|
ذا
ما سألنا ما
الذي يمثله ?
أو على أي
مثال يكون?
«
يقول الناقد
الامريكي
الراحل
ليونيل
ترلنغ في
مقالة حول
جورج
اورويل, »
فإن الجواب:
فضيلة انه لم
يكن عبقريا .
وفي مواجهة
العالم كان
من دون شيء
ماخلا فطنة
غير المخدوع
وذكاء يسير
ومباشر, فضلا
على احترام
للقدرات
التي
يمتلكها
المرء,
والعمل الذي
يزمع القيام
به.. انه
ليس بعبقري!
يا له من
خلاص! يا له
من تشجيع! ذلك
إنه يهبنا
الإحساس أن
في وسع كل
منا ان يصنع
ما صنعه هو.
ان في وسعنا
فعله إذا ما
عقدنا العزم
على فعله,
وإذا ما
تنازلنا عن
الرياء الذي
يكفل لنا
الراحة, واذا
ما, لأسابيع
قليلة صرفنا
انتباهنا عن
الفريق
الصغير الذي
عادة ما
نتداول
الرأي معه,
وإذا ما
جازفنا بأن
نكون على خطأ
او قصور,
وإذا ما
نظرنا الى
الامور
ببساطة
ومباشرة.
«
(1) يروق
لنا الركون
الى مثل هذا
التقويم, او
حتى الى الظن
بإمكانية
الركون الى
تقويم كهذا
اليوم. ذلك
اننا لا
نحتاج فقط
الى الإيمان
بوجود شخص
ينطبق عليه
مثل هذا
الكلام, ولكن
ايضا الى
الثقة
بإمكانية
تكوين رأي
كهذا. بيد ان
قراءة اعمال
اورويل
نفسها, فضلا
عما أثارت
وما انفكت
تثير من ردود
فعل, تجعل
القبول بمثل
هذا الرأي من
قبيل
الإستسلام
الى الاماني
والهوى. وليس
هذا لأن
اورويل
خلاف ما
ينسبه اليه
ترلنغ. وإنما
لانه, وبحسب
تعبير
للناقد
الماركسي
ريموند
وليامز,
تهكمي
النبرة, أشبه
بحالة.
فهو لم يكن
محض كاتب
انتج سلسلة
من الكتب
وفقا لجملة
من
المواصفات
الشخصية
والاخلاقية
امتاز بها(2).
وليس ادل
على ذلك
من حقيقة ان
ناقدا
محافظ
النزعة شأن
ليونيل
ترلنغ يرى
في اورويل
صورة للنظر
والتعبير
المباشرين
والصادقين,
في حين أن
وليامز,
اليساري,
والذي من
المفترض ان
يشاطر
اورويل
ولاءاته
السياسية
لهو من أشد
النقّاد له.
فوليامز يرى
بأن اورويل
لهو محض
؛تشخيص ناجح
للرجل
الواضح الذي
يلتقي
بالتجربة على وجه
غير مدبر,
ومن ثم فإنه
ببساطة يفضي
بالحقيقة
حولها.
«(3) وليس
من المصادفة
ان يكون
وليامز من
أقسى
الناقدين
لأورويل. ففي
بعض اهم
اعماله,
واشدها
جدالية, أتى
اورويل من
الآراء ما
جعله موضوع
هجوم منتظم
لمختلف
أتباع
اليسار, وفي
الوقت نفسه
مخل صا
ومبشرا
بالنسبة
لبعض
اليمينيين
باعتباره
اليساري
الذي, في
النهاية,
أبصر نور
الحقيقة(4).
بيد ان لا
توظيف
اليمين له,
ولا هجوم
اليسار عليه
وحدهما ما
يعوق الأخذ
بتقدير شأن
تقدير ترلنغ.
