|
|||||
|
حملناه
في قلوبنا
وتفر قنا... ترى
هل توز عناه
إلى هذا الحد
? حتى لم يبق
منه شيء? فجأة
تذك رنا
أننا بالغنا
في التفر ق
وأنه ينبغي
لنا
الاجتماع
لنعيد إلى
علي وحدته علينا
أن نعيده
كاملا
ما أمكن,
كما كان قبل
أن نشت ته. ماذا
بقي من علي
بن عاشور?
وماذا كان
قبل أن
نتوزعه? كان
علي بن عاشور
صموتا :
يتبدى معناه
حين يكتب,
نحيلا
كالقلم:
تظهر قوته
حين يعمل,
رقيقا
شفافا
كأنه نسغة
الحبر, بلون
الدم. كان
علي بن عاشور
صامتا
دائما; كان
ساهما
هادئا إلا
حين يقر ر
فعل شيء,
فيكون;
يفعله حقا ,
بصمت وثقة,
كأفضل ما
يكون الفعل. كان
علي بن عاشور
كتابة
فحسب; كان
كتابة
معظمها بقي
خارج
الصحافة
ودور النشر.
كتب على نفسه
في أوراقه
الخاصة; لم
يدخل في
دائرة
التداول
العام, فس لم
من النشر
الرخيص, وصان
نفسه من لوك
ألسنة »النقاد«.
جمع
مقالاته
التي رفضتها
الصحف في
كتاب لم ي
نشر حتى
الساعة; هل
بسبب عنوانه »لكمات
نقدية« أم
بسبب وجع
كلماته
الموجعة. رسائله
التي بعثها
إلى أصدقائه
من مختلف
الأماكن, من
سجنه الصغير
في باريس إلى
سجنه الكبير
في العالم
العربي وفي
العالم, حملت
أطراف
حقيقته
الموز عة هنا
وهناك. ولئن
كنت آليت على
نفسي العمل
على نشر نصه
النقدي,
فبانتظار
الوفاء
بالوعد
كاملا ; هنا
أجمع نتفا
من فلذات
قلم علي
المنثورة
التي استطعت
جمعها: 1)
البيان الذي
كان وزعه على
بعض
المثقفين
العرب, يحد د
فيه رؤيته
السياسية
والفكرية
ويرد على
ما كان ي شاع
عنه, ما زلت
أحتفظ به بين
أوراق قديمة.
ولا ننس
أن هذا
البيان ك تب
قبل عشرين
عاما , ومع
ذلك فلا يزال
يحتفظ بنظرة
قريبة جدا
من الواقع
الذي آلت
إليه الأمور,
ولم يتوقعها
إلا قلة
قليلة جدا
كان علي
واحدا
بينها. 2)
الرسالة
التي بعث بها
إلي من سجنه
تشبه رسائله
التي بعث بها
إلى أصدقاء
آخرين. لكنها
تنفرد بدفق
هائل من
الصراحة. 3)
الحديث
المسجل الذي
كان موضوع
سهرة طويلة
بيننا, جعلت
منه موضوعا
لحوار صحفي
لم يعرف
طريقه إلى
النشر مذ ذاك,
لكنه ظل
يحتل
بين أوراقي
مكانة مهمة. 4)
ثمة صديق آخر
أود أن أقرنه
بهذه السيرة
الموجزة, لا
لأن روابط
الصداقة
التي جمعتنا
نحن الثلاثة
كانت قوية
فحسب, بل لأن
قوة المصير
بالذات التي
جمعتهما
كانت أقوى
مما أرغب أنا
نفسي بفعله: فمحمد
بوشحيط
الكاتب
والصحفي
الجزائري
المولود في
القل ,
بولاية
سكيكدة
بالشرق
الجزائري,
خرج من
الجزائر بعد
الاستقلال
في بعثة
دراسية, ووجد
نفسه كعلي بن عاشور,
في قلب الحلم
العربي, حيث
تعرف عليه في
ليبيا,
وتابعا
دراستهما
معا في سوريا,
ثم التقيا من
جديد في
باريس...
