لويس عوض وثقافة الصدام بلوتولاند: الثورة الشعرية الرابعة

عبدالعزيز موافي


ازدحم التاريخ العربي بالعديد من مشعلي الحرائق الفكرية والثقافية, خلال مراحله المختلفة بدءا من المعتزلة, مرورا بالجاحظ وأبي العلاء المعري وابن الراوندي ومحمد بن زكريا الرازي, وصولا الى طه حسين ونصر حامد ابوزيد. إن لويس عوض ينتمي الى هؤلاء الثوار ويلتقي معهم في انهم جميعا من مؤسسي ما يمكن أن نسميه بـ»بثقافة الصدام» مع المجتمع. الا انه كان امتدادا طبيعيا لفكر طه حسين, وكانت اوجه التشابه بينهما كثيرة. فالى جانب انه تتلمذ عليه, فقد كان مشاركا في ندوته الاسبوعية بشكل دائم. كما كان - شأن أستاذه- مزيجا من ثقافة الشرق التي تفاعلت مع ثقافة الغرب, من خلال بعثته الى انجلترا من عام 1937 الى عام 1940. وشأن أستاذه أيضا الذي كان يدعوه بـ«الأب الروحي» فانه لم يكن بعيدا عن مذهب الشك الديكارتي, في تناوله للثوابت والمقدسات.

وقد أفاد لويس عوض أيضا من المناخ العام, الذي عكسته الحقبة الليبرالية في النصف الاول من القرن العشرين, والذي انعكس على الثقافة والفكر, اكثر مما اصطبغت به السياسة. لذلك فانه صار نتاجا لذلك المناخ الفكري الحر الذي افرز اسماعيل مظهر, وسلامة موسى, واسماعيل أدهم, وحسين فوزي, وغيرهم كثير, وشأن أدباء عصره الكبار, فقد تميز لويس عوض بأنه  «شمولي» الثقافة, على مستوى التحصيل وعلى مستوى الابداع. فالى جانب كتابته الثرة في مجالات الفكر المختلفة: الأدب الانجليزي, الأدب العربي, الأدب المقارن, تاريخ الادب, الترجمة, المسرح, السياسة, التاريخ, فقه اللغة, فانه كان شموليا أيضا على مستوى الابداع, حيث كتب الرواية, والسيرة الذاتية, وأنشد الشعر. إن روايته (العنقاء: أو تاريخ حسن مفتاح), التي كتبها في الفترة من 1946: الى 1947, ونشرت متأخرة جدا في عام 1966, تعد عملا روائيا فذا, حيث تجاوزت- فنيا- عصر كتابتها, رغم ان لويس عوض لم يكن روائيا محترفا, بل اننا نعد تلك الرواية احدى الروايات العشر الاهم في القرن العشرين.

على أن عمله الاكثر أهمية في مسيرته الابداعية والفكرية, كان ديوان  «بلوتولاند: وقصائد أخرى من شعر الخاصة». لقد نشر هذا الديوان في طبعته الاولى عام 1947, بينما كتب قصائده التجريبية في الفترة من 1938 الى 1940. وبذلك, فان هذا الديوان المناوئ كان توطئة لظهور حركة الشعر الحر وشعر العامية المصرية, وله فضل الريادة في مختلف التجارب التي تناولها, فلقد تأثرت به الحركة الشعرية الجديدة في اعتماد التفعيلة كأساس ايقاعي للقصيدة, واستبدال البيت الشعري بالسطر الشعري, كما تحققت فيه الوحدة العضوية للقصيدة, التي كانت هدفا اساسيا للحركة الرومانسية السابقة عليه. وعن تأثيره في الاجيال التالية, يقول لويس عوض (أنا شخصيا لا اعرف الى أي مدى استفاد غيري من تجربتي, وان كنت أحس بأن صلاح عبدالصبور قد قارف الشعر القصصي في  «شنق زهران» متأثرا بقالب  «البالاد» الذي جربته في  «بلوتولاند». كما ان صلاح جاهين قد نقل عني قالب  «السونيتة» التي كان يفضل أن يسميها  «سوناتا«)(1) ويضيف لويس عوض أيضا في موضع آخر, عن تأثر الشعراء اللاحقين به: (لقد انتفع السياب - الى حد ما- من اشارات الديوان, ورموزه البابلية والآشورية) (2). لذلك فان الخلاف على من اسبق في الريادة: نازك الملائكة ام بدر شاكر السياب? هو خلاف في غير موضعه, فمن السهل اثبات ان نموذج قصيدة التفعيلة قد كتبها لويس عوض بعشر سنوات, ونشره قبل أي منهما بعامين على الاقل.

