ما الحكمة التي علينا أن نقتفي آثارها اليوم ?
سجال فكري ما بين لوك فيري  وأندريه كومت - سبونافيل


أدار السجال: كريستيان مكاريان
ترجمة:  حسن أوزال


* كريستيان: إن «حكمة الحداثيين» عنوان يناسب شخصا أقل طموحا. ما رأيكما إذن?

** أندريه كومت - سبونافيل (Andre comte- sponville): رغم أن لكل منا مواقف تختلف كليا عن الآخر فإننا نجمع على أن الفلسفة لا يمكن اختزالها لا في المسألة الأخلاقية ولا في التفسير الابستمولوجي الخاص بتطور العلوم, ولا في التزام المفكرين المعاصرين. إننا نتصور أن الغاية من الفلسفة إنما هي قبل كل شيء آخر, الحكمة أو ما كان الإغريق يدعونه: بـ»الحياة السعيدة» أي بلوغ أكبر قدر ممكن من السعادة في أكبر قدر ممكن من الوعي. والحال أننا إذا ما كنا ندرك جيدا ما كانت عليه الحكمة عند القدماء, فنحن لا ندرك جيدا ما تكونه الحكمة عند الحداثيين. وهذا ما رغبنا في توضيحه ...

*** لوك فيري (luc Ferry) : تتلخص الفلسفة اليوم في مجملها وفي ميدان التعليم بخاصة في تقديمها كتفسير للمذاهب الكبرى القديمة. أما في الخارج, فهي تأخذ شكل تعليم عادي. هذا جيد, لكنه غير كاف. لنأخذ نموذجا- إلى حد ما- مثاليا, كما يقول «كيركجارد». لنتصور أن كل الأفراد المنتمين إلى كوكبنا أضحوا يتصرفون بين عشية وضحاها بطريقة جد أخلاقية. والظاهر أنه باحترام بعضهم البعض, لن تنشب فيما بينهم بعد اليوم حروب كما سيكونون في غنى عن كل الأفعال الإجرامية. والحال أنه ولو قدر لهذه الشروط المستحيلة أن تجتمع فلا شيء إطلاقا يمكنه أن يكون قد تقرر فيما يخص سؤال معنى الوجود أو قيمته. إن هذا السؤال لمن درجة أخرى, فهو ما ينتمي إلى حيز الحكمة أو الروحية(1), وهذا ما رغبنا في طرحه هنا.

* كريستيان: بناء على ذلك فمواقفكما متضاربة...

** أندريـه: بالتأكيد. إنني أتشبث شخصيا بالمذهب المادي, أي بفكرة مؤداها أن ليس ثمة من كائنات إلا وهي مادية, وأن الإنسان ليس إلا جسدا وبألا وجود لروح مفارقة. وبهذا الشكل إذن, فالإنسان موضوع خصب لعلوم الطبيعة ولا شيء فيه يفلت إطلاقا من الفيزياء أو البيولوجيا, الخ. إن قيمة الإنسان إذن لا تكمن في جوهره كإنسان أو في إحدى الخاصيات الأنطولوجية, بقدر ما تكمن فقط في التاريخ والأخلاق.

* كريستيان: وفيما يخصكم أنتم يا لوك فيري, فإنكم تؤمنون بضرب من ضروب الإنسية المتعالية...

*** لوك فيري: إنني أعتقد بالفعل, أن الإنسان ليس جسدا فحسب كما أعتقد أن كنهه يتجاوز جوهريا كل ما يمكن لعلوم الطبيعة أن تعرفه بصدده.

* كريستيان: إن بينكما أصلا, تعارضا أساسيا قوامه إلى حد ما الاكتشافات العلمية المعاصرة...

