الهويات نادر كاظم بين التحبيك السردي
والتشكيل الأيديولوجي

نادر كاظم


هل الهويات مفهوم حديث? وهل لها وجود جوهري مفارق? أم إنها موضوع تاريخي يتشكّل في التاريخ ويتطور مع تقدمه? وإذا ارتضينا الإجابة بالإيجاب عن السؤال الأخير فإننا نسأل: كيف تتشكّل هذه الهويات? وما هي الأدوات التي يستعان بها في عملية التشكيل? وما هي الاستراتيجيات التي توظف لإتمام عملية التشكيل هذه? لا يستطيع أحد أن يد عي بأن الهويات موضوع مستحدث, وهذا على الرغم من دور حركات الاستعمار وحركات مقاومة الاستعمار في إذكاء هذه الهويات وإبرازها إلى الوعي خصوصا  في البلدان التي خضعت للاستعمار. لكن الهويات ليست مقترنة بوجود الاستعمار أو حركات مقاومة الاستعمار(1), بل هي قرينة تشك ل الجماعات البشرية أساسا , وما صاحب هذا التشكّل من انبثاق الوعي بخصوصية جماعة وتميّزها عن جماعة أخرى. فتشكّل الهويات الثقافية رهين  بظهور وعي لدى جماعة ما بخصوصيتها من جهة وباختلافها من جهة ثانية. فبعض الجماعات تشتق هويتها الخاصة بطريقة إيجابية من وعيها بما يميّزها وما يمثّل الخصوصية لها, في حين أن جماعات أخرى »تشتق الشعور بهويتها بطريقة سلبية» (2), أي من خلال وعيها بخصوصياتها التي تتمث ل فيما لا ينتمي إلى الآخرين. وهذا يستلزم القول بأن الهوية ليست حقيقة موضوعية وواقعية وثابتة, بل هي تمتلك واقعية متخيّلة, إن صح  هذا التركيب, تتحصّل عليها من خلال عملية يسميها إدوارد سعيد وكيث وايتلام »الاختلاق» (3) Invention, ويسميها مارتن برنال »التلفيق» أو »الفبركة«Fabrication, كتلك العملية التي تم  من خلالها اختلاق تاريخ قديم لإسرائيل بعد أن تم  إسكات التاريخ الفلسطيني. أو مثل تلك العملية التي تم  من خلالها »تلفيق بلاد الإغريق» بقطع جذورها الأفروآسيوية, لتكون أوروبية خالصة(4). ومن مستلزمات هذه العملية أن يتم  تغييب هذا الأصل في العملية, وأن تقصى كل فرص الاعتقاد بأن هذه العملية من صنع الإنسان, ومن صنع خيالاته واحتياجاته الموضوعية والمتخيّلة, ومن صنع وعي هذا الإنسان في لحظة تاريخية معينة. فحين تعي جماعة ما خصوصيتها واختلافها عن الجماعات الأخرى, عندئذ  تبدأ هذه الجماعة في تشكيل إطار ثقافي (كثيرا  ما يعزّز بعلامات مادية) يموضعها وتتموضع فيه, أي تبدأ في تشكيل هويتها الثقافية. ومن يتأمّل في البواكير الأولى لتشكيل أية هوية سيجد أنها انبنت على هذا الأساس: الوعي بالخصوصية والاختلاف. لكن الخصوصية والاختلاف أمران نسبيان, وتحديد خصوصية ما لا يتم إلا على أساس إقصاء خصوصيات أخرى, والوعي باختلاف ما لا يتحقق إلا على أساس تغييب اختلافات أخرى أيضا . ومن هنا يمكننا القول بأن تشكيل الهويات عملية اعتباطية من حيث الأصل, لكنها قد تكون مبررة من حيث المآل. فأي معنى وأية دلالة لاعتبار جماعة من البشر تعيش بالقرب مني بمثابة »آخرين» لي ولجماعتي التي أنتمي إليها? ثم لماذا ينقلب هؤلاء الآخرون إلى مجالـ(نا) ليكونوا جزءا  مـ(نا) في لحظة تاريخية مختلفة? إن هذه الممارسة التي تتمثل في »تحديد مجال مألوف في ذهن المرء يسم ى مجالـ»نا«, ومجال غير مألوف خارج مجالـ»نا» يسم ى مجالـ»هم«, هي طريقة في اجاد مجالات جغرافية يمكن أن تكون مطلقة الاعتباطية» (5). وإدوارد سعيد يستخدم مصطلح »اعتباطية مطلقة» لتوصيف هذه الممارسة; لأن وجود هذه العملية لا يشترط أن يعترف هؤلاء الآخرون أنفسهم بهذا التمييز, بل يكفي للجماعة أن تقيم هذه الحدود في أذهانها. ومن هذا المنظور نستطيع أن نقول مع ستوارت هول بأن »الهوية الثقافية ليست وجودا  مستقرا  على الإطلاق, يبقى غير قابل للتغيّر خارج التاريخ والثقافة (...) الهويات الثقافية موضوع في طور التكوين, لا بصورة ثابتة, بل من خلال خطابات التاريخ والثقافة. الهويات ليست جوهرا  essence, بل هي حركة من حركات التموضع positioning, ولهذا فهناك دائما  سياسات للهوية, سياسات للموضع» (6) الذي تستقر فيه الهوية برهة من الزمن قبل أن تتحو ل إلى موضع آخر.