على انه من الضروري الاشارة الى ان اهمية ذلك الديوان لا تعود الى شعريته العالية, لأننا نرى أن معظم شعره أقرب الى النظم, وتغلب الصنعة الشعرية به على الفطرة الشعرية. لكننا - في المقابل - نشير الى ان اهمية هذا الديوان تاريخية, حيث تحتفظ للويس عوض بحقه في الريادة الحقيقية في مجالين أساسيين: قصيدة التفعيلة, وقصيدة العامية, الى جانب تكريسه لنموذج قصيدة النثر. لقد كان ديوان  «بلوتولاند» يحتمل اخطاء التجربة الاولى وعظمتها في نفس الوقت, كما انه كان يمثل تجاوزا للسائد, واستشرافا لذاكرة اخرى. لذلك فاننا نؤكد على انه لم يكن نزوة عقلية او فنية, بقدر ما كان تعبيرا عن تجسيد لظرف موضوعي عام, ولواقع في حالة سيولة وصدام بين مكوناته. فالنص الجديد عند لويس عوض, يرتبط - بالضرورة - بالواقع الاجتماعي والتاريخي الذي انتجه, أي انه يبتدئ عادة بالواقع, كما انه ينتهي دائما اليه. وفي هذا الصدد, يشير لويس عوض الى ان: (حركات الكشف الكبرى في التاريخ, ليست مجرد افراد مغامرين, وانما هي تعبير عن قلق جغرافي وانساني, يصيب بعض المجتمعات في ازمنة التحولات الكبرى)(3).

ولقد وضع لويس عوض تجاربه ومغامراته الشعرية في هذا الديوان, بين قوسين: مقدمة الطبعة الاولى التي تعبر عن فورة واندفاع الشباب, وخاتمة الطبعة الثانية التي تشير الى النضج والخبرة في النظر الى الامور. وتأمل المقدمة في سياقها التاريخي, يضعنا امام بيان او  «مانيفستو» شعري مذهل, يتجاوز ثقافة السائد, ويبشر بميلاد ذاكرة شعرية جديدة, من خلال تبني مقولة بول فيرلين:  «امسك رقبة البلاغة واكسرها». ويمكن لنا ان نعد هذا البيان / المانيفستو هو الاهم والاخطر, خلال حركة الشعر الحديث, بل والمعاصر أيضا. حقا كانت هناك بيانات اخرى في كتاب  «الديوان» او في كتاب  «الغربال» لكنها لم تستند الى تجارب حقيقية تدعمها, حيث ان شعر العقاد - مثلا- كان امتدادا لنفس النموذج الكلاسيكي الذي ثار ضده, كما ان شعر المهجر انفصل بشكل كامل عن الواقع الاجتماعي والتاريخي الذي افرزه, فصار ميتافيزيقيا. ومن خلال هذا البيان الصدامي, قام لويس عوض باشعال الحرائق في البلاغة الكلاسيكية التي طالب فيرلين بكسر رقبتها. بالإضافة الى انه رفض الذاتية الرومانسية, التي تؤدي الى انعزال الشاعر عن واقعه, حيث تتأسس القصيدة على النزعات والمشاعر الفردية, ضاربة عرض الحائط بقضايا ومشكلات الواقع الذي انفصلت عنه, وهو في ذلك يقول: (كانت الرومانسية العربية, باستثناءات قليلة, مدرسة انسحاب وهروب الى الوجدان الفردي, مدرسة تهويمات في عالم الاحلام الذاتية, او تحليقات وراء الغمام. وكانت سنوات الحرب العالمية الثانية والتحولات الفكرية الكبرى, امتحانا قاسيا لها, فأظهرت انفصالها التام عن واقع الحياة).(4)

