القصيدة الغجرية

هاشم شفيق


نتنقل  من أرض

إلى أ خرى

نحمل  فوق ظهورنا

الغيوم

والأطفال ,

نذهب  للمنتأى بأثقالنا

من شجن  وضجر  وذهب ,

حالمين بتراب  رخو

لأوتادنا

بنجوم  ملساء لأطفالنا

بمسك  لاهب  لجدائلنا,

نذهب  إلى ذهب

رابض  في الأصيل

نحك  به آمالنا

ونجلو ما ترسّب

في قاع الوجدان  من الألم .

نعبر  النحّس واللواحظ

والقدود  التي طاردتنا

دليلنا الفرقدان -

الرقى في صدورنا

ترن  علاماتها

والتعاويذ  يتسرّب  منها الدخان ,

تحت  أقدامنا يجدح  الصخر

وتضاء  التواريخ

حين نمر  بالثغور ,

بغالنا محمّلة  رعدا

وأمشاطا

ومعاضد  خشب

وأقواس  قزح ,

كل  جواد

يحمل  قطعة  أرض

وينطلق  خببا  في الوهاد ,

عرفه  مدهون

بالقرنفل

والمندل

والسهاد ,

خيولنا مثلنا مسهدة

وناعس  طرفها-

الأنغام  تلمّع  سنابكها

والأغنيات  تطرى حوافرها,

خببا . . . خببا  . . .

تمضي الخيول

ومجدنا على المنفى

أجياد  وقياثير .

في عبورنا

تخطينا الغدر  والغدران

والسديم  المربوط  إلى حجر ,

كانت الأغساق  مجرحة الأنوار

تنز  على أقراط  نسوتنا

والبدر  كان

يصقل  هالته

فوق حجول الحبالى,

أن ى انتشرنا

كان الحسّاد  يترب  صون  بنا

وينصبون لنا

مراياهم بين السهوب,

يثأرون من آثارنا فوق الرمال ,

ينثر القيافون  وراءنا

الويل والثبور,

يطيرون صقورهم في إثرنا

ويذخرون  الغلاظة  لمحيانا,

يلوّحون بالضراء لنا

كأنها كوفياتهم,

وينعتوننا

بالفحشاء

والملهاة

والتهتك ,

أنى اتجهنا رأينا العقابيل

ترزح  أمام قلوبنا,

والأسوار تعلو

لتغطي الصهيل

ولكننا مضينا,

تتقدمنا ناياتنا

وطبول  غدنا

تقرع  في المجاهل

حيث خببا ... خببا

تمضي الخيول

عليها رواة  قصائدنا

وحفظة  الأمثال ,

في مسيرتنا

كان المثال  يسقط  منا

فينبت  في الأرض  كالبطاطا-

البغالون طلائعنا,

يستطلعون  مصائرنا

والمسافة  للظاعنين ,

حملة  الفوانيس ,

في الدجنات  يضيئون النعاس

بأقاصيص عن الليل

الموغل في المتاه,

كان الكلام  يغسل  التيه

فتنزاح  الغبائر

وينقشع  عجاج  عن الفؤاد,

وقتذا

يراق  الكحول  على المطاوي

والذهب  المطمور

بين الجلد والش غاف,

تصب  قهوة  في العبور

ويلمع  قطيع  ذئاب ,

فتنشط  الهواجس

ويستفيق  الخيال ,

في العبور

نطوي المرافئ والقلوع

ونطوي الرياح التي تعبث

في مسفن  وقياديم-

السفّانة  كانوا

يروفون  أشرعتهم

ويقيسون الهواء برئاتهم .