فناضلا معا
من أجل قضايا
تحرر الشعوب
العربية, وفي
مقد متها
الشعب
الفلسطيني...
فكان أن وجد
نفسه مبعدا
من عدة دول
عربية. فأقام
في لبنان
وكتب في صحفه
ومجلاته, ثم
في مدريد ففي
بغداد, ثم
ساعده بعض
الأصدقاء
على المجيء
إلى باريس
حيث أقام
خمسة أشهر
فقط قضاها في
الكتابة, ثم
ما لبث أن
عاد إلى
الجزائر بعد
جولة في
العالم
العربي
استغرقت ستة
عشر عاما . توفي
محمد بوشحيط
بعد علي بن
عاشور
بثلاثة
أسابيع فقط,
تاركا
وراءه
ثلاثة أطفال
وأسرته
الفقيرة
التي لم
يستطع
إعالتها,
ومجموعة
مقالات في
الأدب
والسياسة,
وكتابا
بعنوان: »الكتابة
لحظة وعي -
مقالات
نقدية«. *
مقدمة ما
أزال أذكر
كيف تزامن
الحديث مع
علي بن عاشور
مع حدث
تاريخي مهم,
هو وصول
اليسار
الاشتراكي
الفرنسي إلى
السلطة. فقد
صادف يوم
إنهائنا
تسجيل هذا
الحديث (على
عدة مراحل)
احتفالات
الباستيل,
ابتهاجا
بوصول
فرانسوا
ميتران إلى
رئاسة
الجمهورية
الفرنسية.
مضى أكثر من
عشرين سنة
على هذا
اللقاء جرى
فيها ما جرى
من أحداث
تاريخية,
بعضها مهم
وبعضها أقل
أهمية,
كانهيار
الاتحاد
السوفييتي
والاجتياح
الإسرائيلي
للبنان
واندلاع
أحداث
الجزائر
وحرب الخليج
واتفاقيات
السلام
الإسرائيلي
الفلسطيني...
إلخ..
رافقتها
تغيرات في
الفكر
السياسي
والثقافي
عموما, لكن
يبقى حديث
علي بن عاشور
محتفظا
بحيوية
فكرية, وتظل
لهذا الناقد
الأدبي
والسياسي
على وجه خاص
صورة حية. هذا
الحديث مع
علي بن عاشور
وكتابه »لكمات
نقدية في
الأدب
والحياة«
وحدهما لم
ينشرا رغم
تقادم
عهدهما,
وبانتظار
صدور كتابه (وهو
في عهدة سهيل
إدريس, صاحب
دار الآداب
بيروت) ننشر
حديثه الذي
يضم سيرة
حياته
مختصرة, وكذا
موجز
لأفكاره
النقدية
والأدبية
والسياسية. رحل
علي بن عاشور
في منتصف
فبراير 1996,
وعمره 46 سنة,
بعد أن قضى
حياة مليئة
بالترحل,
شريدا
بعد أن طردت
فرنسا أهله
وأسرته من
الشرق
الجزائري ,
فعاش بين
تونس, حيث
كانت نشأته,
وليبيا
وسوريا حيث
درس الطب ,
ولبنان الذي
عمل في
صحافته,
وفرنسا التي
خاض فيها
مجالات شتى. علي
بن عاشور
كاتب جزائري
معروف في
المشرق أكثر
منه في
المغرب
العربي. ولد
»ذات
فجر من آخر
أيام العام 1950,
في إحدى قرى
تونس, حيث
كان والده
لاجئا«.
وهناك أتم
دراسته
الابتدائية
ليعود غداة
استقلال
الجزائر, شأن
كل اللاجئين
إلى الأرض
التي
اغتصبها
المستعمر
الفرنسي.
هناك بدأ
دراسته
الإعدادية
في معهد ابن
خلدون
ببلكور
بالجزائر
العاصمة, حيث
قضى عاما
وبعض أشهر,
ليجد نفسه
بعد ذلك ضمن
البعثة
الدراسية
التي
أرسلتها
الجزائر إلى
ليبيا عام 1964,
فأتم بها
دراسته
الإعدادية
والثانوية.