على أن معركته الكبرى, كانت مع اللغة العربية, حيث بدت له وكأنها لغة مقدسة/ فوق مجتمعية. وشأن يوسف الخال فيما بعد, فان لويس عوض قد  «اصطدم بحائط اللغة» ليس من خلال العجز عن استخدامها, ولكن من خلال التعامل بها باعتبارها كائنا حيا يتطور, وبالتالي تنتفي عنها فكرة  «القدم» التي تضفي عليها سمتها المقدس. لذلك, فقد كان التجاؤه الى العامية المصرية نوعا من  «الرفض» اكثر منه نوعا من  «الانسحاب». لكنه - في معركته مع اللغة- انهزم مرتين: الاولى حين عجز عن الاستمرار في الكتابة بالعامية, والثانية حين هوجم بضراوة في اوائل الثمانينيات, بعد اصدار كتاب  «مقدمة في فقه اللغة العربية» والذي تمت مصادرته بعد ذلك.

حيثيات الهجوم عليه

يرى لويس عوض أن الهجوم عليه بعد اصدار ديوان  «بلوتولاند» كان نتيجة لكون هذا الديوان مربكا: ففيه قضايا ملتهبة, ولكنها لا تناقش علنا, تحسبا لعدم إغضاب آلهة الثقافة الرسمية, والاتجاهات السلفية المحافظة. وهو يشير الى ان أول هجوم عليه كان في اواسط الستينيات, أولا بقلم محمد جلال كشك في كتابه  «الغزو الفكري» ثم في مقالات محمود شاكر في مجلة  «الرسالة» والتي جمعت بعد ذلك في مجلدين بعنوان  «أباطيل وأسمار». وهو يقرر ان الصورة التي رسمت له انه  «صبي المبشرين» الذي دربه الاستعمار لافساد العروبة وتشويه الاسلام, وتخريب التراث القومي. ويشير لويس عوض الى ان حيثيات الحكم عليه بشكل عام كانت مستندة الى:

1 - ديوان  «بلوتولاند» الذي عاد فيه الى تحرير العروض من قماط الخليل بن احمد.

2 - تجربته بالعامية في  «مذكرات طالب بعثة«.

3 - دراسته عن قيام أركان الدولة الحديثة في مصر.

4 - دراسته عن المعري في كتاب  «على هامش الغفران» وعن ابن خلدون في كتاب  «الاشتراكية والأدب«.(5)

وقبل الانتقال من هذه النقطة واستكمالا لفكرة اهمية ديوان  «بلوتولاند» رغم انه كان من اهم حيثيات الهجوم على لويس عوض, تجب الاشارة الى التعليق المدون على الغلاف الخلفي للطبعة الثانية, والذي نتفق معه تماما, حيث يضع هذا الديوان في موضعه الصحيح ضمن تاريخ الأدب: (بعد قرون من الشعر الركيك, القائم على المحسنات اللفظية, مما نجد مقتطفات منه في  «عجائب الآثار» للجبرتي, كانت ثورة الشعر العربي الاولى في العصر الحديث: ثورة الكلاسيكية الجديدة, والتي قام بها البارودي واسماعيل صبري, وبلغ بها شوقي حد الكمال حتى نحو عام 1930

وكان الايذان بذبول الكلاسيكية الجديدة, اندلاع الثورة الثانية في الشعر العربي الحديث:  «ثورة مدرسة الديوان» التي قادها العقاد والمازني في العشرينيات, ولكن هذه الثورة لم تسفر عن اقتلاع شامل للقديم الذابل, وغرس كامل للجديد الناضر, لانها كانت 0 في واقع الامر- مجرد جناح يساري للكلاسيكية الجديدة.