إن هذا التشخيص لنشوء الهويات قريب من تشخيص ابن خلدون لنشوء »العصبية» ومن ثم لنشوء »الدولة«. فالعصبية إنما تكون من »الالتحام بالنسب أو ما في معناه» من الولاء والتحالف والصحبة. وابن خلدون هنا لا يقصد بالنسب رابطة الدم; »إذ النسب أمر  وهمي  لا حقيقة له, ونفعه إنما هو في هذه الو صلة والالتحام» (7), وفي ما يسميه ابن خلدون بـ»ثمرة النسب» وفائدته. وبتغيير بسيط بإحلال مصطلح »الهوية» بدل مصطلح »النسب«, يمكننا أن نقرّر, مع ابن خلدون, أن الهوية أمر وهمي ومتخيّل, بمعنى أنه لا يستند بالضرورة على أسس واقعية موضوعية كرابطة الدم والسلالة, بدليل هذا التقلب في الهويات من عصر إلى آخر, »ومازالت الأنساب تسقط من شعب إلى آخر, ويلتحم قوم بآخرين في الجاهلية والإسلام والعرب والعجم» (8). إن مفهوم »سقوط الأنساب«, إضافة إلى مفهوم »العصبية العامة» التي تقوم على النسب البعيد, و»العصبية الخاصة» التي تقوم على النسب القريب, عند ابن خلدون, هما أقرب رديف لمصطلح »الهويات المتحوّلة«, بمعنى القرابة المتخيّلة والصلة المختلقة التي تتقلّب من سياق إلى آخر, ومن عصر إلى آخر. وهو ما يبدد مفاهيم »النقاء العرقي» و»الهويات النقية«, بل إن اختلاط الأعراق وتداخل الهويات, أو ما يسميه ابن خلدون »سقوط الأنساب«, هو الظاهرة الطبيعية في التاريخ الإنساني.(9)