لكنه الوعي
ايضا بضرب
من النقد
يستوي على
اساس جملة
من المعطيات
والفرضيات
في مناهج
القراءة الم
حدثة. وتبعا
لهذا الضرب,
الساعي الى
سوق تفسير
لتناقضات
اورويل لا
يقف عند حدود
مضامين
كتاباته فقط,
فإنها (أي
هذه
التناقضات)
لا تحول دون
تقدير
كتقدير
ترلنغ- في
النهاية فإن
ما يقوله
الناقد لا
يتعارض مع
وجود
التناقضات
وإنما
يبررها- غير
انها تبي ن
لنا ان قراءة
هذه الاعمال
باعتبارها
تمثيلا او
تعبيرا عن
جملة من
المواصفات
الجمالية
والاخلاقية
للمؤلف لهي
قراءة تستوي
على افتراض
وجود صوت
واحد ينطق
بما يتكو ن
منه النص من
علامات. مثل
هذا
الافتراض,
وبالتالي
القراءة
التي تستند
اليه,انما
يحول دون
فهم
التناقضات
المعنية
باعتبارها
نتيجة
منطقية للغة
وسياسية
وايديولوجية,
ويؤدي الى
الإكتفاء
بإحالتها
الى ضعف في
الشخصية
وإنعدام
التماسك
والانسجام,
او بالضرورة
الى عفوية او
استعداد
فطري الى
المجازفة في
سلك اي سبيل
على امل بلوغ
الحقيقة. (5)
غياب
الانسجام: انه
لفي ضوء
اعتراضات
كهذه يبدو
جورج اورويل
بالكاتب
الذي لا يسع
القارىء
استساغة كل
ما كتب من
دون ان
تساوره
الشكوك حول
طبيعة
اهتماماته
الادبية
وولاءاته
السياسية
ومعاييره
الجمالية
عموما .
فالانسجام
او التوافق
الذي يحرص
بعض الكت اب
على ضمانه,
او مراعاته
مراعاة
صورية, الى
حد إخضاع
انفسهم
لنظام صارم
في الكتابة
والنشر لهو
آخر ما تفصح
عنه اعماله.
وليمكننا
القول انه لو
لم يو قع بعض
كتاباته
باسمه
لاختلط
الامر على
قارئه
ولواجه
المختصون
بأدبه صعوبة
جم ة في
البرهنة على
انه كاتبها.
فثمة, على
سبيل المثال,
اكثر من مبرر
واحد للشك في
ان مؤلف
رواية »ابنة
الكاهن«
لهو نفسه
مؤلف رواية »مزرعة
الحيوان«
. وليس مرد
هذا الشك الى
الفارق
البارز ما
بين موضوعي
الروايتين
فحسب, وإنما
ايضا الى
الهوة
العميقة
التي تفصل ما
بين التقنية
السردية او
القاموس
اللغوي
المستخدم في
كل منهما
وايضا للموقع
الذي يحتله
الكاتب في
كلتيهما.(6)
وهذا
امر ينطبق,
من دون شك,
على عدد وافر
من الكتاب,
بيد انه في
ما يتعلق
بأورويل
يتجاوز حد
الاستجابة
الى شطحة تلم
بالكاتب
فيمضي الى
إنتاج ما قد
يفتقر الى
قاسم مشترك
مع كتاباته
السابقة او
لما هو مألوف
ومتوقع منه.
فمن غير
اليسير
تحديد ما هو
مألوف او
متوقع من
كاتب شأن
اورويل تردد
ما بين
اساليب
وإهتمامات
متضاربة بما
يجعل محاولة
إدراج كتبه
في خانة
واحدة
محاولة
معدومة
الدقة. وعلى
رغم ان
اورويل كان
واعيا
لحقيقة
كهذه- وكان
يدرك بأن في
كتاباته
اللاحقة ما
يؤدي الى
انفضاض
قراء
اعماله عنه,
خاصة,
المعجبين
بهذه
الاعمال- الا
انه سعى
الى رؤية
انتاجه في
سياق نظام
ينتظمه. في
مقالة »لماذا
أكتب?