كذلك كانت الثورة الثانية في الشعر العربي الحديث: ثورة مدرسة المهجر ومدرسة أبوللو. وقد كانت أكثر اجتراء من خلال احيائها بعض القوالب الاندلسية, ولكنها أيضا كانت ثورة من داخل الاطار التقليدي, فأجهضت بقيام الحرب العالمية الثانية, وكانت مشكلتها الكبرى قيامها على الوجدان الفردي, والذي عزلها عن حركة المجتمع وغايات الانسانية في عصر الجماهير.

وأخيرا كانت الثورة الرابعة في الشعر العربي الحديث, التي واكبت الانفجارات التحررية والاشتراكية منذ عام 1952ثلت في شعر البياتي والسياب وعبدالصبور وحجازي وأدونيس, وقضيتها الآن امام محكمة التاريخ.

ولكن بدايات هذه الثورة في العروض وفي الرؤية, كانت في ديوان  «بلوتولاند» الذي يعد المستند الاول في قضية الشعر الحديث).(6)

»بلوتولاند«

وصراع المجايلة

في مقدمة الطبعة الاولى, يعلن لويس عوض بثقة مفرطة: (لقد مات الشعر  «العربي» مات عام 2391, مات بموت احمد شوقي, مات ميتة الى الابد, مات, فمن كان يشك في موته, فليقرأ جبران ومدرسته وناجي ومدرسته, اما شعائر الدفن, فقد قام بها ابوالقاسم الشابي وايليا ابوماضي وطه المهندس ومحمود حسن اسماعيل وعبدالرحمن الخميسي وعلي باكثير وصالح جودت وصاحب هذا الكتاب).(7)

كانت هذه الفقرة من المقدمة التي تعبر عن جموح الشباب, أما الشيخ الناضج, فقد رأى فيما بعد في خاتمة الطبعة الثانية, ان ازمة الشعر العربي التقليدي (لم تبدأ بموت شوقي وحافظ, ولكن بدأت لعجز مدرسة أبوللو ومدرسة المهاجر, أي عجز المدرسة الرومانسية العربية عن التعبير عن أي مضمون اجتماعي او انساني بالمعنى العام, في زمن يقظة الجماهير, وازدياد اندفاعها للمشاركة في تقرير المصير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والحضاري والتهاب الوجدان العام بقضايا الحرب والسلام والتقدم والحرية والاخاء والمساواة).(8)

لقد جاءت الفقرتان السابقتان كتعبير عن صراع الاجيال, والذي يرى في كل جيل انه اكثر وعيا من سابقه, واكثر منه قدرة على التغيير. فكل جيل يفترض انه يمتلك نوعا من  «الحساسية» تميزه عن اسلافه, بحدتها ورهافتها في آن واحد. وطبقا لذلك, فان لويس عوض يقارن بين جيله والجيل السابق عليه: جيل احمد شوقي, ليصل في النهاية الى ان يقول: (اني اعلم علما أكيدا بان جيلنا يحس الشعر اكثر مما احسه شوقي. فجيلنا معذب, وجيلنا ثائر, وجيلنا عاش في الارض الخراب التي انجلت عنها الحربان, ورقص حول شجرة الصبار. وجيلنا لم يولد بباب أحد, وجيلنا يقرأ فاليري, و ت.س.إليوت, ولا يقرأ البحتري وابا تمام.. واذا كان جيلنا يحس الشعر اكثر من جيل شوقي, فتقصيره في قول الشعر لا يدل على موت الشعر العربي, وانكسار عموده على اقل تقدير).(9)