وعلى هذا, فإن الأساس الذي تقوم عليه القرابة بين جماعة ما إنما هو أساس وهمي متخيّل, وهو ما يجعل هذه القرابات أقرب ما تكون إلى ما تسميه بنديكت أندرسون بـ»الجماعات المتخيّلة» Imagined Community9; ذلك أن الأمم, كما يقول هومي بابا, »مثل السرديات, تفقد جذورها في خضم الزمان وأساطيره, ولا تستعيد أفقها إلا من خلال الخيال«. و»استعادة الأفق الخيالية» هذه هي في الأساس عملية تأويلية, ذلك أن الهويات في الأغلب تأتينا من الماضي, تتشك ل في لحظة ما ثم تنضج ثم تنتقل إلينا. وهذا الأمر يجعل من تشكّل الهويات ليس مجرد عملية اعتباطية فحسب, وليس مجرد عملية موضعة فحسب, بل هي في الأساس عملية تأويل أو إساءة تأويل للماضي والتاريخ والثقافة. إن الماضي يستمر, كما يقول هول, ما دام يتحدث إلينا, لكن هذا الحديث ليس عملية بسيطة بين ذات حاضرة بصورة كلية وبين ماض  حقيقي, بل هي كثيرا  ما تحدث من خلال دهاليز الذاكرة والفانتازيا والسرد والأسطورة. إن الماضي ليس بالضرورة ماض متخيّل ولا واقعي, لكنه, كما يقول بول ريكور, موضوع ليس بالإمكان التأكد منه, لأنه باختصار لم يعد موجودا , ولهذا فإن خطاب التاريخ أو السرد التاريخي لا يمكن التعامل معه إلا بطريقة غير مباشرة, ومن هنا تفرض القرابة بين التاريخ والسرد التخييلي نفسها,  «فإعادة تشييد الماضي, كما أكد على ذلك كولنجوود, هو من عمل المخيلة. والمؤرخ أيضا , بحكم العلائق المشار إليها آنفا  بين التاريخ والحكي, يشخ ص حبكات تسمح لها بالوثائق أو تمنعها إلا أنها لا تشتمل عليها قط()), بهذا المعنى, فإن التاريخ يلائم بين التماسك السردي والتطابق مع الوثائق. وهذه الصلة المعقدة تطبع الوضع الاعتباري للتاريخ بوصفه تأويلا» (10). وهذا الذي يشير إليه بول ريكور هو ما يقر بنا من تصور هايدن وايت لعملية تكوين التواريخ أو تشكيلها. وحين نقرن الهويات بالتواريخ من منظور هايدن وايت سنعي كم تخضع الهويات إلى عملية  «س ردنة» أو »تسريد» narrating لمكوناتها وعناصرها كما يقول هومي بابا, هذه العملية يسميها هايدن وايت باستراتيجية »التحبيك» Emplotment, أي الرغبة الدفينة لدى الإنسان في عرض تاريخه وهويته في حبكة سردية متماسكة ونقية بحيث يعطي لوجوده معنى ولتاريخه قيمة. وهو ما يجعل الهويات والأمم عبارة عن إطار متخيّل أو حدود متخيّلة تتشك ل بواسطة أدوات السرد والتخييل; ولهذا فهي أقرب ما تكون إلى ما تسميه بنيديكت أندرسون بـ»الجماعات المتخيّلة«.(11)

يجادل هايدن وايت في مقالة بعنوان »النص التاريخي بوصفه صنعة أدبية» (12), وهي منشورة في كتابه »مدارات الخطاب: مقالات في النقد الثقافي» 1978, بأن كل الكتابات التاريخية تعتمد, كالسرد, على أمر غير قابل للإنكار وهو »شكل السرد ذاته«, فالتاريخ يدرك أو يتشكّ بوصفه قصة تتألف من أحداث وشخصيات ومواقف. وهذه القصة, أو هذا الشكل القصصي ليس موجودا  في الأحداث الواقعية, بل على المؤرخ أن يبتكر هذه القصة, عليه أن يسردن تاريخه, عليه أن يضع حدثا  ما بوصفه سببا  وآخر بوصفه أثرا , عليه أن يبرز حدثا  ما, ويغيب آخر, وهذه العملية هي ما يسميها وايت بـ»لتحبيك«, فعلى المؤرخ أن يحب ك تاريخه وهويته. وعلى هذا فإن التواريخ قد تظهر, بحسب طريقة تحبيكها, في صيغة مأساوية (تراجيدية), أو فكاهية (كوميدية), أو رومانسية بطولية, أو هجائية ساخرة, أو ملحمية..