*** لوك فيري: أجل. فالمادية تقتضي الاعتقاد في ألا وجود لشيء يتعالى على المادة كما نعرفها. وهاهي الماركسية في القرن الأخير, كانت سباقة إلى القول بأن كل ما كنا نعتبره قيما متعالية, قانونية كانت أم أخلاقية أم دينية لم تكن إلا نتاج بنية تحتية مادية تولدت في سياق اقتصادي واجتماعي. وما أن انهارت الماركسية اليوم على وجه التقريب, حتى عادت المادية من خلال فكرة مؤداها أن قيمنا - كالغيرية مثلا - ليست محددة من طرف بنية تحتية طبيعية أي بيولوجية, كيميائية وراثية وعصبية فحسب بل ناتجة عنها. فالمادية عقيدة السوسيوبيولوجيا, لكنها كذلك وعلى سبيل المثال, حصيلة أعمال جان بيير شونجو.Jean-pierre changeu  والواقع  أن  الصحافة  تنشر  دوريا, جملة  من الاكتشافات التي تحاول أن تبين أن ما كانت الكائنات البشرية قديما تعتبره متعاليا, هو ما غدا يتحدد «بشكل طبيعي». هكذا سيغدو كل من الغيرية, العنف, القلق, الضحك, الجنسية المثلية, بل وحتى الحب, ظواهر وراثية... إن هذه المادية البيولوجية هي ما يبدو أكثر قوة وإقناعا من الماركسية حيث بدلا من أن تستند إلى العلوم الإنسانية التي أضحت تعتبر هشة ومشكوكا في أمرها, غدت تستند إلى علوم متماسكة تدعى بالعلوم الدقيقة. لكن هذه المادية مع ذلك تبقى قابلة للنقاش في نظري.

** أندريه: أجدني متحفظا إلى حد ما في هذا الصدد. فالمادية لم تعثر ثمة على حجج    جديدة إن صح التعبير, بل على رزمة من البراهين القوية. أضف إلى هذا أن النزعة المادية البيولوجية الحديثة ذات صلة وطيدة بالإلهام الأولي الخاص بالمادية, وأقصد إلهام الإغريق أو إلهام الطبيعانيين الفرنسيين أمثال ديدرو, العائد للقرن ال-18.

* كريستيان: إن عصرنا على ما يبدو, ذو صلة وطيدة بهذه المادية البيولوجية...

*** لوك فيري: أصر على أن الكائن البشري لا يتحدد كليا بواسطة التاريخ أو الطبيعة. وفي نص بارز من التقديم الذي افتتح به روسو مؤلفه: «مقال في أصل التفاوت» يبدو أن ثمة فرقا ما بين الكائن البشري (الإنسان) والحيوان. وفي ذات النص يسترسل روسو موضحا على أن حمامة قد تموت جوعا وهي على جنبات حوض مملوء عن آخره بأجود أصناف اللحوم مثلما قد يموت قط وهو بجانب ركام من القمح والحبوب, بيد أن بوسع كليهما أن يستمر في الحياة لوقت ما لو حاول أن يتناول طعاما مغايرا لطعامه المعتاد. لكن الواقع أن الأول حابب بينما الثاني لاحم وكلاهما لا يستطيع أن ينفلت من هذا القانون الطبيعي. ووحده الإنسان يمتاز بقدرته على الخروج والانفلات من كل القوانين الطبيعية, لكنه من كثر إفراطه في نزوعه ذاك أضحى يتصرف بشكل «مضاد للطبيعة», فقد يعزم البقاء على قيد الحياة كما قد يعزم الانتحار أو الإقدام على حماقات كارثية. على هذا النحو يختم روسو قوله مؤكدا على أن «الإرادة هي التي تبادر بالكلام ثانية حالما تصمت الطبيعة». إن هذه النزعة «الفوطبيعية» في نظري هي ما يرمز إلى التعالي عن الطبيعة كما عن التاريخ. وهذا التعالي هو ما سوف تسميه الفلسفة المعاصرة المنحدرة عن روسو وكانط, بالحرية. وفي هذا التعالي كذلك إنما تتجدر دائرة القيم لا الأخلاقية فحسب بل كذلك تلك التي تخدم ما اسميه بالحكمة أو الروحية.