وبتحليل الفقرة السابقة سوف نلحظ ان صراع الاجيال في الشعر, بهذه الحدة هو ظاهرة حديثة. فقديما كان لابد للشاعر الجديد ان يتتلمذ على شاعر أقدم, ولا يقول الشعر إلا اذا اذن له, كما في حالة ابي نواس وخلف الاحمر مثلا. واذا كان هناك صراع اجيال في السابق, فانما كان صراعا على المكانة أو الطبقة الشعرية, وليس صراعا حول  «الرؤية» أو  «الحساسية». وقد تفاقمت تلك الظاهرة مؤخرا, حتى اصبحت كل حقبة (10 سنوات) تشير الى جيل, يدخل في صراع مع الجيل السابق عليه, ويستعد - في نفس الوقت - للدفاع عن منجزاته امام الجيل الذي سيبزغ بعد بضع سنوات, وهذه التغيرات الكيفية والمتسارعة في حركة الشعر, في حاجة الى اعادة نظر وتمحيص.

وفي حالة لويس عوض, كان الصراع بين اتجاهين اساسيين يمثلهما كل من جيل شوقي وجيل لويس, فيما يشبه حالة من  «الجبرية التاريخية». فالاتجاهات السلفية تنظر دائما بتقديس الى الماضي من خلال نظرية  «العصور الكلاسيكية الثلاثة» حيث ينحدر ماضي الاجداد الذهبي, باتجاه ماضي الآباء الفضي, الى ان يصل الى حاضر الاحفاد الحديدي. وتصبح نقطة الاكتمال, طبقا لتلك النظرية, في الخلف منا دائما. وكأن المشروع الانساني قد تحقق في الماضي, مرة واحدة والى الابد, وهنا تصبح نصوص هذا الماضي  «مغلقة» لانها تتسم بالاكتمال, داخل الرؤية الدائرية للزمن.

وفي المقابل, فان نظرة اخرى معكوسة, متأثرة بفكرة  «الزمن الخطي» في التراث الغربي, والتي ترى الانسانية تتحرك في اتجاه خطي للأمام, مع حركة الزمن, حيث نقطة الاكتمال كامنة في المستقبل, بينما الماضي دائما يعتريه نقص ما. باعتبار ان النظر الى الماضي وكأنه الاكثر اكتمالا, أشبه بتعبير سارتر الذي يقرر فيه ان مثل هذا العمل هو نوع من (حراسة المقابر)(10), وكأننا  «نعير أجسادنا للموتى» أو كأننا  «نعقد صلة مع العالم الآخر. فمثل هذه النظرة, والكلام لسارتر أيضا, تجعلنا  «نخضع لنوع من الاستحواذ, الذي يمارسه علينا شخص ميت حول أشياء ميتة«.

على اننا نرى ان ثورية لويس عوض (الشاب), واندفاعته المتحمسة في قضية  «المجايلة» انما تعبر عن وجهة نظر ذاتية, تفتقر الى الموضوعية, فكيف يحكم على ان جيله اكثر احساسا بالشعر من جيل شوقي?. ومن قال ان جيل شوقي الذي عانى بدايات الاحتلال البريطاني عام 1882, وكذا هزيمة الثورة العرابية ونفي زعمائها الى  «سرنديب» لم يكن معذبا ولا ثائرا? وعبدالله النديم أبرز مثال على هذا الجيل. وإذا كان لويس عوض لم يولد بباب أحد. فلنتذكر حافظ ابراهيم واحمد نسيم واحمد محرم ومحمود غنيم ومحمد عبدالمطلب, الذين كانوا جميعا من عامة الشعب, مع التجاوز عن نموذج عبدالحميد الديب المفرط في بؤسه وعدميته.