«
يحدد
الكاتب
الانكليزي
دوافع اربعة
للكتابة
عنده, هي
بمثابة
الدوافع
الكامنة خلف
جل ما
كتب. فهناك,
اولا
»الرغبة
في ان تبدو
ذكيا وموضع
اهتمام
الآخرين«
(7). ومثل هذه
الرغبة حضته
في سن مبكرة
على اختيار
الكتابة
كسبيل
للخروج من
عزلة
الطفولة
والظفر
باهتمام
المحيطين به.
وهناك, ثانيا
, الرغبة في
التعبير عن
مقدار »ادراك
الجمال في
العالم
الخارجي ,
وفي كيفية
إدراج
الكلام في
ترتيب ما«.
ومثل هذا
الدافع افضى
به, في
اعماله
المبكرة, الى
توسل بلاغة
متكلفة, او »لغة
وردية«,
على حد
تعبيره. اما
الدافع الثالث
فهو رؤية »الاشياء
كما هي عليه«
وإيجاد »الحقائق
وايداعها
لكي تستفيد
منها
الاجيال
القادمة«.
ولربما هو
التفسير
الأقرب
لإصرار
الكاتب على
التنبه
والتنبيه
الى عيوب من
كان في صفهم
او من كانوا
موضع تعاطفه.
لذا فعلى رغم
مناوأته
للإستعمار
البريطاني
للهند الا
انه لم يغفل
عن الفظائع
التي
اقترفها بعض
ابناء الهند
بحق بعضهم
البعض. وعلى
رغم تعاطفه
مع عمال
المناجم في
؛ويغين بيير«
الا انه
لم يتوان عن
التنبيه الى
ميولهم
العنصرية(8).
اما مواقفه
من اليسار,
وتحديدا
صحافة
اليسار, فذلك
ما جعله
الكاتب
الجدالي
الذي اجاز لكل
من اليسار
واليمين
التبرؤ منه
مرة وتبنيه
مرة اخرى. بيد
ان الدافع
السياسي
عنده, هو
الدافع
الرابع
والاخير, لا
يقل وضوحا
عن دوافع
الكتابة
الأخرى: »الرغبة
في ان تدفع
العالم
باتجاه محدد,
وان تبدل
فكرة
الآخرين عن
المجتمع
الذي ينبغي
ان يكافحوا
من اجله«. وعلى ما
يزعم فقد رست
كتاباته في
الأعوام
الاخيرة من
حياته, خاصة
فيما يتعلق
من بالغرض
السياسي,
استجابة
لدافع كهذا
الا انه يعود
ويرفقه
بجملة من
التصورات
حول علاقة
الادب
بالسياسة
مخالفة
للأطروحات
الشائعة في
زمنه. فخلافا
للقول
بضرورة
الفصل ما بين
الجمالي
والسياسي,
وهو القول
الذي كان ما
ثيو ارنولد
ارسى دعائمه
منذ منتصف
القرن
التاسع عشر,
و تكفل
برواجه
وسيادته نق
اد بمنزلة ت.س
إليوت و ف.ر
ليفيز, مضى
اورويل الى
المحاجة بأن
ما من كتاب
يخلو بصورة
اساسية من
انحياز
سياسي, بل
وان الرأي
القائل انه
لا ينبغي على
الفن ان
يرتبط
بالسياسة
لهو موقف
سياسي اصلا .
بيد ان هذه
المحاجة لم
تأت بغرض حض
الكت اب على
إيلاء
السياسة
قسطا اوفر
في اعمالهم,
وانما على
الارجح
دفاعا
عن »فنية«
اعماله هو
نفسه, خاصة
وانه لم ينفك
يزعم بأن كل
سطر خطه, في
اي من اعماله
الجادة »كتب
بشكل مباشر
او غير مباشر
ضد
التوتاليتارية
وفي سبيل
الإشتراكية
الديمقراطية.