وفي عام 1969,
توجه مع عدد
من حملة
الباكالوريا
إلى جامعة
دمشق, فانتسب
إلى كلية
الطب , لكنه
رغم اجتيازه
المرحلة
الصعبة من
الدراسة
تركها »للرهبان«
حسب تعبيره »وازدادت
كراهيتي
لهذه الكلية-
وكل مؤسسة
تعليمية
أخرى- لأنها
كانت تأخذ كل
وقت الطالب
ولا تترك له
مجالا
لاكتشاف شيء,
حتى نفسه
بالذات تبقى
غريبة عليه.
فتركتها غير
نادم لأغوص
في أعماق
الحياة
سابرا
أغوارها,
لاع با
أحيانا
وجادا في أكثر
الأحيان,
وغادرت
؛جامع دمشق«-
كما كنا نسم
ي الجامعة
آنذاك عام 1974. في
عام 1971, انتخب
سكرتيرا
لرابطة طلاب
المغرب
العربي
بدمشق, ثم
رئيسا لها
حتى العام
النقابي 1974-1975,
كما كان
سكرتيرا
لمجلس
المنظمات
الطلابية
العربية في
سوريا, وبعد
أربع سنوات
من النشاط
اليومي
المتواصل,
سئم العمل
النقابي
الذي أعطاه
كل جهده,
خدمة لطلاب
المغرب
العربي,
ولاسيما
أولئك الذين
كان ضيق
ذات اليد
يحول بينهم
وبين إتمام
دراستهم.
ونفسح له
المجال
ليحدثنا عن
تلك السنوات
التي قضاها
في العمل
النقابي
الطلابي. بدأ
العمل كصحفي
في بيروت عام
1975 عندما اضطر
للهرب من
سوريا ذات
ليلة, ليعمل
في مجلة »الهدف«
البيروتية,
محررا
للشؤون
العربية
والدولية.
كان نادرا ما
ينشر فيها
مقالا
ثقافيا. في
الوقت نفسه
كتب في
العديد من
الجرائد
اليومية
والمجلات
الأسبوعية
أثناء حرب
السنتين في
لبنان (1975-1976), تلك
الحرب التي
دمرت
الإنسان
والبنيان
أيضا, والتي
عايشها بكل
تفاصيلها. في
الفترة
نفسها كتب
عددا من
الكراسات.
عندما أيقن
ابن عاشور أن
البقاء في
لبنان بات
مستحيلا, شد
الرحال إلى
باريس. ومع
صدور مجلة »المستقبل«
الأسبوعية
في باريس,
بدأ عمله
مسؤولا عن
القسم
الثقافي
فيها, وذلك
عام 1977 لكنه لم
يبق في عمله
هذا إلا
أشهرا قليلة »فسرعان
ما شعرت
أن مسؤولية
القسم تأخذ
كل وقتي,
وتبلد عقلي
فاخترت أن
أبقى في
المجلة
كناقد أدبي
فقط... وذلك
بدون توقيع
وأحيانا
باسم مستعار
ونادرا
بالاسم
الصريح«.
كل ما كتبه
علي وتعذ
ر نشره في »المستقبل«
وضعه جانبا ,
ليجد في
نهاية العام
1978 أنه بات
لديه مادة
كتاب, لا
سيما أنها
تدور حول
موضوع: نقد
الأوضاع
الثقافية
السائدة في
العالم
العربي,
وتستحق
النشر فوضع
لها عنوان »لكمات
نقدية في
الأدب
والحياة«
واتفق مع
سهيل إدريس
على إصدارها
في دار
الآداب. كان
هادئا
أحيانا
وصاخبا
أحيانا أخرى..
جادا كل الجد
حتى الصراحة
حينا, وساخرا
حتى القرف من
هذا العالم
حينا آخر. في
هذا الجو تم
حوارنا. *
من أنت? فأجابني
بعد تردد: **
سؤالك سهل
وصعب في آن
معا. ولو
وجهته لغيري
لأجابك »سؤال
غريب
مأجاوبش
عليه«.