وعلى العكس مما يدعي لويس عوض (الشاب), فان جيله - وهو واحد منه- قد استوعب التراث جيدا, وقرأ البحتري والمتنبي وأبا تمام وامرؤ القيس, اضافة الى قراءة اليوت وفاليري وبودلير ومالارميه, والادلة اكثر من أن تحصى. لكنها- على ما نتصور - فورة الشباب, التي تستلزم ان تكون نقطة البدء - دائما هي:  «قتل الأب» الذي يرمز اليه - هنا - الماضي.

واذا كنا قد توقفنا عن فكرة الصراع بين الأجيال, فلم يكن هدفنا التقييم, بل الرصد. فالصراع مع الماضي, داخل ديوان  «بلوتولاند» كان سمة اساسية له, في وقت كان فيه هذا الماضي آمنا, وفي سلام مع نفسه ومع الآخرين. وبصرف النظر عن موقف لويس عوض من الماضي, وما اذا كان مخطئا أم مصيبا في آرائه تجاهه, فان ما يعنينا حقا هو شغفه الدائم بفكرة  «الصدام» باعتبارها تمثل موقفا مبدئيا له تجاه كل الظواهر الساكنة والمستقرة. وقد تجلى ذلك بشكل اكثر وضوحا في عملين اساسيين, الاول شعري هو ديوان  «بلوتولاند» والثاني لغوي هو  «مقدمة في فقه اللغة العربية». لقد هوجم الكتابان وقت صدورهما بنفس الضراوة, ولكن بأسلوبين مختلفين: فالديوان هوجم بالرفض الصامت والتجاهل التام, والكتاب هوجم بالعديد من المقالات العصبية واللاعقلانية, لينتهي بالمصادرة بقرار سياسي. وكلا الاسلوبين نوع من القتل الاحترافي.

ملامح الثورة الشعرية الرابعة

نحن نتصور ان ديوان  «بلوتولاند» كان هو اللبنة الاولى في عملية تحديث الشعر, وان العديد من الشعراء المصريين والعرب قد تأثروا به, وان كان أحدهم لم يشر الى ذلك. لكن هذا التوافق الغريب بين نشر الديوان 1947. وظهور أول انتاج لنازك والسياب بعد الديوان بسنتين, انما يعني أن هناك تأثرا مباشرا به, أدى الى ميلاد قصيدة التفعيلة.

ان لويس عوض في خاتمة الطبعة الثانية للديوان, يشير الى تلك النقطة التي تمثل حلقة مفقودة في تاريخ تلك القصيدة, كما عرضنا من قبل فيما يختص بصلاح عبدالصبور والسياب وصلاح جاهين. لكننا نعتقد ان الامر يتجاوز هؤلاء الشعراء الثلاثة, حيث كانت حركة وفود الادباء من العراق وسوريا ولبنان الى مصر مستمرة في تلك الفترة. ومن الطبيعي أن كتابا صادما بلوتلاند, لابد وان يكون قد أثار فضول الأدباء والشعراء الوافدين, وانهم اطلعوا عليه وتأثروا به, وبذلك, فانه قد فجر الثورة الرابعة في تاريخ الشعر العربي الحديث.

لقد استغرق الامر سنين حتى يؤتي ثماره, وهذا ما دعى لويس عوض ان يقرر ان تأثير  «بلوتولاند (كان اشبه بالمياه الجوفية, تنحر وتزلزل دون أن ترى).(11) وهذه الاشارة صادقة تماما, لان الديوان على مستوى  «الرؤية» او على مستوى  «الانجاز» قد اثر بعمق في وعي - أولا وعي- القصيدة العربية, التي كانت تبحث عن موطئ قدم لها على أرضية الواقع المتحرك. لقد انتهبت ذلك الواقع العديد من الظواهر المباغتة, مثل: نشوب حربين عالميتين بما لهما من انعكاسات على الدول الواقعة تحت الاحتلال, وبزوغ الاتجاه الماركسي على الساحة الثقافية العربية, وفقدان نماذج الكلاسيكية والرومانسية لمصداقيتها تجاه الواقع, حيث كانت الاولى مجرد استدعاء للماضي, بينما كانت الثانية انفصالا للوعي الانساني عن واقعه.