«
وانه بقدر ما
يعي الكاتب
طبيعة ولائه
السياسي
بقدر ما يفلح
في النشاط
السياسي,
ولكن دائما
من دون
التفريط
بإلإستقامة
الفكرية
اوالعناية
الجمالية: »قصارى
ما اردت
القيام به في
الاعوام
العشرة
الاخيرة هو
ان اجعل من
الكتابة
السياسية
فنا«. يجوز
القول في ضوء
تصريح كهذا
ان تجربة
الكاتب,
بالنسبة
اليه على
الاقل, لم
يشبها
التباس كبير
والا لما
كان أفلح في
رسم معالمها
على هذه
الصورة
الواضحة. فهو
يقسمها الى,
اولا :
كتابات
مبكرة
تتأرجح ما
بين
الاستجابة
لنية بأن
يكون كاتبا
والرغبة في
تجسيد ما هو
جمالي
في العالم
واللغة. ثانيا
, كتابات
ناضجة هي تلك
التي سعى من
خلالها الى
تحويل
الكتابة
السياسية
الى فن, ولكن
بما ي تاح له,
في الوقت
نفسه,
الاعراب عن
ولائه
السياسي (ضد
التوتاليتارية
ومع
الاشتراكية
الديمقراطية)
ومن دون
التضحية بما
هو فني . لكن
اذا ما صدق
الزعم
بأن الامور
من الوضوح
الذي يزعمه
الكاتب-
وايضا
القراء
الذين
يصادقون على
ما تقول به
اعماله, شأن
ترلنغ على
سبيل المثال
لا الحصر-
فلماذا
لا يزال
موضع اخذ ورد?
بل وهل كان
يحتاج الى »مانيفستو«
كهذا الوارد
في مقالته
القصيرة,
ما لم
يساوره الشك
بأنه بالفعل
قد تقلب ما
بين اساليب
وتقنيات
متباينة وعب
ر عن مواقف
سياسية
متضاربة? قد
لا تكون
محاولة
اورويل
الى إضفاء
انسجام على
اعماله الا
من باب الرد
على نق اده
الذين ما
انفكوا
يتهمونه
بالتناقض,
لكنها قد
تنطوي على
طموح اسمى
ايضا . فعلى
ما يرى
ستيوارت هول,
الناقد
الماركسي
المختص
بشؤون ما ي
عرف ب-؛الدراسات
الثقافية«
فإن اورويل
كان يفكر على
الدوام
بالاسئلة
الكبيرة,
المثيرة
للقلق, في
عصره محاولا
ان يدو ن
ويشرح
الضغوط
المتضاربة,
والناجمة عن
ان تكون
إشتراكيا
على احد
مفترقات
التاريخ. لذا
فإن اعماله »لا
تحمل نظرية
وانما تعبر
عن تفكير
فحسب.
«
(9) وإن
افتقار
مواقف
اورويل الى
نظرية لهو
موضوع بحث
واتهام عدد
من النقاد
الماركسيين
وبعض اتباع
المدارس
النقدية
الاوروبية (اي
غير
الانغلوفونية),
امر سنتطرق
اليه في
حينه. المهم
في هذا
المقام انه
في ضوء ما
يقوله هول,
فإن محاولة
اورويل في
المقالة
المشار
اليها سابقا
, انما تبدو
اقرب الى
محاولة الى
تطوير وصوغ
نتاج »تفكيره«
في مسائل
مختلفة على
صورة نظرية
او ما هو
قريب الشبه
بالنظرية.
لقد
أولى اورويل
الثقافة
الشعبية
اهتماما
جديرا
بالملاحظة,
والتقدير
ايضا .
وبخلاف جل
كتّاب
وادباء عصره
الذين نظروا
بعين
الاحتقار
الى المجلات
الفكاهية
وروايات
المغامرة
والاثارة,
كتب اورويل
بعضا من
اهم مقالاته
حول مظاهر
الثقافة
الشعبية
الحديثة. بيد
ان عنايته
بهذا
الميدان,
وعلى رغم
الملاحظات
الثاقبة
التي اظهرها
فيها, قصرت
في النهاية
عن الارتقاء
الى مستوى
الفهم
النظري
لموقع مثل
هذه الثقافة
في المجتمع
الصناعي
الحديث. فهو
كأي كاتب
مقالة
نموذجي ي عنى
بالظاهرة
ليس كإعراب
عن تصوّر
نظري قائم,
وانما
قصارى ما
كان يعنيه من
امر الثقافة
الشعبية,
انها موضوع
تدوين او
تعليق ورأي.