** أندريه: يبدو أن لوك فيري يحذو حذو كل من ديكارت, كانط وسارتر أي أنه يتبنى فلسفة الذات والحرية. أما أنا, فإني أنتمي ما دمت ماديا, إلى ما أدعوه بفلسفة العالم (الطبيعة والتاريخ) والضرورة. إنني أقف إلى جانب كل من أبيقور, الرواقيين وسبينوزا.

* كريستيان: نقطتا انطلاق مختلفتان, مما يعني حكمتين متضاربتين, أليس كذلك ?

** أندريه: أخشى ذلك. فإذا ما كان لوك فيري يتبنى كنقطة انطلاق لفلسفته, فلسفة الحرية باعتبارها شيئا مطلقا أو مبدأ جوهريا بالنسبة للكائن البشري, فالحكمة حينها هي ما يتأسس على نوع من الاختيار. يتعلق الأمر وفق هذا التصور بالرد بالإيجاب أو بالرفض, وذلك بحسب الظروف. وعلينا بالطبع أن نختار ما نستحسنه وما نرفضه. لكنه إذا اعتقد الناس مثلي على أنه ليس ثمة من حرية مطلقة, وبأن الأمر ليس إلا مجرد مسلسل تاريخي من التحرر, غير قابل للاكتمال إطلاقا, فلن تغدو الحكمة حينئذ نظاما اختياريا. يتعلق الأمر إذن وبعكس ما سلف بالقبول بوجود ضرورة ما: مما يفرض علينا أن نقول نعم لكل شيء. تقتضي الحكمة في منظوري إذن, أن نستوعب بالأحرى معنى الضرورة وأن نقبل بها.

*** لوك فيري: سوف أقول قصدا, بأن أندريه «بودي جديد» بينما أنا «مسيحي جديد». وبالنسبة له, فالمعنى  الدقيق  للحكمة  إنما  هو  ما  تلخصه  لفظة  «نعم»,  أي أن نقول نعم للعالم, ونعم للطبيعة. وفي هذا الإطار, فالكل ينزع نحو التصالح مع العالم, والقبول بالضرورة الطبيعية بدلا من الثورة أو السخط عليها... فالسعادة نتاج تصالحنا مع الكون.

* كريستيان: هذا ما يدل على نوع من «اللا-ارتباط» بدلا من السخط الأخلاقي مثلا...

** لوك فيري: تماما. في حين, أن الهدف الرئيسي من الحكمة بالنسبة لي, إنما هو أساسا أن «نحيا جماعة» مع سائر الموجودات كما مع باقي الكائنات البشرية. إن معنى الحياة بالنسبة لي, هو ما يقتضي منا الإقدام عليها بشكل جماعي. فليست الحياة غير استعادة للأمر المسيحي القديم الذي يدعونا إلى حب الآخرين. إنني أفضل حكمة الحب هاته عن حكمة العالم مما يفترض علينا دوما أن نقول «لا» للعالم, خاصة عندما يظهر في صورة غير مقبولة.

* كريستيان: كيف يمكننا في إطار هذا المنظور, أن نتصالح مع العالم ?

** لوك فيري: إن التصالح مع العالم, في نظري أمر مستحيل ومادمت أشعر  أخلاقيا, بأنه لا ينبغي علي نشدان نظير هذا الهدف, فإنني أرى بعكس ذلك أن من واجبي مواجهة العالم.

*** أندريه: أنا كذلك, عادة ما أنتفض في وجه الفظاعة, وإذا ما كنت أقول «نعم» للعالم, فليس لأنه مثالي, بل لأنه ليس ثمة من حكمة أخرى غير القبول به كما هو. إنني جد مقتنع على أن القبول بالعالم والعمل على تغييره اجراءان لا محيد للواحد منهما عن الآخر. فكلما أردنا أن نغير العالم وجب علينا أولا أن نتمثله كما هو.

* كريستيان: يبدو أخيرا أن الأمر سهل بمكان: فبينما يعمل أحدكما على تأسيس حكمته على اليأس المادي, يعمل الآخر على تأسيسها على الأمل الإنسانوي. إن الأمل رغم كل شيء, أفضل بكثير, أليس كذلك ?