ماذا يعني هايدن وايت بهذا التصور? ماذا يعني بقوله: إن على المؤرخ, طائعا  أو مكرها , أن يكو ن تاريخه وفق حبكة تراجيدية أو كوميدية أو بطولية أو هجائية? يعي هايدن وايت أن القول بأن النص التاريخي صنعة أدبية وخيالية وأسطورية سوف يزعج بعض المؤرخين الذين سيذك روننا بالتعارض القديم بين التاريخ والأدب, من حيث إن التاريخ يتعامل مع الحقائق والوقائع (أو ما كان وما هو كائن بحسب عبارة أرسطو) في حين يتعامل الأدب مع الخيالات (أو ما هو ممكن ومحتمل بحسب عبارة أرسطو). وكما يقول نورثروب فراي فإن »التاريخي يتعارض مع الأسطوري«, غير أن فراي سوف يقر , كما يكتب وايت, بأن »خطاطة المؤرخين حين تبحث عن الشمولية, فإنها تصبح أقرب إلى الأسطوري في الشكل, كما تقترب من الشعري في البنية» (13) تى إن فراي يتحدث عن أنواع مختلفة من الأساطير التاريخية: الأسطورة الرومانسية التي تتأسس على البحث عن مجتمع »بلا طبقات» أو على الحج إلى »مدينة الله«, والأسطورة الكوميدية للتقدم من خلال التطور أو الثورة, والأسطورة التراجيدية للسقوط أو الانحدار كعمل اشبنغلر عن »سقوط الغرب«, والأسطورة الساخرة أو الهجائية عن تكرار النكبات والكوارث. وانطلاقا  من أشكال الأساطير أو الحبكات الكبرى التي يشير إليها فراي, سوف يذهب هايدن وايت إلى القول بأن التواريخ تكتسب جزءا  كبيرا  من تأثيرها من خلال نجاح المؤرخين في صنع قصتها في خارج ما يسمى بالتتابع الكورونولوجي. والقصة تنعطف عن هذا التتابع الكورونولوجي من خلال عملية يسميها وايت, كما سبق, بـ»لتحبيك«, والتي يعني بها عملية تشفير الحقائق الموضوعة في نسق كورونولوجي بوصفها مكونات ضمن نوع من أنواع معي نة من بنيات الحبكة, وهو ما يفرض على هذه الحقائق وضعا  غير مستقر, بل متقلب بتقلب نوع الحبكة التي تعرض فيها الأحداث.

يعود أصل الحديث عن الحبكة إلى أرسطو, حيث استخدم مصطلح »الميثوس» Muthos الذي يترجم بـ»الحكاية» أو »الخرافة» أو »الحبكة«. وهو يقصد بهذا المصطلح عملية »ترتيب الحوادث» (14), فالحوادث التي تقع في الواقع والأفعال التي يقوم بها البشر لا تنقل كما هي في الحكاية, بل لابد لهذه الأحداث والأفعال أن تدمج ضمن صيغة سردية هي  «الحبكة«, وهذه الصيغة هي التي تجعل من الحكاية كاملة وتامة, وذلك بأن يكون لها  «بداية ووسط ونهاية«. إن الأحداث تصنع في حكاية من خلال عملية الانتقاء والترتيب التي تعلي من شأن حدث, وتهم ش حدثا  آخر. وعلى أساس من هذه العملية يظهر التاريخ بصورة تراجيدية أو بطولية أو كوميدية أو هجائية. وهذا يعني أن ما يعد تراجيديا  في حبكة ما قد ينقلب بطوليا  أو كوميديا  في حبكة أخرى. ولنأخذ تاريخ 1948, هذا التاريخ يعرض في السردية الإسرائيلية في حبكة بطولية كتاريخ لتأسيس الدولة والانتصار. لكنه في السردية العربية يعرض في حبكة تراجيدية مأساوية كتاريخ لضياع الأرض والهزيمة أو النكبة. وكذا بالنسبة لتاريخ 1492 في السردية الأسبانية مقارنة بالسردية العربية (تاريخ الخروج من الأندلس) وسردية سكان أمريكا الأصليين (تاريخ غزو أمريكا). خلاصة الأمر أن الأحداث التاريخية مجردة من أية حبكة ثقافية تكون ذات  «قيمة محايدة» (15) VALUE-NEUTRAL, الذي يشحنها بقيم متحيّزة (غير محايدة) هو أن تتشكل ضمن حبكة من الحبكات السردية المعروفة في الثقافة بحيث تكون بطولية أو تراجيدية أو غيرها. أو بتعبير بول ريكور الذي يتقاطع بقوة مع توجه هايدن وايت, فإن المرجعية المشتركة بين التاريخ والسرد تتمث ل في العمق الزمني للتجربة البشرية التي تظل فاقدة للشكل وبكماء وخرساء, وما تحدثه الحبكة هو أنها تسعفنا على توضيح تلك التجربة الحية, و»على تشخيص تجربتنا الزمنية المضطربة«, من خلال السرد التخييلي أو التاريخي; ذلك أنه »بين أن نحكي ينحرف تباعد ما, مهما كان ضئيلا , فالحياة هي معيش, فيما التاريخ هو محكي» (16) اكتسب الوضوح من خلال السرد أو الحبكة.