لكني سأحاول
الإجابة
ببساطة, أنا
لا أحب
التصنيفات,
لكن ما العمل
مع عالم
تحكمه
التصنيفات,
تماما كما
يصنف
الدكاكيني
سلعه. فأنا
مصنف عند هذا
التيار أو
التجمع أو
الحزب
الأدبي أو
الفكري أو
السياسي في
خانة لا
يراها غيره.
وطالما سمعت
التصنيفات
أحيانا
يقولونها
علنا وفي
أغلب
الأحيان سرا.
فإذا اعتمدت
على هذه
التيارات أو
التجمعات أو
الأحزاب في
أحكامها
فإنك ستجد في
كل
التصنيفات
التي ملت
منها كل
الصحف
والأبواق (لا
تضحك) فأنا
حسب هؤلاء
سلفي,
مستقبلي,
رومانسي,
واقعي,
دادائي,
سوريالي,
تحديثي, سلمي,
إرهابي,إشتراكي,
رأسمالي,
شيوعي, مشاعي,
ثوري, رجعي,
إباحي,
إنساني, نازي,
ليبرالي,
ماركسي, ذاتي,
وجودي...
وأخيرا
وليس آخرا
حالم ومراهق
أدبي وسياسي..
وفعلا أنا
خليط من كل
هذا, بل ربما
أنا كل هذا,
لأن لا أحد
من هؤلاء
السادة
المصنفين
تنطبق عليه
الصفة التي
يدعيها. طبعا
أقصد منهم
بالتحديد
العرب. وتأكد
أن الذي
سيقرأ هذا
الكلام, سيمط
شفتيه ويقول:
ها, إنه
انتقائي! نعم
ربما كنت
انتقائيا
لأنكم يا
سادة يا كرام
»ينقصكم
الجدل«
كما قال ذلك
الفيلسوف
الألماني.
ببساطة أقول
لك إنني
إنسان يحاول
أن يكون
منسجما مع
ذاته في عالم
فصامي حتى
العظم, وذلك
في انتظار أن
يتصالح
الإنسان مع
ذاته ذاتها,
أي ذلك اليوم
الذي سيكون
عيدا, له
بداية وليس
له نهاية كما
يقول الروسي
ميشال
باكونين. *
ماذا لو
تحدثنا,
قليلا, عن
تجربتك
الطلابية? **
سوف أكون
مضطرا
للاختصار
مرة أخرى,
حتى لا يتشعب
الحديث فلا
نجد له نهاية.
طبعا , عند
دخولي
الجامعة
انتسبت ككل
طالب
للاتحاد
الوطني
للطلبة
الجزائريين.
وأنت تعرف أن
نهاية
الستينيات
وبداية
السبعينيات
عرفت صراعا
فكريا عنيفا
اعتمل داخل
الجامعة
الجزائرية
وانعكس صداه
على الطلبة
الجزائريين
في الخارج,
خصوصا القاهرة
وباريس
وموسكو
ودمشق.. لقد
تمحور
الصراع
آنذاك بين
أعداء
التقدم
المتخلفين
والمتحجرين
وأنصار
التطور
والانفتاح
على الفكر
الثوري
الجديد الذي
كان يهب
آنذاك على
أكثر من
منطقة في
صفوف الشباب,
وبين من يسم
ون بـ»المتعربين
والمتفرنسين«.
ولقد كانت
مهمة
الاتحاد
خصوصا في
فرعي
القاهرة
ودمشق إثبات
أن اللغة
العربية
قادرة
بدورها على
استيعاب
العصر, ولا
أخفي عنك أن
هذه المهمة
كانت على
جانب كبير من
الصعوبة.
فالمسؤولون
المباشرون
على الطلاب
في سفارات
الجزائر
بالمشرق
كانوا مع
الأسف من
دعاة التحجر.
في أول عام
جامعي لي
تقدمت في
انتخابات
هيئة الفرع
في دمشق فما
كان من أنصار
التحجر إلا
النضال
لإسقاطي,
وسقطت فعلا.