** أندريه: اسمحا لي لكي أقول لكما بأن الأمل ليس برهانا أو حجة حتى. فدور الفلسفة هنا ليس هو أن تسعدكما لكن أن تقول الحق. كان نيتشه يقول بخصوص الإيمان المسيحي: «الإيمان يخل  ص إذن فهو يكذب». فإذا كانت أفكاري تزعجكما, فهذا لا يعني أنها خاطئة, بقدر ما يعني فقط أنكما شديدا الحساسية إزاء الألم والقلق, ولكي أطمئنكما أؤكد أن أمري يكاد لا يختلف هنا عن أمركما. بعد هذا لنعود إذن لتبيان مكامن اختلافنا. فأنا لا أتمنى أي شيء, بيد أن لوك مهووس بلاريب, بفلسفة الأمل.

* كريستيان: أتقصد نوعا من الفضيلة الإلهية ?

** أندريه: إنها بالتأكيد فضيلة إلهية, إلا أن لوك يجعل منها فضيلة إنسانية, بحيث أنه يتصورها في غياب الخالق, وقائمة أساسا على الإنسان لا غير. أما فيما يخصني, فإنني أنتمي بالأحرى إلى تقليد «اليأس الم رح». سأوضح طرحي. فمادمنا مبدئيا لا نتمنى إلا ما لا نملكه, فنحن بالتالي لسنا سعداء طالما كنا نتمنى السعادة. وبخلاف ذلك, فنحن سعداء طالما لم يعد هنالك شيء نتمناه. إن الحكيم معروف بكونه من لم يعد يتمنى أي شيء.

* كريستيان: ما رأيكما في الحب ?

** أندريه :  إن حكمتي هي بدورها حكمة حب, لكن بمعنى يكاد يختلف تماما عن المعنى الذي يفرده لها لوك. فالمهم بالنسبة للوك إنما هو حب الناس, أي الحب القائم بين الأشخاص والأفراد. وفيما يخصني أنا, فالمهم إنما هو حب العالم, وأبعاده المتعددة - بدءا من الناس.

* كريستيان: يكاد هذا يعكس نوعا من التوافق فيما بينكما, لكن الأمر عكس ذلك تماما...

*** لوك فيري: هذا وارد. فأنا أعتقد بأن الحب هو أهم قضية تقوم عليها الحكمة, لأنه القيمة الوحيدة التي من أجلها نجرؤ دوما على المجازفة بأرواحنا. وإذا ما انكببنا على تأمل أو إلقاء نظرة على تاريخ التضحية, فسوف نجد بأن الناس قد اختارت الموت إما في سبيل الله وإما في سبيل الوطن وإما في سبيل الثورة, وكلها «متعاليات عمودية» اختفت اليوم (وعلى الأقل في المجتمعات الديمقراطية). وبخلاف ذلك نرى أن أنماطا أخرى من المتعاليات, لاسيما منها «المتعاليات الأفقية» - المرتبطة مثلا بالزواج عن حب أو بالحرية الفردية- بدأت تطفو لكنها لا تخص غير بعض الكائنات البشرية. فوحدهم الرجال والنساء الذين نحبهم, يجسدون من الآن فصاعدا, قيمة متعالية عن مادية العالم. استنتج بناء على هذا أننا لا نحيا داخل عالم أكثر مادية من الذي نحن فيه. فربما كان الحب بمثابة القيمة المقدسة الأخيرة, لكنه على الأقل ما يزال كذلك إلى اليوم. فليس من هينة الأمور أن يكون المرء جديرا بالاستمتاع بهذه الحياة الجماعية السائدة ما بين الناس (وهذا عبر كل الأشكال: الحب, والحكمة Philia, والصداقة Agapé وغريزة الحب Eros). ومن أجل ذلك يتوجب علينا الإنهمام بحكمة حقيقية وعميقة. ليست إذن حكمة الحداثيين غير حكمة الحب.