ماذا يعني القول بأن الأحداث التاريخية ذات قيمة محايدة? وأنها تكتسب معنى وقيمة من خلال دخولها في نوع من أنواع الحبكات المعروفة في الثقافة? الأول يعني أن الأحداث مجرد وقائع لا معنى لها في حد ذاتها, الذي يمنحها المعنى هو أن تتشك ل ضمن حبكة سردية معيّنة, وهذا التشكّل عملية غير محدودة إلا بحدود أشكال الحبكات المعروفة في الثقافة. ما الذي يحدث حين لا تعرف الثقافة إلا أشكالا  محدودة من الحبكات? ماذا يحدث في ثقافة لا تعرف إلا شكل التراجيديا والرومانس البطولي? الذي سيحدث, بصورة أولية, هو أن الأحداث في هذه الثقافة إما أن تكون مأساوية أو بطولية ولا ثالث لهاتين الحبكتين السرديتين! لقد لاحظ كولنجوود مرة, بحسبما يكتب هايدن وايت, بأن المرء لا يستطيع أن يشرح التراجيديا لشخص لم يعش حالة يمكن أن تسمى  «تراجيديا» في الثقافة. يستطيع أي واحد منا أن يستشعر تراجيديا مسرحية »أوديب» بسهولة لكنه لا يستطيع أن يستشعر تراجيدية 1948 (نكبة فلسطين) أو 1492 (خروج العرب من الأندلس) أو الثاني من أغسطس 1990 (غزو العراق للكويت) بنفس القدر من السهولة. والسبب في ذلك أن معاني الأحداث التاريخية, على خلاف الأدبية, ليست محايثة, فالأحداث التاريخية ليست تراجيدية أو كوميدية أو بطولية من حيث الأصل, بل هي تكون كذلك حين تحب  ك على تلك الصورة السردية. فالذي يجعل من حدث ما تراجيديا هو تحبيكه في سردية تراجيدية, وفي المقابل فإن الذي يجعل الأحداث بطولية هو تحبيكها في سردية بطولية. وهذا ما يجعل من التواريخ ليست سردا  لأحداث فقط, بل هي تعبير عن مجموعة من العلاقات المحتملة التي تجعل هذه الأحداث معروضة في شكل من أشكال الحبكات دون غيرها. وهذه العلاقات المحتملة, كما يكتب وايت, ليست موجودة بصورة محايثة في الأحداث, بل هي موجودة فقط في عقل المؤرخ الذي يقوم بتحبيك هذه الأحداث في حبكة سردية دون غيرها, وحتى هذا المؤرخ سيخضع في عملية التحبيك إلى صيغ التخييل المهيمنة في اللغة التي يستخدمها لوصف الأحداث, كما سيخضع لما توف ره له الثقافة من أشكال الحبكات المحدودة.