غير أن الوضع
داخل رابطة
طلاب المغرب
العربي كان
يختلف كثيرا
, فاستطاع
التقدميون
في نفس العام
السيطرة على
قيادتها
والنهوض بها
إلى مستوى
المنظمة
النقابية
المناضلة
بشكل فعلي وفعال,
فاستردت
دورها
الريادي في
الجامعات
السورية
الذي
افتقدته
باستقلال
الجزائر عام
1962. فقد
استطاعت أن
تصبح
المنظمة
الطلابية
الأكثر
بروزا
في السنوات
السبعينية
الأربع
الأولى, حتى
أن منظمات
المقاومة
الفلسطينية
في سوريا
كانت تدعوها
لاجتماعاتها
للمشاركة
بمختلف
أنشطتها,
وفعلا
كان لنا صوت
كصوت فتح أو
الجبهة
الشعبية...
إلخ. طبعا, كل
ذلك أدى إلى
مضايقات
عديدة من قبل
السلطة لم
أتحملها في
النهاية
واضطررت
لترك دمشق
ومغادرة
جامعتها. لكن
الحنين
دعاني بعد
عام إلى
العودة إلى
دمشق لأجد
الشرطة تبحث
عن ي قصد
اعتقالي مع
ثمانية طلاب
آخرين بأمر -
مع الأسف- من
سفير
الجزائر في
دمشق الذي
أقنع
السلطات في
الجزائر,
وبالفعل هذا
ما ثبت بعد
ذلك. وهكذا
اضطررت أنا
والزميل
محمد بوشحيط
إلى
الاختفاء
عدة أيام في
دمشق ثم
الفرار ذات
ليلة إلى
لبنان. وكانت
نقطة
النهاية
والقطيعة مع
تجربتي
النقابية
التي دامت
أكثر من خمس
سنوات وهي
على
سلبياتها
الكثيرة
مهمة في
تكوين
الإنسان. وفي
بيروت وجدنا
أن غالبية
قيادة
المقاومة
الفلسطينية
والأحزاب
اللبنانية
قد قامت
باتصالات
على أعلى
المستويات
لإطلاق
سراحنا. *
كيف استقبلت
عندما وصلت
إلى بيروت ? **
طبعا , كان لي
العديد من
الأصدقاء
اللبنانيين
والفلسطينيين
والعرب الآخ
رين
المقيمين في
بيروت,
وأغلبهم من
المغضوب
عليهم في
بقية
العواصم
العربية,
فكان لابد
للمتشردين
من تضامن!
فوجدت كل
المساعدة
المادية
والمعنوية
من طرفهم,
وربما كانت
أحلى أيام
حياتي هي تلك
التي قضيتها
رغم الحرب
والدمار
الذي سحق
البلاد
والعباد
سنتي 1975-1976. *
كيف ترى
الحرب
اللبنانية
وإلى أي مدى
أث رت عليك? **
إنها حرب
شائكة
ومعقدة فعلا.
ولن تستطيع
الكلمات أو
السطور مهما
طالت أن تحلل
الأسباب
العميقة
التي أدت إلى
إشعال
فتيلها
واستمرارها
من سنة 1975 حتى
الآن. إنها
شيء من الحرب
الأهلية
وشيء من
الحرب
الطائفية.
إنها تعبر عن
شيء من
الصراع
الاجتماعي
وشيء من
الصراع
الديني. هي
حرب الفقراء
اللبنانيين
على
بورجوازيتهم
المركنتيلية,
وحرب أغلبية
الشيعة أو
المسلمين
الذين
يشكلون مواد
المجتمع
اللبناني
على
الموارنة أو
المسيحيين
الذين
يشكلون
الفئات
الميسورة من
المجتمع.
إنها حرب
الصهاينة
على
الفلسطينيين,
أو بالأحرى
حرب
الفلسطينيين
على عملاء
الصهاينة في
لبنان,
وبالنهاية
إنها حرب كل
العرب
المتسل طين
على الفقراء
واللاجئين
اللبنانيين
والفلسطينيين,
وربما أبعد
من ذلك حرب
الطبقات
العربية
السائدة على
الطبقات
العربية
المسودة: حرب
الاستبداد
العربي على
الديموقراطية
الليبرالية
التي أزعجت
طويلا سادة
العالم
العربي. هذه
هي باختصار
الحرب
اللبنانية.