في عبورنا

نذوق  الصحارى

نذوق  البلاسم  فيها,

ويكون  الصبار  مرادا

وفاتحة  للطريق-

العلقم  في عبورنا يتحل ى

والأراقم  تأخذ  طبيعة  الأسماك-

السراب يحيينا كفتاة  لعوب

تتزيا بفستان مائي  من الترك واز,

فهذي الحياة  طوع بناننا

والعالم  عباءتنا,

نتلفع  فيها لنوغل في النسيم-

الطرقات  لنا

نفتحها بأهدابنا

المدائن نجوسها بالقلوب-

الشمس معنا

والأمطار  ضدنا,

نجمة  الشعرى

تتقلب  في مهجنا

والغروب

دليل  الجواد إلى الحقول ,

دليل  الرحيل  الطويل

في الفاجع  والغامض

والرحيل  المتعرج في اللازورد .

فإن  وثبنا

وثبت نسوتنا

كظباء الألكة

والطفل  كأنه وشق  مستوفز

يلاعبه  الهلال ,

نحفر  على الأذرع  وشمنا

وعلى الأدرع نرسم القمر,

ندر ع  ونحن نائمون

لئلا يفجؤنا الحضر

بأمعائهم المعدنية

لينتهبوا الرؤى

ويسطوا على الذاكرات

لئلا ينعوا الولدان بالسّرق

ونساءنا بالغ لمة

والرجال بالعاهات ,

هكذا نتفولذ

أو نترامح,

أعصابنا أمراس

تهجر  الجلد نحو السهوب,

بيننا النحّاسون

والصناجة

والعازفون,

نحن  ندماء  الخيول

فلتذهب  إذن

خببا ... خببا

كل  هذي الخيول

ولتحمل الريح

أسرارنا للبعيد,

فالأباعد  مسعانا

والقصي   يحفزنا للرحيل ,

يصاحبنا الاصطبار ,

يكيل  الكيّالون  الصبر بحق  ,

فنشربه  مخلوطا

بالرموز والعلامات,

وحين يكل  الاحتلام  عن الكشف

يبتدئ  المستراح,

فتضرب  الخيام  في اللجين

المتقطر  من سحر ساحر ,

وحدنا في العراء

وحدنا في الصباح

المغسول حديثا من الغبار

وحدنا مع الضحى وإخوته

من شموس مفترة

تمرح  في ضوئها ظبأة

وصلال  وعظايا.

فهناك وسط الريح  والليل

تقام  أعيادنا,

ويعلو الدخان  رايات رمادي ة ,

يصنعها السّفاد

والشواء  المفعم  برائحة الصحراء,

هناك ينهض  رق رقيق

وخلاخيل  وصنوج ,

ترقّص  الثرى

والليل

والخيول ,

فيصعد  في دمنا الإشراق

وتهلّل  العرافات

ذوات  القلائد المزركشة,

فتهز   التهاليل

الجبال  القريبة  والتخوم,

وتحمل  الريح  روائحنا

لمذأبة  في المغاور

أنها

يجدح ناب

ويكمن وراء الحدود .

ونرحل ...

الخشّابون تلمع  فؤوسهم

في الظلام-

السقاؤون تتهدل  أسئلتهم

فوق الق رب الجاف ة,

لا قرى  تتراءى

لجروحنا في الطريق,

مالح  هذا الطريق

وفي دمنا يترسخ  ملح  التجوال ,

لهذا يطول  الطريق

ليتداخل في طرق,

تتناهض فيها سدود  وأسوار ,

ونحن  نسير  إلى السور

ولا نلمس  غير بوحنا المملح,

أنى نحط  الليلة?

متى نصل  إلى أنفسنا

ونحن  شتات  وفلول?

خيولنا عضت  على البرق ,

واللجام  يصعد

في أفق غامض ,

لا محط  لخيالنا

والخيول  أصيبت

بداء النزوح ,

يضرب  الجفاف  جفوننا

وينزل القحط  إلى الأحشاء ,

تتعطل  أفواه

ولا تحمل  الريح  أنباء ,

وحده الضبع  يتنزه في البال ,

فلا مستقر   لأنفاسنا,

هلكى روادفنا

وأكفالنا إخشوشبت

في المسير ,

إلهي:

ارفع الأسوار  عن شفاهنا

وافتح الطري