لا يعني كل هذا التقليل  من شأن التواريخ الثقافية أو الهويات الثقافية لأية مجموعة بشرية, بل قد يكون وجود أية مجمعة مرهون بوجود تاريخها الثقافي الخاص, أي سردها وحبكتها الثقافية الخاصة, وهذا ما يستوحى من عنوان الكتاب الذي حرّره هومي بابا عن »الأمة والسرد  «Nation and Narration,  حيث تكون الأمة ذاتها هي عين السردية التي كو نتها عن نفسها وعن تاريخها التي تتموضع داخله, بحيث لا يكون لها من معنى إلا من خلال هذا التموضع. لكن الذي ينبغي الالتفات إليه هو مدى الانغلاقية والشوفينية الضيقة التي قد تنتج بسبب هذا الفهم للهويات والتواريخ الثقافية, ومدى الانحسار الذي سوف تمنى به الروح الإنسانية المنجمعية كما يسميها إدوارد سعيد نتيجة لسيادة هذا الفهم التروبولوجي للهويات. إن سيادة أية هوية أو سردية أو حبكة ثقافية لا يتم إلا على حساب انحسار هوية وسردية وحبكة أخرى. وهو ما يجعل أشكال العلاقات بين الثقافات لا تتم إلا على أساس  «صراع الحبكات والسرديات«, وهذا الصراع قد يبلغ درجة عالمية بحيث يتحول إلى »صراع حضارات«, وقد يبلغ درجة من المحلية ليكون صراعا  على »حبكة أو سردية» معينة لهوية الأمة أو الثقافة. لنتخيّل حجم الصراع الذي حدث بين التيارات والمذاهب الإسلامية, من أجل ماذا كان يتصارع المسلمون? أليس على سيادة سردية معينة لتاريخ الأمة, أو عند الدقة على سيادة حبكة معينة لتاريخ الأمة الثقافي!! ما الذي كان يحر ك الصراع بين السنة والشيعة? أليس هو الصراع على سيادة حبكة سردية لتاريخ الأمة? أن نعتبر حدث السقيفة كارثة أو بطولة لا يعتمد على جوهر الحدث ذاته, فالحدث في حد ذاته ذو  قيمة محايدة, إنما يكتسب معناه من خلال دخوله في حبكة تراجيدية لدى الشيعة أو بطولية لدى السنة. وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى كل مواطن الصراع على مستوى العقيدة أو القومية أو حتى الصراعات المحلية بين أبناء الشعب الواحد أو بين السلطة السياسية والشعب, حيث الكل يناضل من أجل سيادة »تحبيكه الثقافي» للأحداث والموضوعات والشخصيات. بالطبع لا ينفي هذا التصور إمكانيات الصراع من أجل المصالح الحيوية السياسية أو الاقتصادية, لكن ما ينبغي الالتفات إليه هو إلى أي مدى يدخل الصراع على المصالح الحيوية كجزء من عملية تحبيك ثقافي تمارسه جماعة على أخرى?

تعّبر عملية »التحبيك الثقافي» عن صراع اجتماعي أو ثقافي أو أيديولوجي, وذلك من حيث هي تعبير عن الهيمنة التي تمارسها جماعة على أخرى. ولكن من الذي يمارس التحبيك حقا ? قد يفهم من الطرح السابق أن الذي يمارس التحبيك, تحديدا , هو المؤرخ الذي يكتب نصا  تاريخيا  يشكّل فيه هويته وهوية جماعته. ويبدو أن الذي جلب هذا الوهم هو اعتمادنا على نظرية هايدن وايت عن تحبيك التاريخ. في حين أن هذا المؤرخ لا يعدو كونه عنصرا  ضمن جهاز عابر له, بل إنه يتشك ل ضمنه ويصاغ بأدواته. ما هو هذا الجهاز الذي يمارس عملية التحبيك الثقافي للهوية والتاريخ? ما هو هذا الجهاز الذي يحدد عملية التحبيك ويتحكم في ممارساتها? إنه, باختصار, مجموعة من الأنظمة والأنساق والأدوات والوسائل والقوى التي تكو ن ما يسميه المفكر الفرنسي الماركسي لوي ألتوسير (1918 - 1990) بـ»أجهزة الدولة الأيديولوجية «Ideological State Apparatuses (ISAs). وهي قريبة مما كان ميشيل فوكو يسميه بـ»أنظمة أو مؤسسات الانضباط» و»سلطات أو قواعد الضبط» التي تشمل السجن والعيادة والمؤسسات البيروقراطية التي تمارس أدوار الضبط والمراقبة والمعاقبة على البشر, وعلى المجموعات »المنحرفة» والهامشية على وجه الخصوص.

يميّز ألتوسير بين نوعين من أجهزة الدولة: أجهزة الدولة القمعية Repressive State Apparatuses (RSAs), وأجهزة الدولة الأيديولوجية (ISAs). أما الأجهزة القمعية فهي عتاد الدولة في ممارسة التحكم والهيمنة على الأفراد بواسطة العنف والقمع والقوة المكشوفة naked power, من خلال أجهزة الشرطة والجيش وقوانين العقوبات والجزاء, وذلك في مقابل عتاد قمعي ولكن من نوع آخر, وهو الأيديولوجيا أو اللاوعي الاجتماعي (وسوف نعود إلى تعريف ألتوسير للأيديولوجيا) الذي يعاد إنتاجه في مؤسسات المجتمع المختلفة مثل الأسرة والمدرسة والكنيسة (والمسجد) واتحادات العمال والأحزاب