فإذا ما
ربطنا ذلك
بما تنم عنه
كتاباته
بالإجمال من
ضيق وشك, ان
لم نقل عداء,
لما هو نظري
او فكري
مجرد, أيقنا
انه على رغم
من اقبال
الكاتب على
احتضان
مبادىء
وافكار
سياسية,
مستمدة
اصلا من
فهم نظري
ماركسي
ويساري
عموما , الا
انه ما كان
ليتردد او
يجد صعوبة في
لفظ
المبادىء
والافكار
حينما
يتبيّن له,
من خلال
التجربة
ووعي »الحس
المشترك«
(وهما
مقياساه
الحاسمان في
جل الامور)
إستحالة
تحققها. ولقد
كانت
الملاحظة
والتجربة,
فضلا على
التسليم بـ»الحس
السليم«,
المصادر
الرئيسية
لمعرفته,
وبالتالي
لأحكامه. مثل
هذا الكلام
قد يجيز
النكوص الى
تصور يقلل من
شأن
التناقضات
التي ما انفك
البعض
يثيرها,
ويتخذها
ذريعة
للهجوم عليه,
وبما يسوغ
لنا في
النهاية
الركون الى
تقويم من
قبيل تقويم
الناقد
الاميركي
ليونيل
ترلنغ. فيجوز
لنا القول ان
اورويل اراد
الكتابة منذ
البداية
طلبا للخلاص
من عزلة
الطفولة
وحرمانه من
اهتمام
واقبال من
يحيطون به
عليه. ففي
كتاباته ثمة
رغبة اولية
في مخاطبة
القارىء,
تسبق فعل
الكتابة,
وبما هي
واسطة
المخاطبة,
وتقاوم خطر
الذوبان
في هذه
الواسطة. بيد
ان هذه
الواسطة ما
انفكت تثقل
فعل
المخاطبة
المنشود
بقيودها
وتلفيه
مشتتا
ما بين
مكوناتها
الداخلية
وعناصر
إستيفائها
شأن
الاختيار
المسبق
للشكل او
مصادر
التأثر
وامكانيات
التأثير,
والى ما
هنالك. كان
اورويل
الكاتب الذي
يستقي مادته
من الملاحظة,
مما يحسه
ويخبره
ويشهده. وهذا
ما جعل
اعماله غير
القصصية شأن »متشرد
في باريس
ولندن«
و»الطريق
الى ويغن
بيير«
و»تحية
الى
كتالونيا«,
بالاضافة
الى مقالاته
وتعليقاته
الصحفية,
تبدو انجح في
إستيفاء
شروطها من
اعماله
القصصية, اي
المتخيلة
المصدر, لا
سيما تلك
التي كتبها
ما قبل الحرب
العالمية.
ولا غلو في
القول بأن
اورويل , كان
احد روّاد
ذلك الشكل
الادبي
الهجين
المعروف بـ»الصحافة
الجديدة«
والذي ازدهر
في الولايات
المتحدة في
الستينيات,
وعلى يد
طائفة من
الروائيين
والصحفيين
الامريكيين
ذائعي الصيت.(10) ولكن
جريا على
العرف
الادبي الذي
يحدد
الكتابة
الادبية
بالاشكال
المتخيلة
المصدر, شأن
القصة
والرواية,
ومن ثم يحدد
الاديب تبعا
لمزاولته
هذه الاشكال
من الكتابة,
فإن اورويل
الممعن في
السبيل الذي
يجعله اديبا
, اقبل يصوغ
ما هو مصدر
ملاحظة
فعلية
وكأنها مادة
متخيلة
وتبعا
لما تقتضيه
من تدابير
تعبيرية
اتضح له انه
لا يحسن
الاستجابة
اليها او
التحكم بها
على خير وجه(11).