إنها تعبير
عن جوع مزمن
في عيون
أطفال
المخيمات
الفلسطينية
وحزام البؤس
اللبناني
الذي يطوق
العاصمة
بيروت. كما
أنها أيضا
تعبير عن رعب
مزمن في عيون
أطفال
الموارنة من
الغرق في بحر
إسلامي. وبطبيعة
الحال فإن كل
إنسان مهما
كانت غلظة
قلبه لابد أن
يتأثر نفسيا
في جو من هذا
النوع خاصة
إذا طغت فيه
الدماء على
الدموع ولم
يذهب ضحيته
إلا الأطفال
أو الشباب
الفقراء
الطيبون من
الطرفين.
إنهم
مخدوعون
يقتلون
مخدوعين!
إنهم شباب
ثوري أو
بريئون في
خدمة قضايا
غير ثورية في
غالب
الأحيان,
لذلك لابد أن
ينتابك نوع
من الحزن
العميق الذي
إن طال تحو ل
بالتأكيد
إلى كآبة
أبدية قد
تضطرك إلى
الانزواء أو
العزلة
القاتلة
للنفس
والروح.
ولهذا فضلت
بعد أن سئمت
مشاهدة
حمامات الدم,
ترك بيروت مع
ألم وغصة في
النفس.
فبيروت كانت
العاصمة
العربية
الوحيدة
التي ما زالت
تحتفظ برعشة
حياة تستحق
أن تعاش. ويكفي
القول أيضا
أن ليست كل
نتائج الحرب
اللبنانية
سيئات, فهناك
بعض المحاسن
وبعض
الإيجابيات
ثوريا, مثل
تجارب
التسيير
الذاتي التي
حصلت في هذه
المنطقة أو
تلك من لبنان
عبر اللجان
الثورية
التي انبثقت
عفويا في
الأحياء
والشوارع
وبعض القرى
والأرياف;
خصوصا في
الجنوب
اللبناني
الفقير قبل
أن تجهز عليه
إسرائيل
باحتلالها
إياه لمدة
أيام عام 1987
وتشريد أهله
نحو صيدا
وبيروت. كما
أن هناك على
المستوى
الأدبي
والفكري
إبداعات
شابة تفتقت
بتأثير هذه
الحرب, وأن
هناك المئات
بل الآلاف من
الشباب
الذين زالت
عن عيونهم
غشاوة
الأوهام,
خصوصا أوهام
الأحزاب
البيروقراطية. *
كيف تحدد
نفسك
إبداعيا,
تركت الطب
لتنتقل إلى
الصحافة,
وكتبت في
السياسة ثم
في الأدب,
فكان
لمقالاتك
صدى ملموس,
فهل أنت كاتب
أم ناقد أم...? **
أعتقد أن
التخصص قد
ولد مع سيادة
النمط
البورجوازي
في الاقتصاد.
فبنجاح
الثورة
الفرنسية
الكبرى
انتهى عصر
الموسوعيين
الأفذاذ
منوري القرن
الثامن عشر
الفرنسي
طبعا. انتهى
إذن عصر
الأنسكلوبيديا
ليحل محله
عصر التخصص.
فكما فصلت
البورجوازية
العامل عن
نتاجه, فصلت
الإنسان عن
نفسه ذاتها,
وغدا
الإنسان
فصاميا في كل
مكان. ولم
تكتف
الرأسمالية
المجرمة
بهذا الفعل
الشنيع بل
راحت تفصل
هذا المنتج
المادي أو
الفكري إلى
عدة أصناف.
فكما تنوعت
أصناف المعل
بات, تنوع
الإنتاج
الأدبي
والفكري. إذا
غدوت إلى
التاريخ
العربي
خصوصا في
العصرين
العباسي
والأندلسي
فإنك ستجد
أننا قد
مررنا
بمرحلة
الموسوعيين
الكبار; كنت
تجدهم وهم
يكتبون الطب
أو الكيمياء
يتكلمون
شعرا وحكمة
وفلسفة في
ذات الوقت.