** أندريه: إننا متفقان بخصوص هذه المسألة, لكننا نختلف كليا فيما يخص الكائن البشري. إن الإنسان في نظر لوك, مخلوق فوطبيعي وفوتاريخي, يتعالى على العالم كما يتعالى على المجتمع. أما أنا فأعتبره حيوانا اجتماعيا وتاريخيا محايثا للطبيعة. لكن هذا لا يمنعني أبدا من أن أعتبر الإنسان ذا قيمة تفوق قيمة الحيوان. وعلى سبيل المثال: فالقرد أرقى من المحار, والإنسان أرقى من القرد. وفي ذات السياق, فالإنسية مسألة عملية, إنها نوع من الأخلاق المرغوب فيها من طرف الناس. وهي ما يقوم لا على أساس فرق في الطبيعة ما بين الإنسان والحيوانات, لكن على أساس القيمة السامية التي ينفرد بها الكائن البشري. وبحسبي فالإنسية تنهض على السؤال الكانطي: «ماذا علي أن أفعل ?» أما بحسب لوك فهي ما ينهض على سؤال آخر لكانط هو: «ما المسموح لي به لآمله?». أرى أن إنسية لوك هي ما يتضمن بذورا دينية, تقوم على قداسة الإنسان. أما أنا فلست مؤمنا, ولا أومن حتى بالإنسان. فالإنسية ليست ديانتي ; إنها أخلاقي لا غير...

* كريستيان: لنلخ  ص إذن: إن ثمة إنسية أخلاقية بالنسبة لأندريه, وأنسية دينية بالنسبة للوك فيري...

*** لوك فيري: إنني لا أنكر إطلاقا أن الكائن البشري قد يكون حيوانا أو كائنا تاريخيا. لكنني أميز ما بين موقف ما وتحديد معين.

** أندريه:  أما أنا فأؤكد على أن الحكمة هي ما يقتضي أن نبقى مخلصين لما خلقتنا الطبيعة عليه, ولكل ما حققته الإنسانية في نفسها عبر التطور. إننا نعتبر فضلا عن كوننا حيوانات تمتاز بأدمغتها الراقية, كائنات ذات وعي وثقافة وقيم.

*** لوك فيري: إن ثمة جزءا كبيرا من الحقيقة في فلسفة أندريه, وهذا ما ألمسه. ففي تجربة «اللا-ارتباط» التبتي(2), نعثر إلى حد ما على أحد تعابير مونتانيي Montaigne حيث يؤكد على أن «التفلسف إنما هو تمرس على الموت»: هاهنا نجد الكثير من الحكمة. فالتصالح اليائس مع العالم هو ما يسمح بالتحكم في الألم والاستعداد للأسوأ. أما موقفي الشخصي فهو أكثر كارثية, ما دمت أصلا أرفض اليأس مثلما أرفض الأمل أو الرجاء المسيحي.

* كريستيان: إذا ما طلب منكما أن تمنحا تعريفا معينا للحكمة عند الحداثيين كنصيحة منكما إلى أحد الأصدقاء, ما ردكما ?

** لوك فيري: لأبدأ كلامي أولا عن الموت. إنه بالنسبة لكل منا, التجربة الأكثر حزنا والأكثر فقدانا للمعنى. علينا إذن أن نفكر فيها كحداثيين أي بعيدا عن اليأس أو الأمل. والحال أن الدرس الذي يفرض نفسه في مثل هذه المناسبة إنما هو وجود قيم أرقى من المادة كما من الحياة. أفكر بطبيعة الحال في الحب. فأمام ضرورة الاختيار ما بين حياة كائن محبوب وكل خيرات العالم المادية, غالبا ما ينتهي الأمر بنا إلى تفضيل الكائن المحبوب. وبخلاف ما يردده دوما جان بول الثاني Jean Paul II, يبدو  أن  الإنسانية  لا تغوص كليا في عالم المادة.