على هذا أ
ثقلت
الكتابة
بوسائط
المتخيل, وما
جعل سبيل
المخاطبة
بالتالي
محكوما
بوساطة
الكتابة, وما
تقتضيه من
حيث البدء,
وبوساطة
الادب
المتخيل
الذي من
خلاله
فحسب, تبعا
للعرف
السائد, يكون
الكاتب
اديبا . ولا
يقتصر هذا
الامر على
رواياته
المبكرة
تحديدا ,
وانما على
بعض اعماله
غير القصصية.
مثلا كتابه
الاول »متشرد
في باريس
ولندن«
يتوزع على
لونين من
السرد
متباينين:
الاول ينعدم
فيه ادنى اثر
للمؤلف, حتى
لتكاد تحس
بأنك تقرأ
رواية من
الروايات
الواقعية
التقليدية,
اما الآخر
فيصل فيه
حضور الكاتب
الى حد ويبدو
أشبه بمحلل
ومرشد وواعظ
معا . ولعل في
هذا ما يدل
على ان
اورويل حاول
استرضاء
صوتين او
ميلين
متنازعين
عنده. الى
ذلك يمكن
الكلام على
عامل آخر
أعاق سبيل
الرغبة
المذكورة في
المخاطبة, اي
مزاولة
الصحافة
الادبية
كمصدر للرزق.
وبما ان كتبه,
خاصة في
بداية حياته
ككاتب, لم
تكن تدر عليه
من الدخل ما
يكفيه غائلة
العوز, فلقد
اضطر الى ان
ينتج
وبغزارة,
ولصالح
مطبوعات,
لولا الحاجة
لما كان
ليدنو منها.
وكان من
حصيلة هذا
العامل ذلك
التفاوت
البي ن ما
بين مقالاته
الكلاسيكية
وكتاباته
الصحفية
عموما . مفارقة
المنفى: بيد
أن مثل هذا
التأويل, وان
صح على
بعض كتابات
اورويل, او
حتى جل ها,
فإنه ليبدو
ادنى بكثير
من الإرتقاء
الى مستوى
الإرث »الاورولي«.
وهذا الارث
لا يتكو ن من
كتابات
اورويل فحسب
وانما ايضا
من ردود
الفعل التي
اثارتها ومن
الجدل الذي
اطلقته, ومن
ثم النتاج
الفكري الذي
نشأ عنها
وامسى
بمثابة احد
الاسهامات
الفكرية
المهمة في
الثقافة
السياسية
للقرن
العشرين. فلا
يمكن
الكتابة عن
اورويل من
خلال رد
اعماله الى
جملة من
الفرضيات
التقنية او
العوامل
الشخصية,
اوحتى
الثقافية
بالمعنى
المحدود
للكلمة-
بكلمات اخرى
أوضح, لا
يمكننا
الكتابة عنه
متجاهلين
ردود فعل
ومواقف
وتعليقات
وتأويلات
مثقفين شأن
ليونل ترلنغ
و رايموند
وليامز, ولكن
ايضا ادوارد
تومسن
وايرفنغ هاو
واسحق
دويتشر
وسلمان
ورشدي
وادوارد
سعيد
ورتشارد
رورتي
وغيرهم.
وهذا ما
يعود بنا الى
التساؤل عن
سر التناقضات
التي انطوت
عليها اعمال
اورويل, وما
جعل من
العسير, من
ثم الركون
الى تقويم له
شأن ترلنغ.(12) يعزو
رايموند
وليامز
التضارب (او
المفارقات,
على ما يؤثر
القول) الذي
وسم اعمال
اورويل الى
جملة من
الثنائيات
ما كان
في وسعه
التنصل منها(13).