إذن, فمشروع
الإنسانية
الثوري -إن
كان ثوريا
حقا - هو
مصالحة
الإنسان مع
نتاجه ومع
نفسه وإعادة
شموليته
وكليته كما
كانت. لكن في
ظروف مادية
وعلمية أرقى.
من هنا أعتقد
أن على
الإنسان
الثوري,
الفنان,
المبدع,
الناقد وهي
كلها,
باعتقادي,
مترادفات
لكلمة واحدة,
التحريض منذ
اليوم على
ظهور هذه
الشمولية
وتعويد
الناس على
النظر
للحياة
بمنظور
شمولي وكامل
أيضا. لذا
أعتقد أنني
إذا كنت
ناقدا
فسأكون
شمولي النقد,
أي أكون
ناقدا
في الأدب
كما في
السياسة
والحياة. من
هنا لا فرق
بين كتاباتي
السياسية
والأدبية,
فأنا
أعتبرها
كلها نقدا
لهذه الحياة
الميتة
والمميتة. أريد
أن أعود معك
هنا قليلا
إلى الوراء.
فعندما تفت
حت عيناي في
نهاية
الستينيات,
كانت منطقة
الشرق
العربي بل
العالم
العربي
بأسره تعيش
مرحلة من
النهوض
الثوري لم
تشهدها منذ
قرون. وقد
وجد هذا
النهوض
الثوري
تعبيره في
صعود حركة
المقاومة
الفلسطينية
التي لم تكن
مشروعا
لتحرير
الأرض
الفلسطينية
فحسب, بل
مشروعا
تاريخيا
لتحرير
الإنسان على
امتداد
العالم
العربي. وقد
كان من
الممكن أن
تكون الثورة
الفلسطينية
مع ثورة
ثورات أخرى
فتيلا
حقيقيا
لثورة عربية
الإطار
وأممية
المضمون. لكن
ظروفا عديدة
تحالفت ضد
هذا المشروع
الذي لم يكن
قد اشتد
عوده لقبره
في المهد.
فكانت
الضربة
الكبرى في
سبتمبر
1970 في عمان.
وبهذه
الضربة سقط
أمله وبدأنا
كجيل
للهزيمة
الكبرى نبحث
عن بدائل
أخرى. لذا
فكل نقد
للأدب أو
السياسة أو
الحياة بشكل
عام هو جزء
من المساهمة
في البحث عن
هذه البدائل.
[هنا أعتقد
أنني قد أجبت
عن سؤالك]. *
هناك من يقول
ان علي بن
عاشور ليس
لديه أدب, أي
ليس لديه
إنتاج فعلي ,
فما رأيك? **
أحب أن أؤك د
لك في هذا
الحديث أنني
لست أديبا ,
لأني لا
أعتبر ذلك
شرفا. لأن
الأدب خاصة
عندنا - ومع
الأسف- لا
يخرج عن كونه
تقريظا
تافها لهذا
الحاكم أو
ذاك, لهذا
المتسلط أو
ذلك المتجبر.
إنه في أحسن
الأحوال »مداهنة«
للأنظمة
الحاكمة لا
مهادنة لها
فقط, وهو ليس
نقدا لها.
وأعني
بالنقد هنا
امتشاق سياط
الكلمات
التي لا ترحم
في وجه
استبداد
السلطة
المطلقة في
كل مكان من
عالم اليوم
من موسكو إلى
واشنطن
مرورا
ببكين وكل
ديار العالم
القديم. إنه
النقد الذي
لا يلين
لاستبداد
الرأسمالية
البيروقراطية
في الشرق
والرأسمالية
الخاصة في
الغرب,
لاستبداد
السلطة
اللاهوتية
في الجنوب
والسلطة
المادية
الغبية في
الشمال. إذن,
باختصار لست
أديبا بل أحاول
أن أكون
ناقدا
للأدب
والسياسة
والحياة
بشكل عام.