فهنالك الكثير من الخاصيات المتعالية التي ما يزال ينفرد بها الحب. سوف أمر ثانيا إلى مسألة الشيخوخة. فأول شيء يقدم عليه الإنسان ما أن يولد, إنما هو الشيخوخة. وإذا ما كانت الشيخوخة عند القدماء رمزا للحكمة, وإذا ما كان حينها المجتمع بأسره منشغلا باحترام التقاليد أي الماضي, فالأمر في المجتمعات الحديثة بعكس ذلك تماما. إن الناس في هذه المجتمعات الحديثة مهووسون بالمستقبل إلى درجة أن الشيخوخة غدت بالنسبة لهم وباء عادة ما تتم مكافحته بواسطة مستحضرات التجميل وأحيانا بوسائل أخرى. وبالنظر إلى النموذج السائد الذي يمثله الكاليفورني المتزلج على الأمواج, يتجلى أن كل ذبال سلبي. والحال أن الشيخوخة إنما هي حكمة, مادامت تجمع في الآن الواحد ما بين المعرفة والحب. إن المجتمعات الحديثة تحط بشكل خطير من قيمة الشيخوخة, رغم أنها هي ما قد يفسح أمامنا آفاقا واسعة للتفكير لو تم إعطاؤها المكانة اللائقة بها. بعد هذا سأمر إلى مسألة ثالثة هي مسألة الفرد. فالفرد ليس لا بالخاص ولا بالعام, لكنه توفيق ما بين الإثنين. إن الذي لا يمكنه أن يعوض داخل حيواتنا إنما هو كون كل واحد منا قادرا على المرور من الخاص إلى العام. فعلى كل واحد أن يصنع من حياته لوحة فنية, أي عليه أن ينطلق من سياقه الثقافي والاجتماعي كيما ينخرط ويدخل مجرى يشاركه فيه, بالقوة, الجميع أي كل الجنس البشري.

** أندريه: ليس لي ما أعترض عليه فيما يخص هذه الحركية من الخاص نحو العام. لكني لست متفقا كليا مع ما قاله لوك بصدد الشيخوخة. إن ثمة داخل الشيخوخة نوعا من الانكماش البيولوجي الذي لا يمكن إنكاره, والذي بقدر ما يفند زعم العمومية بقدر ما يبرهن بالأحرى على أننا لسنا إلا أجسادا لا غير. وعليه فالحكمة التي أتبناها بدوري إنما هي حكمة الرغبة. إنني أومن مثل سبينوزا وفرويد أن الرغبة هي جوهر الإنسان بالذات. لكن ثمة ثلاثة أنواع من الرغبة هي: الأمل, الإرادة, والحب. وأعتقد أنه يلزمنا أن نتخلص ما أمكن من الأمل, لأنه ليس ثمة من أمل دونما خوف: فالتخلص من الأمل هو  السبيل الوحيد للقضاء على القلق القابع فينا. وعلى إثر ذلك يبدو أنه من الأفضل أن ننحاز إلى جانب كل من الإرادة والحب. وعن سؤال ما الحكمة ? أرى أنه علينا حالما تعلق الأمر بما يتوقف علينا: أن نتمنى قليلا وأن نريد كثيرا (خاصة في الميدان الأخلاقي والسياسي). وحالما تعلق الأمر بما لا يتوقف علينا: أن نتمنى قليلا وأن نحب كثيرا. كتب سينيك  ل-؛لوقليوس» ذات مرة: «عندما تكون قد نسيت أن تتمنى سأعلمك أن تريد». فأن نتفلسف يعني أن نتعلم التحرر. أن نتحرر من كل القيود, لكن أيضا من ذواتنا. فالحكمة المثلى بقدر ما هي انفتاح على العالم بقدر ما هي انفتاح على الآخرين; مما يقتضي أولا وقبل كل شيء تحرير الذات.

المرجع:

     -  .Magasine le Point N : 1331

(1) نسب القيم إلى مجال روحي مطهر من العوامل المادية (المترجم).

(2) - نسبة إلى هضبة التبت  (المترجم)