فلقد توزع
ما بين
الكتابة في
سبيل
المضمون
والكتابة في
سبيل اللغة,
ما بين
الكتابة
الابداعية
والكتابة
الصحفية
والوثائقية,
ومن ثم ما
بين الكاتب
كمنتج سلعة
يلبي حاجة
جمهور
استهلاكي, او
صورته كفنان
لا يحفل بمن
سيقرأ
اعماله بقدر
ما يعنيه صدم
الجمهور
والإعراض
عنه. لذلك
تراه لا
يتورع عن
الاسراف في
الشكلانية
وتوسل ما هو
غير مألوف. لكن
رغم ان
وليامز يميل
ايضا الى
التمييز ما
بين »الكتابات
المبكرة«
و»الكتابات
الناضجة«
عند اورويل,
الا انه
حينما يصل
الى مواقفه
السياسية,
فإنه يرى ان
من المحال
التمييز
بينها تبعا
لخط زمني -
وهو التمييز
الذي ما انفك
البعض يقيمه
ما بين
كتابات
اورويل ما
قبل تجربته
في الحرب
الاهلية
الاسبانية,
ومن ثم كتابه
»تحية
الى
كاتالونيا«,
وما بعدها.
وعلى ما
ينبري
وليامز فثمة
من الدلائل
ما يسوّغ
اعتبار
اورويل في
غير مرحلة من
مراحل حياته
كإشتراكي
ورجعي في
الوقت نفسه.
فلقد كان
معاديا
للإستعمار,
في اوائل عقد
الثلاثينيات,
ما دفعه الى
الاستقالة
من عمله في
سلك البوليس
الامبريالي
في بورما.
وكان
الاشتراكي
وكاتب
المقالة
المتطرف في
اواخر
الثلاثينيات
والاربعينيات,
بيد ان وتائر
الهزيمة,
وصورة ذلك
الرجل
المتعفف,
المنعزل,
والذي افلح
في تبص ر ما
هو أبعد من
الدعاوى
الاشتراكية
والخرافات
الرائجة
بشأن
انكلترا, لا
تغرب عن افق
كتاباته
وحياته. الى
ذلك فلقد كان
الثوري
الخائب
الرجاء في
عقد
الاربعينيات,
والذي ما
انفك يشيع
تصورا
لمفهوم
التقدم
باعتباره
محض شكل من
الاحتيال
والثورة
مجرد هزيمة
متواصلة. غير
ان هذه
الصورة لا
تصمد طويلا
اذا ما
أضفنا بأن
اورويل كان
في قلب
اليسار,
صحفيا
في المجلة
اليسارية »تربيون«
ومدافعا
ليس فقط عن
ضحايا
ستالين
وإنما
الحريات
العامة
لكافة
مواطني
ورعايا
الامبراطورية
البريطانية. ويخلص
وليامز الى
انه من غير
المجدي
تقديم وجه
واحد
لأورويل
باعتباره »الوجه
الحقيقي«
وما عداه محض
اعراض عابرة.
ان ما هو
مثير
للإهتمام
حقا ان
اورويل كان
جامعا
لتلك
التناقضات
كافة, غير ان
وليامز
يقترح
سبيلين
للإحاطة
بهذه
التناقضات:
الاول, من
خلال النظر
اليه كرجل
يعاني من
أزمة هوية. ففي
سيرته ما يدل
على انه حاول
التبرؤ من
اصوله
الإجتماعية
والاستعاضة
عنها بأخرى.
ولعل في
النزوع
المبكر الى
إدانة
إنتمائه
الاجتماعي (الطبقي)
ما يس ر له
لاحقا
التبرؤ من
المواقع
الاجتماعية
والسياسية
التي انتمى
اليها وتبن
اها, ومن ثم
الكتابة
عنها بإسلوب
مباشر وصريح
ينم عن ميل
الى الكشف
والفضح. ولكن بما ان محنة اورويل لم تكن محض محنة شخصية الطابع, فإن معرفة الظروف التاريخية التي عاش بين تقلباتها, وكان عقدا الثلاثينيات والاربعينيات كثيري التقلب, لهي السبيل الثاني الى فهم تناقضاته او المفارقات التي انطوت عليها اعماله ومواقفه السياسية. وهذا ما يوجب التعرف على طبيعة النظام الرأسمالي في حقبة الثورات الاشترا |