ما هو أبعد منها, فإنها تجوز الواقع الذي تتحدث عنه إلى ما هو أبعد منه. كأن المجاز في جوهره, حركة نفي  للموجود الراهن, بحثا عن موجود آخر« (24) وعليه فإن المجاز » لا يتيح إعطاء جواب نهائي, لأنه في ذاته مجال لصراع التناقضات الدلالية. وهكذا يظل المجاز عامل توليد للأسئلة, وهو من هنا عامل قلق وإقلاق بالنسبة إلى المعرفة التي تريد أن تكون يقينية« (25).

وبحسب ما تقدم فإن أي قراءة للخطاب الأدونيسي ما لم تضع المجاز اللغوي والمعرفي نصب عينيها, وتعي خطورة المجاز لدى أدونيس فإنها ستتيه  في قراءتها ولن تستطيع فهم ماهية الخطاب ومكنونه.

وضمن هذا السياق التأويلي الصوفي ترتسم علاقة الشاعر بالعالم والتي هي علاقة »محو وإثبات« وعلاقة » تبدل وتحول«, كما هي علاقة الص