لدي كتاب
جاهز للطبع
منذ سنة 1978,
ورغم اتفاقي
مع إحدى دور
النشر في
بيروت على
طبعه ورغم
أنني قبضت
بعض الليرات
من مردوده
مسبقا فإنني
-نكاية
بالبعض- لست
متسرعا
لإصداره,
وسأصدره
ساعة يطيب لي
المزاج. ولقد
سميت هذا
الكتاب »لكمات
في الأدب
والحياة« وهو
عبارة عن عدة
دراسات
نقدية في
الرواية,
والقصة,
والشعر
والمسرح
شرقا وغربا,
عند العرب
وعند الغرب,
مع مجموعة من
الحوارات مع
بعض الذين
أثروا في
حياتنا
الفكرية
العربية. *
هل كتابك
محاكمة, ولو
موجزة
لمسيرة
الأدب
العربي
الحديث? **
قبل الخوض في
هذا في
الموضوع
الهام
والشائك, أجد
أن من الواجب
علي أن أؤكد
لك أنني من
رأي
تريستيان
تزارا (مؤسس
الحركة
الدادائية
بعد الحرب
العالمية
الأولى)
ورفاقه فيما
بعد في
الحركة
السوريالية,
القائل ؛إن
الثقافة قد
ماتت بعد أن
ات حدت
بالإعلام
والسلطة في
كل مكان ونضب
معين
التجديد
فيها ولم يعد
هناك من مبرر
للإبداع سوى
التحريض
اليومي
المباشر
لإلغاء
الثقافة, أي
بتعميمها
فعلا معيشا
في الشوارع
كما في
الحياة, وهذا
ما أكده
لينين
الثوري
وحرضت عليه
روزا
لكسمبورج. لا
بل إن الآباء
الحقيقيين
للدادائية
وابنتها
الشرعية
السوريالية
وأعني بهم
رامبو,
لوتريامون Lautréamont,
والماركيز
دو صاد قد
نعتوا
الثقافة قبل
هؤلاء, فقد
فض ل رامبو
كتابة الشعر
بجسده على
كتابة الشعر
بقلمه فغادر
مملكة الشعر
وهو بعد طفل (23سنة)
إلى مجاهل
أفريقيا
واليمن, تاجر
سلاح وهي
فعلة كما ترى
لم يفعلها
أحد من شعراء
اليوم
الثرثارين
الذين لا
يجرؤون على
ترك هذه
المملكة حتى
عندما يحسون
بقناعاتهم
الشخصية
أنهم انتهوا
شعريا..
واكتفى
لوتريامون
العظيم مثلا
بديوان واحد
هو »أناشيد
مالدورور« Les
chants de Maldoror كما
رضي
الماركيز دو
صاد أن يدفع
من حياته
العارمة
إحدى
وثلاثين سنة
سجنا في إحدى
المصحات
العقلية
ثمنا لحريته.
فقد رفض هذا
الشهم توكيل
أي قرد
بورجوازي
بتسيير
إقطاعاته
الطائلة
وخاض نضالا
مريرا ضد
اضطهاد
عائلته »التي
لوث شرفها! « وضد
العجوز
الشمطاء
التي كانت
تدير مصحته
العقلية...
ونجد كل ذلك
في رسائله
المنشورة
مؤخرا
بالفرنسية. إذن, أنا من رأي هؤلاء, ومع ذلك فلا بأس إذا أردت مني محاكمة ديموقراطية سريعة لمسيرة الأدب العربي الحديث منذ بداية القرن التاسع عشر. مع الإشارة إلى أن تاريخنا - مع الأسف- لم يعرف مثل هذه المحاكمة. فمن خلال تاريخنا الحديث نكاد لا نجد عربيا واحدا يقدم لنا فكر الآخر كما هو, دون إضافة أو تزوير. لذلك, ستكون هذه المحاكمة مهما أط ل ت عليك, ناقصة لأنها ليست مهمة شخص واحد بل هي مهمة جيل بكامله إذا أردنا أن & | |||||