وقد كان تأثير الديوان قويا داخل حركة الأدب في مصر, من خلال ردود الافعال اتفاقا او اختلافا معه. لكن ردود الافعال هذه اتخذت شكل الحوار الصامت, ومن هنا كان توصيف لويس عوض للديوان بانه أشبه  «بالمياه الجوفية» هو الأدق. على ان قوة هذا التأثير, الذي أدى الى نوع من  «النحر» في الذاكرة الشعرية السائدة, تمثلت في مجموعة من العناصر التي شكلت مشهد الثورة الشعرية الرابعة. ورغم مساحة الديوان المحدودة, إلا أنه أثار العديد من القضايا الهامة, مثل: لفت الانتباه الى الادب الشعبي ممثلا في شعر العامية, والدعوة الى قصيدة الثقافة الكونية, وضرورة اكتشاف بحور شعرية جديدة تتفق وروح العصر, والمطالبة بتناول الشعر القصصي الذي يشتمل على الحدث والحبكة والحركة السريعة. واخيرا, التبشير بميلاد قصيدة التفعيلة, بالإضافة الى تكوين نموذج الشعر المنثور الذي لم يكن قد أفرز سوى نماذج ساذجة حتى ذلك الوقت.

شعر العامية

يرى لويس عوض ان الشعر العربي قد عاش في مصر غريبا, ودليله على ذلك ان ما بين القرن السابع والقرن العشرين, لم تنجب مصر شاعرا واحدا على مدى اثني عشر قرنا. وهو يرى انه ضمن  «فوضى القيم» ان يتكلف مؤرخ ما مهمة الناقد, ليقوم بحشد البهاء زهير والقاضي الفاضل وابن نباته وابن مطروح واشتباههم في مدرسة واحدة, يطلق عليها  «المدرسة المصرية». ولويس عوض يسخر من تلك المهمة, قائلا: (كأنما ينبغي ان تكون لمصر مدرسة في الشعر العربي). وهو يرى ان الشعراء السابقين, ما هم الا ناظمون وليست لهم قيمة أدبية, وان قيمتهم لا تعدو ان تكون  «قيمة تاريخية». وبذلك, فان المبالغة في تقديرهم هي اخلال بمقاييس الحكم.

ويصل لويس عوض الى ان تعبيرا عاميا, مثل:

ورمش عين الحبيب

يفرش على فدان

يعدل عنده كل ما قدمه  «المستعربون» من قريض, بين الفتح العربي عام 046ه-, ومحمود سامي البارودي. فالمصريون - على حد زعمه- لم يتمثلوا اللغة العربية القرشية, كما يتمثل الكائن العضوي غذاءه, بل اصطنعوا لأنفسهم لغة خاصة بهم, قد تكون ذات أصول قرشية, لكنها تختلف عن العربية القحة على مستوى النحو والصرف وصيغ الألفاظ... الخ.

ونظرا لأن لويس عوض كان يرى أن الطابع العام لديوان  «بلوتولاند» هو (التجربة), لذلك فانه يقرر انه كان (مجموعة من التجارب لا من القصائد)(12) وبهذا المفهوم, نجد انه قد اجرى سبع تجارب شعرية جديدة, كانت التجربة رقم (1) منها تتصل بشعر العامية المصرية, التي اطلق عليها اسم  «اللغة المصرية» باعتبار ان لها نحوها وصرفها الخاص, كما ان مفرداتها تختلف نسبيا عن معجمية الألفاظ الفصيحة.

على انه تجدر الاشارة الى ان لويس عوض رأى ان اللغة العامية المصرية, تتسم بالازدواجية, فهناك عامية ال